القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزي سابني أرعى أخته



جوزي سابني أرعى أخته

جوزي سابني أرعى أخته القعيدة وهو مسافر الساحل مع عيلته كلها لكن أول ما الباب اتقفل، قامت من على الكرسي وقالتلي

يا هالة إنتِ مش الزوجة إنتِ الضحية الجاية.

لو جرالها أي حاجة وإحنا في الساحل، يبقى الذنب ذنبك إنتِ قالتلي حماتي.

قالتها وهي واقفة عند باب الفيلا، لابسة نضارة شمس، وجنبها شنطة سفر غالية، وعلى وشها ابتسامة باردة عمرها ما وصلت لعينيها.

كريم حتى ما بصليش.

شال شنطته، وساب أخته في نص الصالة كأنها قطعة عفش قديمة مالهاش لازمة.

ندى كانت قاعدة على الكرسي المتحرك، إيديها ثابتة فوق رجليها، وباصّة للأرض، ومغطية نفسها ببطانية رمادي.

أنا افتكرتها خايفة.

لكن لا

كانت مستنية.

اسمي هالة.

عندي سبعة وعشرين سنة.

وفي يوم من الأيام كنت فاكرة إني هبقى مطربة، واقفة على المسرح والأنوار فوقي والناس بتنادي باسمي.

بس القاهرة بتعرف تكسر الأحلام بسرعة.

بشتغل في بنك في وسط البلد.

بسدد ديون.

وبغني بصوت واطي وأنا بغسل المواعين.

واتجوزت كريم لأن كل الناس كانت بتقول إن خلاص جه وقت الاستقرار.

كريم في الأول كان شكله طيب.

كان يجيبلي فطار من غير مناسبة.

ويسمعني وأنا بحكي عن الغنا.

ويقولي إنه هو كمان كان نفسه يبقى ممثل قبل ما أهله يجبروه يدخل شغل العيلة.

وأنا صدقته.

لأن لما الإنسان يبقى محتاج حب أي اهتمام صغير بيبانله كأنه الدنيا كلها.

بعد الجواز، كل حاجة اتغيرت.

الأول بقت اجتماعاته كتير.

بعدها بقيت أشم ريحة الخمرة في هدومه.

وبعدين بقى يقضي الويك إند عند أهله من غير ما يعزمني.

ولما كنت أسأله فيه إيه، كان دايمًا يقول نفس الجملة

إنتِ مكبرة الموضوع يا هالة.

حماتي، مدام سوسن، عمرها ما حبتني.

كانت عايشة في فيلا ضخمة في الشيخ زايد، بجنينة متشقلبة، وكاميرات في كل حتة، والهدوء الغريب اللي بيبقى مالي بيوت الناس اللي مخبية


أسرار.

وكانت ندى، أخت كريم الصغيرة، عايشة معاهم.

على حسب كلامهم، ندى تعبت وهي صغيرة.

سخونية جامدة.

إهمال.

وتلف عصبي.

ما بقتش تتكلم.

ولا تمشي.

ولا تكتب.

بس تبص وبس.

ده اللي كانوا بيقولوه.

أنا اتعلمت لغة الإشارة عشان أعرف أتكلم معاها، رغم إن حماتي كانت بتتريق.

ما تضيعيش وقتك يا هالة ندى مبقتش فاهمة زي زمان.

بس ندى كانت فاهمة.

عينيها كانت فاهمة كل حاجة.

لما كريم كان بيتجاهلني على السفرة، كانت تضغط على إيدي.

لما حماتي كانت تذلني بسبب لبسي، كانت تبصلي كأنها بتقولي ما تصدقيهاش.

ولما كنت أغني في المطبخ، كانت تبتسم ابتسامة خفيفة.

في العيلة دي، الشخص الوحيد اللي كان شايفني بني آدمة كانت البنت اللي الكل بيعاملها كأنها حمل تقيل.

في يوم جمعة، كريم أخيرًا خدني عندهم.

كنت فرحانة.

جبت معايا علبة جاتوه وحلويات من محل مشهور في مصر الجديدة.

حماتي بصتلي وقالت ببرود

آه من نفس المحل تاني.

حمايا حتى ما رفعش عينه من الجرنال.

أما مي، أخت كريم التانية، فكانت قاعدة تختار مايوهات على الموبايل.

وفجأة كريم قال

إحنا مسافرين الساحل أسبوع. أنا وماما وبابا ومي.

استنيت يقول اسمي.

ما قالوش.

وأنا؟ سألت.

الصالة سكتت.

ومي ضحكت بسخرية.

يا هالة، دي سفرة عيلة.

حسيت بالكلمة زي الطعنة.

بس برضه قلت

أنا مراتك.

كريم عدل ساعته وقال

وعشان كده محتاجينك تقعدي مع ندى.

حماتي حطت الفنجان وقالت

الممرضة اعتذرت، ولازم حد مسئول يفضل معاها.

مسئول.

مش زوجة.

مش من العيلة.

مجرد حد للخدمة.

عندي شغل قلت.

كريم بصلي ببرود

خدي إجازة دي أختي.

وأختك دي مش أختك إنت كمان؟

ما تبتديش يا هالة.

الجملة اللي دايمًا بيخرسني بيها.

ما تبتديش.

كأن وجعي رخامة.

وكأن طلب الاحترام قلة أدب.

حماتي قربت مني وقالت

بصي يا هالة ندى محتاجة علاج وأكل مخصوص ومتابعة، ولو

حصلها حاجة وإحنا في الساحل تبقي إنتِ السبب.

يا ماما قال كريم كأنه متضايق.

بس ما دافعش عني.

أبدًا.

تاني يوم وصلوا بالشنط.

ريحة البرفانات الغالية مالية المكان.

حماتي ادتني ملف فيه مواعيد العلاج والتعليمات مكتوبة بقلم أحمر

ما تسيبهاش لوحدها.

ما تدخليش المكتب.

ما ترديش على أرقام غريبة.

ما تطفيش الكاميرات.

رفعت عيني بسرعة.

كاميرات؟

ابتسمت وقالت

للأمان.

كريم قرب مني 

خليكي شاطرة.

كأني شغالة عندهم.

ندى كانت قاعدة جنب الشباك.

ساكتة.

شاحبة.

ومغطية رجليها بالبطانية الرمادي.

قبل ما يمشي، كريم وطى قدامها وقال

ما تعمليش مشاكل.

الجملة كانت غريبة.

مش كلام أخ بيطمن أخته.

كانت تهديد.

ندى ما اتحركتش.

بس قفلت عينيها.

باب الفيلا اتقفل.

وسمعت صوت العربية وهي بتبعد.

البيت كله سكت.

سكات تقيل.

كأن الحيطان نفسها مستنية حاجة تحصل.

قربت من ندى.

خلاص بقينا لوحدنا.

رفعت عينيها وبصتلي.

بعدين بصت للكاميرا.

وبعدين رجعت بصتلي.

ابتسمت بحزن.

ما تخافيش مش هأذيكي.

ندى حرّكت صوابعها بإشارة بطيئة.

كاميرا.

أيوة عارفة مامتك قالت عشان الأمان.

هزت راسها بعنف.

وأشارت للأباجورة والفازة والساعة.

اتجمد الدم في عروقي.

فيه كاميرات أكتر؟

هزت راسها.

وبعدين طلبت مني أسكت.

ثبتت إيديها على دراعات الكرسي.

وضغطت بقوة.

رجليها بدأت ترتعش تحت البطانية.

شهقت.

ندى

وببطء شديد

قامت.

قامت على رجليها.

البنت اللي الكل قال إنها ما بتمشيش كانت واقفة قدامي.

كانت بتترعش وبتتنفس بالعافية بس واقفة.

اتسمرت مكاني.

إيه ده؟

ندى حطت صباعها على شفايفها.

ومسكت إيدي وجرتني ناحية الحمام.

كانت بتمشي بصعوبة لكنها بتمشي.

دخلنا حمام الضيوف.

قفلت الباب.

وفتحت الحنفية عشان صوت الميه يغطي على كلامنا.

وبعدين بصتلي

واتكلمت.

صوتها كان مبحوح وضعيف، كأنه خارج بعد سنين

من السكوت.

هالة اسمعيني كويس.

رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحوض.

إنتِ بتتكلمي؟

ضحكت ضحكة كلها وجع.

هما فاكرين إني نسيت إزاي.

حطيت إيدي على بقي.

مين؟

بصت ناحية الباب بخوف.

كلهم.

صوت الميه كان عالي.

والبيت ساكت بشكل مرعب.

وقلبي بيدق لدرجة حسيت إن الكاميرات سامعاه.

ليه كنتِ بتعملي نفسك مشلولة؟ همست.

مسكت إيدي بقوة.

أنا ماكنتش بمثل في الأول هما اللي عملوا فيا كده.

جسمي كله ساقع.

عيلتك؟

ما ردتش.

