اقتحمت شقه قدیمه
اقتحمت شقه قدیمه
رأيت ورقةً قديمة معلّقة خلف الباب الحديدي الصدئ.
كانت تحمل صورة رحمة.
وأسفل الصورة مباشرة
عبارة كُتبت بحبرٍ أحمر داكن..
تمّ دفع ثمنها كاملًا
التسليم الجمعة بعد العشاء.
تجمّدتُ مكاني.
بقيتُ أحدّق في الورقة المعلّقة خلف الباب الحديديّ الصدئ، بينما كانت أنفاسي تخرج ببطءٍ ثقيل كأنّ الهواء صار أثقل من أن يدخل صدري.
الصورة نفسها.
وجه الطفلة نفسه.
الفستان الباهت نفسه.
لكنّ الكلمات المكتوبة بالحبر الأحمر
لم تكن إعلانًا عن طفلة مفقودة.
بل شيئًا أكثر ظلامًا.
شيئًا جعل معدتي تنقبض بعنف.
تمّ دفع ثمنها كاملًا.
ثمن.
كانت تتحدّث عنها كبضاعة.
لا كطفلة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت المفتاح داخل القفل.
هذه المرّة كان أوضح.
أقرب.
وأبطأ.
كأنّ مَن بالخارج لا يستعجل الدخول
لأنّه واثق أنّ ما بالداخل لا يستطيع الهرب.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف وأنا أحمل الطفلة بين ذراعيّ.
كانت أصابعها الصغيرة تتشبّث بقميصي بقوّة مؤلمة.
ثم همست قرب أذني بصوتٍ مرتجف
أرجوك لا تدعها تأخذني.
شعرتُ بشيء ينفجر داخل صدري.
غضب.
خوف.
وذنب قديم لم أفهمه.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
صدر ارتطامٌ قويّ بالباب.
ثم صوت امرأة تصرخ بعنف
افتحي يا بنت الكلب أعرف أنّك مستيقظة!
ارتجفت الطفلة بالكامل.
دفنت وجهها في صدري فورًا.
وشعرتُ بأنفاسها الساخنة المرتبكة تخترق جلدي.
نظرتُ حولي بسرعة.
الشقّة ضيّقة.
النوافذ محكمة بقضبان حديديّة قديمة.
ولا يوجد مخرج سوى نافذة صغيرة في المطبخ.
اندفعتُ نحوها بسرعة.
وخلفي
بدأ الباب يهتزّ بعنف.
كانت المرأة
تدفعه بجنون.
افتحي قبل أن أخلع الباب فوق رأسك!
وصلتُ إلى المطبخ.
دفعتُ النافذة بقوّة.
صرخت المفاصل الصدئة بصوتٍ حادّ.
وفي الخارج
كان المطر قد بدأ يهطل بغزارة.
زقاق ضيّق غارق في الظلام.
رائحة صرفٍ قديم.
وقطط تبحث في أكوام القمامة.
لكنّه كان أفضل من البقاء هنا.
رفعتُ الطفلة أوّلًا عبر النافذة.
ثم قفزتُ خلفها بسرعة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت تحطّم الباب الرئيسيّ.
تجمّدت الطفلة بين ذراعيّ.
ودوّى صوت المرأة داخل الشقّة
رحمة!
ثم صمتت لحظة.
وأردفت بصوتٍ أخفض وأكثر رعبًا
أعرف أنّ هناك أحدًا هنا.
حبستُ أنفاسي.
المطر كان يهطل فوق رؤوسنا بقوّة، يضرب الأرض القديمة كطبول حرب.
أخذتُ الطفلة وبدأتُ أسير وسط الزقاق بسرعة.
كانت قدماي تغوصان في الماء والطين، بينما تعلّقت الصغيرة بعنقي بصمت.
بعد خطوات قليلة
همست
ستجدنا.
لن تجدنا.
دائمًا تجدني.
