القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 "أنا بس بطلب كوباية لبن".



**"أنا بس بطلب كوباية لبن".


أنا بس بطلب كوباية لبن.. الطفلة الصغيرة اللي شايلة أخوها الرضيع قالتها بكسرة.. لكن الملياردير كان هيقفل الباب في وشها لحد ما اسم جدتها خلاه يتجمد مكانه.. ومكنش يعرف إن اللحظة دي هتغير حياتها للأبد!

الجزء الأول

في الليلة اللي أدهم مهران كان هيرفض فيها طفلة بتموت من الجوع، كان بيته هو الوحيد اللي أنواره منورة في الكومباوند كله.

ده أول حاجة لفتت نظر هنية.

مبصتش للسور الحديد العالي، ولا للعواميد الرخام، ولا لكاميرات المراقبة اللي كانت بتبص لها زي الطيور الجارحة. بصت بس للنور الأصفر الدافئ اللي طالع من الشبابيك، كأن فيه حد جوه لسه صاحي وقلبه لسه فيه رحمة.

وقفت تحت النور وهي ضامة أخوها الرضيع يونس لصدرها، نفسه كان طالع سخن على كتفها، وبقه بيتحرك كأنه بيدور على أي حاجة يشربها.

يا رب، همست وهي بتبص للباب، حد واحد بس يرد عليا.. يا رب.

رفعت إيدها اللي بتترعش وخبطت خبطتين.

جوه القصر، أدهم سمع الخبطة واتجمد. كان واقف في مكتبه، في إيد كاس مية وفي الإيد تانية عقد صفقة بملايين، صفقة ممكن تغير مصير سوق العقارات في مصر كلها. حياته عبارة عن أرقام، محامين، وقرارات حاسمة.

بس


الخبطة دي مكنتش شبه حياته خالص.

كانت خبطة ضعيفة.. إنسانية أوي.

بص ناحية الطرقة.. الخبطة اتكررت.

مراته ليلى ظهرت في أول السلم وهي لابسة الروب الحرير أدهم؟ أنت سمعت اللي سمعته؟

أيوة.. خليكي مكانك.

متفتحش غير لما تشوف الكاميرات الأول!

أدهم كان اتحرك فعلاً وبص في الشاشة اللي جنب الباب. شاف طفلة.

صغيرة.. نحيفة.. ملامحها سمراء ورقيقة. ممكن يكون عندها 11 سنة أو أقل. هدومها كانت خفيفة والبرد باين على وشها، ودراعها مشدود من تقُل أخوها اللي شايلاه. عينيها كانت صاحية بزيادة، عينين طفل شاف هموم أكبر من سنه.

أدهم فتح الباب نص فتحة.

الهوا الساقع دخل الفيلا فوراً.

البنت رفعت عينها له وضمت أخوها أكتر يا بيه، قالت وصوتها فيه أدب وخوف وكسرة في نفس الوقت أنا بس بطلب كوباية لبن.

أدهم مردش.

هي كملت بسرعة كأنها خايفة الباب يتقفل مش عايزة فلوس.. والله ما بطلب فلوس. كوباية لبن بس، ولو مفيش كوباية كاملة، نص كوباية يرضيني.. عشان خاطر أخويا الصغير.

أدهم بص لها، وبعدين بص وراها.

مفيش عربية في الرصيف.. مفيش حد كبير مستنيها.. مفيش جار واقف يفسر الموقف.

مفيش غير السكون، والحديقة الضلمة،


واليافطة اللي عند المدخل ممنوع الدخول.. ملكية خاصة.. المعتدون سيتعرضون للمساءلة القانونية.

أنتي اسمك إيه؟ أدهم سأل بجمود.

هنية يا بيه.

واللي معاكي ده؟

يونس.

وأهلك فين؟

بلعت ريقها معرفش أمي فين.. ولا أعرف أبويا فين.

ليلى نزلت ووقفت وراه فيه إيه يا أدهم؟

طفلة، أدهم قال من غير ما يلف، عايزة لبن.

ليلى قربت وبصت للبنت. ملامحها كانت حذرة، ملامح ست اتعودت إن الثروة بتجذب نصابين وطمع وتهديدات في أنصاف الليالي.

أدهم، همست بصوت واطي، خلي بالك.. ممكن تكون دي حركة.

