القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 في التاسعه والثلاثين



في التاسعه والثلاثين


في التاسعة والثلاثين من عمري، وافقت أتجوز راجل أعرج… بس عشان أهرب من نظرات الشفقة وكلام الناس اللي ما بيرحمش.

لكن في ليلة فرحنا، أول ما رفعت البطانية بإيدين بتترعش… اكتشفت حقيقة ما كنتش أتخيلها أبدًا.

العمر أتعبني… مش عشان كبرت، لكن لأن كل سنة كانت شايلة خيبة جديدة.

واحد وعدني بالجواز واختفى، وواحد حبيته بصدق لكنه كان شايفني مجرد مرحلة لحد ما يلاقي "الست المناسبة".

وفي كل مرة، كنت أرجع لبيتنا القديم في حي سيدي الهواري بوهران وأنا حاسة إن جزء جوايا بيتكسر أكتر.

في مجتمعنا، الست لما تعدّي التلاتين من غير جواز، تبقى كأنها مشكلة ماشية على رجلين.

الجارات يهمسوا أول ما أعدّي، والقرايب يبصّوا بشفقة جارحة، وحتى الأفراح تتحول لمحاكم صغيرة:

— "لسه ما اتجوزتيش ليه؟"

— "أكيد فيها عيب."

— "العمر بيجري يا بنتي."

ولما قربت من الأربعين، حسّيت إني خلاص تعبت من مقاومة كلام الناس.

في ليلة شتوية، كنا قاعدين في مطبخ بيتنا الصغير، وريحه الشوربة الساخنة مالية المكان.

أمي تنهدت فجأة وقالت بصوت كله رجاء:

— "وإيه رأيكِ في نبيل؟"

رفعت عيني باستغراب: — "نبيل مين؟"

قالت بهدوء: — "جارنا… صحيح رجله فيها إصابة، بس راجل محترم وابن حلال."

نبيل كان جارنا من سنين طويلة.

أكبر مني بخمس سنين، وبيعرج شوية بسبب حادثة قديمة حصلتله جنب ميناء وهران وهو عنده سبعتاشر سنة.

كان عايش مع أمه الكبيرة في بيت بسيط بحي الحمري، وبيشتغل من البيت في تصليح الموبايلات والأجهزة الإلكترونية.

هادئ جدًا…


لدرجة إن ناس كتير كانوا فاكرينه بارد، لكنه في الحقيقة كان قليل الكلام وبس.

وأهل الحي طول عمرهم يلمّحوا إنه مناسب لعانس زيي… بس محدش كان يجرؤ يقولها في وشي.

في الليلة دي، وقفت قدام المراية أبص لوشي المرهق وسألت نفسي: أنا مستنية إيه أصلًا؟ حب زي اللي في المسلسلات؟ ولا راجل يمكن عمره ما ييجي؟

كنت تعبت.

وعشان كده… في ظهر يوم شتوي رمادي، والمطر مغرق شوارع وهران، وافقت بكل بساطة.

فرحنا كان بسيط جدًا.

لا قاعة فخمة، ولا فستان أبيض مبهر، ولا موسيقى صاخبة.

كام طرابيزة، وأطباق كسكسي، وشاي بالنعناع، وشوية قرايب وجيران.

حتى الزغاريط كانت طالعة باهتة… كأنها مجاملة أكتر من فرحة حقيقية.

وفي الليلة دي… بدأت أول ساعاتي معاه.

كنت قاعدة على طرف السرير، متخشبة تمامًا، وإيديا بتترعش تحت البطانية.

برا، المطر كان بيخبط في سقف البيت المعدني بصوت حزين ومتواصل.

وفجأة… باب الأوضة اتفتح بهدوء.

دخل نبيل بخطوته المائلة المعتادة، وفي إيده كباية مية.

قال بصوت واطي: — "اشربي شوية… هترتاحي."

خدت الكوباية من غير ما أبصله.

بعدها طفّى النور بهدوء، وعدّل طرف البطانية، وقعد على طرف السرير.

الصمت كان تقيل… لدرجة حسّيت إنه بيخنقني.

غمضت عيني جامد، وقلبي بيدق بعنف.

كنت خايفة… متوترة… ومستسلمة لحياة افتكرت إني دخلتها غصب عني.

لكن وأنا بحاول أهدي نفسي… سمعت صوت غريب.

صوت خافت جدًا…

وبعدين ساد الصمت.

اتجمد جسمي كله…اتجمد جسمي كله…

حاولت أفتح عيني، لكن الخوف كان ماسكني.