كان في صوتها يقين مرعب.
يقين طفلة تعلّمت أنّ النجاة لا تدوم.
خرجتُ من الزقاق أخيرًا إلى شارع أوسع قليلًا.
المدينة بدت باردة على غير عادتها.
أضواء المحالّ الخافتة تنعكس فوق الماء.
وباعة الشاي يقفون تحت المظلّات المهترئة.
ولا أحد ينتبه لرجل يحمل طفلة صغيرة في هذا الوقت من الليل.
فهذه المدينة
اعتادت رؤية الألم.
واعتادت تجاهله أيضًا.
توقّفتُ تحت شرفة قديمة أحتمي بها من المطر.
أنزلتُ الطفلة برفق.
كانت ترتجف من البرد.
خلعتُ سترتي القديمة ولففتها حولها.
رفعت رأسها نحوي فجأة وسألت
لماذا تساعدني؟
فتحتُ فمي
لكنني لم أجد جوابًا.
لأنني أنا نفسي لم أفهم بعد.
ربّما لأنني رأيتُ الجوع في عينيها.
وربّما لأنني حين قرأت تلك الورقة
شعرتُ أنّني أنظر إلى نفسي القديمة.
طفل يُباع لأنّه لا يساوي شيئًا.
قلت أخيرًا بصوتٍ خافت
لأنّ الله لن يغفر لي إن تركتُكِ هناك.
صمتت قليلًا.
ثم قالت
كانت أمّي الحقيقيّة تقول الشيء نفسه.
تجمّدتُ مكاني.
انخفضتُ إلى مستواها ببطء.
تتذكّرين أمّك الحقيقيّة؟
هزّت رأسها الصغيرة.
قليلًا.
ماذا تتذكّرين؟
أغمضت عينيها كأنّها تبحث داخل الظلام عن صورة قديمة.
ثم همست
رائحتها كانت تشبه الصابون.
شعرتُ بانقباضٍ مؤلم في صدري.
الأطفال عادةً يتذكّرون الوجوه.
أمّا هي
فلم يبقَ لها سوى الرائحة.
أردفت
وكانت تقرأ لي القرآن قبل النوم.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
ثم سألت
وهل تتذكّرين كيف وصلتِ إلى تلك المرأة؟
ارتبكت.
بدأت أصابعها الصغيرة تتحرّك بتوتّر.
لا أعرف
ثم همست
أتذكّر رجلًا حملني.
أيّ رجل؟
كانت رائحته سجائر.
ثم وضعت يدها فوق عينيها.
وبعدها أصبح كل شيء مظلمًا.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
اختُطفت.
هذه الطفلة اختُطفت فعلًا.
وفجأة
دوّى صوت صراخ بعيد في آخر الشارع.
التفتُّ بسرعة.
وفي نهاية الطريق الضيّق
كانت المرأة تظهر من بين المطر.
ترتدي عباءة سوداء.
تمشي ببطء.
وتبحث بعينيها في الوجوه.
حتى من بعيد
استطعتُ رؤية القسوة في ملامحها.
وحين وقعت عيناها علينا
ابتسمت.
ابتسامة باردة جعلت الدم يتجمّد في عروقي.
ثم بدأت تمشي نحونا.
اختبأت الطفلة خلف ظهري فورًا.
وشعرتُ بيدها تتمسّك بقميصي كأنّها تغرق.
المرأة اقتربت أكثر.
حتى صارت على
بعد خطوات.
كانت رائحة السجائر الرخيصة تفوح منها.
وعيناها غارقتين في السواد.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت بهدوء مرعب
أحسنت.
وجدتَها أسرع ممّا توقعت.
قبضتُ على يد الطفلة بقوّة.
قلت بحدّة
ابتعدي عنها.
ضحكت المرأة ضحكة خافتة.
ابتعد عنها؟
إنّها ابنتي.
صرخت الطفلة فورًا
كذّابة!
