القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

بعد شغل 12 ساعة واقفة على رجلي في الكوافير، كامله

 بعد شغل 12 ساعة واقفة على رجلي في الكوافير، كامله على ابو الدهب 






بعد شغل 12 ساعة واقفة على رجلي في الكوافير، كامله على ابو الدهب 


حكايات على ابو الدهب كامله 

بعد شغل 12 ساعة واقفة على رجلي في الكوافير، رجعت بيتي عشان ألاقي حماتي مأكلة ابني سيف اللي عندو 5 سنين شوية رز بايتين وساقعين، في نفس الوقت اللي بقية العيلة نسفوا فيه إستاكوزا أنا دفعاها من شقايا وتعب عيني 15 ألف جنيه كاش!


كل اللي اتكرموا وسابوهولي.. كانت قشرة فاضية ممصمصة!


الحاجة نادية بصتلي ببرود وقالت وهي باصة وشها للتلفزيون: ‘اللحمة النضيفة دي لأصحاب البيت.. للعيلة الحقيقية’.


لقيت سيف ابني بيشدني من العباية، وطلع من جيب بيجامته حتة لحمة إستاكوزا فتافيت ومليانة عفر وتراب من الأرض.


وهمسلي وعينيه مكسورة: ‘وقعت من العشا يا ماما.. شلتها في جيبي عشان عارفك جعانة وبتحبيها.. متعيطيش’.


في اللحظة دي مدمعتش.. دموعي نشفت.


مسكت الطبق الفخار اللي فيه القشر الفاضي، ورزعته في الأرض.. اتدشدش مية حتة، وخدت ابني من إيده، وخرجت في وسط الليل.


على أذان الفجر، كانوا راكعين تحت رجلي، بيتوسلوا لي أوقف الخراب المستعجل والمصيبة المادية اللي أنا كنت بدأت أدير عجليتها خلاص!


نرجع ورا شوية.. لما دخلت من باب الشقة، حماتي رمتلي الكلمتين دول كأنهم قلم على وشي: ‘ليكي شوق في الأكل كنتِ تيجي بدري.. الحتة الزفرة راحت للي يستاهلها’.


كنت واقفة على باب المطبخ، لسه بعباية الشغل المحفورة بعرق النهار، وجسمي كله منمل من الوقفة. الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل، وكل عضمة فيا بتصرخ من الهدد.


بس أنا كنت راجعة وعندي سؤال واحد وراه خراب بيوت.


الضهر بالظبط، الساعة واحدة وربع، تليفوني رن وأنا مستخبية في المخزن بتاع الشغل وسط صبغات الشعر. المكالمة كانت من إدارة البنك.


الكلام اللي سمعته خلى الأرض تلف بيا ومبقتش شيلاني


جوزي طارق وأمه عملوا ملعوب من ورا ضهري.. لعبة قذرة ومصيبة كانت كفيلة تمسح شقا عمري وسنين طفح الدم اللي عشتها عشان أأمن مستقبلي.


جمدت الحسابات في ثانية بدم بارد وأنا واقفة مكاني.


بس م رجعتش البيت أصوت وألطم وأعمل فضيحة.


لأ.. رحت على سوق السمك، طلعت 15 ألف جنيه كاص، ونقيت خمس حتات إستاكوزا من الحجم الكبير.


ده كان الاختبار الأخير بأمانة!


لو كانوا شالوا لي نيبـي.. لو لقيت فيهم ريحة الأصول أو الذوق، كنت يمكن أديهم فرصة يشرحوا أو يبرروا، قبل ما أهد المعبد الصغير اللي افتكروا إنهم ورثوه خلاص.


الصبح وأنا نازلة، قلت للحاجة نادية: ‘عليكِ إيدك بقى يا ماما اعملي دول على العشا، وأهم حاجة سيف ياكل كويس’.


لكن أول ما فتحت الباب بالليل، لقيت الصالة تضرب تقلب.. قشر سمك، وزبالة، وكانزات بيبسي مرمية في كل حتة. طارق مأنتخ على الكنبة زي الباشا، وأخته مروة الحامل قاعدة بتلحس السمنة من على صوابعها!



مروة ضحكت بـ لؤم وقالت: ‘يا خسارة يا نهى، فاتك نص عمرك! الإستاكوزا كانت لوز اللوز.. أنا أكلت اتنين لوحدي، الواد اللي في بطني شكله غاوي علو ومصايف وغالي!’


خدت نفسي بالعافية وبلعت ريقي المر: ‘وسيف؟ ابني أكل إيه؟’


حماتي هزت إيدها باستهزاء: ‘عملتله بيضتين بشوية رز.. أكل البحر ده حامي ويزفر بطن العيال الصغار’.


صدري ضاق ومبقتش قادرة أتنفس: ‘وطبقي فين؟’


طارق لوى بوزُه ونفخ: ‘جوه في المطبخ.. ما تعمليلناش مناحة بقى على لقمة!’


مشيت بخطوات تقيلة ودخلت المطبخ..


في نص الرخامة، كان محطوط راس إستاكوزا واحدة.. مجوفة، ومصمصة، وممسوحة مفيهاش فتلـة لحم!


في اللحظة دي، سيف طلع من الممر ببيجامته الكلحانة، وعينيه خايفة وبتلف في المكان، ومد إيده في جيبه الصغير..


طلع الكسرة اللي لمها من الأرض وعليها التراب.


وقاللي وهو بيمسح على إيدي: ‘متعيطيش يا ماما.. دي وقعت من طبق عمتو مروة، شلتها عشانك’.


الروح سحبت مني لثواني..


وبعدين كمل ببراءة قطمت ضهري: ‘تيتا قالتلي إنك مش عيلتنا بجد.. قالت إنك جاية للفلوس والمصاريف بس، والستات الشغالين اللي زيك يرضوا بالبواقي والفضلات’.


فضلت واقفة مبلمة، ببص لابني الصغير وهو شايل الفتفوية المبهدلة دي في إيده كأنها دهب بيقدمه لأمه.


ومن الصالة بره.. صوت ضحكهم وهزارهم الملوش لازمة واصل لعندي.


مديت إيدي ومسكت الطبق الفخار اللي فيه الراس المصمصة الفاضية.


مصرختش.. ولا عاتبت.


أنا بس فتحت صوابعي وسبت الطبق يقع من طولي.


الطبق رن واتدشدش مية حتة على البلاط وصوته زلزل البيت.


