سر حليب الام
سر حليب الام
من شهر بس، جبت بنتي للدنيا واكتشفت إن جوزي كل ليلة كان بياخد حليب صدري بالسر ويروح بيه لبيت أمه. لحقته براحة واللي شفته خلى رجلي مش شيلاني. يوم ما ولدت أول بنت ليا، حسيت إن حياتي أخيراً كملت. كنت بتبص في وشها الصغير وأقول في قلبي خلاص، هو ده النعيم اللي كنت مستنياه. في أول شهر بعد الولادة، جوزي أحمد كان حنين بطريقة تخليني أستغرب وأمتن في نفس الوقت. ينزل الشغل بدري، ويرجع بسرعة قبل المغرب، يساعدني في المطبخ، ويرتب الببرونات، وحتى في نص الليل يقوم قبل ما أتحرك، ويقولي نامي إنتِ، أنا هجهز لها الرضعة. كنت بشوفه وهو شايل بنتنا بين إيديه، يهزها براحة ويطبطب على ضهرها لحد ما تنام، وعيني تدمع من الفرحة. قلت في نفسي يمكن التعب كله يهون مادام عندي راجل واقف جنبي. بس بعد الأسبوع الثالث، حصلت حاجة غريبة. كل ليلة تقريباً، بين الساعة اتنين وتلاتة الفجر، أحمد يقوم من السرير بشويش، ويمشي على طراطيف صوابعه، يفتح الثلاجة، وياخد أكياس من لبني اللي كنت بشفطه وأكتب عليه التاريخ والوقت. في البداية قلت يمكن عايز يسخن رضعة لبنتنا. بس لما ركزت أكتر، انتبهت إن الببرونة اللي في إيده مش رايحة لأوضتها وإنه
بيحط الأكياس في شنطة صغيرة ويخرج من البيت. كنت برضع وأشفط بانتظام، ومع كدة الكمية في الثلاجة كانت بتنقص بشكل ملوش تفسير. كل كيس كنت حطاه بحرص، يختفي كأنه مكنش موجود. قلبي بدأ ينقبض. ليه بياخد اللبن؟ ولمين؟ وإيه الشيء اللي يخليه ينزل في الوقت ده وكأنه عامل جريمة؟ قعدت كام ليلة مش بنام. أسمع نفس بنتي، وأسمع صوت باب الثلاجة، وأحس إن فيه سر بيمشي في بيتي وأنا آخر من يعلم. في يوم حاولت أتصرف طبيعي وسألته وأنا برتب المطبخ أحمد اللبن اللي شلته امبارح راح فين؟ ابتسم ابتسامة خفيفة، بس عينه هربت مني وقال يمكن بالغلط رميته والله ما خدت بالي. مصدقتوش. الأم بتحس. وقلبي كان بيصرخ إن فيه حاجة مش طبيعية. في الليلة اللي بعدها، عملت نفسي نايمة. غمضت عيني، بس كنت بمراقبه من تحت الغطا. بالظبط زي ما توقعت. قام براحة، فتح الثلاجة، طلع كذا كيس مكتوب عليهم التاريخ والساعة، حطهم في شنطة صغيرة، وبعدين فتح الباب بحذر كأنه خايف يصحينا. الغضب والخوف ولعوا في صدري. بس مواجهتوش. قررت ألحقه. لفيت طرحتي عليا، وتركت بنتي اللي عندها شهر عند أمي لأنها كانت قاعدة عندنا كام يوم تساعدني. طلعت وراه براحة. الشارع كان
