رجعت الفيلا
رجعت الفيلا
رجعنا الفيلا أول يوم العيد الكبير لقينا عيلة جوزي عاملة عزومة كاملة عندنا من غير إذنبس لما طلبنا منهم يمشوا، حصل اللي محدش كان متوقعه…..
يا إيمان، إخلصي هاتي مفاتيح الفيلا بسرعة! العيال هبطانين من الجوع واللحمة الضاني لسه نية على الشواية!
عمو فاروق قال الجملة دي بنبرة عادية وبسيطة جداً، لدرجة إني حسيت للحظة إني مش صاحبة المكان، بل مجرد جارة معدية بالصدفة بتسلم عليهم في أول أيام العيد!
وقفت مكاني عند البوابة، متنحة والشنط في إيدي. لثواني، فضلت باصة في صمت للخراب اللي حل ببيتنا أنا وشريف في كام ساعة بس. لحد إمبارح، البيت ده كان هادي، دافي، ريحة الخشب والدهان الجديد لسه تفوح منه.. ودلوقتي، الأرض اللي حواليه بقت مستباحة لعربيات غريبة. عربيات دفع رباعي ضخمة راكنة فوق النجيل الأخضر الجديد اللي زرعناه بإيدينا، وكنا بنسقيه كل يوم وقت العصاري بكل حب وفخر…
سألت بصوت مرعوش ومذهول
عمو فاروق؟ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ والعربيات دي راكنة فوق النجيل ليه؟
ضحك عمو فاروق وهو بيخبط على بطنه وقال
بيحصل إئ إزاي يا بنتي؟ هو مش النهارده أول أيام العيد الكبير ولا إيه! إحنا خلصنا صلاة العيد وجينا كلنا على هنا علطول، طنت ميرفت وتامر
وعيلته، وحتى سمير اللي لسه نازل إمبارح من دبي جه معانا! كنا فاكرينكم مستنيينا بعد الصبحية بس ملقيناش حد!
في اللحظة دي، شريف وقف ورايا من غير ما ينطق بحرف. حسيت بجسمه كله وهو بيتشد ويتخشب. شريف بطبعه هادي وصبور لأبعد حد، بس اللحظة دي كتفت كتافه وخلتها زي الحجر. عينه راحت مباشرة على شواية الفحم الضخمة اللي محطوطة فوق بلاط البورسلين الفاتح بتاع التراس الجديد.. الشرر المتطاير ورماد الفحم كانوا بيسيبوا نقط سودا ومشوهة على الأرضية اللي لسه بتلمع…
من ورا الحيطة ظهرت طنط ميرفت وهي شايلة صينية رقاق كبيرة مغطية بفويل، وقالت بصوت عالي
إيه ده يا شريف؟ واقف مكانك كده ليه يا حبيبي؟ كل سنة وأنتم طيبين! الله! بسم الله ما شاء الله، المكان يجنن بجد! إحنا خلاص قررنا كعيلة، من هنا ورايح كل أعيادنا ومناسباتنا وبح ومشاوي العيد هتبقى عندكم هنا.. لازم نرجع لمتنا القديمة وصوت العيلة!
همس شريف بنبرة هادية بس تخوف
لمتنا القديمة يا طنط ميرفت؟ بس باين عليكي نسيتي إن اللمة دي زمان كان فيها شقا وتعب مشترك. الصيف اللي فات كله أنا وإيمان كنا هنا لوحدنا بنبني ونعرق تحت الشمس، ومحدش فيكم فكر يرفع معانا طوبة أو يسأل محتاجين إيه
لوحت بإيدها وهي بتعدي من جنبي ببرود وقالت
يووه، بلاش نكد بقى في يوم العيد الصبح! العيلة جت بالبهجة والبركة ولازم تفرحوا. يلا افتحوا الأبواب عاوزين نتفرج على البيت من جوه.. تامر قالنا إن الحمام بتاعكم مكلف أكتر من تمن عربيتي!
الدوشة كانت بتزيد. عيال تامر الصغيرين كانوا بيجروا في كل حتة، ماسكين غصون شجر وبيكسروا في شتلات الياسمين الهندي والورد اللي لسه زارعينها من كام يوم وهم بيلعبوا بمسدسات الخرز. ومن كاسيت واحدة من العربيات، كان شغال تكبيرات العيد متداخلة مع مهرجان شعبي بصوت عالي ومزعج، مغطي على صوت العصافير والهدوء اللي هربنا من زحمة القاهرة بسببه….
وقفت على سلم التراس، وقطعت الطريق على طنت ميرفت وقلت بمنتهى الحسم
محدش هيدخل البيت جوه.
برقت طنط ميرفت وقالت بذهول
أنتِ بتتكلمي جد يا إيمان؟ مش عاوزه تدخلي خالتك بيتك في العيد؟ ده إحنا جايين وجايبين معانا خير ربنا كله، لحمة الأضحية والرقاق والفتة بالخل والثوم!