الصوت اتكرر تاني…

أنين خافت، كأنه خارج من حد بيحاول يكتم وجعه.

فتحت عيني ببطء وسط الضلمة، ومدّيت إيدي ناحية مكان نبيل…

لكن السرير كان فاضي.

قلبي وقع.

قعدت بسرعة وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع: — "نبيل؟"

محدش رد.

وفي اللحظة دي سمعت خبطة خفيفة جاية من الأرض.

دورت بسرعة على مفتاح النور، ولما النور اشتغل… شهقت.

نبيل كان واقع جنب السرير، ماسك رجله بإيده ووشه شاحب بطريقة خوفتني.

جريت عليه من غير تفكير: — "يا ساتر! إنت كويس؟!"

حاول يقوم لكنه فشل، واتأوه بصوت مكتوم: — "آسف… رجلي ساعات بتقف فجأة."

ركعت جنبه لأول مرة من غير حواجز.

ولأول مرة أخد بالي قد إيه وشه مرهق… وقد إيه إيديه مليانة آثار حروق وخدوش قديمة.

ساعدته يقعد على السرير، لكنه فضل ساكت شوية، وبعدها قال بصوت واطي: — "كنت خايف."

استغربت: — "خايف من إيه؟"

بص بعيد عني وقال: — "خايف تبصيلي بنفس نظرة الناس… نظرة الشفقة."

الكلام ضربني في قلبي.

لأني فعلًا… كنت شايفاه كده.

مكنتش شايفاه راجل اتجوزني عشان يحبني… كنت فاكرة إنه مجرد حل أخير لست قربت توصل الأربعين.

سكتُّ، وهو ابتسم ابتسامة صغيرة كلها وجع: — "الناس طول عمرها فاكرة إن الراجل الأعرج ناقص… وإن أي ست توافق عليه تبقى مضحية."

حسّيت بخجل من نفسي، لكني ماعرفتش أقول حاجة.

وفجأة مدّ إيده ناحية الكومودينو وطلع علبة صغيرة.

ناولها لي: — "دي ليكي."

فتحتها باستغراب… ولقيت سلسلة فضة بسيطة جدًا، متعلقة فيها دلاية صغيرة على شكل قلب.

بصيتله بدهشة: — "إيه ده؟"

ابتسم بخجل: — "فاكرة

يوم شنطتك اتقطعت وإنتِ راجعة من السوق؟"

حاولت أفتكر… وبعد ثواني افتكرت فعلًا.

يومها كنت شايلة أكياس تقيلة، والشنطة اتقطعت وسط الشارع، وكل الناس بصتلي وأنا بجمع حاجتي من الأرض بإحراج.

قال بهدوء: — "أنا اللي لمّيت السلسلة دي من الأرض يومها… واحتفظت بيها."

اتصدمت.

أنا نفسي ماكنتش فاكرة السلسلة.

أما هو… فكان فاكر أدق التفاصيل.

قال بصوت مهزوز: — "أنا ما اتجوزتكيش شفقة… أنا كنت مستنيكي من سنين."

قلبي دق بعنف.

ولأول مرة من سنين… حسّيت إن حد شايفني فعلًا.

مش مجرد ست خايفة من العنوسة… ولا رقم بيكبر كل سنة.

لكن قبل ما أتكلم… سمعنا صوت خبط عنيف على باب البيت.

نبيل اتوتر فجأة.

وشه اتغير بطريقة خوفتني.

الخبط زاد، وصوت راجل صرخ من برا: — "افتح يا نبيل! عارف إنك جوا!"

بصيتله بقلق: — "مين ده؟"

لكنه ما ردش.

قام بصعوبة وهو بيعرج، وحاول يمنعني أخرج: — "خليكِ هنا."

لكن الفضول والخوف خلوني أمشي وراه.

ولما فتح الباب… دخل راجل ضخم، هدومه مبتلة من المطر، وعينيه مليانة غضب.

أول ما شاف نبيل، مسكه من هدومه بعنف: — "فاكر إنك هتهرب مني؟!"

صرخت بخضة: — "في إيه؟!"

الراجل بصلي بسرعة، وبعدها ساب نبيل وهو بيقول بسخرية: — "يعني اتجوزت في الآخر؟"

نبيل كان ساكت… ساكت بطريقة مرعبة.

وفجأة الراجل طلع ظرف قديم من جيبه ورماه على الترابيزة.

الصور اللي وقعت منه خلت الدم يتجمد في عروقي.