هنية بصت لليلى بدموع أنا أسفة يا هانم.. مكنتش عايزة أزعج حد. بس يونس مكلش من الصبح.

ليلى بصت لليافطة اللي على الباب يا حبيبتي، ده مكان خاص. مينفعش تخبطي على بيوت الناس بالليل وتطلبي حاجات.

عارفة، هنية قالت بسرعة، والله عارفة.. بس أنا خبطت على بيوت تانية قبلكم ومحدش رضي يفتح لي.

تركيز أدهم زاد فجأة بيوت تانية؟

يا ترى إيه السر اللي خلى هنية تختار بيت أدهم مهران بالذات؟ وإيه اللي هيحصل لما تنطق اسم جدتها وتكشف لأدهم حقيقة هو هرب منها بقاله سنين؟ وهل كوباية اللبن دي هي اللي هترجع حق ضايع ولا هتفتح أبواب جحيم


مكنش حد مستعد له؟


أدهم فضل باصص للبنت ثواني طويلة

فيه حاجة في عينيها كانت مقلقاه.

مش خوف.

ولا شحاتة.

كان فيه معرفة.

كأنها جاية له هو بالذات.

أدهم فتح الباب أكتر شوية مين قالك تيجي هنا؟

هنية بلعت ريقها وبصت للأرض ستي.

الكلمة نزلت على أدهم بشكل غريب.

ستك مين؟

هنية رفعت عينيها ببطء الحاجة زينب.

الكاس وقع من إيد أدهم واتكسر على الرخام.

ليلى اتخضت أدهم!

لكن أدهم مكنش سامعها.

وشه كله اتسحب منه الدم.

الحاجة زينب.

الاسم ده هو أكتر اسم هرب منه في حياته.

قبل 20 سنة

أدهم كان مجرد شاب فقير من حي شعبي.

أبوه مات بدري، وأمه كانت بتشتغل خياطة عشان يأكلوا.

والست الوحيدة اللي كانت بتعتبره ابنها فعلًا

كانت الحاجة زينب.

جارتهم.

الست الطيبة اللي كانت تبعت له أكل وقت الامتحانات، وتشتري له كتب المدرسة من معاشها.

لما دخل كلية الهندسة، كانت أول واحدة تبكي من الفرحة.

ولما سافر يشتغل بره مصر وبدأ يبني ثروته

وعدها إنه يرجع ياخدها تعيش معاه.

لكنه مرجعش.

الحياة سحبته.

الفلوس.

النفوذ.

العالم الجديد.

ومع الوقت

بطل حتى يسأل عليها.

أدهم قرب من هنية ببطء ستي زينب فين؟

هنا

هنية بدأت تعيط.

وقالت


الجملة اللي قصمت ضهره ماتت من شهر يا بيه.

الهواء اختفى من صدره.

حس إنه اتضرب


 

في قلبه.

إيه؟

هنية مسحت دموعها بإيدها الصغيرة كانت بتقول إنك أكتر واحد هيخاف علينا لو حصل لها حاجة بس هي تعبت أوي، ومحدش كان معانا.

ليلى بدأت تفهم إن فيه قصة أكبر من مجرد طفلة جعانة.

قربت بهدوء أنتي جيتي هنا إزاي؟

هنية فتحت شنطة قماش قديمة كانت شايلها.

طلعت منها ورقة متطبقة ألف مرة.

صورتها باهتة.

وفيها عنوان الفيلا.

واسم أدهم مهران.

أدهم خد الورقة بإيد بتترعش.

عرف خط الحاجة زينب فورًا.

وفي آخر الورقة كان مكتوب

لو الدنيا قفلت في وشك يا هنية روحي لأدهم. زمان كان قلبه أبيض.

أدهم غمض عينه.

الجملة وجعته أكتر من أي خسارة خسرها في حياته.

زمان كان قلبه أبيض.

يعني دلوقتي بقى إيه؟

فجأة

يونس الرضيع بدأ يعيط بصوت ضعيف جدًا.

هنية هزته بسرعة بخوف معلش يا حبيبي حاضر.

لكن الطفل كان تعبان بشكل واضح.

ليلى شهقت الولد سخن جدًا!

أدهم أخده بسرعة.

ولأول مرة من سنين

إيده كانت

شايلة طفل صغير.

