القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزى



جوزى

 

في أول جوازنا كنت فاكرة إن بيتي هو أكتر مكان آمن في الدنيا… شقة صغيرة في الدور الخامس، فيها مطبخ ضيق وبلكونة بتدخل منها شمس العصر، وريحة قهوة كل صباح، وضحكة جوزي “حسام” وهو بيقولي إننا هنكبر سوا مهما حصل.

ماكنتش أعرف إن أكتر حاجة ممكن تكسر البني آدم مش الخيانة نفسها… لكن الإحساس إن خصوصيته بقت مباحة للكل.


الموضوع بدأ بشكل غريب جدًا.

صحيت يوم على عشرات المكالمات من أرقام أعرفها وماعرفهاش.

خالتي بتعيط، بنت عمي بتزعق، وأمي صوتها مخنوق وهي بتقولي:


— “قوليلي الحقيقة يا بنتي… الصور دي إيه؟”


قلبي وقع.

فتحت واتساب لقيت صورتي منتشرة على صفحات مجهولة.

أنا بلبس البيت.

أنا واقفة في المطبخ بعمل أكل.

أنا نايمة على الكنبة.

صور عادية جدًا… بس الطريقة اللي اتنشرت بيها خلتها مرعبة.


حسيت إن البيت نفسه خانني.


فضلت أصرخ وأقول:

— “مين عمل كده؟! الصور دي اتصورت إمتى أصلًا؟!”


جوزي حسام كان مصدوم في الأول، وبعدها بدأ يتوتر بشكل غريب.

كان طول الوقت بيسألني:

— “أكيد بعتي الصور لحد؟”

— “أكيد موبايلك اتهكر؟”

— “أكيد في حاجة مخبياها؟”


وكل كلمة منه كانت بتوجعني أكتر من الصور نفسها.


في كام يوم حياتي اتقلبت.

ما بقيتش قادرة أنزل الشارع.

الجيران بقوا يبصوا لي بطريقة غريبة.

حتى أهلي بدأ الشك يدخل قلوبهم رغم حبهم ليا.


وفي ليلة، بعد ما فضلت أعيط بالساعات، قررت أروح مباحث الإنترنت.


دخلت المكان وأنا حرفيًا مش شايفة قدامي من التوتر.

الضابط قعد يسمعني


بهدوء، وأنا بحكيله كل حاجة من أول يوم ظهرت فيه الصور.

وريته الحسابات الوهمية، والرسائل، والبوستات.

بعدها طلب من مهندس تقني يفحص الروابط.


كنت قاعدة على الكرسي وإيديا ساقعة جدًا.

كل ثانية كانت كأنها سنة.


وفجأة المهندس قال:

— “الحسابات دي كلها بتترفع من شبكة واحدة.”


الضابط سأله:

— “فين المكان؟”


المهندس بص للشاشة شوية وقال:

— “الراوتر باسم ست.”


ساعتها حسيت الدنيا بتلف بيا.

ست؟!


مين الست دي؟


الضابط بصلي وقال:

— “فكري كويس… مين ست كانت بتدخل بيتك باستمرار؟”


فضلت ساكتة ثواني طويلة.

عقلي بيجري بين الوجوه.


حماتي؟

صاحبتي؟

قريبتي؟


وفجأة افتكرت “نهى”.


نهى كانت جارتنا القديمة.

ست هادية جدًا، أكبر مني بحوالي عشر سنين.

كانت بتيجي البيت كتير بحكم إن جوزها مسافر بره مصر أغلب السنة، وكانت تعتبرني زي أختها الصغيرة.


كانت تدخل المطبخ معايا، وتقعد تشرب شاي، وتضحك، وتحكيلي عن الوحدة.


وفجأة افتكرت حاجة غريبة…

في أكتر من مرة كنت ألاقي موبايلي متحرك من مكانه، أو ألاقي حسام بيقول لي:

— “نهى كانت هنا وساعدتني أصلّح الراوتر.”


الراوتر.


الكلمة خبطت في دماغي بقوة.


رجعت بصيت للضابط وقلت:

— “هي كانت قريبة جدًا من الراوتر فعلًا…”


الضابط طلب العنوان فورًا.


وفي اليوم اللي بعده رحنا هناك.


عمارة قديمة هادية، الدور التالت، باب بني عليه ورد مرسوم.

قلبي كان بيدق بجنون.


الباب اتفتح… ونهى وقفت قدامي.


أول ما شافت الضابط وشافتني معاه، وشها


اتغير.

دخلنا الشقة.

المهندس بدأ يفحص الأجهزة الموجودة.