نبيل… كان واقف في الصور جنب بنت جميلة جدًا، وحاضن طفل صغير.

بصيتله وأنا حاسة الدنيا بتلف: — "مين دول؟"

نبيل غمض عينيه للحظة… كأنه كان خايف من اللحظة دي طول عمره.

وبعدين قال بصوت مكسور: — "مراتي… وابني."


 

حسّيت الأرض بتميد بيا.

رجعت خطوة لورا وأنا مش مصدقة: — "إنت متجوز؟!"

صرخ بسرعة: — "لا! اسمعيني بس!"

لكن الراجل قاطعه بضحكة ساخرة: — "قولها الحقيقة كلها يا نبيل… قولها ابنك مات إزاي."حسّيت رجليا مش شايلاني.

بصيت لنبيل بصدمة، وقلبي بيدق بعنف: — "ابنك مات؟!"

نبيل نزل عينه للأرض، ووشه بقى شاحب أكتر.

أما الراجل الغريب، فقعد على الكرسي كأنه جاي يتفرج على كارثة، وقال ببرود: — "أهو… خليها تعرف الراجل اللي اتجوزته."

صرخت فيه: — "إنت مين أصلًا؟!"

رد بحدة: — "أنا سامي… أخو مراته."

لفّيت لنبيل: — "الكلام ده حقيقي؟"

اتنهد بتعب، وقعد ببطء كأن الحمل فوق كتافه أكبر منه: — "أيوه… كنت متجوز."

الكلمة نزلت عليا زي السكينة.

لكن قبل ما أتكلم، كمل بسرعة: — "بس مراتي ماتت من سبع سنين."

سكتت.

أما سامي فضحك بسخرية: — "وماتت إزاي بقى؟"

نبيل قبض إيده بعصبية، لكن ماردش.

صرخت: — "حد يفهمني!"

نبيل رفع عينه ليا… وكانت مليانة وجع عمري ما شفته في عين حد.

وقال بهدوء: — "كانت اسمها ليلى… واتجوزنا عن حب."

أول مرة أحس بغصة غريبة جوايا.

مش غيرة… لكن وجع.

كمل بصوت متقطع: — "خلفنا ياسين بعد سنتين جواز… وكان كل حياتي."

سامي بصق كلماته بقسوة: — "وبعدين قتلتهم."

شهقت: — "إيه؟!"

نبيل صرخ لأول مرة: — "ما قتلتش حد!"

الغضب والانهيار كانوا باينين في صوته لدرجة خوفتني.

فضل ساكت ثواني، وبعدها

قال: — "يوم الحادثة… كان عندي شغل برا البيت. ليلى أصرت تنزل تجيب الدوا لياسين لأنه كان سخن جدًا."

سكت… وكأنه بيحاول يبلع الذكرى.

— "كنت راجع بعربيتي بسرعة عشان ألحقهم… والمطر كان شديد."

إيده بدأت ترتعش.

— "فجأة عربية نقل فقدت السيطرة."

صوته اختنق.

— "العربية خبطتنا كلنا."

حط إيده على رجله المصابة: — "أنا عشت… لكن برجلي دي."

وبعدين همس: — "أما هما…"

ماقدرش يكمل.

الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل جدًا.

حتى سامي سكت للحظة، لكن ملامحه فضلت قاسية: — "أختي وابنها ماتوا… وهو عاش."

نبيل بصله بوجع: — "وأتمنى ألف مرة إني كنت أنا اللي مت."

الكلمة طلعت منه حقيقية لدرجة قلبي وجعني.

لأول مرة فهمت ليه عينيه طول الوقت مليانة حزن… وليه بيعيش لوحده كأنه معاقب نفسه.

سامي قام بعنف وقال: — "أنا مش مسامحك. ولا هسامحك طول عمري."

واتجه ناحية الباب.

لكن قبل ما يخرج، وقف وبصلي: — "لو فاكرة إنك هتعيشي مع راجل طبيعي… تبقي بتحلمي."

وخرج وهو يخبط الباب وراه بعنف.

فضل البيت ساكت.

المطر برا كان لسه بينزل، لكن اللي جوايا كان أعلى بكتير.

بصيت لنبيل… لقيته مطأطئ راسه كأنه مستني مني أمشي.

قال بصوت مكسور: — "لو عايزة تسيبيني… هتفهم."

الغريب إني ما اتحركتش.

لأني لأول مرة من سنين… شفت راجل موجوع بجد.

مش بيكذب… ولا بيمثل… ولا بيستخدمني كحل مؤقت.