وده كان أسوأ من أي إجابة.

طلعت مفتاح صغير متلزق تحت هدومها.

وادتهولي.

لازم تمشي قبل ما يرجعوا.

مش هسيبك.

عينيها اتمَلوا دموع.

إنتِ مش فاهمة كريم ما اتجوزكيش عشان بيحبك.

حسيت الأرض بتميل بيا.

يعني إيه؟

حطت المفتاح في إيدي.

ادخلي مكتب بابا افتحي الدرج الأسود هتلاقي ملفك هناك.

ملفي أنا؟

بلعت ريقها.

ملف اللي قبلك كان هناك برضه.

نفسي اتقطع.

اللي قبلي مين؟

وشها اتهز بالخوف.

وفجأة

سمعنا صوت بيب جاي من الصالة.

نور أحمر في الكاميرا اشتغل.

وبعدها التليفون الأرضي رن.

مرة.

اتنين.

تلاتة.

ندى وشها شحب فجأة.

هما عرفوا إني قومت من الكرسي.

التليفون فضل يرن.

وأنا ببص للمفتاح اللي في إيدي.

وفجأة ندى همست بالجملة اللي جمدت الدم في عروقي

يا هالة لو رديتي، هتسمعي صوت الست اللي كريم دفنها قبل ما يتجوزك.

التليفون فضل يرن.

مرة ورا مرة.

وأنا واقفة ماسكة المفتاح، وباصّة لندى اللي وشها بقى أبيض كأن الدم اختفى منه.

مديت إيدي ناحية السماعة بتردد.

ندى مسكت دراعي بسرعة وهمست

أوعي تردي باسمه الحقيقي.

يعني إيه؟

قولي البيت تحت الصيانة لو عرف إنك لوحدك هييجي.

قلبي كان هيقف.

مين؟

لكن قبل ما تجاوب، الرنة وقفت.

الصمت رجع تاني.

ثواني

وفجأة الموبايل اللي على الترابيزة نور.

رسالة.

رقم غريب.

فتحتها بإيد بتترعش.

لو عايزة تعرفي مين الست اللي قبلك انزلي الجراج حالًا. الكاميرات اتقفلت دقيقتين بس.

بصيت لندى.

هي كانت مرعوبة.

مين بعت الرسالة؟

ندى هزت راسها

معرفش بس لازم تروحي دلوقتي.

وأسيبك؟

لو فضلتي هنا إحنا الاتنين هنموت.

الكلمة نزلت عليّا كأنها تلج.

جريت ناحية باب

 المطبخ الخلفي، ونزلت الجراج تحت الفيلا.

الأنوار كانت مطفية نصها.

ريحة رطوبة وبنزين.

وقلبي بيدق بجنون.

وفجأة

سمعت صوت ست بتقول من الضلمة

أخيرًا جه الوقت اللي حد يصدقني فيه.

لفيت بسرعة.

ست في أواخر التلاتينات خارجة من بين العربيات.

هدوم بسيطة وشاحب لكن عينيها مليانة خوف وغضب.

إنتِ مين؟!

بصتلي بوجع وقالت

أنا ريم مرات كريم الأولى.

رجليا ضعفت.

مستحيل ندى قالت إنك

ميتة؟

ضحكت ضحكة مكسورة.

هما قالوا كده للكل.

حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.

ريم قربت مني بسرعة

مفيش وقت. لازم تعرفي الحقيقة كلها.

طلعت فلاشة صغيرة من جيبها.

عليها تسجيلات كل حاجة عملتها عيلة المرشدي.

ليه عملوا فيكي كده؟

عينيها دمعت.

لأني عرفت سرهم.

قبل ما أسأل، سمعنا صوت باب الجراج بيتفتح فوق.

ريم اتجمدت.

هو رجع!

كريم؟!

لا أبوه أخطر.

شدتني بسرعة وورا عربية سودا.

خطوات تقيلة بدأت تنزل السلم.

وصوت راجل بيقول بعصبية

الكاميرات فصلت ليه؟!

ندى كانت عندها حق.

كانوا بيراقبوا كل نفس بنتنفسه.

مسكت

ريم إيدي وهمست

اسمعيني ندى مش مريضة زي ما قالوا. أبو كريم كان بيجرب عليها أدوية غير قانونية زمان عشان شركة الأدوية بتاعته. ولما حالتها ساءت حبسوها في البيت وخلوها المعاقة المجنونة عشان محدش يسأل.

اتسمرت.

وكريم؟

ريم بصتلي بمرارة

كريم نسخة من أبوه.