فاضي، مفيش غير نور العواميد الصفرا وصوت خطواته المستعجلة. كان ماشي ورأسه في الأرض، وأنا وراه من بعيد، وقلبي بيدق كأنه هيفضحني قبل ما أوصل للحقيقة. زي ما توقعت، مراحش ناحية الشارع الرئيسي. مشي علطول لبيت أمه، الست كريمة، اللي ساكنة كام حارة بعيد عننا في نفس المنطقة. وقفت ورا شجرة وحبست نفسي. الباب اتفتح بالراحة. أمه طلعت له. كانت أضعف من الأول، ووشها باهت، وشعرها منكوش، وعينها فيها خوف مش تعب بس خوف من إن حاجة تتكشف. أحمد اداها الشنطة. اتكلموا بصوت واطي، ودخلوا بسرعة. وقفت مكاني متجمدة. يعني طول الوقت ده لبني كان بيروح لأمه. بس ليه؟ وإيه اللي ممكن تعمله ست كبيرة بلبن أم مرضعة؟ رجلي كانت بتترعش، لكن فضولي كان أقوى من خوفي. قربت شوية. الباب مكنش مقفول للآخر. من الفتحة الضيقة شفت مشهد مش هنساه طول عمري أمه كانت واقفة قدام ترابيزة صغيرة، وعلى الترابيزة ببرونة بنتي، وحواليها أكياس لبن كتير باسمي وتاريخي. وأحمد كان بيقول لها بصوت مكسور بسرعة يا أمي قبل ما تصحى وتحس. وبعدين سمعت صوت بكا طفل مش صوت بنتي. شهقت وحطيت إيدي على بقي. من جوه الأوضة طلعت ست شابة، وشها خاسس وعينها وارمة من العياط،
شايلة بيبى صغير ملفوف في كوفرتة بيضا. أمه أخدت كيس من لبني وبدأت تفضيه في الببرونة، والست كانت بتقول لو عرفت مراته كل حاجة هتنتهي. في اللحظة دي حسيت الأرض بتلف بيا. مين الست دي؟ وليه ابنها بيشرب من لبني؟ وليه جوزي واقف بينهم كأنه مخبي حياة تانية عني؟ كنت هقتحم المكان وأصرخ بس أحمد قال جملة خلت دمي يتجمد لازم نصبر كام يوم بس قبل ما أعترف لها إن الطفل
من الفتحة الضيقة، شفت حماتي بتحط أكياس لبني على الترابيزة كأنها حاجات عادية، وأحمد واقف جنبها بيراقب الباب بخوف. كان فيه ببرونة دافية، وغطا أبيض صغير، وصوت بكا خفيف جاي من الأوضة اللي جوه. قلبي وقف. ده مش صوت بنتي. طلعت ست شابة من الأوضة، شايلة طفل صغير على صدرها. وشها كان دبلان وعينها حمرا كأنها منامتش من أيام. حماتي أخدت كيس من لبني وبدأت تفضيه في الببرونة، والست قالت بصوت مكسور مينفعش نستمر كدة مراتك لها حق تعرف. أحمد رد عليها بسرعة وطي صوتك، هي نايمة. حسيت كأن حد كب عليا مية ساقعة. أنا مش نايمة. أنا واقفة على بعد خطوة من الحقيقة اللي كانوا بيدفنوها كل ليلة. الست ضمت الطفل أكتر وقالت كل يوم بتقول هتقول لها والواد بيكبر،
والكذبة بتكبر معاه. حماتي لفت عليها بعصبية لو عرفت، هتهد بيت ابني. بيتي أنا؟ ولا بيت ابنها؟ كنت ماسكة الباب بإيدي، وصوابعي بتترعش. كنت عايزة أدخل وأصرخ، بس أحمد قال جملة خلتني أتسمر في مكاني بس كام يوم وبعدين هقول لها إن الطفل ده لازم يعيش معانا. وقتها حسيت إن النفس اتقطع. طفل يعيش معانا؟ مين هو؟ وليه لبني أنا؟ وليه حماتي بتتصرف كأنها صاحبة القرار في جسمي وبيتي وبنتي؟ وقبل ما استوعب، الست رفعت عينها فيه وقالت بصوت واطي قول لها الحقيقة كاملة يا أحمد قول لها مين أبوه.
دخلت وأنا بصرخ والباب اتهبد في الحيطة أبوه مين يا أحمد؟! انطق!