اختفت الابتسامة من وجه المرأة في لحظة.
وقالت بصوتٍ بارد
يبدو أنّك نسيتِ الضرب الأخير.
ثم نظرت إليّ مجددًا.
اسمع يا أخ هذه الطفلة مريضة وتهرب دائمًا. أعطني إيّاها وانصرف.
لكنّ الطفلة كانت ترتجف خلف ظهري وهي تبكي بصمت.
وهنا فقط
فهمت الحقيقة كاملة.
هذه ليست أمًّا.
الأم لا يرتعب طفلها من صوتها هكذا.
الأم لا يختبئ منها طفل أعمى كأنّ الموت يطارده.
قالت المرأة ببرود
آخر مرّة أطلبها باحترام.
شعرتُ بالمطواة داخل جيبي.
وثقلها بدا مختلفًا هذه المرّة.
ليس كسلاح.
بل كقرار.
ثم اقتربت المرأة خطوة أخرى وقالت
هل أخبرتك بما يحدث للأطفال الذين يأخذون أشياء لا تخصّهم؟
توقّفتُ عن التنفّس للحظة.
وخلفي
كانت الطفلة ترتجف كعصفور مبتلّ.
قالت المرأة بصوتٍ منخفض
أعطني البنت ولن تحدث مشكلة.
قبضتُ على يد الطفلة بقوّة أكبر.
ثم قلت ببطء
اسمها ليس رحمة.
ساد الصمت.
حتى المطر بدا وكأنّه خفّ فجأة.
ثم ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة باردة.
يبدو أنّك قرأت الورقة.
من هي ليان؟
اختفت الابتسامة تمامًا.
وفي تلك اللحظة فقط
عرفتُ أنّني أصبت الهدف.
اقتربت المرأة خطوة أخرى.
ثم قالت
لا تتدخّل فيما لا يعنيك.
لكنّ الطفلة صرخت فجأة
لا تتركها تأخذني بالله
عليك!
ذلك الصوت
ذلك الرعب الحقيقيّ في صوت طفلة صغيرة
كان كافيًا لأفهم أنّه لم يعد هناك طريق للعودة.
لم أعد لصًّا يحاول النجاة.
بل رجل يقف بين طفلة والموت.
سمعتُ صفّارة شرطة بعيدة.
المرأة سمعتها أيضًا.
رأيتُ
التوتّر يمرّ سريعًا في عينيها.
ثم قالت بسرعة
اسمع أعطني البنت وخذ المال.
أخرجت رزمة نقود من حقيبتها.
كانت مبلّلة بالمطر.
خذها كلّها.
نظرتُ إلى المال.
ثم إلى الطفلة.
وتذكّرتُ نفسي قبل سنوات طويلة
حين باعني أبي مقابل ديونه.
نعم.
كان ذلك يحدث.
في الأحياء التي نشأنا فيها
الجوع يجعل البشر يبيعون كل شيء.
حتى أبناءهم.
شعرتُ بالغثيان.
ثم بصقت قرب قدميها وقلت
لو متُّ جوعًا لن أبيع طفلة.
تغيّرت ملامحها فورًا.
اختفى الهدوء من وجهها تمامًا.
وقالت بحدّة
إذًا ستموت بسببها.
وفي لحظة واحدة
أخرجت سكينًا صغيرة من تحت عباءتها.
دفعتُ الطفلة خلفي بسرعة.
تراجعت وهي تبكي بصمت.
المطر كان يزداد غزارة.
والشارع شبه خالٍ.
لا أحد يريد التدخّل.
فهذه المدينة تعلّمت أن تنظر بعيدًا.
انقضّت المرأة نحوي فجأة.
تفاديتُ الضربة بصعوبة.
واصطدمت يدها بالحائط الحجريّ بقوّة.
صرخت غاضبة.
ثم عادت تهاجمني بعنف.
كانت تتحرّك كإنسانة يائسة.
