القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الفلوس دي حقي



الفلوس دي حقي

 

الفلوس دي حقي وحق البيت!، صرخة أبويا هزت الشارع كله وهو بيطوح مفتاح الإنجليزي الحديد بكل غله في وشي، الموقف كله اتلخص في ثانية واحدة؛ فكي اتكسر في أربع حتت، وسناني اتمطرت على أسفلت الممر قدام البيت، وبين الوعي والغيبوبة، إيدي اتحركت لوحدها وصورت المنظر كله قبل ما عيني تغيب عن الدنيا، المشهد كان كفيل يخلي دكاترة جراحة الوجه والفكين يتجمعوا كلهم فوق راسي؛ أربعتاشر جراح بيعاينوا تقرير الاعتداء بآلة حادة وتشوه مستديم، وجريمة ضرب أفضت لعاهة متوثقة بالصور.

كل اللي حصل ده كان بسبب الفكرة اللي جات في بالي عشان ألم اللي باقي من ريحة أمي، وكنت فاكرة إني بعمل كده كرم مني، مكنتش أعرف إني برمي نفسي في مصيدة.

أمي ماتت بقالها تلاتة وعشرين يوم، بس البيت لسه ريحته هي؛ ريحة كريم الإيد اللي باللافندر في الطرقة، ريحة ملمع الخشب والنظافة اللي مالية المكان مع شمس العصر، وريحة بخور يوم الجمعة اللي لسه لابطة في فساتينها الميتة اللي واخدة شكل كتافها، على الأسبوع الثالث، الذكريات اتطفت وبقت مجرد فرز وتعبئة، في الأسبوع الأول كنت بلف في الشقة بورقة وقلم، بكتب المحتويات كأني بقيد حاجات في متحف محكوم عليه بالإعدام؛ طواجن البايركس، هدم الشتا، أباجورة الصالون، والغويشة الفضة المكسورة، وفي الأسبوع التاني مكنتش بكتب أجهزة، كنت بكتب حتت من عمري؛


طبق البايركس الأزرق اللي كانت بتعمل فيه بشاميل كل عيد، الإيشارب المشجر اللي جابتهولي وأنا راجعة من الكلية في المطر، وحصالة الفخار المكسورة اللي كنا بنشيل فيها فكة الطوارئ وصور المدارس، والمشروع اللي سهرنا عليه لحد الفجر وهي بتطبطب عليا وتقولي هتكسبى المركز الأول يا نادين لو اللزق نشف.

أختي دعاء ساعدتني أول سبت، عيطت شوية على كشكول وصفات الأكل بتاع أمي، وشربت سيجارة في البلكونة، وفضلت ماسكة الموبايل طول اليوم قبل ما تختفي بحجج فارغة ملقيتش فيها ريحة السند، وأخويا كريم جيه مرة واحدة بجزمة الشغل المتبهدلة شحم، خدني بالحضن بسرعة وبصوت مخنوق قال إنه زعلان، وقبل ما يدخل عليه الضهر، كان عينه على عِدد الشغل والكهربا اللي أمي كانت شايلاها في البلكونة، حمل الغالي منها في عربيتة وقال إنه محتاجها في شغل برة وهيعدي عليا بكرة، وطبعاً مظهرش تاني، أما أبويا فمتعبش نفسه حتى بالتمثيل؛ عيط بصوت عالي في العزا قدام الناس عشان يقولوا الراجل مكسور، ولم علب الأكل من ناس الحتة بإيديه الاتنين، وبعدها بقا يقضي أغلب لياليه في شقة الست اللي متجوزها في السر الناحية التانية من البلد، ويسيبني لوحدي مع أربعين سنة من عمر أمي، المرة الوحيدة اللي اتصل فيها كان بيسأل لو كنا بعنا خاتم أمي الكبير، مش دبلتها، ولا خاتم الخطوبة، الخاتم التقيل المحمل بس،

في ناس مبتزعلش على بني آدم مات، هي بتعمل جرد للورث اللي طلعوا بيه، ويسموا السرقة دي حقنا الشرعي عشان الكلمة التانية قبيحة.