الرضيع كان خفيف بشكل مرعب.

أدهم لف ناحية الحراس هاتوا العربية حالًا!

بعد ساعة

كانوا في مستشفى خاص.

الدكاترة بيكشفوا على يونس.

وهنية قاعدة على كرسي كبير برجليها الصغيرة مش واصلة الأرض.

متمسكة بكوباية اللبن بإيديها الاتنين كأنها كنز.

الدكتور خرج بعدها بوقت قصير الولد عنده جفاف وسوء تغذية حاد لو كان اتأخر ساعات زيادة، كانت حالته هتبقى خطيرة جدًا.

أدهم حس بالخجل لأول مرة من نفسه.

لو كان قفل الباب

الطفل ده كان ممكن يموت.

في الليلة دي

أدهم معرفش ينام.

فضل قاعد في أوضة مكتبه، قدامه صورة قديمة للحاجة زينب كان محتفظ بيها في درج مقفول.

صورة لست بسيطة بتضحك.

الست الوحيدة اللي حبته قبل ما يبقى أدهم مهران.

الصبح

دخل يزور هنية في أوضة الضيوف.

لقاها صاحية بدري، ورتبت البطانية بنفسها.

أول ما شافته قامت بسرعة أنا آسفة لو تعبناك يا بيه إحنا هنمشي.

أدهم


اتصدم تمشوا فين؟

هنية نزلت عينيها إحنا متعودين نمشي قبل ما الناس تتضايق مننا.

الجملة دخلت في قلبه كسكينة.

قرب منها بهدوء محدش هيتضايق منك هنا.

هنية بصت له بعدم تصديق.

كأنها عمرها ما سمعت الجملة دي قبل كده.

بعد أيام

أدهم بدأ يعرف الحقيقة كاملة.

أم هنية كانت بنت الحاجة زينب.

اتجوزت راجل نصاب وهرب وسابها بطفلين وديون.

وماتت بعد مرض طويل.

والحاجة زينب كانت بتحاول تربيهم لوحدها لحد آخر نفس.

حتى وهي بتموت

كانت بتقول أدهم هييجي أكيد هييجي.

لكنه مجاش.

الإحساس بالذنب كان بياكل أدهم.

لكن ليلى، مراته، كانت أول مرة تشوف جوزها بالإنسانية دي.

كان بيصحى بدري عشان يفطر هنية.

ويشتري ألعاب ليونس.

ويسمع حكايات الطفلة الصغيرة عن جدتها.

وفي يوم

هنية كانت قاعدة في الجنينة، ولقت أدهم بيقرب منها بورق في إيده.

قعد قدامها على ركبته.

وقال بهدوء أنا كنت مديون لستك بحياة كاملة ومقدرتش


أوفي الدين.

هنية بصت له بعينيها الواسعة.

أدهم كمل بس لو تسمحيلي أحب أوفي جزء صغير منه معاكي إنتي ويونس.

ومد الورق ليها.

ليلى قربت بابتسامة دافية دي أوراق المدرسة الجديدة بتاعتك.

هنية اتجمدت.

مدرسة؟ ليا أنا؟

أدهم ابتسم لأول مرة بصدق أيوة يا هنية وليكي أوضة هنا كمان. لو حبيتي.

الطفلة الصغيرة بدأت تعيط.

مش عياط خوف.

عياط حد أخيرًا حس إنه مرئي.

بعد سنة

بيت أدهم بقى مختلف.

فيه لعب أطفال في الجنينة.

وصوت ضحك.

وهنية بقت تذاكر على السفرة الكبيرة اللي كانت زمان مليانة عقود وصفقات بس.

أما يونس

فبقى يجري ورا أدهم وهو بيقوله بابا أدهم!

وفي كل مرة يسمعها

قلبه كان بيتوجع شوية.

ويرتاح شوية.

وفي ليلة هادية

أدهم وقف قدام صورة الحاجة زينب.

وقال بصوت واطي أنا اتأخرت أوي بس أوعدك، ولاد بنتك عمرهم ما هيحتاجوا يخبطوا على باب حد تاني طول ما أنا عايش.

ولأول مرة من سنين طويلة

أدهم


مهران حس إن كل فلوس الدنيا

ممكن متساويش كوباية لبن واحدة لو اتقدمت في الوقت الصح.


 

تعليقات

close