القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 صحيت من البنج



صحيت من البنج

 

صحيت من البنج على وجع ينهش في جنبي الشمال، ولما حطيت إيدي لقيت جرح طوله شبر وخراطيم طالعة مني، عشان أكتشف الصدمة اللي هدت حيلي؛ أبويا وأمي خدّروني في السر، وزوّروا إمضتي، وسرقوا كليتي عشان يدّوها لأخويا اللي طول عمرهم بيحبوه أكتر مني! هما كانوا فاكرين إن الجريمة دي ح تدفن جوة أوضة المستشفى ومحدش ح يحس بيهم، مكنوش يعرفوا إن الورق والملايين اللي دفعوها تحت التراب اتكشفت، وإن خطوتي الجاية ح تفرتك عيلتنا وتوديهم كلهم ورا الشمس، والسر اللي افتكروه مات ح يقلب حياتهم لجحيم ويخليهم يشوفوا أيام أسود من قرن الخروب!.. الجملة دي مكانتش مجرد صرخة قهر من بنت ضحوا بيها بأعصاب باردة، دي كانت أول شرارة ل بركان ح يمحي وجودهم، ومكنتش الأم القاسية تتخيل إن بنتها الدكتورة اللي استغلت طيبتها ح تقلب الطاولة فوق دماغ الكل، وإن السكوت اللي فرضوه عليا بالبنج ح يرجع زلزال يهد إمبراطورية الظلم والطمع كلها فوق دماغ اللي ظلم!

نور اللمبات الفلورسنت ضرب في عيني قبل أي حاجة ثانية، وبعدها الوجع صحي وفجأني تحت ضلوعي الشمال، نار قايدة وغامزة في ضهري مع كل نَفَس بالعافية باخده، البلاستر كان حازق على جلدي، والشاش تقيل ومكبوس فوق جرح جسمي فهمه واستوعبه قبل ما عقلي ينطق ب اسمه، الأوضة ريحتها كلور وخراطيم بلاستيك وريحة ورد بلدي دبلان في فازة جنب السرير، جهاز النبض عمال يعد دقات قلبي بانتظام بارد، والهوا الساقع اللي جاي من التكييف ماشي على دراعي العريان، ولما إيدي لمست الشاش صوابعي اتجمدت ومتحركتش، أنا عندي 34 سنة، وشغالة دكتورة تخدير وعناية مركزة، حداشر سنة في طوارئ القصر العيني والعمليات خلوا إيديا تحفظ لغة الجروح بمجرد اللمس، العينة ليها إحساس، وخرطوم النزف له إحساس ثاني خالص، بس دة مكنش لا دة ولا دة، دة كان استئصال وشيل، دوست على زرار استدعاء التمريض لحد ما صباعي ارتعش، الممرضة دخلت وشعرها ملموم جامد وكاتمة الملف في حضنها، ضحكتها كانت حذرة وسطحية، الضحكة الصفرا اللي بتظهر لما الحقيقة بتكون واقفة في الأوضة والكل داري بيها، سألتها ب صوت مخنوق