عشان كده وقفت في الممر لوحدي يوم الأحد الساعة ستة الصبح، بجر التربيزات الخشب على الأسفلت والهوا لسه فيه نسمة ساقعة قبل ما الشمس تقلب نار، صوت حديد التربيزات وهو بيحتك بالبلاط عمل صرخة خلت سناني توجعني، ملمع الخشب كان لسه طالع من الشقة كأن أمي لسه صاحية بتنظف قبل ما تنزل، رتبت الفساتين باللون والنوع زي ما كانت بتحب، وحطيت دهبها الصيني في علبة قطيفة عشان ميبقاش مرمي بمهانة، وكنت ماسكة دفتر بكتب فيه كل حاجة زي ما كانت بتعمل في مصاريف البيت؛ الحاجه، تمنها، والفلوس اللي دخلت، خطها كان مايل للشمال، وخطي أنا مايل لليمين، التفاصيل الصغيرة دي كانت بتدبحني.

الناس بدأت تيجي ومعاهم أكياسهم وفصالهم اللي يوجع القلب؛ دي بكام؟، تاخدي فيها النص؟، مفيش حاجات تانية جوة الشقة؟، كانوا بيلمسوا حاجة أمي بإيديهم الباردة وأنا واقفة ببتسم بالعافية عشان البيع يخلص، وعلى العصر كانت كل حاجة طارت؛ الفساتين، سبت الخياطة، وحتى الديكور الفخار العجيب اللي كان على شباك المطبخ وكان بيعصبنا كلنا، اتقبض قلبي والست بتاخده وتدفع تمنه، تحت الكرسي بتاعي كانت في علبة حديد صغيرة فيها ألف وتمنمية وسبعة وأربعين جنيه، الفلوس دي كان ليها

غرض واحد بس، أمي اندفنت في مدافن العيلة بس مكنش معاها تمن الصدقة الجارية ولا الشاهد اللي يتكتب عليه اسمها، وقبل ما تتعب بست شهور، وإحنا راجعين من المستشفى، بصت من شباك العربية وقالتلي بالنص لو مت قبله، اوعي تخلي أبوكي يستخسر فيا الشاهد الاسمنتي اللي هيتكتب عليه اسمي.. بلاش يستخصر.

الجملة دي رشقت في قلبي زي المسمار، أنا كنت دايماً بحسب كل حاجة، مش الفلوس بس، الأضرار؛ بيبان الدواليب المكسورة، الخروم اللي في الحيطة من عصبيته، والنبرة اللي أمي كانت بتتكلم بيها لما تحاول تهدي البيت عشان العشا ميتأخرش ويقلب بكارثة، هي كانت الصدمة اللي بتتحمل كل حاجة، الحيطة الساندة بين جنانه ونفسنا اللي طالع، ودلوقتي الحيطة دي وقعت.

على الساعة أربعة العصر، وأنا بلم آخر تربيزة، سمعت صوت عربية أبويا الربع نقل الشفروليه الشكمان بتاعها مخروم والباب مبيفتحش غير من برة، كتافي شدت من الخوف قبل ما أبص عليه، نزل ببنطلون جينز وتيشرت رمادي مليان عرق، وريحتة سجاير وحديد مصدي وعصبية بتغلي، بص على التربيزات الفاضية والكراتين وقال البيع كان كويس باين؟، قولتله وأنا بلم الحديد الحمد لله، كل حاجة اتباعت، هز راسه كأنه بيوافق على الجو وقال عملت كام؟، النبرة دي خلت جسمي يقشعر، وقفت براحة وقولت ألف وتمنمية سبعة وأربعين، عينه نزلت فوراً على العلبة الحديد اللي تحت

 

رجلي وقال وهتروح فين الفلوس دي؟، قولتله الشاهد بتاع أمي، عشان نكتب اسمها عليه، ملامحه مظهرش عليها حزن، ظهر عليها حسابات، ضحك ضحكة صفرا وقال لأ.. الفلوس دي تلزمني، دي طالعة من بيتي ومن حاجتي، يعني بتاعتي وبتاعت العيلة، قولتله هي كانت العيلة!.