رديت ببرود وثبات
أنا معزمتش حد يا طنت.. لا أنتِ، ولا عمو فاروق، ولا تامر. البيت ده بيتنا، وأنا وشريف كنا عاوزين نقضي العيد ده لوحدنا وبراحتنا بعيد عن الدوشة.
في اللحظة دي قرب مننا تامر وهو ماسك كوباية شاي وقال وهو بيخبط على كتف شريف بقوة
جرى إيه يا شريف؟ صلوا على النبي كده، ده العيد فرحة وإحنا طول عمرنا عيلة واحدة وبنتجمع في العيد الكبير. جدك الله يرحمه لو كان عايش وشافكم بتطردونا في العيد كان هيقول إيه؟ الأرض دي أصلاً كانت أرضه زمان!
رد شريف وهو بيبص في عينه مباشرة وبنبرة قاطعة
عليه أفضل الصلاة والسلام.. كانت أرضه يا تامر.. دلوقتي بالورق والقانون دي أرضي، والبيت ده اتبنى بفلوس شقاي أنا ومراتي. أنت جيت مرة شيلت معانا طوبة؟ سألت مرة محتاجين مساعدة والبيت بيتبني؟
اتحرج تامر وهمس
كل واحد فيه اللي مكفيه ومشاغله بقى…
هز شريف رأسه بابتسامة سخرية وقال
تمام.. وطبعاً المشاغل دي مابتخلصش غير لما البيت يخلص ويبقى جاهز للمشاوي والفسحة. عموماً، خد عربيتك وطلعها برة النجيل فوراً.. دلوقتي حالا.
ضحك تامر باستهزاء وقال
يا عم كبر مخك! هو إحنا غرب؟ النجيل هيطلع تاني غيره.. تعالوا بس ناكل لقمة سوا ونهدي النفوس في الأيام المفترجة دي.
بصيت لشريف، شفايفه كانت مضمومة بقوة وعروق رقبته نافرة…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…..
وقفت وقلت بقوة زلزلت المكان
مفيش لقمة هتتاكل هنا.. لموا حاجتكم وشوايتكم واتفضلوا مع السلامة.. وووو فجأة ……….!!!!!
حكايات_مني_السيدة
ووووفجأة صوت تكسير جامد دوّى في المكان كله!
الكل لفّ ناحية الصوت، ولثانية كاملة
الدنيا سكتت حتى الأغاني والتكبيرات حسيت إنها وقفت.
واحد من عيال تامر كان بيجري بمسدس الخرز، خبط في الترابيزة الكبيرة اللي عليها صواني اللحمة والفتة والترابيزة اتقلبت بالكامل فوق الأرضية الجديدة!
صينية الرقاق سخنة اتفرتكت على البورسلين، وحلة الشوربة اتكبت، والفحم المولع وقع جنب الكنبة الخارجية الجديدة اللي إيمان كانت لسه جايباها من أسبوع.
صرخت إيمان النار! شريف النار!
شريف جري بسرعة رهيبة، شال الكنبة بعيد قبل ما النار تمسك فيها بثواني، بينما إيمان جابت الخرطوم وبدأت تطفي الشرر اللي انتشر فوق الأرض.
العيال بقوا يعيطوا، وطنط ميرفت حطت إيدها على قلبها يا ساتر يا رب! يا نهار أبيض!
أما تامر فكان واقف متجمد.
لأن البورسلين الإيطالي الفاتح اللي شريف كان معتز بيه اتشوّه تماماً من الفحم والنار والزيت المغلي.
شريف وقف في نص التراس، نفسه عالي، ووشه اتحول للأحمر من شدة العصبية، لكنه لأول مرة مازعقش.
بص لكل واحد فيهم بهدوء مخيف وقال شفتوا؟ دي بالظبط المشكلة. أنتم بتتعاملوا مع تعب الناس كأنه حاجة ببلاش.
سكت الكل.
حتى عمو فاروق نزل عينه في الأرض.
إيمان قربت من شريف وحطت إيدها على كتفه، لكنه كمل أنا عمري ما بخلت عليكم بحاجة لكن عمركم ما احترمتوا حدود حد. البيت ده مش استراحة عامة. ده تعب سنين.
طنط ميرفت حاولت تضحك التوتر يا حبيبي معلش حادثة وعدت، الأطفال بقى
لكن شريف قاطعها لأ. الحادثة دي كانت لازم تحصل عشان نفهم كلنا حاجة مهمة.
وبعدين بص لتامر مباشرة إنت من ساعة ما جيت ولا مرة سألت حتى إذا كنا موافقين ولا لأ. دخلت بعربياتك وعيالك وعزومتك كأن المكان ملككم.
تامر اتضايق وقال بعصبية يعني هتعايرنا إننا أهلك؟
رد شريف بمنتهى البرود الأهل الحقيقيين بيسألوا قبل ما يدخلوا. مش بيقتحموا.