وبعد دقائق قليلة جدًا، لقوا فولدر كامل على اللابتوب.


صور.

فيديوهات قصيرة.

لقطات من داخل بيتي.


أنا حرفيًا ماقدرتش أتنفس.


لكن الصدمة الأكبر… إن الصور ماكنتش متصورة بكاميرا عادية.


كانت متاخدة من كاميرا صغيرة جدًا متثبتة داخل قطعة ديكور.


قطعة ديكور… كانت عندي في الصالة.


وقتها افتكرت اليوم اللي نهى جابتلي فيه هدية وقالت لي بابتسامة:


— “دي حاجة بسيطة للبيت الجديد.”


الضابط سألها بصرامة:

— “ليه عملتي كده؟”


نهى انهارت فجأة وفضلت تعيط.


وقالت كلام عمره ما جه في بالي.


قالت إنها كانت بتعيش وحدة كبيرة جدًا، وإنها كانت طول الوقت شايفة حياتي مثالية.

شايفة ضحكي مع حسام، ولمة البيت، والتفاصيل الصغيرة اللي نفسها تعيشها.


ومع الوقت بقت مهووسة بتفاصيل حياتنا.

في الأول كانت بتتفرج بس على الكاميرا.

بعدها بدأت تحتفظ بالصور.

وبعدين في لحظة تهور نزلت أول صورة على النت من حساب مجهول.


ولما شافت التفاعل… الموضوع خرج من إيديها.


أنا كنت سامعاها ومش قادرة أصدق.

إزاي إنسان ممكن يعمل كل ده لمجرد إنه حاسس بالوحدة؟


رجعنا البيت بعد ساعات طويلة من التحقيقات.

وأول مرة من أيام حسيت إني قادرة أتنفس.


لكن المشكلة الحقيقية بدأت بعدها.


أنا بقيت بخاف من أي ركن في البيت.

أبص لأي حاجة وأشك فيها.

حتى المراية كنت بحس إنها ممكن تكون بتراقبني.


حسام وقتها بدأ يفهم إنه ظلمّني.

فضل أيام يحاول يعتذر،


ويحاول يصلح اللي حصل.

لكن الجرح ماكنش سهل.


في ليلة، كنت قاعدة في المطبخ لوحدي، وهو دخل بهدوء وحط قدامي كوباية شاي وقال:


— “أنا آسف إني ماصدقتكيش من البداية.”


الكلمة دي كسرتني أكتر من أي حاجة.


لأني اكتشفت إن أصعب شعور مش إن الناس كلها تشك فيك…

لكن إن الشخص اللي المفروض يكون سندك، يتردد للحظة قبل ما يصدقك.


عدّى وقت طويل قبل ما حياتنا تهدى تاني.


قفلنا كل حساباتنا القديمة.

غيرنا الراوتر.

شيلنا أي أجهزة غريبة من البيت.

وبدأت أرجع لحياتي بالتدريج.


وأهلي؟

لما عرفوا الحقيقة، أمي فضلت تعيط وتحضني وتقول:


— “سامحينا يا بنتي إننا خفنا بدل ما نحميكي.”


بعد شهور، قابلت نهى صدفة في المحكمة.

كانت هادية جدًا، وشكلها مرهق.


بصتلي وقالت:

— “أنا أذيتك أكتر مما تتخيلي… بس والله ما كنت عايزة أدمر حياتك.”


بصيتلها وقتها، والغريب إني ماحستش بكراهية.

بس حسيت بحزن كبير على إن الوحدة ممكن تحول الإنسان لشخص مايعرفوش.


رجعت البيت يومها، ووقفت في البلكونة وقت الغروب.

أول مرة من شهور أحس إن البيت رجع بيتي فعلًا.


حسام خرج وقف جنبي، وقال بهدوء:


— “تعرفي… بعد كل اللي حصل، اكتشفت إن الأمان مش باب مقفول ولا كاميرا… الأمان إنك تلاقي حد يصدقك حتى لو الدنيا كلها ضدك.”


بصيت للسما وقتها، وحسيت إني أخيرًا قادرة أبدأ من جديد.


ومن يومها اتعلمت درس عمري ما هنساه…

مش كل حد بيبتسم لك يبقى عايز لك الخير، ومش كل أذى بيكون سببه كره.

أوقات ناس بتغلط لأنها


تايهة من جواها… لكن ده أبدًا ما يديهاش الحق تدخل حياة غيرها وتكسر خصوصيتهم.

أما بيتي؟

رجع دافي زي الأول…

بس المرة دي بقيت أعرف إن الأمان الحقيقي مش في الجدران…

الأمان الحقيقي في الثقة.


تمت. 


تعليقات

close