وشه اتشنج كأني ضربته بالقلم، الدنيا حستها وقفت في ثانية، مفيش صوت عربية معدية، ولا عيال بتلعب، الهوا وقف، والست جارتنا قفلت الشباك بتاعها براحة، ومفيش غير صوت رشاش المية بتاع الجيران شغال زي عقارب الساعة اللي مبتقفش، محدش فينا اتمزع من مكانه، خطوت خطوة ناحية الكرسي ولميت العلبة الحديد في حضني وقولتله مش هتاخدها، قال بصوت واطي مرعب متبدأيش معايا يا نادين، قولتله أنا ميبدأش، أنا بنفذ اللي أمي طلبته ومن حقها ترتاح، للحظة فكرت أرزع العلبة في صدره بكل قوتي وأخليه يقع لورا وأصرخ بكل كلمة أمي كتمتها أربعين سنة، بس صوابعي كلبشت في اليد الحديد، مناخيره اتنفخت وبص ورايا في البلكونة الفاضية وعلى الرفوف اللي فضيت من ريحة الست اللي مصانهاش وهي عايشة، أخد خطوة تانية وقال افتحي العلبة، قولت لأ، قال بقولك افتحيها، قرب مني لدرجة إني شميت ريحة السجاير المكتومة في نفسه وشفت عروق وشة النافرة، وقال انتي فاكرة نفسك هتمشي كلمتك عشان لميتي كام قرش من كراكيب؟، قولتله أنا بعمل لها مقام.. كان لازم

حد فينا يعمل كده.

هنا الشيطان حضر في عينه، ملامحه اتحولت للوش المرعب اللي حافظاه من صغري، هجم على العلبة، شديتها لورا، الكرسي اتقلب، الدفتر والورق والفلوس اتمطرت في الممر، زقني في كتفي زقة جامدة ريحتني في حيطة البلكونة الحديد، قولتله وأنا نفسي مقطوع وصوتي طالع زي العيال الصغيرة متلمسنيش، كان بينهج بغل، وأنا كمان، وفي ثانية عينه نزلت على الأرض.. كان في مفتاح إنجليزي حديد تقيل من عِدد كريم المنسية نايم في الشمس، إيده نزلت عليه ولمته، ولما قرب مني وبوقه اتفتح.. قال الكلمة اللي غيرت حياتي كلها ولحد النهاردة بتخليني أقوم من النوم بصرخ!

نادين وقفت في الممر، أنفاسها كانت متقطعة، عيونها دموعها سايلة من الوجع والغضب والخوف، بس عقلها كان صافي، مركز. العلبة الحديدية في حضنها، الدفتر اللي كتب فيه كل حاجة، الورق، كل الذكريات اللي ارتبطت بأمي، الفلوس الصغيرة اللي كانت مجرد رمزية، كل شيء كان تحت سيطرتها. أبوها واقف قدامها، عينه ملتهبة بالغضب، يده مشدودة على المفتاح الإنجليزي، بس أي حركة منه كانت محسوبة.

نادين أخذت نفس طويل، وصوتها ارتفع بثبات لم تسمعه من نفسها من سنين

الفلوس دي مش ملكك. دي مش بتاعتك، ولا بتاعت أي حد غير أمي. والبيت ده كان بيتها، ومفيش حاجة في الدنيا تخلي حقها يضيع!