طارق نط من على الكنبة ووشه جايب ألوان وزعق: ‘أنتِ اتهبلتي يا نهى؟! كل الجنان ده عشان حتة إستاكوزا؟!’


بصيت في عينه بالظبط، بنظرة موت.


هو كان فاكرني مجرد ست غلبانة مهدودة من الشغل وراجعة تطلع غلها في العشا.


مكانش يعرف إني كاشفة ملعوبه القذر هو وأمه في البنك، وعارفة هما سرقوا إيه.



مكانش يعرف إن شنطتي وشنطة ابني متقفلين ومتشالين ورا الباب جاهزين.


وأكيد مكانش يتخيل إن على ما الشمس تطلع.. عيشتهم المريحة، واللقمة الطرية اللي عايشين فيها من خيري، هتبقى ركام وتراب فوق دماغهم كلهم!” اللي حابب يكمل باقي القصه


نزلت على السلم وأنا سانة سناني، ماسكة إيد سيف بقوة بس من غير ما أوجعه. الواد كان خايف وجسمه بيترعش من صدمة نزولنا بالليل، لكنه مكانش بينطق، كأنه حاسس إن أمه بتخوض حرب حياتها.


صوت طارق كان لسه بيرن في ودني وهو بيزعق من فوق السلم: “غوري في داهية! والـله ما أنتِ عتباها تاني.. روحي شوفي مين هيرضى بيكي بابنك يا بتاعة الصبغات!”



ضحكت في سري ضحكة مكتومة وصافية.. طارق لسه فاكر إن الموضوع موضوع “أكل” وزعل حموات. مسكين، مش عارف إن القرار اللي أخدته الساعة واحدة وربع الضهر في مخزن الكوافير، كان رصاصة الإعدام لشهامته المزيفة.


المكالمة اللي جاتلي من أستاذ أحمد، مدير فرع البنك اللي بجمع فيه شقا عمري قرش على قرش، لسه بتتردد في ودني حرف حرف: “يا مدام نهى، أستاذ طارق جوزك جه الفرع ومعاه توكيل عام رسمي منك، وبيطلب كسر الشهادة الكبيرة اللي باسمك، وسحب الرصيد بالكامل.. بيقول إنك تعبانة وفي المستشفى وهو محتاج الفلوس لعملية فورا.. أنا شكيت في الموضوع لأن نبرة صوته كانت متوترة، ووقفت الإجراءات ربع ساعة لحد ما أكلمك، أتصرف إزاي؟”


وقتها، الدم هرب من عروقي. التوكيل ده كنت عاملاه له من سنتين لما ولدت سيف وتعبت، عشان لو احتجت أي مصاريف للمستشفى، ومسحتش في غمرة الشغل واليوم اللي بيسحلني من أوله لآخره. سألت مدير البنك بدم بارد متحول من كتر الصدمة: “هو لسه عندك؟” قال لي: “لا، ساب الورق وقال هيجيب روتة المستشفى ويرجع على آخر اليوم عشان يسحب كاش”.


قلت له بكلمتين اتنين: “وقف التوكيل فورا، وجمد الحساب.. وماتعرفوش حاجة لو جه”.


ساعتها قفلت السكة، وقررت أعمل اختبار الإستاكوزا.. اختبار الأصول الأخير. كنت عايزة أشوف، هل في قلوبهم ذرة رحمة؟ هل هما بني آدمين؟ لو كانوا شالوا لي لقمة، ونظفوا البيت، وحضنوا ابني، كنت يمكن أقول “الفلوس تروح وتيجي وهعاتبه وأحمي مالي بس هحافظ على بيتي”.. لكن هما اختاروا يدبحوني ويدبحوا ابني في لقمته.


وصلت عند بيت أبويا الله يرحمه.. الشقة المقفولة اللي محدش بيدخلها. فتحت الباب، ودخلت سيف. الشقة كانت تراب، بس كانت أمان.. أمان حقيقي ومفيش فيها قشر مصمص ولا كلام يسم البدن.


نيمت سيف بعد ما غسلت له إيده ووشه، وأكلته لقمة نضيفة اشتريتها من السوبر ماركت تحت البيت.


الساعة كانت داخلة على واحدة بالليل. قعدت على الكنبة في الصالة، وطلعت تليفوني.


كلمت أستاذ مدحت، المحامي اللي بيخلص لي ورق الرخص بتاعة الكوافير الجديد اللي كنت بجهزه من وراهم بالشركة مع صاحبتي.


“أهلاً يا مدام نهى، خير في حاجة بالليل كدة؟”


قلت له بنبرة حاسمة زي حد السيف: “أستاذ مدحت.. الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، إيجارها القديم باسمي، والوصل بيتدفع من حسابي، واللوكال أو المحل اللي طارق فاتحه لقطع الغيار، البضاعة اللي فيه كلها جاية بقروض وشيكات أنا الضامنة الأولى والأخيرة فيها بصفة تجارية.. أرجوك، الصبح الساعة 9 تكون إنذارات الطرد ورفع الدعم وفك الضمان وشكاوى الشيكات المترخة على مكتب المحضرين”.



مدحت سكت ثواني وقال بذهول: “يا مدام نهى.. ده معناه إن المحل هيتقفل بالشمع الأحمر في ظرف 48 ساعة، وهيدخل في قضية تبديد.. ده خراب مستعجل!”


قلت له: “هو ده المطلوب بالظبط.. الخراب المستعجل”.


قفل السكة، وقعدت حاطة راسي بين إيديا، مستنية الفجر يأذن.


الساعة 4 ونص الصبح.. تليفوني مبطلش رن.


طارق.. أخته مروة.. وحتى الحاجة نادية!


رديت في المرة العاشرة.. وجالي صوت طارق مشحوط ومبحوح، مكانش الصوت الفرعون اللي كان بيزعق من كام ساعة.


“نهى.. نهى أنتِ فين؟ البنك بعتلي رسالة على التليفون بيقول التوكيل اتلغى وفي فحص إداري! والمدير كلمني على تليفوني الخاص بيقولي في بلاغ بتقديم مستندات مشكوك فيها! نهى.. أبوس رجلك ردي عليا، الشيك بتاع البضاعة الجديد ميعاده الصبح ولو الحساب اتجمد هتحبس! أمي بتموت جنبي من الخوف.. ردي عليا يا نهى!”


مسكت التليفون، وبتسمت ابتسامة باردة جداً، وقلت له بصوت واطي وراسي:


“اللحمة النضيفة لأصحاب البيت يا طارق.. وأنا من النهاردة، قفلت باب بيتي في وش الكلاب”.


وقبل ما ينطق بكلمة، قفلت السكة في وشه، ونزلت على السلم عشان أروح البنك والمحكمة.. وبدأت العجلة تدور وتفرم كل اللي داسوا على طرفي.




نزلت من الشقة على رجلي، وخطواتي كانت ثابتة لأول مرة من سنين. نسيت وجع الـ 12 ساعة وقفة، ونسيت الهوان اللي عشته؛ الغضب كان زي البنزين اللي بيحرك مكنة مابتوقفش. سيبت سيف نايم في أمان شقة أبويا، وقفلت عليه بالطفاشة وبثلاث أقفال، ونزلت على معركتي.


الساعة كانت تمانية والربع الصبح، والشوارع لسه بتصحي. وقفت قدام فرع البنك قبل ما يفتح بثلث ساعة كاملة. كنت أول واحدة تدخل مع الموظفين. دخلت لمدير الفرع، أستاذ أحمد، اللي أول ما شافني وقف وقالي بوش قلقان:


“مدام نهى، جوزك قالب الدنيا من الفجر، وجالي هنا على البنك من ساعة ما الموظفين بدأوا يدخلوا، وهو بره دلوقتي في الصالة ووشه أصفر زي الليمونة.. أعمل إيه؟”


بصيت لمدير البنك وقلت له برود: “دخلّهولي هنا يا فندم.. بس بعد ما تمضيلي على طلب تحويل كل المبالغ اللي في حسابي لحساب جاري جديد برقم سري ميعرفوش الإنس ولا الجن، وتعملي سحب لكشف الحساب بتاع السنتين اللي فاتوا عشان هحتاجه في المحكمة”.


في أقل من دقيقتين، الباب اتفتح ودخل طارق. كان شكله يصعب على الكافر؛ قميصه مبهدل، وشعره منكوش، وعينيه حمرا وفيها رعب عمري ما شفته فيه. أول ما شافني، نسى إنه وسط بنك وموظفين، وجري عليا ومسك إيدي وهو بيترعش:


“نهى.. يبوس إيدك يا بنة الأصول، الحقي أمي.. أمي ضغطها عليّ ونقلناها المستشفى من الصدمة! البنك قالي التوكيل اتلغى وفيه شبهة تزوير واستخدام توكيل لاغي، وصاحب بضاعة قطع الغيار واقفلي بالكمبيالات قدام المحل وبيقولي لو الفلوس مسمعتش في حسابه على الساعة 10 هيدخل بالبوليس يشمع المحل ويحبسني! هضيع يا نهى.. شقايا ومستقبلي هيضيع!”


شيلت إيده من عليا بهدوء شديد، وطلعت من شنطتي منديل وايتس ومسحت مكانه، وقلت له بنبرة مفيهاش أي ريحة للعاطفة:


“شقاك؟ ومستقبلك؟ أنت نسيت يا طارق إن المحل ده بفلوسي؟ ونسيت إن البضاعة دي أنا الضامنة ليها بشيكات من دفتري؟ ونسيت إنك نزلت امبارح البنك تسرق شقا عمري اللي طافحة فيه الدم في الكوافير عشان تشتري لأختك مروة شقة تمليك باسمها وباسم أمك؟”


طارق بربش بعينيه واتصدم، مكانه يعرف إني عرفت تفاصيل الملغوب كله. طاطا راسه للأرض وقال بصوت متقطع:


“أمي.. أمي هي اللي وزتني.. قالت لي أمن أختك وجوزها مبهدلها، وأنت كدة كدة نهى في جيبك وبتكسب ومستورة.. والـله العظيم كنت هردملك الفلوس من أرباح المحل!”


ضحكت بصوت عالي خلي مدير البنك يبص لنا بذهول. وقفت وقلت له:


“أرباح المحل اللي هيتشمع بعد ساعة؟ عموماً يا طارق، أنا مش هسجنك.. أنا مش هوسخ إيدي بيك في قضايا سرقة وتزوير توكيل.. أنا هسيبك لربنا وللسوق، والسوق مابيرحمش”.



سيبته واقف في مكتب المدير زي الصنم، وأخذت ورقي وكشف الحساب وطلعت. رحت علطول على المحل بتاعه. لقيت هناك أستاذ مدحت المحامي ومعاه المحضر وصاحب البضاعة. طارق مكنش بيكدب، الراجل كان واقف على آخره ومعاه الشيكات اللي أنا ضامناها.


أول ما شافني، الراجل قالي: “يا مدام نهى، أنا مقدرك ومقدر إنك ست شغالة وبتاعة أكل عيش، بس أنا ليا عند جوزك 400 ألف جنيه حق الحاوية الأخيرة، والشيكات باسمك وأنا لازم أتصرف”.


طلعت له دفتر شيكاتي الجديد، وقلت له: “الشيكات القديمة اللي معاك دي اقطعها.. أنا هكتبلك شيك مقبول الدفع حالا بـ 200 ألف جنيه، والـ 200 التانيين هكتبلك بيهم شيك يستحق بعد شهر.. بس بشرط واحد”.


الراجل عينيه لمعت وقال: “شروطي مجابة يا ست الكل، قولي”.


قلت له: “تتنازل لي عن عقد توريد البضاعة، والمحل ده من اللحظة دي يتفضى من كل مسمار فيه ويتنقل للمخزن الجديد بتاعي.. وطارق ملوش علاقة بالبضاعة دي ولا يدخل هنا تاني، والمحل ده إيجاره القديم باسمي وهقفله”.


المحامي بدأ يكتب العقود والتنازلات والمحضر بيثبت الحالة. وفي ظرف ساعتين، كانت عربيات النقل واقفة قدام المحل وبتشيل البضاعة كلها، وسط ذهول الناس في الشارع اللي عارفين إن ده محل طارق.


على الساعة 2 الظهر، تليفوني رن تاني.. المرة دي كانت الحاجة نادية بنفسها. صوتها مكنش فيه البرود ولا الاستهزاء بتاع امبارح، كانت بتتكلم وهي بتنهج وبتعيط:


“نهى.. يا بنتي.. إحنا ملناش غيرك، طارق رجع البيت بيخبط دماغه في الحيط وبيقول المحل اتقفل والبضاعة اتشالت والناس بتدور عليه.. ومروة جوزها طردها لما عرف إن الشقة اللي كانوا هيشتروها طارت! إحنا غلطنا يا بنتي.. حقك عليا، أنا اللي عملت كدة، بس بلاش تخربي البيت.. سيف ابنك ملوش ذنب يتربى بعيد عن أبوه وأهله الحقيقيين!”


بلعت ريقي، ووقفت في نص الشارع والناس رايحة جاية، وقلت لها بكل قوة:


“العيلة الحقيقية يا حاجة نادية هي اللي بتشيل بعضها في الجوع قبل الشبع.. مش اللي بتاكل إستاكوزا بـ 15 ألف جنيه وترمي لابني خمس سنين رز بايت وساقع وبيضتين! الست الشغالة اللي كنتِ بتهينيها امبارح وتقولي بترضى بالفضلات، شالت فضلاتها وشالت خيرها ومشيت.. والفضلات اللي سيبتوهالي في المطبخ، أنا رديتها لكم خراب هيفضل ملاحقكم لحد آخر يوم في عمركم”.


قفلت السكة وعملت بلوك للرقم.. ورحت على الكوافير بتاعي. دخلت المخزن، ولميت حاجتي كلها، وبلغت صاحبتي وشريكتي إننا هنقل الشغل كله للفرع الجديد الأكبر اللي جهزته من وراهم وبفلوسي بالكامل.


وأنا بلم حاجتي، لقيت في جيب العباية القديمة فتفوتة الإستاكوزا اللي سيف كان شايلها لي.. الفتفوتة اللي كانت مليانة تراب وعفر. مسكتها، وبستها، وعينيا لمعت بدموع تانية خالص.. دموع النصر.


رجعت الشقة عند سيف، وفتح الباب وجري عليا حضني. قعدت معاه وأنا مروقة، وطلعت تليفوني واتصلت بأستاذ مدحت المحامي تاني وقلت له:


“جهّزلي ورق قضية الخلع يا أستاذ مدحت.. وعايزة قضية نفقة ومتعة ومؤخر تخليه يبيع هدومه اللي عليه عشان يسددها”.


قعدت على السرير وجنب سيف، وكنت فاكرة إن الدنيا هديت.. لحد ما سمعت خبط رزع عنيف على باب الشقة بره، وصوت طارق بيصرخ ويهدد بشكل هيستيري، ومعاه أصوات تانية غريبة مكنتش متوقعاها أبداً!


جسمي اتنفض في مكاني، وسيف فزع وجري عليا استخبى ورا ظهري وهو بيعيط وبيتنفض من الرعب. الخبط على الباب مكانش خبط عادي، ده كان رزع برجلين وإيدين كأنهم عايزين يهدوا الباب فوق دماغنا.


صوت طارق كان بره قالب الدنيا، بس مكنش لوحده، كان معاه صوت راجل غريب بيزعق بجهورية وبألفاظ تخوف: “افتحي يا مدام نهى.. افتحي بدل ما نهد الباب، إحنا مش هنروح في شربات مية بسبب لعب عيالك أنتِ وجوزك!”


طبطبت على سيف ودخلته الأوضة الجوانية وقفت عليه، وأنا قلبي بيدق زي الطبلة، بس مكنش خوف.. كان غضب وقرف. مشيت لغاية الباب وبصيت من العين السحرية.


لقيت طارق واقف بره، هدومه متبهدلة وعرقان، وجنبه راجل ضخم ورقبت كنزة، ومعاهم اتنين كمان شكلهم رد سجون واقفين وسدين السلم.


فتحت الباب بس سبت السلسلة الحديد مقفولة، وقلت من ورا الشق بصوت حاد:


“أنت جاي تبلطج هنا يا طارق؟ أقسم بالله أطلبلك النجدة حالا وأعملك محضر عدم تعرض أنت والأشكال اللي جايبها معاك دي!”


طارق أول ما شاف وشي من ورا الباب، عياطه قلب على صريخ هستيري:


“نهى.. الحقيني يا نهى! المعلم فرج صاحب المعرض اللي كنت باخد منه العربيات وببيعها لحسابي.. عرف إن المحل اتقفل وإن البضاعة اتنقلت، وافتكر إننا بنهرب بالفلوس! الشيك اللي أنا مضيت عليه الصبح كضمان للمعرض طلع شيك على بياض، وهو كتب فيه مليون جنيه وواقفلي بيه.. بيقولي يا تدفع حالا يا هيمضيني على وصلات أمانة توديني ورا الشمس، أو ياخدوا عربية الكوافير وبضاعة المحل الجديدة!”


المعلم فرج زق طارق من قدام الباب، وبصلي وعينيه بتقدح شرار:


“بصي يا ست هانم.. جوزك الباشا كان بيتنطط بفلوسك وباسمك في السوق، والكل عارف إنك أنتِ الظهر المالي للمصلحة دي كلها. أنا ماليش دعوة بخناقاتكم ولا مين أكل إستاكوزا ومين أكل رز بايت.. أنا ليا برنت بحسابات المحل اللي اتصفت، وليا بضاعة اختفت من السوق في ساعتين. يا تدفعي ربع المليون جنيه كاش حالا كحسن نية، يا إما طارق ده مش هيمشي معايا على رجله، وهتشوفوا وش مش هيعجبكم، والمحامين بتوعي هيتحركوا على الكوافير بتاعك يرفعوا عليه قضية حجز تحفظي باعتباركم شركة!”



الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. طارق الحمار، من ورا ضهري وبغبائه، مكانش بس بيسرق حساب البنك، ده كان بيستغل اسمي وسيرتي النضيفة في السوق عشان يمضي شيكات ويسحب بضاعة وعربيات لحسابه وحساب أهله، والآن لما المركب غرق، الحيتان الكبيرة جاية تاكلني أنا!


طارق رمى نفسه على الباب وبدأ يبوس الخشب ويبكي:


“بوس إيدك يا نهى.. أمي بتموت في المستشفى، ومروة اتطلقت رسمي الصبح وجوزها رماها في الشارع وأخذ عيالها لما عرف الفضيحة والمحل اللي اتقفل.. أنا ضعت خلاص، لو المعلم فرج أخذني مش هطلع تاني.. ادفعي له من فلوس الكوافير، وأنا هبقى خدام تحت رجلك العمر كله!”


وقفت ثواني، دماغي دي كانت بتشتغل زي الكمبيوتر. البكاء والدموع بتوع طارق ملقوش في قلبي أي حنان، بالعكس، زادوني قرف. بس التهديد بالحجز على الكوافير أو دخولي في قضية “شركة محاصة” مع واحد زي المعلم فرج كان ممكن يعطل نقلي للفرع الجديد ويخرب برستيچي قدام زبايني اللي بقالي سنين ببنيه.


رجعت خطوتين لورا، وقلت للمعلم فرج بثبات انفعالي رعب طارق نفسه:


“المعلم فرج.. أنت راجل سوق وتعرف الأصول. طارق ملوش في المحل بتاعي مسمار، والورق القانوني اللي معايا يثبت إن المحل بتاعي لوحدي، وهو مجرد عامل عندي بياخد مرتب. الشيك اللي مع حضرتك باسمه هو وشخصه، يعني لو حبسته مش هتنال مني مليم واحد.. لكن عشان أنا ست بعرف الأصول ومبحبش الشوشرة قدام بيتي..”


سكت ثواني، وطلعت شيكات الفرع الجديد، وكتبت شيك بمبلغ 50 ألف جنيه بس. وفتحت الباب نص فتحة ومديت إيدي بالشيك:


“ده شيك بـ 50 ألف جنيه، يصرف بعد بكرة.. تاخده وتأخذ طارق معاك، وتعملوا جدولة للباقي بعيد عني وعن ابني وعن شغلي. لو عتبتوا باب الشقة دي تاني، أو رجلك خطت ناحية الكوافير، الشيك ده هعمل فيه إيقاف صرف فوري، وهكون مبلّغة عنكم بابتزاز وبلطجة، وأنا معايا محامي يهد بلد.. قولت إيه؟”


المعلم فرج بص للشيك، وبعدين بص لطارق المرمي على الأرض زي الفرخة المبلولة، وأخذ الشيك من إيدي وهز رأسه بإعجاب:


“والله خسارة فيك الست دي يا طارق.. ده أنت طلعت حتة قشرة فاضية بجد مفيهاش نسايل! ماشي يا مدام نهى.. الشيك مقبول، والباشا ده هيشرفني في المكتب عشان نكتب وصلات بالأمانة بالباقي، ومش هتشوفي وشه هنا تاني”.


فرج شد طارق من قفاه وقفّمه، وطارق بصلي ونظرة عينه كانت مكسورة ومذلولة لدرجة تصعب على أي حد.. إلا أنا. قفلت الباب في وشه ورزعت الترباس.


قعدت ورا الباب ونفست الصعداء. أنا كدة اشتريت وقت، 48 ساعة بالظبط، عشان أنقل كل مسمار وبضاعة وكرسي من الكوافير القديم للفرع الجديد الأكبر، وأغير اليافطة والاسم التجاري بالكامل، وأمضي ورق الخلع عشان أقطع أي خيط يربط طارق أو أهله باسمي في السوق.



دخلت الأوضة لسيف، أخذته في حضني ونمنا.. لأول مرة من سنين نمت وأنا حاسة إن الهدم اللي هديته فوق دماغهم كان صح، وإن اللي جاي هو البناء الحقيقي.


الصبح صحيت على صوت تليفوني بيرن.. المرة دي مكنش البنك ولا المحامي، ولا حتى حد من عيلة طارق.


الرقم كان غريب، ولما رديت، جالي صوت راجل وقور وجاد جداً:


“ألو.. المدام نهى؟ أنا الحاج عبد العزيز، صاحب عمارة الكوافير الجديد اللي أنتِ لسه مأجراه وممضية العقود عليه من ورا جوزك.. أنا بكلمك عشان أقولك إن حماتك الحاجة نادية وأخت جوزك واقفين قدام المحل الجديد دلوقتي، ومعاهم ناس وبيركبوا قفل على الباب وبيقولوا إن المحل ده بفلوس ابنهم وهما أولى بيه!”


 

مسكت التليفون وقبضة إيدي بتتصلب على السماعة، الدموع اللي كانت هتنزل من التعب هربت ورجعت مكانها. الحاجة نادية ومروة بنتها مفيش فايدة فيهم، الحيا اتنزع من وشوشهم، وسايبين طارق يتجرجر من قفاه مع المعلم فرج، ورايحين يبلطجوا على شقا عمري والفرع الجديد اللي ميعرفوش عنه حاجة غير من ورا التجسس والتفتيش ورايا!

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

قلت للحاج عبد العزيز وصوتي طالع زي الفيروز الناشف: “يا حاج عبد العزيز، أقسم بالله خمس دقايق بالظبط وهكون عندك.. المحل ده ملوش علاقة بطارق ولا بأهله، والورق اللي معاك باسمي وبفلوسي، متخليهمش يلمسوا قفل واحد لحد ما آجي”.


لبست عبايتي في ثواني، وأخذت سيف في إيدي؛ مكنش ينفع أسيبه لوحده بعد رعب امبارح. نزلت جري على الشارع، وأخذت تاكسي وعلى هناك. طول الطريق وأنا ببص لسيف وهو ضامم إيدي الصغيره، وبفتكر كلمته: “الستات الشغالين يرضوا بالبواقي والفضلات”. الكلمة دي كانت الكرباج اللي بيخليني أتحول لـ وحش مابيرحمش.


وصلنا قدام برج الحاج عبد العزيز في المنطقة الراقية الجديدة. من بعيد، لمحت اللمة. الحاجة نادية واقفة جلبابها الأسود، ومروة بنتها ببطنها المنفوخة وعينيها اللي بتطق شرار، ومعاهم راجلين من قرايبهم من البلد جايبينهم عشان يعملوا نمرة بلطجة، وماسكين في إيدهم جنزير وقفل وبيركبوه على باب الكوافير الجديد المتشطب بأحدث طراز.


نزلت من التاكسي، ومشيت بخطوات بطيئة وواثقة وسيف في إيدي. أول ما مروة شافتني، زعقت بصوت لم الناس في الشارع: “أهو.. أهي الحرامية جات اهي! جاية تفتحي محل بفلوس أخويا اللي سرقتيها من وراه؟ جاية تعملي فيها هانم بفلوس قطع الغيار وشقا طارق؟ الـله في سَما ل مانتِ عتباها ولا هتاخدي مليم من شقا أخويا!”


الحاجة نادية بصتلي وبزقت على الأرض وقالت بقلب أسود: “البيت اللي خربتيه على ابننا امبارح، وخليتي الديانة يمسكوه من قفاه، مش هتهنّي بسببه براحة يا نهى.. المحل ده مكانه، والبضاعة اللي سرقتيها من محله القديم هتيجي هنا وهنديرها إحنا، وأنتِ ليكي ورقة طلاقك وبس!”


الحاج عبد العزيز كان واقف محرج وزعلان من المنظر، وبيحاول يهدي الرأي العام. أنا مبصتش لمروة ولا ردحت، ولا نزلت لمستواهم. وقفت في نص الشارع، وطلعت تليفوني، واتصلت بالنجدة قدام الكل.. وفتحت الاسبيكر.


“ألو.. النجدة؟ أنا المواطنة نهى عبد السلام، معايا عقد إيجار موثق وسجل تجاري وبطاقة ضريبية لمحلي الجديد في شارع (….)، وفيه مجموعة من الأشخاص بيبطجوا على المكان، وبيركبوا قوافل حديد، وبيحاولوا يقتحموا ملكية خاصة بغير وجه حق، ومعايا صاحب العقار يشهد.. أرجوكم التحرك فورا”.



الراجلين اللي معاهم خافوا أول ما سمعوا سيرة النجدة والشرطة، وبدأوا ينسحبوا لورا. لكن الحاجة نادية قفشت في دراع واحد فيهم وقالت بوهن مصطنع: “تخافوا من إيه؟ دي شالت فلوس ابني في البنك وجاية تفتح بيهم مول! الست دي نصابة”.


في اللحظة دي، عربية النقل الكبيرة اللي كنت متفقة معاها امبارح تلم بضاعة الكوافير القديم وصلت، ونزل منها السواق ومعاه أربعة عمال شداد عشان ينزلوا الكراسي والمرايات والأجهزة المستوردة اللي أنا دفعاها من شقايا.


بصيت للحاجة نادية ومروة وقلت لهم بمنتهى الهدوء والبرود:


“الفلوس اللي بتتكلموا عليها دي.. دي فلوس حسابي أنا، اللي ابنك الحرامي كان رايح يسرقها بتوكيل لاغي وبورقة مزورة، والبنك نفسه عامل فيه بلاغ تزوير وشروع في سرقة.. ابنك دلوقتي مع المعلم فرج بيمضي على وصلات أمانة بمليون جنيه عشان غبائه وطمعه وطمعكم.. والمحل القديم فضيته وقفلت قفله وفسخت عقده.. يعني ابنك ملوش عيش في السوق خلاص.. وأنا بقى، بضاعتي هتنزل هنا، ورجلي هتعتب المكان ده، وأعلى ما في خيلكم اركبوه”.


مروة اتهجمت عليا وهي بتصرخ: “يا حرباية! خربتي بيت أخويا وطلقتيني من جوزي وعايزة تاكلي خيرنا؟!”


وقبل ما تمد إيدها، عمال عربية النقل وقفوا في وشها زي السد المنيع، والسواق زعق: “إيدك لا تتمد على الست يا أبلة.. إحنا في شارع محترم وفيه قانون!”


وفي نفس اللحظة، صوت سارينة بوكس الشرطة رن في أول الشارع.. ونزل منه ضابط ومعاه أمناء شرطة.


الضابط جه علينا والناس اتلمت: “فيه إيه هنا؟ ومين اللي مبلّغ؟”


طلعت له المحفظة الجلد اللي فيها أصلي العقد والسجل التجاري والبطاقة الضريبية باسمي (نهى عبد السلام) ورخصة الكوافير.. وقلت له: “أنا صاحبة المكان يا فندم، ودول ناس معرفهمش، جايين يركبوا قفل على محلي ويمنعوني من أكل عيشي”.


الضابط بص للحاجة نادية ومروة وقال بحزم: “ورقكم إيه هنا؟ ليكم صفة إيه في المكان ده؟”


الحاجة نادية بدأت تلطم على وشها: “ده محل ابني.. دي سرقت فلوس ابني وطردته!”


الضابط قالها بحدة: “ابنك مين؟ المحل باسم الست دي.. عندكم قض*ية أو ورق اثبتوا بيه كلامكم في المحكمة، لكن البلطجة دي عقوبتها الحبس.. خدوا القفل ده واطلعوا على البوكس!”


الراجلين اللي معاهم جريوا واستخبوا في الشوارع الجانبية، ومروة قعدت على الرصيف وهي بتعيط وتصرخ من المغص والتعب، والحاجة نادية وشها جاب ألوان وبقت تبصلي بنظرة رعب حقيقية.. نظرة الست اللي حست إنها قعدت في الشارع هي وبنتها وابنها اللي بيضيع.



الضابط زقهم بعيد وفض اللمة، والعوام بدأوا يدخلوا الأجهزة الكوافير الجديد تحت حمايتهم وبإشرافي. وقفت على باب المحل، وبصيت للحاجة نادية وهي بتجر بنتها مروة وماشيين في الشارع مكسورين ومتبهدلين، والكل بيتفرج عليهم بعد ما كانوا امبارح بينسفوا الإستاكوزا ويقولوا “اللحمة النضيفة لأصحاب البيت”.


دخلت المحل، وقعدت سيف على كرسي من الكراسي الجديدة الكبيرة، وبدأت أرتب الشغل وأنا حاسة إن خطتي ماشية بالمسطرة.. طارق ضاع في السوق، وأهله اتهانوا في الشارع، والفرع الجديد هيفتح في ميعاده وبقوة.


قعدت على مكتب الكوافير الجديد، وطلعت تليفوني عشان أكلم المحامي أستعجله في قض*ية الخلع ونفقة المتعة عشان أجيب لطارق جلطة رسمية.. لكن أول ما فتحت التليفون، لقيت رسالة مبعوتة لي من رقم طارق.. بس اللي كاتبها مكنش طارق!


الرسالة كانت صورة لطارق وهو قاعد في مكان ضلمة، وشه كله دم ومتخرشم، وتحت الصورة مكتوب: “الشيك الـ 50 ألف جنيه طلع ملوش رصيد كافي في الحساب الجاري الجديد يا مدام نهى.. جوزك الباشا دلوقتي ضيف عندنا، وقدامك 24 ساعة بالظبط.. يا تجيبيلنا الـ 400 ألف جنيه كاش وتستلمي ج*ثته.. يا إما هتوصلك حتت في أكياس زبالة قدام باب كوافيرك الجديد!”


الجزء السادس وقبل الأخير.


الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة، الشاشة كانت بتِقيد وتطفي في إيدي وصورة طارق وهو غرقان في دمه خلت ركبي تسيب. المعلم فرج مبيطلبش، ده راجل مجرم وسوابق، ولما لقى الشيك الـ 50 ألف ملوش رصيد كافي لأن حسابي الجاري الجديد كان لسه تحت التسوية والتحويلات مسمّعتش بالكامل، افتكر إنني بلعب بيه وبأكله بحلاوة!


سيف شاف وشي بيبهت، ساب اللعبة اللي في إيده وجري عليا مسك عبايتي: “ماما.. أنتِ خايفة؟”


بلعت ريقي وحاولت أبتسم وأنا قلبي بيتخلع من مكانه: “لا يا قلب ماما، مفيش حاجة، دي الشغالة في المحل القديم بتسأل على حاجة”.


دخلت سيف الحمام وقولتله يغسل وشه، ووقفت في المطبخ الصغير بتاع الكوافير الجديد، جسمي كله بيترعش. 400 ألف جنيه كاش في 24 ساعة؟ يعني هصفي كل اللي حيلتي، وشقا عمري اللي حَميته من سرقة طارق هيروح للمعلم فرج عشان أشتري بيه ج*ثة بني آدم دمر حياتي وسرقني وهان ابني!


لو مدفعتش، طارق هيموت، وأنا اللي هشيل الليلة قانوناً لأن الشيك اللي ارتد باسمي أنا، والكوافير الجديد هيتقفل قبل ما يفتح ويسيل فيه دم!


طلعت تليفوني واتصلت بأستاذ مدحت المحامي فورا، وصوتي كان مخنوق: “أستاذ مدحت.. الحقني، المعلم فرج خطف طارق، والشيك ارتد، وبيهددوني بالق/تل وتقطيع ج*ثته لو مدفعتش 400 ألف كاش بكرة الصبح!”



مدحت صرخ في التليفون: “يا مدام نهى، أوعي تدفعي مليم! دي جناية خطف وابتزاز وبلطجة وتشكيل عصابي.. لو دفعتي هيركبوكي العمر كله وكل شوية يبتزوكي، إحنا لازم نبلغ مباحث الأموال العامة والمديرية حالا، بس من غير ما يحسوا عشان طارق ميروحش فيها”.


قفلنا السكة، وفي نفس اللحظة، الباب بره اتفتح ودخلت الحاجة نادية!


كانت جاية لوحدها، جلبابها متبهدل، ووشها عليه كسرة وذل عمري ما شفته فيها. ركعت في الصالة قدام رجلي وبدأت تبوس جزمتي وهي بتصرخ بهستيريا وعياط يقطع القلب:


“نهى.. يبوس رجلك ورقبتك! المعلم فرج بعتلي نفس الصورة على تليفون مروة.. طارق هيموت يا نهى! ابني الوحيد هيدبحوه ويرموه في أكياس زبالة! أنا أسفة.. أنا كلبة وجيعانة وبتاعة فضلات، أنا اللي وزيته يسرقك، وأنا اللي قولتله سيف مش ابننا واللحمة النضيفة لأصحاب البيت.. أنا مستاهلش الرحمة بس طارق ملوش ذنب، ده حمار وبيمشي ورايا! اطلعي بفلوسك يا بنتي ونجديه.. ده أبو ابنك!”


بصيت لها وأنا قرفانة من منظري ومنظرها. الست اللي كانت من كام ساعة بتبلطج بجنازير على باب محلي، دلوقتي راكعة تحت رجلي بتتمسح في تراب الأرض.


وقفتها بحدة وقلت لها: “قومي! قومي ومتمثليش عليا.. ابنك مش هيموت بسببي، ابنك هيموت بسبب طمعك الأسود اللي وداه في داهية.. اسمعي، أنا مش هدفع 400 ألف جنيه من شقايا وعرقي عشان أطلع حرامي وخاين.. بس أنا هجيب حق ابنك بالقانون.. اقعدي هنا ومتنطقيش بحرف!”


فتحت تليفوني ورسلت للمعلم فرج رسالة واحدة: “الفلوس جاهزة كاش يا معلم فرج، الـ 400 ألف كاملين مكملين.. بكرة الساعة 10 الصبح هستناك في المخزن القديم بتاع الكوافير في الدرب الجواني، تيجي ومعاك طارق مستلم على رجليه عشان تسلم وتستلم الكاش وتديني الشيكات ووقعات الأمانة.. لو طارق جراله حاجة أو لِمس فيه فِتلة، الفلوس دي هتتحول لمكافأة للي هيرشد عن مكانكم”.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

رد عليا في ثانية: “عاش من عرف الأصول يا ست الكل.. بكرة 10 الصبح طارق هيكون عندك، بس لو لمحنا حتة مخبر أو أمين شرطة حولين المكان، قسماً بالله لتستلمي كيس زبالة أسود الأول”.


طول الليل منمتش.. قضيته مع أستاذ مدحت المحامي ورجال المباحث اللي رتبوا الكمين بالمسطرة. اتفقنا إنني هيدخل المخزن لوحدي بالشنطة اللي فيها “رزم فلوس ورق” وفي وسطها ورق أبيض، والمباحث هتكون محاصرة المنطقة كلها بملابس مدنية وسيارات ميكروباص كأنهم بياعين وزبائن في السوق.


الصبح الساعة 9 ونص.. وقفت قدام المخزن القديم الضلمة، الهوا كان ساقع وريحة الصبغات القديمة والتراب خانقة المكان. الحاجة نادية كانت قاعدة في التاكسي على أول الشارع بتموت من الرعب.



الساعة جَت 10 بالظبط.. سمعت صوت عربية نص نقل وقفت ورا المخزن. الباب الحديد اتفتح ببطء، ودخل المعلم فرج وجنبه الاتنين الرد سجون، وسحبين وراهم طارق!


طارق كان متبهدل، عينه قفلّت من الضرب، وشايلينه شيل، أول ما شافني حاول ينطق بصوت مخنوق: “نهى..”.


المعلم فرج سد السكة بكرشه وقالي وعينيه بتلمع طمع: “فين الكاش يا ست الكل؟ الشوق واصل لآخره”.


رفعت الشنطة الجلد السوداء في إيدي وقلت له بثبات يرعب: “الفلوس هنا.. سيب طارق يعدي الباب وياخد الشنطة دي في إيده، وأنت تاخد الشيكات وتطلع برا”.


فرج ضحك بـ لؤم: “لا يا حلوة.. إحنا نعد الفلوس الأول ورقة ورقة.. هاتي الشنطة!”


مد إيده عشان يِقفش الشنطة، وفي اللحظة دي.. فتحت صوابعي وسبت الشنطة تقع في الأرض، وفي ثانية واحدة، ضربت برجلي الباب الحديد بكل قوتي ورزعت الترباس من برا عشان أقفل عليهم هما وطارق جوه المخزن!


فرج صرخ من ورا الباب: “يا بنت الـ… بتغفليني؟!”


وبدأ ضرب الرصاص يشتغل جوه والرزع، وفي ثانية الشارع كله اتقلب.. عربيات الميكروباص قفلت المخارج، ورجال المباحث كسروا الباب التاني وهجموا زي الإعصار!


صوت الصريخ والعياط والضرب قلب الدنيا، وأنا واقفة في نص الشارع، حاطة إيدي في جيبي ببرود تام.. مستنية الغبار ينقشع عشان أشوف مين اللي هيطلع على رجله، ومين اللي هيدخل القبر، والملعوب الأخير اللي رتبته مع المحامي عشان أنهي اللعبة دي للأبد مكنش يخطر على بال جن!


## الجزء السابع والأخير: الحصاد والميزان


انقشع غبار المعركة في ثوانٍ معدودة كأنها دهر. انكسر الباب الحديدي تحت ضربات رجال المباحث، وتحول المخزن الضيق إلى ساحة قبض وتفتيش. خرج المعلم فرج ورجاله مكبلين بالحديد، وعيونهم تجري بالغل والندامة بعد أن سقطوا في الفخ الذي نصبته لهم بالمسطرة.


وفي وسط الهيصة، خرج طارق مسنوداً على أكتاف اثنين من أمناء الشرطة، وجهه مغطى بالدم والتراب، وعيناه تبحثان عني وسط الزحام. أول ما رأت الحاجة نادية المشهد، جرت من أول الشارع وهي تصرخ وتلطم، وارتمت في أحضان ابنها تبكي بشغف جارف.


التفتّ إليّ طارق بصوت متحشرج وضعيف: “نهى.. أنتِ أنقذتيني.. أنا عارف إنك عملتِ كل ده عشان لسه باقية عليا وعلى بيتنا.. سامحيني يا بنت الأصول”.


نظرت إليه بنظرة أبرد من الصقيع، وقلت له وأنا أخرج من حقيبتي ورقة رسمية وقعت عليها قبل دخول المخزن بنصف ساعة:


> “أنا منقذتكش عشان باقية عليك يا طارق.. أنا أنقذت نفسي واسم شغلي من شوشرة المجرمين. والشنطة اللي جوه مفيهاش مليم، دي ورق أبيض، والمباحث قبضت عليهم بتهمة الخطف والابتزاز وحيازة س*لاح.. وأنت؟ أنت خارج من هنا على بوكس النيابة علطول”.



بربش طارق بعينيه بذهول، وصمتت الحاجة نادية فجأة، فتابعت كلامي بثقة زلزلت ما تبقى من ثباتهم:


“أستاذ مدحت المحامي قدم الصبح بلاغ رسمي للنيابة العامة بكشف الحساب البنكي، والتوكيل اللاغي اللي حاولت تسرق بيه شقايا، وإقرار مدير البنك بالشروع في السرقة والتزوير. الشيك اللي مع فرج باسمك أنت، والقضايا اللي هتبدأ من اللحظة دي هتشرفك في الحبس سنين.. ودي ورقة دعوى الخلع ونفقة سيف، اتمضت واتسجلت”.


انهارت الحاجة نادية على الأرض تصرخ: “حرام عليكي.. هتسجني جوزك وأبو ابنك؟ خراب البيوت مش بالساهل يا نهى!”


التفت إليها وقلت بمنتهى القوة والشموخ:


“البيت اللي اتصنع من الغدر والخيانة والسرقة هو مقبرة مش بيت.. والخراب الحقيقي هو إني كنت آمن لِعيلة بتاكل لحم الغالي وترمي لابني فضلات الأكل البايت وتقوله أمك مش من عيلتنا. ابنك هو اللي خرب بيته بإيده لما مد إيده على شقا مراته اللي واقفة على رجلها 12 ساعة في النهار”.


تركتهم في ذهولهم وصراخهم، وركبت التاكسي وأنا أتنفس لأول مرة حرية حقيقية، تاركة خلفي ركاماً من الطمع والظلم ينالون جزاءهم العادل بالقانون وسُنة الحياة.


### الحكمة من القصة


إن هذه الحكاية ليست مجرد قصة انتقام أو انتصار لامرأة مظلومة، بل هي ميزان ومحاكمة لطبائع البشر، وتخرج منها الحكم التالية:


* **الأصول لا تُشترى بالمال:** من لا يملك رصيداً من الذوق والرحمة في تعامله مع أقرب الناس إليه وقت الشبع، لن تجد منه إلا الغدر وقت الطمع. اللقمة التي بخلت بها الحماة على طفل صغير كانت القشة التي قصمت ظهر العائلة بكاملها.


* **العمل والشغل أمان للمرأة:** إن سعي المرأة وشقاءها وعصاميتها ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، بل هو درعها وسيفها في مواجهة غدر الأيام والمقربين. لو لم تكن “نهى” ست شابة وشغالة وصاحبة عمل مستقل وذكاء مالي، لتمكنوا من محو وجودها وكسر عينها مستغلين طيبتها.


* **اتقِ شر الحليم إذا غضب:** بعض النفوس تظن الصبر ضعفاً، والتحمل قلة حيلة؛ الست التي تقبل بالهوان والتعب من أجل بيتها، قادرة عندما يُمس كبرياء طفلها أو يُسرق شقا عمرها أن تتحول إلى إعصار يقتلع الظالمين من جذورهم بدم بارد وذكاء حاد.


* **الجزاء من جنس العمل:** من أراد سلب حقوق الآخرين وتجريدهم من أمانهم المالي والأسري، أذاقه الله الذل والحاجة في نفس المكان الذي تجبر فيه. طارق وأهله نسفوا “الإستاكوزا” بـ 15 ألفاً من مال غيرهم واستكثروا الرز البايت على طفل، فكانت عاقبتهم أن خسروا المحل، والمال، والحرية، والكرامة، وباتوا يبحثون عن كسرة أمان فلا يجدونها.

تمت 




 


تعليقات

close