كذئبة تخشى خسارة فريستها الأخيرة.
أمسكتُ معصمها بكلّ ما أملك من قوّة.
سقطت السكين من يدها وارتطمت بالأرض.
لكنّها لم تتوقّف.
بدأت تضربني بأظافرها وتصرخ
لن تأخذها منّي!
هي ملكي!
تجمّدتُ للحظة عند تلك الكلمة.
ملكي.
هكذا كانت تراها.
شيئًا يُباع ويُشترى.
دفعتُها بعيدًا بقوّة فسقطت فوق الأرض المبلّلة.
وفي اللحظة نفسها
دوّى صوت صفّارة شرطة أقرب هذه المرّة.
التفتت المرأة بسرعة.
والرعب ظهر أخيرًا في عينيها.
أما أنا
فكنت أتنفّس بصعوبة، بينما الطفلة تختبئ خلف ظهري وترتجف.
وفي آخر
الشارع
ظهرت أضواء سيارة الشرطة وسط المطر كأنّها تشقّ الظلام بسكينٍ بارد.
توقّفت السيارة عند أول الشارع، ونزل منها شرطيّان يركضان نحونا بسرعة، بينما كانت المرأة تحاول النهوض من فوق الأرض المبلّلة وهي تسبّ بعنف.
لكن قبل أن تهرب
صرخت الطفلة فجأة بصوتٍ مرتجف
هي التي كانت تضربني!
توقّفت المرأة مكانها.
كان الرعب قد ظهر أخيرًا في عينيها.
اقترب أحد الشرطيّين منها بسرعة، بينما اتّجه الآخر نحوي.
نظر إليّ بريبة.
رجل مبلّل بالمطر.
ثيابه رثّة.
وجهه مليء بالخدوش.
ويحمل طفلة تبكي.
قال بحدّة
ماذا يحدث هنا؟
فتحتُ فمي
لكنّ الطفلة سبقتني.
تشبّثت بمعطفي وهي تصرخ
لا تأخذوني معها!
أرجوكم لا تعيدوني إليها!
ساد صمت ثقيل للحظة.
ثم ركع الشرطيّ أمامها ببطء.
وصوته تغيّر تمامًا
اهدئي يا صغيرة لن يلمسكِ أحد.
لكنّها لم تتوقّف عن الارتجاف.
كانت تتنفّس بسرعة مرعبة، كأنّها تنتظر أن ينهال عليها الضرب في أيّ لحظة.
نظر الشرطيّ إليّ مجددًا.
مَن هذه المرأة؟
وقبل أن أجيب
صرخت المرأة بعصبيّة
هذه ابنتي!
ذلك الحقير خطفها من البيت!
الشرطيّ التفت نحوها فورًا.
ثم نظر إلى الطفلة.
ما اسمكِ يا حبيبتي؟
ارتبكت الصغيرة.
شعرتُ بيدها تتشبّث بي أكثر.
كأنّ الاسم نفسه صار شيئًا تخافه.
ظلّت صامتة للحظات
وفجأة تذكّرتُ الورقة التي رأيتها معلّقة خلف الباب الحديديّ داخل الشقّة.
الصورة نفسها
وأسفلها اسم مكتوب بخط واضح
ليان محمود الشاذلي.
خرج الاسم من فمي دون تفكير
أظنّ أنّ اسمها ليان محمود الشاذلي.
تجمّد الشرطيّ للحظة.
وكأنّ
الاسم أيقظ شيئًا قديمًا في ذاكرته.
ثم نظر بسرعة إلى الطفلة.
اسمك ليان؟
ارتجفت الصغيرة
وبدت وكأنّها تحاول تذكّر شيء ضاع منها منذ زمن طويل.
ثم همست بصوتٍ ضعيف
أعتقد نعم.
أخرج الشرطيّ جهاز اللاسلكي بسرعة وبدأ يردّد الاسم.
