عمركم ما هتصدقوا شر الناس اللي بتعزّوهم ممكن يوصل لحد فين! أ
عمركم ما هتصدقوا شر الناس اللي بتعزّوهم ممكن يوصل لحد فين! أهلي، من دمي ولحمي، خططوا يدفنوني حية وأنا صاحية، بس أنا بوّظت لُعبتهم القذرة دي بطريقة هتقلب الدنيا. الموضوع بدأ بعزومة عشا عادية جداً، ريحة شوربة الفراخ الدافية، والعيش المحمص، وريحة برفان الفانيليا المسكر اللي أختي سارة دايماً بتحطه عشان تبان غلبانة وكيوت قدام الكل. إضاءة المطبخ كانت قوية وزاعقة، والجو خنقة، وعلى التربيزة كان جوزي مدحت بيتبسم ومبين سنانه كلها، وسارة عمالة تتكلم وتجر كلام وكأنها خايفة السكوت يفضح اللي في نيتها. طول سنين عمري كنت هبلة وبخلط بين العشرة والحب، بس الليلة دي مكنتش فاهمة البرود اللي باصص لي من عيونهم، لحد ما المعلقة أفلتت من إيدي ورزعت في الطبق. الصوت كان صغير، رنة معدن في بورسلين، رنة تافهة خلت الشوربة تتهز على المفرش، وبعدها النعاس هجم عليا، مش تعب عادي ولا تقيلة عين بعد يوم شقى، ده كان كأن في حد طفى جسمي كله من جوة بزارار، في حين إن عقلي لسه صاحي وبيحاول يوصل لإضاءة المطبخ، وصوت مدحت، وإيد سارة وهي بتطبطب على كتفي بحنية بتموتني من القرف كل ما بفتكرها دلوقتي. لما فتحت عيني، مكانش في مطبخ، ولا لمبة، ولا هوا بيمشي زي الهوا الطبيعي، كان في طين مبلول، خشب ساقع، وريحة إسمنت طازة. إيديا كانت متكتفة، وبوقي متكمم بلاستر عريض، وضهري كان مضغوط على لوح خشب ناشف
ريحته ورنيش رخيص ورعب. في الأول افتكرت نفسي محبوسة في دولاب، لحد ما سمعت الفراغ اللي حواليا، وصوت كشط كوريك، ورزع زلط تحت جزم، وصوت راجل بيدي أوامر فوق دماغي. عقلي رفض يصدق الحقيقة تلات مرات قبل ما يستسلم ويرضخ؛ هما حطوني في قَبْر! كنا في مدافن العائلة، عرفت ده من صوت آذان الفجر اللي جاي من بعيد، ومن ملمس الحصى، ومن الأصوات الواطية اللي بتوشوش كأنهم خايفين يصحوا الموتى، وبعدين سمعت جملة واحدة اخترقت اللوح الخشب وحفرت نفسها في قلبي نَفَسها انقطع، اقفلوا التربة وعموا عليها بالإسمنت حالا. ده كان صوت مدحت، مكنش مخضوض، ولا مكسور، صوته كان هادي، أبرد من أي رخامة قبر في المكان، وأنضف من إمضاء على عقد اتجهز من قبل ما العشا يتحط على التربيزة، وهناك، وأنا بوقي متكمم وصدرى بيموت على شَومة هوا، فهمت اللي كان لازم أفهمه من سنين؛ الأهل ممكن يكونوا بيت وسند، وممكن يكونوا مصيدة متغطية بمفرش سفرة نظيف. أنا ائتمنتهم على اللقمة وعلى شقايا، اديت لمدحت الباسوردات بتاعة حساباتي لما قالي أمه محتاجة عملية، وخليت سارة تقعد في أوضة الضيوف لما قالت ماليش مكان يلمني، أكلوا من عيشي وملحي، وناموا تحت سقفي، وركبوا عربيتي، وعاشوا بفلوسي، وكانوا بيقولوا لي يا حبيبتي وهما بيعرفوا بالملي أنا شايلا ورق الميراث بتاعي فين. الطمع مش دايماً بييجي بزعيق وخناق، ساعات بيجيلك في صورة