ابتعدت خطوة للأمام، حطت العلبة على الأرض، ورفعت

الدفتر

كل حاجة مكتوبة هنا، كل تفصيلة، كل حاجة شافت أمي وهيا عايشة، وكل حاجة أنا بعملها دلوقتي عشان أديها حقها. اللي هيحاول يمس ده، هيلاقي القانون، والناس، والعدالة كلها واقفة وراه.

أبوها حاول يهجم، بس نادين كانت جاهزة. دفعت العلبة بعنف بس بشكل محسوب، المفاتيح والفلوس طارت في الأرض، والأدرينالين خلى يديها تتحكم في الموقف بشكل كامل. الكرسي الحديدي اتقلب، والدنيا صمتت لحظة، كل شيء حواليها كان ثابت إلا حركة واحدة هي.

نادين أخدت الدفتر والفلوس ومشت للشارع، ضوء الشمس بدأ يخترق الغيوم، حطت كل شيء في حقيبة صغيرة كانت مجهزتها قبل كده، ورفعت رأسها عالياً لأول مرة منذ زمن طويل. أبوها صرخ، حاول يجري وراها، بس نادين كانت أسرع، كل خطوة كانت محسوبة، كل نفس كانت مليانة ثقة.

في الطريق، اتصلت بأختها دعاء وأخوها كريم، وشرحت لهم كل حاجة الحق معايا. الحق مع أمنا. مين يحاول يمس حاجة، أنا اللي هحميها. دعاء وبنتها وقفت جنبها، كريم رجع بعد فترة الصمت، وكانت اللحظة اللي حسوا فيها كلهم إن في حد أخيرًا بيتكلم عن الحق، مش عن القوة أو التسلط.

عادوا البيت مع الشرطة، وبالفعل تم التحفظ على المفتاح الإنجليزي، وتم توثيق كل الضرر اللي سببه أبوها. نادين رفعت قضية قانونية ضد أي تعدي على ممتلكات أمها، والبيت أصبح رسميًا تحت حمايتها وإشراف محامي مستقل.


الفلوس الصغيرة اللي كانت رمزية، راحت في مكانها شُيّدت صدقة جارية باسم أمي، ودفعت لمشاريع تعليمية وفقرية كانت أمي تحب تدعمها. كل قرش، كل تفصيلة، وكل ذكرى اتقن توزيعها بطريقة تحافظ على إرث أمي وكرامتها.

في الشهور اللي بعدها، نادين رتبت حياتها من جديد

البيت تم ترميمه، وكل شيء فيه أصبح مطابق لرغبات أمي، حتى روائحها اللي كانت ملازمة للأثاث والستائر.

علاقتها بأخوها وأختها اتقوت، وكلهم اتحملوا مسؤولية الحفاظ على إرث الأم.

أبوها، رغم غضبه في البداية، خضع للقانون، وتمت محاسبته على كل أفعاله العنيفة، وأصبح ممنوع الاقتراب من البيت أو أي ممتلكات.

نادين، لأول مرة، حسّت بالسلام الداخلي الحقيقي. كانت واقفة على الشرفة، الشمس تغرب وراء أسطح القاهرة، والهواء بياخد معها كل أثر للخوف والصدمة اللي عاشتها. عرفت إنها مش محتاجة حد يوقف جنبها، عرفت إنها قوية كفاية، عشان تحمي نفسها، عائلتها، وذكريات أمها.

في آخر صفحة من الدفتر اللي كتبته، كتبت نادين بخط ثابت

العدل ممكن يتأخر، بس الحق دايمًا له نهاية. اللي حاول يسرق، يظلم، يهين، أو يسيطر مش هيلاقي مكانه هنا. أنا هنا، وأنا صوت الحق، وصوت أمي اللي لسه عايش جوايا.

نادين أغلقت الدفتر، ابتسمت لنفسها لأول مرة منذ شهور، وعرفت إن حياتها بدأت من جديد، من مكان آمن، من قلب قوي، ومن إرادة ما حدش يقدر يهزمها.

النهاية.

 

تعليقات

close