كلهم اتخضوا، أحمد وشه بقى أصفر زي الليمونة، وحماتي وقعت منها الببرونة على الأرض، والست الشابة دي رجعت لورا وهي بتترعش وبتضم الطفل لصدرها. أحمد قرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي يا حبيبتي اهدي، والله كل حاجة ليها تفسير، اسمعيني بس.
نفضت إيده وزقيته بعيد وأنا زي المجنونة أسمع إيه؟ بقالك شهر بتسرق لبني اللي هو حق بنتك عشان ترضع ابن الست دي؟ مين دي يا أحمد؟ ودي تبقى مراتك التانية؟ وده ابنك؟
بصيت للست اللي كانت واقفة تعيط، ملامحها كانت متبهدلة وصغيرة
في السن، وفجأة حماتي اتكلمت بصوت واطي ومكسور دي نورا يا بنتي.. نورا أخت أحمد من الأب اللي عمرك ما شفتيها.. وده يبقى حفيدنا.
وقفت مكاني مذهولة، أخت أحمد؟ أحمد طول عمره بيقول إنه وحيد ملوش أخوات! بصيت لأحمد وقلت له بصوت مرعوش أختك؟ والسر ده كله ليه؟ وليه بترضع من لبني بالسر؟
أحمد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وقال نورا كانت هربانة من جوزها اللي كان بيعذبها، هربت وهي في آخر أيام حملها وجت لأمي هنا، ولدت من أسبوعين بس، بس من كتر الرعب والتعب اللي شافته لبنها نشف تماماً والولد كان بيموت من الجوع، وهي ممنوع تخرج أو تروح صيدلية عشان جوزها مراقب كل مكان وممكن يوصل لها عن طريق أي فيزا أو سجل.. لو عرف مكانها هياخد الولد ويقتلها.
نورا اتكلمت وهي بتشهق أنا آسفة.. والله ما كان قصدي أسرق حق بنتك، بس أحمد قال لي إن لبنك كتير ومكفي وزيادة، وإني لو شربت الولد لبن صناعي هيتعب لأنه مولود ضعيف ومحتاج مناعة.. أنا كنت بموت من الذنب كل ما بشرب ابني من لبنك وأنا مش قادرة أشكرك.
حماتي قربت مني وباست راسي وهي بتعيط يا بنتي إحنا خبينا عشان نورا في خطر، وجوزها راجل مجرم، لو شم خبر إنها هنا
هتحصل كارثة، أحمد كان بيعمل كدة عشان ينقذ أخته وابنها، وكان مستني يخلص لها ورق السفر عند خالتها في الصعيد عشان تمشي وتختفي، ووقتها كان هيقولك كل حاجة.
بصيت للطفل الصغير اللي كان بيعيط في حضنها، وبصيت لأكياس لبني اللي كانت مرمية على الترابيزة.. الغضب اللي في قلبي بدأ يبرد ويتحول لوجع، وجع من كتر الخوف اللي هما عايشين فيه، ووجع إن جوزي مأمنيش على سره.
قلت لأحمد وأنا بمسح دموعي كنت قولي يا أحمد.. كنت قولي وأنا اللي كنت هجيب لها اللبن بإيدي، وأنا اللي كنت هقف جنبها.. ليه خلتني أشك فيك وفي نفسي وتخليني أحس إني عايشة مع غريب؟
أحمد قام وخدني في حضنه وهو بيتأسف خفت عليكي من القلق، وخفت ترفضي أو تخافي وتتحملي سر كبير زي ده وانتي لسه والده وتعبانة.. سامحيني.
بصيت لنورا وقلت لها هاتي الولد يا نورا.. هاتيه يرضع، وبلاش الأكياس المتلجة دي.. من النهاردة أنا اللي ههتم بيه لحد ما يوصل لبر الأمان.
إيه رأيك في القفلة دي؟ هل كنتِ متوقعة إنها تطلع أخته ولا كان في بالك نهاية تانية؟
نورا بصت لي بذهول والدموع مغرقة وشها، مكنتش مصدقة إن الغضب اللي دخلت بيه اتبدل فجأة لحنية. أحمد بص لي وعينه
بتلمع بالفخر وندم في نفس الوقت، وحماتي قعدت على الكنبة وهي بتنهج من كتر الخوف اللي كان كاتم على نفسها.