طبق شوربة، ويقعد يسألك الأكل محتاج ملح؟ ويستناك لحد ما تبلع الطُّعم. بدأت أرفس، في الأول بكعوب رجلي، وبعدين بكتافي، وبصوابع إيديا لحد ما جلدي اتهرى واتفتح من خشب الصندوق الناشف، مكنتش شبه الأفلام ولا لقطة شجاعة، دي كانت حركة عشوائية، مرعوبة، وحيوانية، كل خبطة كانت بترد فيا بصوت صدى، وكل صدى كان بيخلي الهوا يقل ويخنقني أكتر. فوقيا، حد سأل لسه هنستنى؟ سارة ردت وقالت كل ما نقفل التربة أسرع، كل ما الكابوس ده يخلص ونرتاح. حطت في كلامها نبرة دين وستر وهي بتدفن أختها صاحية، ومبكتش وهي بتقولها، والبرود ده دبحني أكتر من الحبال اللي مكتفاني. بعدين، هشوف دفتر حرس المدافن ومكتوب فيه دخول الساعة 1046 بالليل، وهشوف طلب غلق ودفن داخلي، مختوم من مكتب المدافن ومتوقع بخط إيد أنا حافظاها صم، هشوف الورقة اللي بتقول إن القبر اتعلم عليه للغلق الفوري، كأن روح البني آدم مجرد ملف بيتقفل ويترمي في الأرشيف، بس جوة الصندوق ده مكنش معايا ورق، كان معايا غل وعزيمة. فضلت أحك إيديا في الحبل لحد ما اللحم اتسلخ والدم غرق المكان، البلاستر اللي على بوقي اتبل من دموعي وريقي، عضيت القماش، شديت، اتنفست من مناخيري، وشديت تاني، في فتلة اتقطعت، وبعدها التانية، ولما إيد واحدة سلكت، رزعت اللوح الخشب بكل عزمي لدرجة إن الوجع سمع في كوعي. فوقيا، مدحت شتم بصوت واطي أنتِ سمعتِ الصوت ده؟، سارة
سكتت لثانية طويلة وقالت ده تريح الإسمنت والخرسانة بتنشف. كدب! خبطت تاني، المكان كله كأنه اتجمد، الكواريك وقفت، والجرادل رنت في الطوب، في حد نَفَسه كان عالي وقريب جداً من اللوح الخشب، وفجأة سمعت صوت تاني، صوت ست، بس مش سارة، دي كانت ميادة، صاحبة عمري وشريكتي في الشغل، الإنسانة الوحيدة اللي لاحظت إني مبردش من بعد العشا، والوحيدة اللي مبلعتش كدبة مدحت لما قالها بكل برود إنها تعبانة وراحت ترتاح في مكان بعيد. ميادة حافظة طبعي، وعارفة إني لازم أبعت لها رسالة قبل ما أنام، وعارفة إني مستحيل أسيب شنطة إيدي معلقة على ضهر كرسي المطبخ وأمشي، الساعة 1118 بالليل، كانت بعتة رسالة إيمي، أنتِ كويسة؟، وعلى الساعة 1141، كانت واقفة على بوابة المدافن وبتسأل الحارس ليه اسمي محطوط في دفتر الليل؟ وأنا بخبط اللوح الخشب من تحت، سمعتها وهي بتزعق وبتسأل السؤال اللي محدش برا كان عايز يجاوب عليه أنتوا بتقفلوا التربة دي ليه والورق الرسمي لسه مطلعش؟. محدش نطق، خبطت تاني، مرة، واتنين، وتلاتة، صوابعي مبقتش حاسة بيها، حسيتها بقت صوابع ست تانية، ست غضبانة وناوية تجيب عاليها واطيها. وفجأة، خيط نور رفيع دخل من شرخ صغير في الخشب، ومعاه دخل أحلى وأجمل شوية هوا اتنفستهم في حياتي كلها، وبدأت إيدين من برا تقشع الإسمنت الطري بسرعة، مدحت نطق اسمي لأول مرة الليلة دي، بس مكنش صوت جوز، ده كان
صوت مجرم بيسمع حكم إعدامه، وميادة رفعت صوتها قدام كل اللي واقفين وقالت إن أمر الدفن ده مزور ومدحت مش هو اللي طالبه، سارة ثبتت في مكانها ومبقتش قادرة تتحرك.