الخطوات قربت أكتر.

سمعنا صوت مفاتيح.

ريم بسرعة فتحت باب عربية قديمة ودخلتني جواها.

واحنا مستخبيين، شفت راجل كبير نازل الجراج.

حمايا.

كان ماسك موبايله وبيقول بعصبية

دوروا على ريم أكيد رجعت تاني.

الدم اتجمد في عروقي.

يعني هما عارفين إنها عايشة.

وفجأة

موبايل ريم رن.

هي شهقت وقفلت الصوت بسرعة.

لكن الوقت كان فات.

حمايا وقف مكانه.

وبص ناحية العربية اللي إحنا فيها.

ثواني رعب.

وبعدين بدأ يقرب.

قلبي كان هيخرج من صدري.

ريم همست

لو فتح الباب اجري ومتلفيش وراكي.

المفاتيح خبطت في الباب.

وفجأة

صوت صرخة جت من فوق.

صرخة ندى.

حمايا اتجمد.

وبعدين جري ناحية السلم.

ريم فتحت الباب بسرعة

دي فرصتنا!

طلعنا نجري.

طلعنا

المطبخ الخلفي.

ولما دخلنا الصالة

وقفت مكاني مصدومة.

ندى واقفة في نص الصالة.

على رجليها.

قدام الكاميرا مباشرة.

ولأول مرة كانت بتصرخ.

كفاية!

صوتها ملي البيت.

وفي اللحظة دي، باب الفيلا اتفتح بعنف.

كريم دخل.

وراهم حماتي ومي.

واضح إنهم رجعوا بسرعة بعد ما الكاميرات بعتتلهم إنذار.

أول ما كريم شاف ندى واقفة، وشه فقد لونه.

إنتِ!

ندى بصتله بكره عمري ما شفته في عين بني آدم.

انتهى يا كريم.

كريم جري عليها بعصبية

اقعدي مكانك!

لكن قبل ما يوصلها، ريم خرجت من الضلمة وقالت

ابعد عنها.

كريم وقف كأنه شاف شبح.

ريم؟!

حماتي صرخت.

ومي وقعت منها الشنطة.

أما حمايا، فكان أول واحد استوعب المصيبة.

لف ناحية الكاميرات بسرعة وصرخ

اطفي التسجيل!

لكن ندى ضحكت لأول مرة.

وضغطت زر صغير في إيدها.

وفجأة شاشة التلفزيون الكبيرة في الصالة اشتغلت.

فيديوهات.

تسجيلات.

كريم وهو بيضرب ريم.

حمايا وهو بيجبر دكاترة يزوروا تقارير ندى.

حماتي وهي بتقول لو البنت دي فتحت بقها هنخلص عليها.

الصالة

اتقلبت جحيم.

كريم حاول يكسر الشاشة.

لكن صوت صفارات الشرطة قطع المكان.

كلنا بصينا ناحية الباب.

ندى همستلي

أنا اللي بلغت.

الباب اتفتح.

والشرطة دخلت.

حمايا حاول يهرب من الباب الخلفي، لكن الظباط مسكوه.

حماتي انهارت على الأرض تصرخ.

ومي فضلت تعيط هستيري.

أما كريم

فبصلي.

أول مرة أشوفه خايف بجد.

هالة اسمعيني والله الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة

لكنّي قاطعته.

ورميت دبلة الجواز في وشه.

أنا أخيرًا فهمت كل حاجة.

بعدها بشهور

شركة الأدوية بتاعتهم اتقفلت.

القضايا مالية الأخبار.

كريم وأبوه اتحكم عليهم بالسجن.

وحماتي اختفت من المجتمع كأنها عمرها ما كانت موجودة.

أما ندى

فبدأت علاج حقيقي لأول مرة في حياتها.

واتعلمت تمشي من جديد.

وريم أخيرًا رجعت باسمها الحقيقي بعد سنين مستخبية.

وأنا؟

رجعت للغُنا.

مش على مسارح كبيرة.

لكن في مكان صغير على النيل والناس كانت ساكتة وهي بتسمعني.

وفي ليلة هادية، بعد ما خلصت أغني، لقيت ندى قاعدة في الصف الأول بتبتسم.

ابتسامة حقيقية المرة دي.

وقالتلي

إنتِ أول حد أنقذني من غير ما تعرفي إنك بتنقذي نفسك كمان.

ابتسمت لها.

ولأول مرة من سنين

حسيت إني حرة فعلًا.

النهاية.

 

تعليقات

close