أحمد قرب مني ومسك إيدي وباسها قدامهم أنا آسف يا منى.. أنا عارف إني غلطت لما خبيت عليكي، بس كان قصدي أحميكي من حرقة الدم والخوف اللي إحنا فيه.. جوز نورا ده مش بني آدم، ده شيطان، ومكنتش عايزك تترعبي كل ما جرس الباب يرن.
بصيت له وقلت له بحدة بس فيها هدوء أنا مراتك يا أحمد، يعني شريكة حياتك في الحلوة والمرّة.. الأمان مش إنك تخبي عني، الأمان إننا نشيل الشيلة مع بعض.. وبعدين دي أختك، يعني زي أختي، والبيبي ده ملوش ذنب يرضع بالسر كأنه بيعمل خطيئة.
نورا قربت مني وهي شايلة ابنها، كان حتة سكرة، صغنن قوي ووشه باهت فعلاً.. قالت لي بصوت يدوب مسموع سامحيني يا منى.. أنا كنت حاسة إني باخد حق بنتك، بس والله لولا لبنك كان الولد ده ضاع مني، أنا مكنتش باكل ولا بشرب من الرعب وصدري نشف خالص.
أخدت منها الولد، كان خفيف قوي في إيدي، حسيته زي بنتي بالظبط.. وقلت لها يا حبيبتي ده رزقه، وربنا بعته في وقت بنتي فيه مولودة عشان يرضع ويقوى.. متشيليش هم.
التفت لأحمد وقلت له أنا مش هسيب نورا هنا في الحارة لوحدها..
البيت ده مكشوف وأمك ست كبيرة ومش هتقدر تحميها لو الراجل ده عرف طريقها.. نورا والبيبي هيرجعوا معايا البيت، وأمي موجودة عندي وهتساعدنا، ومحدش هيتوقع إنها مستخبية في بيتنا إحنا.
أحمد اتفاجئ إنتِ بتقولي إيه؟ ده خطر عليكي يا منى!
رديت عليه بثقة الخطر الحقيقي إننا نفضل متفرقين كدة.. في بيتي، مفيش حد هيقدر يمد إيده على أختك، والبيبي هيرضع وسطنا وفي النور.
وفعلاً، في نفس الليلة، نورا لمّت حاجتها البسيطة وخدناها معانا في العربية بالسر.. أمي لما عرفت الحكاية، استقبلتها بالحضن وفضلت تدعي لأحمد إنه فكر في أخته، وقعدنا كلنا في الصالة.. البيت اللي كان مليان أسرار وشك، فجأة اتملى بالدفا والمشاركة.
بعد يومين، وأنا قاعدة برضع بنتي ونورا قاعدة جنبي بتأكل ابنها اللي بدأ وشه يرد فيه الروح، أحمد دخل علينا وهو ماسك تليفونه وفرحان خلاص يا جماعة، الورق جهز، وخالتي مستنية نورا في المزرعة في الصعيد، هناك محدش يقدر يوصل لها أبداً، والأسبوع الجاي هنسفرها في أمان.
بصيت لأحمد وابتسمت، حسيت إن اللبن اللي كان بيسرقه كل ليلة مكنش مجرد أكياس لبن، ده كان حبل نجاة.. والسر اللي كان هيهد بيتي، بقى هو السبب اللي خلاني أعرف قيمة الراجل اللي
اتجوزته أكتر، وإني عرفت إن الخير لما بيتقسم، بيكبر ومبينقصش
مر أسبوع من أصعب وأجمل الأسابيع في حياتي. نورا كانت معانا في البيت، وأمي قايمة بالواجب وزيادة، وبنتي وابن نورا بقوا زي التوأم، يرضعوا سوا ويناموا سوا. أحمد كان بيشوف المشهد ده وعينه مليانة دموع، حاسس إنه أخيراً شال حمل جبال من على كتافه.