يا ترى إيه اللي حصل لما باب التربة انفتح وخرجت ليهم بكفن طين؟ وإيه السر الصادم اللي ميادة كشفته في ورق الميراث وهيقلب السحر على الساحر؟ وإزاي مدحت وسارة هيلاقوا نفسهم جوة القفص في قضية شروع في قتل عقابها ؟
أول حاجة شفتها لما غطا التربة اتشال كانت السما.
سما الفجر الرمادي، باهتة ومغبشة، بس بالنسبة لي كانت أجمل منظر شافته عيني في حياتي كلها.
الهوا دخل صدري مرة واحدة بعنف، لدرجة إني شرقت وسعلت كأني بتعلم أتنفس من جديد.
إيديا كانت متسلخة ونازفة، وشعري ملزق في وشي بالطين والعرق، والكفن الأبيض اللي لفوني بيه بقى بني من التراب والإسمنت.
ولما حاولت أطلع وقعت.
رجليا ماكانوش شايليني.
لكن ميادة نزلت بنفسها جوة نص التربة، ومسكتني من تحت دراعاتي وهي بتعيط وتزعق في نفس الوقت
إيمي! بصيلي! فوقي! أنا هنا!
صوتها كان أول صوت آدمي حسّسني إني لسه عايشة.
طلعت من القبر حرفيًا بين إيدين الناس.
العمال كانوا مرعوبين، واحد منهم وقع منه الكوريك وهو بيقول
يا ساتر يا رب دي كانت عايشة!
أما مدحت
فكان واقف بعيد، وشه أبيض بطريقة تخوف، وعينيه مثبتين عليا كأني شبح طلع من تحت الأرض عشان ينتقم.
وسارة؟
كانت راجعة لورا خطوة بخطوة، حاطة إيدها على بقها، وشها كله متكسر.
قربت منهم وأنا بترنح، والكفن بيجر
ورايا في الطين، وبصيت لمدحت مباشرة.
أقسم بالله
عمري ما شفت خوف حقيقي في عين بني آدم زي اللي شفته وقتها.
مش خوف من فضيحة.
ولا سجن.
خوف من واحدة كان متأكد إنها ماتت ورجعت.
قولت بصوت مبحوح متقطع
كنتوا مستعجلين تدفنوني ليه؟
ولا واحد رد.
ميادة كانت مسكة موبيلها، والكاميرا شغالة.
صورت التربة.
الإسمنت الطري.
الحبال.
الكفن.
وصورت وشي.
وقالت بصوت عالي قدام الحارس والعمال
الست دي كانت مدفونة حية.
وأي حد هيمسح أثر أو يهرب هيتحاسب كشريك.
مدحت أخيرًا اتحرك وقال بسرعة مرتبكة
إيمي اسمعيني الموضوع فيه سوء تفاهم
ضحكت.
أيوه ضحكت.
ضحكة طلعت مع الدم والتراب والوجع.
سوء تفاهم؟
إنت حطيت مراتيك في قبر يا مدحت.
سارة انهارت فجأة وصرخت
هو اللي خطط! أنا ماليش دعوة!
مدحت لف لها بصدمة
إنتِ اتجننتي؟!
لكن سارة كانت خلاص بتغرق.
ودي طبيعة الجرابيع أول ما السفينة تغرق، يعضوا بعض.
الإسعاف وصلت، والشرطة بعدها بدقايق.
واللي قلب القضية من شروع في قتل لجريمة مكتملة الأركان تقريبًا، كان تقرير الطب الشرعي.
التحليل أثبت إن المادة اللي اتحطتلي في الشوربة كانت خليط مهدئات ومنوم قوي بجرعة ممكن توقف التنفس تدريجيًا.
يعني الخطة كانت بسيطة ومرعبة
ينوموني.
يفتكروا نفسي وقف.
يدفنوني بسرعة.
والتراب يكمل الباقي.
الموت المثالي.
لا دم.
لا صريخ.
لا مقاومة.
بس اللي هما ماحسبوهوش إني صحيت.
في المستشفى، وأنا تحت الأجهزة والمحاليل، ميادة جت وقعدت جنبي.
كانت ساكتة شوية،
وبعدين قالت
في حاجة لازم تعرفيها.
لفيت لها ببطء.
طلعت فايل من شنطتها.
أنا كنت بشك في مدحت من فترة.
قلبي اتقبض.
ليه؟
فتحت الورق.
وكانت صدمة عمري.
مدحت كان مزور توكيلات باسمي من شهور.
