البيت مش لوكاندة
البيت مش لوكاندة
أهل جوزك مستنيين مائدة عامرة، بس أنا قفلت البيت وطلعت على الساحل!
ما تنسيش تجيبي الفراخ يا منى، ماما بتحبها، صدى صوت هاني جاي من الطرقة، مخلوط بصوت خبط الجزمة وهو بيلبسها مع نهجة وتأفف. واعمليها بالتوم زي المرة اللي فاتت، بس والنبي افرمي التوم ناعم خالص عشان بيعملها حموضة.
كانت منى واقفة قدام حوض المطبخ، إيديها غطسانة في المية السخنة والصابون. فيه طاسة في قاع الحوض بتدعك فيها بقالها خمس دقايق، بتمشي السلكة بآلية في نفس المكان وهي سرحانة. صداع رخم بيخبط في دماغها، وۏجع ضهرها مخلّيها حاسة إن فيه حِمل تقيل مربوط في وسطها... بقلم مني السيد
هاني.. فراخ إيه؟
سألت بهدوء وهي لسه مدياله ضهرها. إحنا مش اتفقنا إن الويك إند ده راحة؟ كان المفروض هنطلع على الشاليه في الساحل نِشم شوية هواء، وكنت عايزة أزرع كام شتلة ورد في الجنينة اللي قدام البيت.
ظهر جوزها عند باب المطبخ، لابس قميصه الصيفي وبيشخلل مفاتيح العربية بنرفزة
يا منى، رجعنا تاني للنغمة دي؟ ماما كلمتني امبارح بالليل وأنتِ نايمة، وقالت إنها جاية هي وسحر والولاد. مش قادرين يتنفسوا في القاهرة والجو حر ڼار.. دول أهلي يا منى، عيلتي! أقولهم إيه يعني؟ ما تجوش عشان مراتي عايزة تزرع ورد؟
هما خمسة يا هاني، قفلت منى الحنفية أخيرًا ونشفت إيديها في الفوطة. خمسة.. وإحنا
اتنين، يعني سبعة بني آدمين. عايزين أكل وشرب وسرير يتفرش، وبعد ما يمشوا أنا اللي هلم وأغسل. أنا بشتغل محاسبة خمس أيام في الأسبوع، من تمانية لخمسة، وضغط تقفيل الميزانية فوق دماغي.. أنا تعبانة.
هاني نفخ بضيق ورفع عينه للسقف، الحركة دي كانت منى بتكرهها أكتر من أي حاجة في الدنيا؛ لأن فيها استعلاء وكأنه بيبص لطفلة نكدية بتتدلع من غير سبب.
يا ستي ما تعمليش دراما، هو إيه اللي هيتطبخ يعني؟ شوية سلطات وصينية فراخ في الفرن.. وبعدين سحر أكيد هتساعدك، هي برضه ست بيت وعارفة الأصول.
سحر المرة اللي فاتت كل اللي عملته إنها خلصت إزازة البيبسي
والباتيه اللي كنت شايلاه، ونامت على الشيزلونج في الهوا، وسابت ولادها يدوسوا على شتلات الفراولة اللي كنت لسه زرعاها، صوت منى كان بيتهز، بس ضغطت على نفسها عشان تفضل هادية. هاني، أنا بجد مش قادرة أقضي اليومين دول قدام البوتاجاز.. ما تيجي نطلب أكل جاهز؟ دلوقتي كل حاجة بتتوصل، نجيب مشويات، فطائر، أي حاجة.
هاني بصلها ببرود وقال أكل دليفري لماما وسحر؟ يقولوا عليا إيه؟ مش فاتح بيت؟ اتصرفي يا منى، مش عايزين مشاكل. وسابها وخرج وقفل الباب وراه بقوة.
في اللحظة دي، منى بصت للطاسة اللي في إيدها، وبعدين بصت للشنطة اللي كانت مجهزاها للساحل. فجأة، الصداع هدي، وۏجع ضهرها
كأنه اختفى
مع قرار سريع نبع من قمة التعب.
ساعتين بالظبط، كانت الشنط في العربية، والبيت متقفل بالتراباس، والموبايل وضع طيران. وهي سايقة في طريق الصحراوي، شافت مكالمات هاني بتبدأ تنور الشاشة.. ابتسمت وهي بتفكر في شكلهم وهما واقفين قدام باب الشقة المقفول ومعاهم الخمسة، بينما هي رايحة تزرع الورد وتستجم في الهدوء اللي تستحقه متوفرة على روايات و اقتباسات.
بمجرد ما قفل هاني الباب، منى حست إنها مش قادرة تتنفس. بصت لورقة الطلبات اللي سابها على الترابيزة، كانت ليستة مالهاش آخر عرق تلتبيانكو، خضار للشوي، سوسيس مدخن ماركة معينة، فواكه لولاد سحر، بونبوني مخصوص لماما، عصاير، ومية معدنية..
. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
سندت منى راسها بين إيديها وهي قاعدة على الكرسي. عندها ٥٢ سنة، قضت معظمهم وهي بتحاول تكون الست المثالية؛ الزوجة الشاطرة، والكنة الأصيلة، وست البيت اللي بيتها مفتوح للكل. الشاليه اللي بنوه في الساحل كان حلمها إنه يكون عش هادي، مكان تشرب فيه القهوة وهي باصة للبحر وتسمع صوت الموج. لكن فجأة، وبدون مقدمات، الشاليه اتحول ل لوكاندة مجانية لأهل جوزها. حماتها الحاجة فوزية شايفة إن من حقها تروح كل أسبوعين، وأخت جوزها سحر بتتعامل مع المكان إنه حضانة ترمي فيها ولادها الأشقياء يهدوا حيله، وهي تقعد تتشمس. بقلم مني السيد
طول اليوم في المكتب، منى ما عرفتش تركز في الحسابات.
الميزانية داخلة في بعضها وصورة الليستة مش بتفارق خيالها. وعلى الغدا، تليفونها رن.. كانت سحر متوفرة على روايات و اقتباسات
يا منمون، أيوة يا حبيبتي! صوت سحر كان فيه نبرة الآمر الناهي المغلف بالدلع. بقولك إيه، أنا وماما كنا بنفكر.. ما تجيبيش عصاير معلبة لإياد، الدكتور مانع عنه السكر. اعمليله خشاف أو مية بليمون، وبلاش قراصيا عشان مش بيحبها، كترّي المشمشية بس.
سحر، أنا في الشغل، ردت منى بنبرة جافة وهي بتكتب على الكمبيوتر ب عصبية. ما عنديش وقت أعمل خشاف، أنا لسه هنزل ألف على السوبر ماركت بعد المكتب.
يا حبيبتي دي ما تاخدش وقت! حطي كله في الحلة وغلوة واحدة وخلاص. آه،
وصحيح، ماما بتسلم عليكي وبتقولك عايزين فسيخ ودلع بقى، بس هاتيه من حد مضمون مش من السوبر ماركت. يالا يا روحي، نتقابل السبت على الضهر عشان نتغدى علطول.. باي!
السكة قفلت. منى بصت للشاشة اللي بدأت تزغلل قدامها. حست ببرود غريب بيسري في جسمها، مش حزن، دي كانت شرارة ڠضب هادية ومركزة.
بعد الشغل، راحت الهايبر ماركت ونفذت الطلبات حرفياً. العربية اتملت لحمة وفراخ ومنظفات وفواكه. لما وقفت عند الكاشير، الرقم اللي ظهر على الشاشة خلاها تبلع ريقها بصعوبة. الحافز اللي كانت شايلاه عشان تجيب بيه بۆت جديد للشتا، كله راح في شنط الأكل دي.
هاني جه خد الشنط، رماهم في شنطة العربية وباسها
من خدها وقال أنا
هسبقك على هناك عشان أولع الشواية وأظبط القعدة. ومنى حصلته في الستامين الميكروباص المكيف لأن العربية ما كانتش هتكفيها هي والشنط والزرع اللي كانت ناوية تزرعه.
وصلت الشاليه مع المغربية. لقت هاني قاعد في التراس وبإيده كنز بيبسي وبيتفرج على فيديوهات على الموبايل، وشنط الأكل زي ما هي مركونة في الصالة ما اتفتحتش.
هاني، ليه ما حطيتش اللحمة في التلاجة؟ الجو حر وهتبوظ.
يا منى أنا لسه قاعد! هديت حيلي في توضيب الكراسي.. شيليها أنتِ بقى، وبالمرة تبليها عشان ما نضيعش وقت بكرة.
دخلت منى المطبخ في صمت. طلعت اللحمة، والسکينة كانت تلمة لأن هاني نسي يسنّها كالعادة. بدأت تقطع البصل، والدموع نزلت من عينها.. مش من البصل، لكن من فكرة إن بكرة هيكون قطعة من الچحيم.
الساعة بقت ١١ بالليل. اللحمة اتتبلت، والبطاطس اتقشرت، وعجينة كيكة العسل اللي حماتها بتعشقها كانت لسه بتستنى دورها في الفرن. منى قعدت على الكرسي، إيديها ريحتها توم وتوابل، وضهرها پيتحرق من الۏجع.
طلعت موبايلها، وجابت رقم مديرة دار الاستجمام في مرسى مطروح،
اللي زميلتها مدام نيفين حكت لها عنه.