أنا عملت عملية إيه؟، قالت وعينها في الأرض الدكتور ح ييجي يكلمك حالا، زعقت ب غل بقولك عملت عملية إيه؟، عينها نزلت للبلاط، وحروف الورق في إيدها اتنت من كتر ما صوابعها قفشت فيها، ولثانية شفتها وهي بتتحول من ممرضة ل شاهدة على جريمة، وبعدين رجعت ب ضهرها لورا وخرجت من غير ما ترد، الساعة 758 بالليل، دخل الدكتور رفعت وهو لابس بدلة شيك أوي تحت بالطو الأبيض، كأن القماش الغالي ح يديرى المصيبة اللي عملها يا دكتورة إيمان.. العملية نجحت والحمد لله، ريقي نشف والسرير حسيت بجلده خشن تحت إيدي عملية إيه؟، قال ببرود تبرع بالكلى.. أخوكي أحمد حالته استقرت، جهاز النبض بدأ يصفر بسرعة، وقولت ب صدمة أنا ممضيتش على إقرار ولا وافقت!، فتح الملف قدامي، شفت إقرار العمليات، وورق المستشفى، ودفتر الحسابات اللي مكتوب في أوله 250 ألف جنيه تحت الحساب، خانة إمضاء المريض كانت فاضية، وخانة الولي القانوني عليها إمضاء أمي الحاجة هدى بالحب الرفيع، قولتله أنا ماليش ولي قانوني، أنا دكتورة بالغة وعندي بيتي وبشتغل ومحدش وصي عليا، فكه اتشنج، ودي كانت أول حاجة صادقة تظهر على وشه، وفي اللحظة دي دخلت أمي وهي شايلة فازة الورد البلدي، حطتها جنب السرير زي القربان، وسوت الغطا عند رجلي وهي خايفة تلمسني، كانت لابه عبايتها البيرازي اللي بتروح بيها الجمعية الشرعية، كأن المظاهر ح تخليها بريئة، همست ألف حمد وشكر ليك يارب.. إنتي أنقذتي أخوكي وكتبتيله عمر جديد، بصيت للورد، وبصيت للملف، وبصيت للست اللي ياما سهرت على تعبي وعلمتني أعتذر دايماً الأول عشان أحمد حساس وزعل وحش، وقولت لها إنتي مضيتي ك وصي عليا؟، عينها راحت للدكتور وقالت الموضوع كان طوارئ يا إيمان وبلاش دراما وتمثيل، الكلمة دي هبدت في صدري أكتر من الغرز، العائلات اللي شبه عيلتنا مابتتفرتكش بالصريخ، دي بتتفرتك بالورق، إمضاء هنا، مكالمة هناك، وأم واقفة جنب سريرك وبتطلب منك تشكريها على جسمك اللي قطعت فيه! تليفوني نور الساعة 823 بالليل، السلك كان ملفوف غلط، وشنطتي متفتشة، وبالطو الشغل بتاعي مرمي على الكرسي، وعلى

الشاشة كان فيه إيميل جاي من إدارة المستشفى اللي شغال فيها، أهلي قدموا تقرير طبي مزور بيقول إني بمر بأزمة نفسية حادة وعاوزين إجازة مفتوحة ب اسمي، ومعاها توقيع أبويا ك شاهد وختم عيادة الدكتور رفعت، هما مخدوش كليتي وبس، دول بنوا سجن من الورق حوالين صوتي عشان محدش يسمعني، لثانية الأوضة ضاقت عليا دبلة أمي الذهب وهي بتضغط على فرع الورد، والبلاستر وهو بياكل في إيدي، والممرضة واقفة عند الباب وضامة شفايفها كأن كلمة واحدة منها ح تقلّب المستشفى، حطيت التليفون على صدري عشان إيدي تبطل ترعش وقولت للممرضة اطلبي أمن المستشفى، والشؤون القانونية، وبلغي شرطة النجدة حالا، وش أمي سقط بلاش فضايح يا إيمان، بصيت لخانة الإمضاء الفاضية وقولت لها الفضايح بدأت خلاص، الممر كله اتغير برة من غير ما حد ينطق، الخطاوي بقت أسرع، اللاسلكي بتاع الأمن شخلل، وحَد قال كلمة محضر بصوت مرعوب، تروللي وقف فجأة برة الأوضة، ودكتورة وطت صوتها والتانية بتبص من ورا الإزاز وكأنها بتتمنى لو مكنتش شافت حاجة، محدش كان بيتحرك برائة، الدكتور رفعت مد إيده ياخد الملف بس الممرضة خبيته ورا ضهرها، وإيد أمي تبتت في الورد لحد ما فرع اتكسر في إيدها، وفجأة أبويا دخل بيجري من الطرقة، كرافته معوج، وتليفونه في إيده إيمان بس.. اقفلي التليفون ده، شاف فرد الأمن، وشاف تليفوني وهو بيسجل فيديو على السرير، وشاف الدكتور وهو واقف زي الصنم، وفي اللحظة دي وشه اتقلب، مكنش خايف مني، ده كان مرعوب من المصيبة اللي وصلت برة الأوضة، وراه عل طول، دخلت ست ب بدلة كحلي وكارنيه وزارة الصحة والنيابة الإدارية متعلق في رقبتها، الممر سكت سكتة مرعبة، حتى الأجهزة صوتها هدي، أبويا بص للكارنيه وبص لتليفوني، ولأول مرة في حياتي، شفته أصغر بكتير من الكدبة الكبيرة اللي شارك فيها، ووطى راسه وهمس ب صوت مرعوب

يا ترى إيه الكلمة المرعبة اللي أبو إيمان نطق بيها أول ما شاف النيابة الإدارية والشرطة في الممر، وإيه المصيبة السودا اللي ح تنزل فوق دماغ الأم والدكتور بعد ما ورق التزوير وسرقة الأعضاء اتكشف، وهل إيمان

ح ترحم دمها ولحمتها ولا ح تسجنهم كلهم وتجيب حقها تالت ومتلت؟ اللي جاي ضرب نار ومواجهة تحبس الأنفاس!