ليان محمود الشاذلي.
ثوانٍ فقط
ثم تغيّر وجهه بالكامل.
رفع رأسه نحو المرأة ببطء.
وقال بحدّة مفاجئة
هذه الطفلة مبلّغ عن اختفائها منذ ثلاث سنوات.
تراجعت المرأة خطوة للخلف.
ثم حاولت الهرب فجأة.
لكنّ الشرطيّ الآخر أمسك بها وأسقطها أرضًا بعنف.
بدأت تصرخ وتسبّ وتقاوم كالمجنونة، بينما كانت الأمطار تضرب وجهها بقسوة.
أما ليان
فدفنت وجهها في صدري كأنّها تحاول الاختباء داخلي.
بعد دقائق قليلة
وصلت سيّارتا شرطة إضافيّتان.
وضجّ الشارع بالأصوات.
الجيران بدأوا يخرجون أخيرًا من النوافذ والأبواب.
كالعادة
لا يظهر الناس إلّا بعد انتهاء الخطر.
سمعتُ امرأة عجوز تتمتم
يا ساتر
كنا نظنّها ابنتها فعلًا.
وقال رجل آخر
البنت كانت تشحذ عند الجامع كل يوم.
كلّهم رأوها.
كلّهم مرّوا بجانبها.
ولا أحد سأل.
ولا أحد توقّف.
ولا أحد فكّر لماذا تبدو طفلة صغيرة مرعوبة دائمًا.
ذلك ما قتلني من الداخل.
ليس المرأة وحدها.
بل المدينة بأكملها.
مدينة تعلّمت كيف ترى الألم
ثم تدير وجهها بعيدًا.
اقترب منّي ضابط أكبر سنًّا.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وعيناه تحملان تعب سنوات طويلة.
نظر إلى ليان طويلًا.
ثم قال
أنت من وجدها؟
أومأت بصمت.
وكيف وصلت إليها؟
هنا فقط
عاد الواقع يصفعني بقسوة.
أنا لص.
دخلتُ
الشقة لأسرق.
لو قلت الحقيقة
ربّما ينتهي بي الأمر في السجن.
شعرتُ بقلبى يخبط بعنف داخل صدري.
لكن قبل أن أجيب
رفعت ليان رأسها نحوي فجأة.
ثم قالت وهي تبكي
هو أنقذني.
نظر الضابط إليها.
ثم إليّ.
وصمت طويلًا.
وأخيرًا قال
سنأخذ أقوال الجميع في القسم.
في القسم
جلست ليان فوق كرسي صغير ملفوفة ببطانية رمادية.
كانت هناك شرطية تحاول تهدئتها بلطف، بينما بقيت الصغيرة ممسكة بطرف معطفي وكأنّها تخاف أن أختفي لو ابتعدت قليلًا.
أما أنا
فجلست وحدي في غرفة ضيّقة تفوح منها رائحة القهوة الباردة والسجائر.
مصباح أبيض قاسٍ فوق رأسي.
وطاولة معدنية قديمة أمامي.
كان الضابط يجلس مقابلي ويدوّن ملاحظاته بصمت.
اسمك؟
سالم.
تعمل ماذا؟
ابتسمتُ بسخرية مريرة.
ماذا أقول؟
لص؟
عاطل؟
رجل ضاع من نفسه منذ سنوات؟
قلت أخيرًا
أيّ شيء يجعلني آكل.
رفع الضابط عينيه نحوي لحظة.
ثم عاد للكتابة.
أين تسكن؟
لا مكان ثابت.
توقّف قلمه هذه المرّة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
وماذا كنت تفعل قرب تلك الشقّة؟
جفّ حلقي.
شعرتُ بأنفاسي تثقل.
هذه اللحظة التي كنت أخشاها.
لو كذبت
ربّما يكتشفون الأمر لاحقًا.
ولو قلت الحقيقة
قد أعود إلى الزنزانة التي خرجتُ منها قبل عامين.