ألو.. أيوة يا فندم. أنا منى عبد الرحمن. كان عندي حجز بعد أسبوعين، بس كنت عايزة أعرف لو فيه غرفة فاضية من بكرة الصبح؟
ثواني يا فندم.. تمام، فيه حد لسه لاغي حجز غرفة سينجل. تقدري تنورينا.
تمام، أنا جاية الصبح.
قفلت السكة وقلبها بيدق في زورها. بصت لطبق العجين، ولحلة اللحمة، ولجبل المواعين. قامت غسلت إيدها ودخلت الأوضة. هاني كان نايم وبيشخر بسلام. في هدوء تام، حضرت شنطة صغيرة تريننج، تيشيرتين، جزمة مريحة، ومايوه للمصحة، وكريمات الوش. خدت بطاقتها وفيزت البنك، ورجعت المطبخ.
ما خبزتش الكيكة، العجينة رمتها في الژبالة. سابت البطاطس في المية، وحطت اللحمة في التلاجة. ما غسلتش المواعين. وجابت ورقة وقلم وكتبت تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
هاني.. ماما عايزة فراخ، وسحر عايزة خشاف، والولاد محتاجين فوط نظيفة. كل الطلبات في التلاجة، ووصفة الكيكة في كتاب الطبخ عندك. الشواية جاهزة.. أنا طلعت على الساحل أعمل استجمام وراجعة كمان ١٠ أيام. ما تدورش عليا، موبايلي هيقفل. ويك إند سعيد.
الصبح
الساعة ٦، كانت في الميكروباص اللي رايح مطروح. ولأول مرة من سنين، منى قدرت تتنفذ. موبايلها رن الساعة ١٠ الصبح.. أكيد هاني صحي.
منى! إيه الهزار البايخ ده؟! صوت هاني كان طالع منه شرار. ورقة إيه ومصحة إيه؟ أنتِ فين بالظبط؟
أنا في الطريق يا هاني، طالعة أستجم بفلوسي اللي تعبت فيها.. الحجز مدفوع والقرار اتخد.
أنتِ اټجننتي؟! أمي وسحر في السكة، فاضلهم نص ساعة ويوصلوا! مفيش حاجة جاهزة! فين الكيكة؟ فين السلطات؟ والمواعين دي إيه؟!
لأني نمت يا هاني، ردت بمنتهى البرود. أنت راجل كبير، وسحر ست بيت شاطرة، وماما مش عاجزة. اللحمة في التلاجة والسکينة
عندك سنّها واطبخوا لنفسكم.
أنتِ بتهينيني قدام أهلي! هما ضيوفنا!
لأ يا هاني.. أنت في بيتك، وأنا تعبت أكون الخدامة اللي بتضايفكم. سلام، الموبايل هيفصل.
قفلت السكة وشالت الشريحة خالص.
ال ١٠ أيام كانوا جنة. غابات، بحر، مساج، وأكل صحي من غير تسبيك ولا مواعين. ولأول مرة، منى ما حستش ب ذنب.
لما رجعت البيت بعد ١٠ أيام، لقت الشقة ريحتها بيتزا دليفري وهدوم مش نظيفة. هاني
كان قاعد وشكله مبهدل.
منى.. أنتِ جيتي؟
أيوة يا هاني. حمد لله على سلامتي.
حاول يضمها، بس اتنحت بلطف. حكى لها إن الويك إند كان کاړثة. اللحمة اتحرقت، وسحر رفضت تساعد عشان المانيكير، وحماتها قعدت تدعي عليها وتقول إنها زوجة غير صالحة، وفي الآخر قفشوا على بعض وسابوا الشاليه ورجعوا في تاكسي يوم السبت بالليل.
شوفت يا هاني؟ السلطة مش بتتقطع لوحدها، والبيت مش بينظف بكلمة يا مسهل.
أنا فهمت يا منى.. والله فهمت. بس ماما محلوفة ما تدخل البيت هنا تاني غير لما تعتذري.
يا فرج الله! منى ردت وهي بتشرب شايها بوقار. ده معناه إن الويك إندز اللي جاية كلها هدوء، لأني مش ناوية أعتذر.
طلعت على الحمام وسابته يلم كراتين البيتزا ويغسل المواعين.
الحياة بدأت تتظبط. البيت رجع حصنها مش لوكاندة. المرة اللي بعدها لما راحوا الشاليه، راحوا لوحدهم. منى زرعت الورد، وهاني من سكات وقف هو يتبل اللحمة ويشوي ويغسل ورا نفسه النهاية بقلم مني السيد
لو القصة دي لمستك، ما تنسيش تعملي لايك وتشاركينا في التعليقات.. لو كنتِ مكان منى،
كنتِ هتعملي إيه؟


تعليقات
إرسال تعليق