الكلمة نزلت عليهم تقيلة.
إيمان لأول مرة حست إن شريف أخيراً قال كل اللي جواه من سنين.
عمو فاروق تنحنح وقال طيب يا ابني خلاص حقكم علينا. إحنا يمكن اتحمسنا زيادة.
لكن طنط ميرفت فجأة قالت بعناد إيه يعني؟! عشان ربنا كرمكم بقيتوا شايفين نفسكم علينا؟
إيمان لفت ناحيتها فوراً لا يا طنط. إحنا عمرنا ما اتكبرنا بس فيه فرق بين صلة الرحم وقلة الذوق.
الكلام خبط فيهم كلهم.
وفجأة حصل اللي محدش كان متوقعه فعلًا.
عمو فاروق اتحرك ناحية ابنه تامر واداله بالقلم معاهمقدام الكل!
تامر اتصدم بابا!
صرخ فيه بعصبية اسكت! هما معاهم حق! إحنا دخلنا البيت كأننا أصحاب المكان! لا استئذان ولا احترام!
طنط ميرفت شهقت إنت بتضرب ابنك يوم العيد؟ !
رد بعصبية وعينه مليانة دموع أيوه أضربه! عشان أنا اللي ربيتكم غلط! فاكرين إن قرايبكم لازم يستحملوكم مهما عملتوا!
الصمت نزل على المكان بالكامل.
حتى الأطفال سكتوا من الخضة.
عمو فاروق بص لشريف وقال بصوت مكسور حقك عليا يا ابني يمكن فعلاً من ساعة ما أمك ماتت والعيلة اتفككت، وكل واحد بقى داخل خارج من غير حساب بس ده مايديناش الحق نكسر تعبك.
شريف ملامحه هديت شوية.
أما إيمان فاتفاجئت لما لقت الراجل الكبير بيقرب منها ويقول سامحينا يا بنتي.
اتأثرت رغم زعلها، لكنها قالت بهدوء إحنا مش ضدكم إحنا بس عاوزين نحس إن بيتنا له حرمة.
عمو فاروق هز راسه وقال ومن النهارده محدش يدخل عليكم إلا بإذن.
وبدأ بنفسه يجمع الكراسي والشواية.
تامر وقف محرج، وبعد لحظات طويلة من الصمت قرب من شريف وقال بصوت واطي أنا آسف.
شريف بصله شوية ثم قال النجيل اللي بوظته هيتزرع تاني. لكن الاحترام لو ضاع صعب يرجع.
تامر بلع ريقه وقال هيرجع أوعدك.
وبدأ يساعد أبوه يشيل الحاجات.
بعد ساعة تقريباً، المكان فضي.
رجع الهدوء للفيلا أخيراً صوت عصافير خفيف والهوا بيحرك ستاير التراس.
إيمان كانت قاعدة مرهقة على الكرسي الخارجي، تبص على آثار الفحم بحزن.
شريف خرج من جوه البيت بكوبايتين قهوة، وناولها واحدة.
ابتسمت بتعب أول يوم عيد مثالي فعلاً.
ضحك لأول مرة من قلبه أهو عمره ما هيتنسي.
سكتوا شوية.
وبعدين قال بهدوء عارفة؟ يمكن اللي حصل ده أحسن حاجة حصلت.
بصتله باستغراب إزاي؟
قال وهو باصص للبيت لأننا أخيراً حطينا حدود. والناس لما تعرف حدودك يا إما تحترمك، يا إما تبعد.
إيمان سندت راسها على كتفه وقالت وأنا مش عاوزة غيرك جنبي.
ابتسم وباس راسها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت تاني يوم
الساعة ١١ الصبح، جرس الفيلا رن.
فتح شريف الباب لقى تامر واقف، ومعاه عربية نقل صغيرة.
وراه عمال شايلين رولات نجيل جديد، وبلاط بورسلين مطابق للقديم، وكنبة خارجية جديدة تماماً.
شريف اتفاجئ إيه ده؟
تامر قال بإحراج تعويض عن اللي حصل.
وبعدين طلع ظرف من جيبه وقال وده عربون شغل.
إيمان استغربت شغل؟
ابتسم تامر وقال أنا عندي شركة تشطيبات صغيرة واقعة بقالها شهور كنت مكسوف أطلب مساعدتك يا شريف. بس بعد اللي حصل فهمت إن الغلط مش إن الواحد يحتاج الغلط إنه يستغل.
شريف فضل ساكت ثواني ثم ابتسم أخيراً تعالى ندخل نتكلم.
ومن يومها، العلاقة بينهم اتغيرت فعلاً.
بقت فيه حدود لكن كمان بقى فيه احترام.
والفيلا اللي بدأت أول يوم عيد بخناقة ونار وخراب انتهى العيد فيها بلمة حقيقية لأول مرة.
لمة فيها استئذان وفيها تقدير وفيها حب من غير فرض ولا استغلال.


تعليقات
إرسال تعليق