ظللتُ صامتًا للحظات.
ثم قلت بصوت منخفض
كنت سأسرقها.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى صوت المطر بالخارج بدا أبعد فجأة.
الضابط ظلّ ينظر إليّ دون أيّ تعبير.
ثم قال بهدوء
لكنّك لم تفعل.
ضحكتُ بسخرية موجوعة.
يبدو أنّني فشلت حتى في السرقة.
ولأول مرة منذ بداية التحقيق
رأيته يبتسم
ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم أغلق الملفّ أمامه.
أحيانًا يفشل الإنسان في الشيء الخطأ فينجو.
لم أعرف لماذا
لكنّ الجملة ضربتني بقوّة.
بعد ساعة تقريبًا
دخل ضابط آخر يحمل ملفًّا قديمًا.
وضعه فوق الطاولة.
ثم فتحه ببطء.
كانت هناك
صور كثيرة.
رجل أنيق يحمل طفلة صغيرة ويضحك.
امرأة محجّبة تقبّل خدّها.
غرفة مليئة بالألعاب.
عيد ميلاد.
حديقة.
عائلة كاملة.
ثم قال الضابط
والدها طبيب معروف.
اختُطفت من أمام مركز تجاري قبل ثلاث سنوات.
شعرتُ بقبضة تعتصر قلبي.
ثلاث سنوات كاملة
ثلاث سنوات وهي تُباع عند الإشارات وتُضرب وتُربط بالحبال.
بينما كانت عائلتها تبحث عنها في كل مكان.
أغمضتُ عينيّ للحظة.
ثم سألت
وهل أمّها ما زالت حيّة؟
نظر الضابط إليّ مطولًا.
ثم قال
دخلت مصحّة نفسيّة بعد اختفائها بعام.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
تخيّلت أمًّا تستيقظ كل صباح على غياب ابنتها.
تأكل وهي تتخيّلها جائعة.
وتنام وهي تتخيّلها تبكي في مكان مظلم.
بينما كانت ليان حيّة طوال الوقت
في شقة قذرة
تنتظر سندويشة فول.
مسحتُ وجهي بيدي المرتجفتين.
وفجأة
فُتح باب الغرفة بعنف.
التفتُّ بسرعة.
وكانت ليان تركض نحوي.
رمت نفسها في حضني فورًا.
وتشبّثت بي بقوّة.
قالت الشرطية خلفها باعتذار
رفضت أن تبقى بعيدًا عنه.
وضعتُ يدي فوق
شعرها بصمت.
ثم سمعتها تهمس قرب أذني
أنت لن تتركني أليس كذلك؟
أغمضتُ عينيّ.
كنت رجلًا بلا بيت.
بلا مال.
بلا مستقبل.
لكنّ تلك الطفلة
وثقت بي أكثر من كلّ البشر الذين قابلتهم في حياتي.
قلت أخيرًا
لن أترككِ حتى تعودي إلى أمّكِ.
وقبل الفجر بقليل
وصل والداها.
لن أنسى ذلك المشهد ما حييت.
دخل الأب أولًا.
رجل في الخمسين تقريبًا.
ملامحه مرهقة وكأنّه لم ينم منذ سنوات.
ثم دخلت الأم خلفه.
كانت ترتجف بالكامل.
وجهها شاحب.
وعيناها غارقتان في بكاء قديم لم يتوقّف أبدًا.
كانت تلهث وكأنّ قلبها سيتوقّف.
ثم نادت بصوت مكسور
ليان؟
التفتت الطفلة نحو الصوت.
تجمّدت.
ساد صمت طويل داخل القسم كله.
حتى الضبّاط توقّفوا عن الحركة.
ثم بدأت ليان ترتجف فجأة.
وكأنّ الذكرى القديمة عادت دفعة واحدة.
خطت الأم خطوة مرتجفة نحوها وهي تبكي
أنا هنا يا حبيبتي
أنا ماما
وضعت ليان يدها فوق فمها.
ثم انفجرت بالبكاء.
أول بكاء حقيقي رأيته منها.
ليس بكاء خوف.
بل بكاء طفلة وجدت الطريق أخيرًا إلى المكان
الذي تنتمي إليه.
ركضت الأم نحوها واحتضنتها بقوّة وهي تنهار بالكامل.
كانت تقبّل شعرها ويديها ووجهها بجنون.
وتكرّر وسط دموعها
سامحيني
سامحيني يا روحي
سامحيني لأنّي لم أجدكِ.
حتى الضبّاط ابتعدوا بصمت.
لا أحد استطاع الكلام.
أما الأب
فوقف مكانه للحظات كأنّه لا يصدق ما يراه.
ثم اقترب ببطء شديد.
ولمّا لمس شعر ابنته
انهار.
رجل بدا قويًّا طوال الوقت
سقط فجأة وهو يبكي كطفل صغير.
أما أنا
فوقفت بعيدًا أراقب المشهد.
وشعرتُ بشيء دافئ يتحرّك داخل صدري.
شيء لم أعرفه منذ زمن طويل.
السلام.
لأول مرة منذ سنوات
لم أشعر بالجوع.
ولا بالخوف.
ولا بالرغبة في الهرب.
ثم فجأة
تركت ليان حضن أمّها.
والتفتت نحوي.
ركضت بسرعة
وعانقتني بقوّة.
ثم قالت وهي تبكي
لا تذهب.
تجمّدتُ مكاني.
الأم نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع.
ثم اقتربت ببطء.
وقالت
أنت الذي أنقذتها؟
أخفضت رأسي بصمت.
لكنّها فاجأتني.
أمسكت يدي بكلتا يديها وقالت
لن أنسى هذا ما حييت.
شعرتُ بالخجل.
لأنّها لو عرفت الحقيقة
لو
عرفت أنّني دخلت لأسرق
ربّما ما نظرت إليّ بهذه الطريقة.
لكنّ ليان أمسكت يدي فجأة وقالت
هو ليس شريرًا يا ماما
أنا عرفت من صوته.
وهنا فقط
لم أعد قادرًا على حبس دموعي.
مع شروق الشمس خرجتُ من القسم وحدي.
كانت السماء رمادية والشوارع شبه فارغة.
القاهرة تبدو مختلفة عند الفجر.
أهدأ وأكثر صدقًا.
مشيتُ بلا اتجاه يدي داخل جيبي ورأسي مثقل بأشياء كثيرة.
كنت أتوقّع أن أشعر بالراحة.
لكنّ شيئًا غريبًا كان يضغط فوق صدري.
كأنّني تركت جزءًا مني هناك.
سمعتُ صوت خطوات خلفي ثم صوتًا صغيرًا يناديني
عمّ سالم!
التفتُّ بسرعة.
كانت ليان تركض نحوي.
تمسك يد أمّها وحين وصلت
عانقتني فورًا.
ثم رفعت وجهها نحوي وقالت
أول مرة أخاف من الدنيا أقل
كانت معك.
شعرتُ بحلقي يضيق.
الأم اقتربت ببطء.
ثم قالت
أعرف أنّ الشكر لا يكفي لكن إن احتجت أي شيء يومًا تعال إلينا.
أومأت بصمت.
لأنّ الكلمات خانتني.
ثم انحنت ليان قليلًا وهمست
عندما أشفى أريد أن أراك أول شخص.
ابتسمتُ رغم الدموع.
ستشفين.
قالتها بثقة غريبة
أعرف.
ثم أمسكت أمّها يدها ورحلتا ببطء.
بقيتُ واقفًا أراقبهما حتى اختفتا ثم رفعتُ رأسي نحو السماء.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرتُ أنّ الله معي.


تعليقات
إرسال تعليق