راجل عاش خسارة كسرت ضهره، ولسه عايش ببقايا

قلب.

قعدت قدامه بهدوء وسألته: — "ليه ماقولتليش؟"

ابتسم بحزن: — "لأني كنت خايف… أول ما تعرفي، تبصيلي كإني خراب."

سكت شوية، وبعدها قال: — "أنا أصلًا ماكنتش ناوي أتجوز تاني. بس أمك هي اللي فتحت الموضوع… ولما وافقتِ، حسّيت إن ربنا اداني فرصة أخيرة."

حسّيت دموعي قربت تنزل.

كل عمري كنت فاكرة إني أنا المكسورة الوحيدة…

لكن الراجل اللي قدامي كان شايل كسر أكبر مني بكتير.

وفجأة… حصلت حاجة ما توقعتهاش.

نور البيت كله فصل مرة واحدة.

الضلمة بلعت المكان.

وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت تكسير جاي من المطبخ.في الضلمة، الصوت اللي جاي من المطبخ كان واضح… تكسير زجاج، وبعده حركة سريعة كأن حد بيجري.

قلبي اتقبض: — "في حد في البيت؟!"

نبيل قام بسرعة رغم رجله، وحاول يهديني: — "خليكِ ورايا."

مسك حاجة تقيلة من جنب الباب—مفتاح إنجليزي قديم—واتجه ناحية المطبخ وهو بيعرج.

أنا مشيت وراه غصب عني.

كل خطوة كانت بتزيد الخوف جوايا.

ولما وصلنا باب المطبخ… وقف لحظة، وبعدين فتحه فجأة.

النور اللي طالع من ضوء الشارع عبر الشباك كشف منظر يخلي الدم يتجمد…

شخص واقف جوه، لابس هودي غامق، وبيفتش في درج المطبخ بعصبية.

نبيل صرخ: — "إنت مين؟!"

الشخص لف بسرعة… وطلع نفس الراجل اللي كان من شوية.

سامي.

بس المرة دي كان شكله مختلف… مش غضب وبس، لأ… كان مرتبك.

قال بسرعة: — "مش زي ما فاكرين… أنا كنت بدور على

حاجة."

نبيل قرب منه بغضب: — "حاجة إيه؟ بتدخل بيتي بالليل وتكسر؟!"

سامي بصله للحظة… وبعدين بصلي أنا.

وقال جملة خلت المكان يتهز: — "لأن أختي ماتت مش حادثة عادية… ماتت وهي بتتهدد."

سكت.

وبعدين طلع ظرف تاني من جيبه ورماه على الأرض.

الصورة دي كانت مختلفة.

مش حادث… لأ… كانت ورقة مكتوبة بخط يد مراته.

وفيها اسم نبيل… وكلمات عن تهديدات قديمة.

نبيل اتجمد: — "ده كذب…"

سامي صرخ: — "مش كذب! في حد كان عايز يخلص منها قبل الحادث!"

ساعتها حسّيت إن القصة أكبر بكتير من مجرد جواز أو حادث.

نبيل بصلي، وعيونه فيها خوف حقيقي لأول مرة: — "أنا مكنتش أعرف…"

سامي قال بصوت أخفض: — "وأنا مش جاي أدمرك… أنا جاي أجيب الحقيقة."

سكت المكان تاني.

وبعدين فجأة، صوت عربية وقف قدام البيت.

نور عربيات ظهر من الشباك.

نبيل بص بقلق: — "مين ده؟"

قبل ما نرد… الباب اتكسر بعنف.

رجالة كتير دخلوا.

ومعهم واحد لابس بدلة، شكله بارد جدًا.

وقال بهدوء مرعب: — "أخيرًا لقيناك يا نبيل."

نبيل رجع خطوة لورا.

وأنا قلبي وقع تمامًا.

الراجل كمل: — "القضية القديمة ما اتقفلتش… وإنت هتجاوب دلوقتي."

سامي همس: — "قولتلك الموضوع أكبر من حادثة…"

نبيل بصلي… نظرة واحدة كانت مليانة اعتذار وخوف.

وقال بصوت منخفض: — "لو حصللي حاجة… متصدقيش غير قلبك."

وفي اللحظة دي… النور كله انطفى تاني.

لكن المرة دي… الصوت كان صوت قيود بتتفتح… وبداية مواجهة مش واضحة نهايتها.

وانتهى كل شيء على صمت ثقيل… وصوت خطوات بتقرب… من كل اتجاه.

 

تعليقات

close