ومش بس كده
كان بيبيع أصول من شركتي بالتدريج.
شركتي أنا.
الشركة اللي ورثتها عن أبويا.
لكن المفاجأة الأقذر؟
إن سارة كانت شريكته.
مش مجرد أخت مغفلة اتضحك عليها.
لا.
كانت شريكة كاملة.
توقيعات.
تحويلات.
حسابات مشتركة.
حتى بوليصة التأمين على حياتي كانوا رافعين قيمتها قبلها بشهر.
وقتها فهمت.
أنا ماكنتش زوجة ولا أخت بالنسبة لهم.
أنا كنت صفقة.
جثة عليها مكسب.
القضية ولعت البلد.
سيدة تخرج حية من قبرها بعد محاولة دفنها.
الصحافة اتجننت.
القنوات كانت واقفة تحت المستشفى.
والناس بقت تتكلم عني كأني أسطورة.
لكن الحقيقة؟
أنا ماكنتش قوية.
أنا كنت مرعوبة.
كل ليلة كنت أصحى مخضوضة، حاسة بخشب التابوت فوق صدري.
ريحة الإسمنت فضلت في مناخيري شهور.
حتى وأنا نايمة على سرير نضيف كنت أصحى أتحسس الهوا حواليا.
أتأكد إني مش مدفونة تاني.
التحقيقات كشفت كل حاجة.
دفتر المدافن كان مزور.
شهادة الوفاة مزورة.
وطبيب الامتياز اللي مضى الورق قبض رشوة.
لكن الضربة القاضية جات من ميادة.
قبل الحادثة بأسبوع، كانت شكاكة في تصرفات مدحت، فدخلت راجعت ملفات الشركة.
وهناك اكتشفت إن فيه بند غريب جدًا في وصيتي القديمة.
بند بيقول إنه في حالة وفاتي، كل أسهمي وممتلكاتي تنتقل مباشرة للزوج الشرعي.
مدحت كان عارف.
وكان مستعجل.
لكن الغبي ماعرفش إن أبويا قبل ما يموت غيّر بند مهم جدًا من غير ما حد يعرف.
بند بيقول
في حالة الوفاة غير الطبيعية أو محل شبهة جنائية، تُجمّد كل الأصول لحين انتهاء التحقيق، وتؤول الملكية إلى مؤسسة خيرية.
يعني حتى لو كنت مت
مدحت وسارة ماكانوش هيشوفوا جنيه.
لما المحامي قال المعلومة دي في التحقيق، مدحت حرفيًا انهار.
قعد يضحك بشكل هستيري ويقول
يعني كل ده راح؟!
أيوه.
كل ده راح.
خسر فلوسه وحريته وسمعته.
عشان الطمع لما يعمي البني آدم، بيخليه يحفر قبره بإيده.
المحكمة كانت زحمة بشكل مرعب يوم النطق بالحكم.
أنا دخلت القاعة ببطء، والناس كلها قامت تبصلي.
يمكن لأنهم كانوا متوقعين يشوفوا ضحية مكسورة.
لكنهم شافوا واحدة رجعت من قبرها.
مدحت كان لابس البدلة البيضا بتاعة الحبس، وشعره شاب فجأة.
أما سارة
فماقدرتش تبص في عيني.
القاضي قالها بوضوح
المتهمان شرعا عمدًا في قتل المجني عليها بدافع الاستيلاء على أموالها وميراثها، مع سبق الإصرار والترصد.
الحكم نزل ثقيل.
السجن المؤبد لمدحت.
وخمسة وعشرين سنة لسارة.
والطبيب والمحامي والحارس اتحكم عليهم في قضايا تزوير وتستر.
بعد سنة كاملة
وقفت قدام التربة تاني.
بس المرة دي، الشمس كانت طالعة.
وإيدي كانت ثابتة.
حطيت وردة بيضا على الأرض، وبصيت للقبر اللي كان هيبقى نهايتي.
وقولت بهدوء
أنا متدفنتش هنا أنا اتولدت من جديد.
ميادة كانت واقفة بعيد مستنياني.
ولما ركبت العربية، سألتني
خايفة؟
بصيت من الشباك للسما.
وفكرت في ليلة الطين والخشب والظلمة.
وبعدين ابتسمت لأول مرة من قلبي.
لا.
اللي خرج من القبر مرة عمره ما يخاف من حد تاني.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق