القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 عشرون عاماً من الصمت



عشرون عاماً من الصمت

 

كانت ليلة دافئة من ليالي القاهرة، والهدوء يفرض سيطرته على الشوارع بعد منتصف الليل بشكل غير معتاد. كنت عائداً إلى منزلي بعد يوم عمل شاق وطويل في المحل الذي أمتلكه، جسدي يطالب بالراحة وعقلي يفكر في تفاصيل اليوم التالي. الشوارع شبه خالية، والإضاءة الخافتة لأعمدة الإنارة تضفي نوعاً من الغموض على المكان، ولم يكن هناك سوى صوت خطواتي المجهدة على الرصيف.

فجأة، ولمح لمحة سريعة، استوقفتني سيدة عجوز ترتدي عباءة سوداء داكنة، يظهر على ملامحها إرهاق شديد كأنها مشت لعدة أيام دون توقف. كانت تمسك في يدها المرتعشة ورقة صغيرة مطوية بعناية. اقتربت مني وبصوت مكسور يملأه الرجاء قالت: "يا بني، أرجوك قولي العنوان ده فين؟ أنا مش من هنا وتايهة". أخذت الورقة منها لأقرأ ما كُتب فيها، وبمجرد أن وقعت عيني على العنوان، نظرت إليها بدهشة وقلت: "يا حجة، إنتِ بعيدة جداً عن المكان ده، اللي كاتبلك العنوان ده وصفهولك غلط خالص".

ارتبكت


السيدة واشتد رعشة يديها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وهي تقول: "أنا مش من المحافظة هنا أصلاً، أنا جاية من سفر بعيد لأن بنتي محجوزة في مستشفى حكومي هنا بعد ما جوزها المؤذي ضربها وتبهدلت على إيده. سواق التاكسي اللي ركبت معاه من الموقف استغل إني معرفش الشوارع، ونزلني في أول السكة هنا وسابني ومشي بعد ما أخد فلوسه". شعرت بضيق شديد من تصرف السائق وقلت لها بغضب: "ده ضحك عليكي ورماكي في نص الطريق عشان يخلص منك".

أجهشت السيدة بالبكاء ولم تعد قادرة على تمالك نفسها، فتابعت قائلة: "جوز بنتي راجل ظالم، هو سبب كسرها وتعبها، رماها في المستشفى متبهدلة وهرب، وأنا ماليش غيرها في الدنيا". في تلك اللحظة، لمحت في عينيها نظرة انكسار ذكرتني بأمي الراحلة، وتخيلت لو أن أمي كانت في نفس الموقف ولم يمد لها أحد يد العون. تحركت شهامتي ولم أتردد للحظة، فقلت لها مطمئناً: "ما تزعليش يا حجة ولا تشيلي هم، اعتبريني ابنك وأنا مش هسيبك

إلا والباب مقفول عليكي إنتِ وبنتك".

استبشر وجه السيدة ودعت لي دعوة من أعماق قلبها البسيط، ثم أوقفت تاكسي وركبنا معاً متوجهين إلى المستشفى الحكومي المدون في الورقة. طوال الطريق، لم تتوقف عن شكرى والثناء على أخلاقي، وكانت تردد: "ربنا يكرمك يا مصطفى ويوقفلك ولاد الحلال ويسرلك طريقك". عندما وصلنا إلى المستشفى، حاولت أن تدفع لي أجرة التاكسي لكنني رفضت بشدة وقبلت رأسها قائلاً: "إنتِ في مقام أمي، وده واجبي مش أكتر".

دخلنا من البوابة الرئيسية للاستقبال، وكانت الأجواء مشحونة بالحركة المعتادة للمستشفيات ليلاً. أخرجت السيدة هاتفها المحمول الصغير حاولت الاتصال بابنتها مراراً وتكراراً، لكن الهاتف كان يرن دون أي إجابة. سألتها بقلق: "هي بنتك عندها إيه بالظبط ومحجوزة في قسم إيه؟" فأجابت والدموع في عينيها: "واقعة على إيدها ومكسورة وفي جسمها كدمات كتير من الضرب". خمنت فوراً أنها ستكون في قسم العظام، وتوجهت إلى ممرضة

في الاستقبال سألتها عن مكان القسم، فأخبرتنا أنه يقع في الدور الثالث.

صعدنا بالمصعد القديم إلى الدور الثالث، وبمجرد خروجنا استقبلتنا رائحة المطهرات القوية المخلوطة بأنين المرضى المنبعث من الغرف. كان الممر الطويل يحتوي على عنبرين، أحدهما للنساء والآخر للرجال. بدأت السيدة تدخل كل غرفة وعنبر مخصص للنساء، تتفحص وجوه المريضات بلهفة وخوف، ثم تخرج محبطة وهي تهز رأسها وتقول: "لأ، مش هنا.. مش دي". كل غرفة نمر عليها دون جدوى كانت تزيد من رعبها، وكان وجهها يزداد شحوباً واصفراراً مع كل خطوة نخطوها في ذلك الممر الطويل.

أخيراً، وصلنا إلى الغرفة الأخيرة في نهاية الممر المظلم، كانت الغرفة تبدو معزولة وهادئة بشكل مريب. فتحت السيدة الباب ببطء ودخلت، لكنها فجأة تسمرت في مكانها كأنها أصيبت بصدمة كهربائية أو رأت شيئاً مرعباً فوق الاحتمال. شهقت بصوت عالٍ غطت فمها بيديها المرتعشتين، واتسعت عيناها برعب حقيقي لا يمكن وصفه. 