في النهاية 

أبويا أول ما شاف كارنيه النيابة الإدارية والظابط واقف في آخر الطرقة، وشه بقى رمادي كأن حد سحب الدم منه بإبرة.

بص للدكتور رفعت

ثم بصلي.

ولأول مرة في حياتي، شفت الخوف الحقيقي في عينه.

همس بصوت متقطع

إحنا إحنا كنا بننقذ أحمد.

الجملة نزلت في الأوضة كأنها اعتراف.

أمي شهقت

اسكت يا راجل!

لكن الوقت كان فات.

الست اللي لابسة البدلة الكحلي دخلت بخطوات ثابتة، ووراها فردين أمن.

قالت بهدوء مرعب

دكتورة إيمان؟ أنا المستشارة نجلاء من النيابة الإدارية، وجالنا بلاغ بوجود مخالفة جسيمة في إجراءات نقل أعضاء.

الدكتور رفعت حاول يتكلم بسرعة

أكيد فيه سوء تفاهم

لكنها رفعِت إيدها تسكته.

وأخدت الملف من الممرضة.

قلبت الورق صفحة صفحة.

كل ورقة كانت بتعرّيهم أكتر.

إقرار موافقة ناقص.

تقرير نفسي مزور.

توقيع ولي قانوني على مريضة كاملة الأهلية.

ولما وصلت لخانة إمضتي الفاضية

رفعت عينيها للدكتور.

وقالت

حضرتك دخلت أوضة عمليات من غير موافقة مكتوبة من المتبرعة؟

الدكتور بلع ريقه.

ولأول مرة بدلته الغالية مبقتش ساتراه.

بقى مجرد راجل متورط.

أمي فجأة قربت من السرير وهي بتعيط

يا إيمان يا بنتي والله ما كنا عاوزين نضرك.

بصتلها.

والوجع اللي في جنبي كان أهون بكتير من الوجع اللي في قلبي.

قولتلها

إنتي بعتي حتة مني.

هزت راسها بعنف

أخوكي كان بيموت!

ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة.

وأنا؟

سكتت.

كملت وأنا بحاول آخد نفسي

أنا كنت نايمة ومخدرة قطعتوا في جسمي من غير ما أصحى.

أبويا قرب بخطوات مترددة

إنتي عارفة إحنا ضحينا قد إيه عشان نربيكم

صرخت فيه لأول مرة في حياتي

متقولش ضحينا!

صوت الأجهزة علي.

الممرضة جريت عليا تهديني، لكني كنت خلاص بانفجر.

إنتوا طول عمركوا معتبرين أحمد ابنكم وأنا قطع غيار!

الصمت بعد الجملة دي كان أبشع من الصريخ.

أحمد نفسه كان في أوضة العناية بعد العملية.

عايش

بكلية من جسمي.

ومحدش حتى سألني إذا كنت موافقة.

التحقيقات بدأت في نفس الليلة.

المستشفى اتقلبت.

شؤون قانونية.

شرطة.

نيابة.

تفتيش على ملفات العمليات.

 

وكل ما ورقة تتفتح

مصيبة تطلع.

المبلغ اللي اتدفع تحت الحساب كان جاي من حساب أبويا.

والتقرير النفسي المزور متختم بختم عيادة تبع صاحب الدكتور رفعت.

أما الكارثة الأكبر

فكانت تسجيل كاميرات الممر.

الكاميرات جابتني وأنا داخلة المستشفى ماشية على رجلي، متوترة بس واعية.

وجابت بعدها بدقائق ممرضة بتحقني بمهدئ قبل أي كشف رسمي.

يعني التخدير تم قبل الموافقة.

يعني الجريمة كاملة.

تاني يوم الصبح

خبر التحقيق اتسرب.

وفي ساعات قليلة، اسم الدكتور رفعت بقى على كل لسان في المستشفى.

دكتور كبير

متورط في استئصال عضو بدون موافقة.

الأطباء كانوا بيبصوا له كأنه وباء.

وهو؟

كان قاعد في مكتب التحقيق، عرقان، منهار، بيحاول يرمي اللوم على أهلي.

لكن الورق مكنش بيرحمه.

كل توقيع.

كل ختم.

كل مكالمة.

حتى رسائل واتساب


بين أمي والدكتور.

إيمان طيبة ومش ح توافق.

لازم نلحق أحمد.

الجملة دي اتقرت بصوت عالي في التحقيق.

وأمي انهارت.

بعد يومين

أحمد طلب يشوفني.

وافقت بعد تردد.

دخل الأوضة بوش أصفر وأنابيب طالعة منه.

أول ما شافني عيط.

أخويا اللي عمره ما اعتذر في حياته

كان بيعيط زي الطفل.

قال بصوت مبحوح

والله ما كنت أعرف.

بصيتله طويلاً.

كنت عاوزة أكرهه.

بس تعبه كان حقيقي.

والمصيبة إنه كان ضحية بطريقته هو كمان.

قال

بابا وماما قالولي إنك وافقتي.

غمضت عيني.

حتى هو استخدموه.

لكن الفرق

إنهم أنقذوه على حسابي أنا.

سألني برجفة

إنتي بتكرهيني؟

بصيت للجرح اللي في جنبي.

وقلت بهدوء

أنا بكره اللي عملوه بينا.

وأول مرة، شفته ينهار بجد.

القضية كبرت أكتر مما حد تخيل.

وزارة الصحة أوقفت الدكتور رفعت عن العمل.

والمستشفى دخلت

تحت التحقيق.

أبويا وأمي اتحولوا للنيابة بتهمة التزوير والتعدي على سلامة الجسد والتلاعب في أوراق رسمية.

الصحافة بدأت تتكلم عن قضية دكتورة التخدير.

ناس كتير تعاطفت معايا.

لكن مفيش تعاطف كان يداوي الإحساس الحقيقي

إحساس إن بيتك نفسه خانك.

في نص كل ده

قعدت لوحدي ليلة في شقتي بعد خروجي من المستشفى.

الجرح كان بيشد مع كل حركة.

والمراية قدامي كانت بتوريني واحدة مختلفة.

واحدة ناقصة عضو

وناقصة أمان.

افتكرت طفولتي.

كل مرة أمي كانت تقول

إيمان الكبيرة والعاقلة.

إيمان تستحمل.

إيمان تضحي.

وفهمت أخيراً إنهم عمرهم ما شافوني بنت

شافوني حل.

مخزن احتياطي.

حاجة موجودة عشان تنقذ أحمد.

حتى لو التمن جسمي.

بعد شهور من الجلسات والتحقيقات

الحكم نزل.

الدكتور رفعت اتحكم عليه بالسجن وشطب من النقابة.

أبويا خد

حكم في التزوير.

وأمي حكم مع إيقاف التنفيذ بسبب سنها وحالتها الصحية.

أما أحمد

فشهد ضديهم.

ودي كانت الضربة الأخيرة اللي كسرت العيلة تماماً.

بعد القضية، محدش بقى يزور حد.

البيت القديم اتباع عشان يسددوا أتعاب المحامين والتعويضات.

والعيلة اللي كانت عاملة نفسها مترابطة

اتفتت.

بعد سنة

كنت واقفة في بلكونة شقتي، وبشرب قهوة سوداء وقت الفجر.

الجرح بقى أثر طويل باهت.

لكن كل ما ألمسه

أفتكر.

مش العملية.

الخيانة.

تليفوني رن.

رقم أمي.

فضلت باصة للشاشة شوية.

ثم رديت.

صوتها كان ضعيف أوي

عاملة إيه يا إيمان؟

سكتت لحظة.

ثم قلت

لسه بتعلم أعيش بنص الثقة اللي كانت عندي.

أمي عيطت.

وقالت

سامحيني.

بصيت للسما الرمادي.

وفهمت إن بعض الجروح عمرها ما بتخف

بس الواحد بيتعلم يعيش بيها.

قلت بهدوء

أنا مسامحاكي كإنسانة.

سكتت.

بس مش كأم.

وقفلت المكالمة.

وبصيت للفجر وهو بيطلع ببطء.

لأول مرة من شهور

حسيت إن نفسي بيرجعلي.

حتى لو ناقص جزء مني.

 

تعليقات

close