وفي ليلة السفر، وأنا بجهز لنورا شنطة فيها لبس جديد ولبن بودرة احتياطي وكل اللي هتحتاجه هي والبيبي، سمعنا خبط جامد وعنيف على باب البيت.
كلنا اتجمدنا في مكانا. نورا وشها بقى زي الورقة البيضا ومسكت في دراعي وهي بتترعش هو.. هو يا منى! وصل لي، والله هيقتلني!
أحمد قام بسرعة ووشه كله غضب، شاور لنا ندخل الأوضة ونقفل علينا. دخلت أنا ونورا وأمي، وكتمنا نفس العيال عشان ميتلعش لهم صوت. ومن ورا الباب، سمعنا صوت جوزها عصام وهو بيصوت في الصالة فين نورا يا أحمد؟ أنا عارف إنها عندك! المكسورة اللي هربت ب ابني لازم تظهر دلوقتي بدل ما أهد البيت ده على اللي فيه!
أحمد رد عليه بصوت زي الرعد اطلع بره يا عصام.. إنت مالكش حد هنا، وأختي شرفها غالي، والظلم اللي شافته منك انتهى خلاص. لو فكرت تمد إيدك أو تعلي صوتك، البوليس هيكون هنا في دقيقة!
عصام فضل يهدد ويغلط، بس أحمد كان واقف زي السد المنيع. فجأة، سمعنا صوت سرينة بوليس تحت البيت. أحمد كان عامل حسابه ومبلغهم إن فيه شخص خطر بيهدد أمن بيته.
لما البوليس دخل وخد عصام، نورا وقعت على الأرض وهي بتعيط من الفرحة.. خلاص، الكابوس انزاح.
تاني يوم الصبح، الفجر كان لسه بيشقشق، أحمد جهز العربية وخد نورا والبيبي عشان يوصلهم للصعيد. ودعتها وأنا بعيط، كأنها أختي اللي أعرفها من سنين. نورا باست إيدي وقالت لي أنا عمري ما هنسى إن دم ابني من لبنك، وإني عشت بفضلك.. إنتِ مش بس مرات أخويا، إنتِ الملاك اللي أنقذ حياتنا.
بعد ما مشيوا، البيت هدي تماماً. قعدت في البلكونة أشرب شاي وأتفرج على الشمس وهي بتطلع. أحمد رجع بعد ساعات، وشه كان منور ومرتاح. جه قعد جنبي ومسك إيدي وقال لي عارفة يا منى.. أنا كنت فاكر إني بطل عشان خبيت وسرقت اللبن وساعدت أختي لوحدي.. بس اكتشفت إن البطل الحقيقي هو إنتِ.. بقلبك اللي وسعنا كلنا.
ابتسمت له وقلت له يا أحمد، اللبن اللي كنت بتاخده بالسر ده، كان رزق مكتوب للي محتاجه.. والبيت اللي يتفتح للغريب، ربنا بيحفظ فيه القريب.
ومن يومها، وبنتي بتكبر وهي عندها أخ في الصعيد، وأحمد بقى بيفتح الثلاجة
قدام عيني وهو بيضحك، مفيش أسرار، مفيش خوف.. مفيش غير دفا العيلة اللي اتبنى على الصدق والمحبة.
بعد سنين من الحكاية دي، بنتي كبرت وبقت عروسة زي القمر، وابن نورا ياسين بقى شاب مالي مركزه، وعمره ما قطع وِصله بينا. نورا استقرت في الصعيد واتجوزت راجل محترم من طرف خالتها، راجل عرف قيمتها وصانها وصان ابنها، وعوضها عن كل السواد اللي شافته زمان.