 جريت نحوها وأمسكت بكتفها قائلاً بخوف: "خير يا حجة؟ مالك؟ بنتك جوه وحصلها حاجة؟"

نظرت إليّ وعيناها تفيضان بالدموع والذعر وقالت بنبرة مرتجفة: "في حاجة مش طبيعية بتحصل هنا.. الغرفة دي مش مظبوطة". خطوت خطوة إلى الداخل لأستطلع الأمر، فوجدت الغرفة شبه معتمة، والسرير الطبي يقع في المنتصف وهو فارغ تماماً من أي مريض، لكن الصدمة كانت على الأرض؛ حيث تناثرت محتويات حقيبة يد حريمية مفتوحة، وبجوارها طرحة بيضاء ملطخة ببقع دماء حديثة، وهناك صوت رنين مكتوم يصدر من هاتف محمول ملقى تحت السرير.

صرخت السيدة بصوت مبحوح: "دي شنطة بنتي وطرحتها! أنا عارفاهم كويس!". انحنيت سريعاً على ركبتي ومددت يدي لألتقط الهاتف المحمول من أسفل السرير، وعندما قلبته وضغطت على الشاشة لأرى من المتصل، تجمدت الدماء في عروقي؛ لم يكن هناك اتصال جاري، بل كانت الشاشة تعرض رسالة نصية مفتوحة أُرسلت للتو من رقم البنت، ومكتوب فيها: "ماما.. لو وصلتي المستشفى ما تدخليش الأوضة لوحدك.. أرجوكي!".

بينما


أنا واقف مصدوم وممسك بالهاتف، سمعنا فجأة صوتاً حاداً وخفيفاً خلفنا؛ التفتنا برعب لنجد أن باب الغرفة الثقيل قد أُغلق علينا تماماً بهدوء شديد من الخارج، وتحرك القفل ليعلن احتجازنا. ركضت نحو الباب وبدأت أضرب عليه بقبضتي بكل قوتي صارخاً: "افتحوا الباب! في حد بره؟ افتحوا!" لكن لم يكن هناك أي مجيب سوى الصدى. وفجأة، انقطع صوت ضربي على الباب عندما بدأ هاتف البنت الذي في يدي يعرض تسجيلاً صوتياً تلقائياً، واشتغل بصوت فتاة تبكي وتتألم وتقول: "الراجل اللي ساعدك يا ماما وجابك لحد هنا مش غريب.. هو السبب في كل اللي جرى لنا.. هو السر اللي بندور عليه".

التفتت إليّ السيدة العجوز بنظرة صدمة وعداء، وتراجعت إلى الخلف وهي تتنفس بصعوبة كأنها ترى قاتل ابنتها أممها. تملكني الرعب والذهول وبدأت أقسم لها بأغلظ الأيمان وأنا أرتجف: "والله العظيم يا حجة أنا أول مرة أشوفك ولا أعرف بنتك ولا عمري أذيت حد! أنا مجرد فاعل خير ساعدتك في الشارع!". لكن قبل أن أكمل كلماتي، سمعنا صوت

خطوات هادئة ومنتظمة تقترب من خلف الستارة الطبية الكبيرة التي تفصل الجزء الخلفي من الغرفة.

حبسنا أنفاسنا، وتحركت الستارة ببطء شديد ليظهر من خلفها رجل في أواخر الخمسينات من عمره، يرتدي بالطو طبيب أبيض، وتظهر على ملامحه برودة مرعبة، وكان يحمل في يده ملفاً ورقياً قديماً متهالكاً ومربوطاً بخيط. نظر إليّ مباشرة وابتسم ابتسامة غامضة مليئة بالأسى والتشفي في آن واحد، ثم قال بصوت بارد وهادئ زلزل أركان الغرفة: "أخيراً جيت يا مصطفى.. أختك مستنياك هنا من عشرين سنة.. كنت عارف إن القدر هيجيبك لحد عندي".

تراجعت خطوة إلى الخلف وشعرت أن قلبي يتوقف عن النبض، ودارت الدنيا بي. قلت بنبرة متقطعة: "أخت مين؟ أنا وحيد.. أمي الله يرحمها طول عمرها مأكدة لي إني ماليش إخوات في الدنيا دي!". لم يتكلم الدكتور، بل فتح الملف القديم بسكون، وسحب منه صورة فوتوغرافية صغيرة قديمة وباهتة الأطراف، ورماها على السرير الفارغ أمامي. اقتربت ببطء شديد والندى البارد يغطي جبيني، والتقطت الصورة.


كانت الصدمة التي هزت كياني بالكامل؛ الصورة كانت لي وأنا طفل صغير لا يتعدى عمره الخمس سنوات، وأقف مبتسماً بجانب طفلة صغيرة تشبه تماماً ملامح السيدة العجوز وملامح الفتاة التي نبحث عنها. نظرت إلى السيدة العجوز فوجدتها تبكي بنحيب صامت وهي تنظر إليّ بذهول. التفتنا معاً إلى الدكتور الذي تابع حديثه وعيناه تشعان بمرارة الماضي قائلاً: "البنت المكسورة اللي جوزها رماها هنا مش بنتها هي بس يا مصطفى.. دي أختك التوأم اللي اتخطفت من المستشفى يوم وفاة أمك الحقيقية في الولادة، والست دي تبقى خالتك اللي ربتها وحمتها طول السنين دي بعد ما هربت بيها عشان تحميها من أهلك، وأمك اللي ربتك وافتكرتها أمك، ما كانتش غير الممرضة اللي ساعدت في تفرقتكم زمان عشان تحرم أبوك منكم.. واليوم، الدايرة قفلت، والكل رجع لمكانه في نفس الأوضة اللي بدأت منها الحكاية". ومنذ تلك اللحظة، تغير مسار حياتي بالكامل وعرفت أن ليل القاهرة لم يكن ساكناً عبثاً، بل كان يخفي وراء صمته حقيقة عمري الضائع.

 

 

تعليقات

close