في يوم خطوبة بنتي، كان ياسين واقف جنب أحمد وكأنه ابنه بالظبط، وأحمد كان بيبص لهم والفرحة مش سيعاه. قربت منه وهمست في ودنه فاكر يا أحمد؟ فاكر لما كنت بتتسحب زي الحرامية في نص الليل عشان تاخد كيس اللبن؟
أحمد ضحك من قلبه وقال لي أدي الكيس الصغير ده هو اللي وقف الشاب ده على رجله النهاردة.. تصدقي يا منى، أنا كل ما بشوف ياسين، بفتكر الليلة اللي شفتك فيها واقفة ورا الباب وعينك كلها نار، وبقول سبحان من قلّب النار دي لحنية أنقذت عيلة كاملة.
ياسين قرب مني وباس إيدي قدام الكل وقال بصوت عالي أنا النهاردة ليا أمين، الأم اللي ولدت، والأم اللي رضعت وشالت وحمت في وقت الكل كان خايف فيه.. لولاكي يا ست الكل، مكنتش هبقى واقف الوقفة دي.
بصيت حوليا، لقيت بيتي مليان ناس بتحبنا، وحكايتي اللي بدأت بوجع وشك، انتهت
بأجمل نهاية ممكنة. عرفت إن الست مش بس ببيتها، الست بقلبها وعقلها اللي بيعرف يوزن الأمور.
السر اللي كان ممكن يهد البيت، بقى هو السند اللي بنى البيت ده من جديد على أساس أقوى من الصخر. واللبن اللي كان بينقص من الثلاجة، ربنا طرح فيه البركة وطلع جيل شبعان حنية وأصل.
دي كانت حكايتي.. حكاية اللبن اللي كان بيتسرق بالليل، بس في الحقيقة كان بيبني حياة جديدة في النور.
وبعد ما الفرح خلص، والناس مشيت، قعدت أنا وأحمد في البلكونة زي زمان، بس المرة دي بنشرب
الشاي وإحنا بنبص على صور الخطوبة في الموبايل.
أحمد سكت شوية وبعدين بص لي بامتنان وقال عارفة يا منى.. النهاردة وأنا شايف بنتنا وياسين مع بعض، حسيت إن ربنا كافأنا على اللقمة واللبن اللي اتقسموا بالحق.. الحكاية مكنتش بس أختي وابنها، الحكاية كانت اختبار ليا وليكي، وإنتِ نجحتي فيه بامتياز.
رديت عليه وأنا ساندة راسي على كتفه الاختبار الحقيقي يا أحمد كان في الثقة.. اليوم اللي قررت فيه إني أفتح عيني وأواجهك بدل ما أمشي ورا ظنوني، هو اليوم اللي أنقذت
فيه بيتنا قبل ما أنقذ نورا.
وفجأة تليفوني رن، كانت نورا بتكلمني فيديو كول من الصعيد، وشها منور وهي بتبارك لنا وبتقول يا منى، ياسين كلمني وهو طاير من الفرحة، بيقولي إنه حس بيكي النهاردة أكتر من أي وقت فات.. كتر خيرك يا أصيلة.
قفلنا معاها، وبصيت للسما وقلت في بالي يا رب، زي ما جعلت لبني ده سبب في حياة طفل، اجعل بيتنا دايما مفتوح بالخير.
أحمد قام وطفي النور، وقبل ما ندخل ننام، عديت على أوضة بنتي وبصيت عليها وهي نايمة وفستان خطوبتها متعلق قدامها.
. ابتسمت وافتكرت اليوم اللي كانت فيه لسه شبر ونص، واليوم اللي السر فيه طلع للنور.
نمت الليلة دي وأنا مرتاحة، مفيش شنط بتتشال بالسر، ومفيش شك بيطاردني في الضلمة.. مفيش غير راحة البال والرضا باللي ربنا قسمهولنا.
دي كانت نهاية حكايتي.. حكاية بدأت بشوية لبن في أكياس، وخلصت بعيلة كبيرة وسند مبيتميلش. ومن يومها، اتعلمت إن الست اللي بتعرف تحمي بيتها مش هي اللي بتسكت على الغلط، لكن هي اللي بتمسك خيوط الحقيقة بحكمة وبتقلب المحنة لمنحة.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق