القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي طلب مني أكتب له الشقة باسمه 'عشان بيحبني


جوزي طلب مني أكتب له الشقة باسمه 'عشان بيحبني





جوزي طلب مني أكتب له الشقة باسمه 'عشان بيحبني



"جوزي طلب مني أكتب له الشقة باسمه 'عشان بيحبني'... لكن في نفس الليلة سمعته وهو بيقول لأمه في التليفون: 'الست المغفلة دي بتقفلني منها، بس شقتها تسوى عمري كله وعشرة 11 سنة جواز'."

فوزية وقفت متبنجة ورا حيطة المطرقة، إيدها لسه ساندة على أكرة الباب، وقلبها كان بيدق برزع عالي لدرجة حسيت إن البيت كله سامعه. الشقة دي اللي في مصر الجديدة مش مجرد بيت قديم بلكونته مليانة ورد جهنمية وأرضيته باركيه وشبابيكه خشب بتزيّن مع مطر الشتا، دي كانت الحوزة والملجأ الوحيد اللي سابوهالها أبوها وأمها. أمها هي اللي كانت بتسقي الزرع في البلكونة، وأبوها هو اللي رمم كل حتة خشب فيها بإيديه، وقبل ما يموت، قالها جملة فوزية عمرها ما نسيتها: "البيت ده بيتك يا بنتي، أوعي تخلي مخلوق يحسسك بالذنب عشان بتحميه".

طول 11 سنة، فوزية كانت فاكرة إن مصطفى جوزها بيحترم الوصية دي. كان بيصحيها الصبح بحضن، ويعملها شاي بلبن يوم الجمعة، ويفضل يقولها إنهم هيجوا في يوم ويقلبوا الأوضة اللي في آخر الطرقة لـ "مكتبهم سوا". بس مؤخراً كلامه زاد وإلحاحه بقى غريب وهو بيقنعها: "مش عشان الفلوس يا فوزية، ده عشان الحب.. لو جرالي أو جرالك حاجة، لازم أكون قادر أحمي حاجتنا". حاجتنا! الكلمة دي دلوقتي حستها طعمها سم في بقها.

مصطفى كان واقف في المطبخ بيكلم أمه، الحاجة مرفت، ومشغل الاسبيكر. فوزية كانت راجعة بدري من مكتب المحاسبة بسبب الصداع النصفي ومن غير ما تقول له، كانت فاكرة إنها هتلاقي هدوء، لكنها لقت الحقيقة العريانة. مصطفى قال بزهق: "لا يا أمي، لسه ممضتش.. لسه فاكرة إن نقل الشقة باسمي ده اختبار ثقة ولعب عيال". الحاجة مرفت ضحكت ضحكة صفرا وقالتله: "طب خلص قوام، الست دي متستاهلش يكون معاها شقة بالسعر ده، إنت ضحيت كتير بتمثيلك عليها إنك بتحبها". فوزية حست إن النفس اتسحب من صدرها. نفس الحماة اللي كانت بتقولها قدام مصطفى "يا بنتي" هي هي اللي كانت بتلقح عليها بكلام يوجع في دارها وتقولها: "بجسمك ده، المفروض تبوسي إيدك وش وظهر إن ابني مكمل معاكي"، أو "الست اللي متهتمش بنفسها متزعلش لو جوزها عينيه زاغت برة". فوزية كانت دايماً بتسكت، كانت فاكرة إن السكوت ده عقل، وإنها متعملش مشاكل بين جوزها وأمه ده قمة الحب، بس في العصر المشؤوم ده فهمت إن سكوتها كان الستارة اللي بيستخبوا وراها.

مصطفى كمل كلامه وهو بيضحك: "عشوتين حلوين على شمعتين وشوية كلام حنين وهقنعها، على آخر الشهر هتكون ماضية، وبعدها نشوف صرفة نخلص منها من غير شوشرة". فوزية سندت على الحيطة بكل قوتها عشان متقعش على الأرض، وأمه ردت بأمر: "تمضي الأول، وبعدين ارمي عليها يمين الطلاق، والشقة باسمك مش هتعرف تفتح بقها ولا تعمل فيها الست الشريفة". مصطفى ضحك وقال: "الست التخينة المغفلة دي بتقفلني منها.. بس شقتها تسوى عمري كله وعشرة 11 سنة جواز".

فوزية معيطتش، مأهورتش بصوت عالي، وممرعتش جوة المطبخ تمسك في خناقه وتطلب تفسير. في حاجة جواها انطفت تماماً، وحاجة ثانية، باردة وقاسية وصاحية، بدأت تتولد. طلعت الأوضة فوق من غير ولا نفس، قفلت الباب وقعدت على طرف السرير اللي ياما مصطفى نام جنبه وهو بيقولها "إنتي أحلى حاجة حصلت في حياتي". بصت لإيدها وهي بترتعش، دي مش مجرد خيانة، ده تخطيط ومؤامرة.

بالليل، مصطفى دخل السرير، خدها في حضنه من ظهرها وهمس: "بحبك يا فوزية، أوعي تشكي فيا ثانية". هي عملت نفسها نايمة. ومع أول ضوء للصبح وهو في الحمام بياخد دُش، فوزية فتحت الخزنة المستخبية في الدولاب، طلعت عقود الملكية، والوصية، وكشوفات الحسابات، ودوسيه أزرق كان أبوها شايله كاتب عليه اسمها. فتحته ولقت ورقة مكتوبة بخط إيد أبوها: "لو في يوم شكيتي في اللي نايم جنبك، أوعي تمضي على حاجة، وروحي فوراً للأستاذ رأفت المحامي". فوزية جسمها قشعر، أبوها مكنش بس بيحميها، أبوها كان حاسس وعارف حاجة هي غابت عنها.

ومصطفى شغال غُنا في الحمام وهو مش داري إن مراته سمعت حقيقته المقرفة، فوزية لمت الورق كله في شنطتها وقررت إنها مش هترد بالدموع، هترد بالذكاء والوجع اللي يستاهلوه. على الظهر، مصطفى بعتلها رسالة: "يا حبيبتي، يوم السبت هعزمك على عشا برة ونراجع ورق الشقة، جه الوقت بقى عشان تثقي فيا". فوزية بصت للشاشة وكتبتله ببرود: "أكيد.. فعلاً جه الوقت".

وهي نازلة من باب البيت ورايحة على مكتب المحامي القديم بتاع أبوها، كانت شايلة في شنطتها الدليل اللي هيقلب الترابيزة على جوازة كانت عبارة عن فخ، وهي لسه متعرفش إن الصدمة الأكبر والضربة القاضية كانت مستنياها ومستخبية جوة الدوسيه الأزرق ده.




د الشارع كان زحمه


الشارع كان زحمة، كلاكيت العربيات وصوت الباعة الجائلين في الميدان مكنش واصل لودن فوزية. هي كانت ماشية والأسفلت تحت رجليها بيغلي، مش من شمس يونيو، لكن من النار اللي قادت في عروقها. الدوسيه الأزرق تحت ذراعها كان تقيل، تقيل لدرجة إنها حاسة إنه هيدّق ضلوعها.



وصلت العمارة القديمة في وسط البلد. أسانسير خشب من بتوع زمان، طالع ببطء وسيرسرة كأنه بيعد ثواني عمرها اللي ضاع. وقفت قدام الباب اللي عليه يافطة نحاس مطفية: “الأستاذ رأفت الصاوي.. المحامي بالنقض”. خبطت، وفتح لها السكرتير العجوز اللي عرفها من ملامح وشها؛ ملامح أبوها الله يرحمه كانت مطبوعة في عينيها.


دخلت المكتب. الأستاذ رأفت كان راجل سبعيني، هيبة، بنظارة ببرواز أسود وشعر شايب زي القطن. أول ما شافها، قلع نظارته وقام وقف:


“فوزية بنتي؟ عاش من شافك يا بنتي. بس مالي وشك مخطوف كده ليه؟”


فوزية مقدرتش تتكلم. حطت الدوسيه الأزرق على المكتب، وقعدت على الكرسي الجلد وهي حاسة إن ركبها مش شايلاها. النفس كان بيطلع بطلوع الروح.


“مصطفى يا متر.. مصطفى طلع تعبان.. كان هيبيعني ويطلقني وياخد شقة أبويا”.


الأستاذ رأفت ملمش الصدمة على وشه، ملامحه هديت بطريقة مرعبة، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. سحب الدوسيه الأزرق، طبطب عليه، وبص لها بنظرة فيها حزن على شفقة:


“أبوكي الله يرحمه.. الحج عبد الحميد، كان قاري المشهد من أول يوم يا فوزية. لما جالي قبل وفاته بست شهور، قالي يا رأفت، الواد مصطفى ده عينه مش على بنتي، ده عينه على شقايا وشقا أمها. قالي إنه لقط له كذا حوار وكذا كذبة في الفلوس، بس مأحبش يكسر قلبك وأنتي في أول الجواز ومبهورة بالحب”.


فوزية فتحت بقها بذهول:


“يعني أبويا كان عارف؟ وعشان كده ساب الورقة دي؟”


الأستاذ رأفت فتح الدوسيه، طلع منه ورق رسمي مختوم بختم النسر، وعقود قديمة، وتقرير بنكي.


“أبوكي مسابش الورقة دي وبس يا فوزية. أبوكي عمل حماية قانونية للشقة دي تخلي مصطفى لو حاول يلمس حيطة منها، يتسجن.. بس الصدمة مش هنا. الصدمة في اللي أبوكي اكتشفه عن مصطفى وعيلته ومحبش يقولهولك عشان ميموتش بالقهوة وهو شايف بنته الوحيدة مكسورة”.


رأفت سحب ورقة من قاع الدوسيه، ورقة جاية من مصلحة الشهر العقاري وسجلات الأحوال المدنية، وحطها قدام فوزية:


“شوفي دي يا بنتي.. واقرئي الاسم ده كويس”.


فوزية وطت برأسها، عينيها جت على الاسم المكتوب في خانة “الزوجة السابقة” لمصطفى كامل عبد الرحمن. الاسم كان: “أميرة رأفت كامل”. والتاريخ؟ قبل جوازه من فوزية بسنة واحدة. والسبب؟ طلاق بحكم محكمة بعد ما استولى على شقتها اللي في التجمع بموجب توكيل عام عاملهاله!


الصدمة لجمت فوزية. مصطفى متجوزش قبلها؟ مصطفى قالها إنه ملمسش إيد ست قبلها، وإنها حبه الأول والأخير!


الأستاذ رأفت كمل وكلامه ينزل زي المطارق:


“مصطفى ده نصاب محترف يا فوزية. هو وأمه شغالين بالسبوبة دي. بيقعدوا ينقوا البنات اللي أهاليهم ميسورين، والياسمين أو اللي ملهمش ظهر، يفرشوا لهم البحر طحينة، وياخدوا ممتلكاتهم بالقانون.. بعقود بيع وشراء وتنازلات ‘عشان الحب’.. وأميرة دي، البنت الغلبانة اللي قبلك، رمى لحمها في الشارع بعد ما أمضت له على التنازل، وأمها الحاجة مرفت هي اللي كانت بتدير اللعبة دي”.


فوزية حست بدوار، الشياطين كلها كانت بترقص قدام عينيها. الغضب عمى قلبها، بس الذكاء لمع في عينيها زي نص نصل السكينة.


“هو فاكرني مغفلة.. هو وأمه مسميني ‘الست التخينة المغفلة’ يا متر.. بيقولوا إني بقفلهم بس شقتي تسوى عمره كله”.


الأستاذ رأفت ابتسم ابتسامة ثعلب عجوز، وسند بضهره ورا:


“طب إيه رأيك بقى.. إننا هنخليه يمضي على حبل المشنقة بتاعته بإيديه؟ الشقة دي، أبوكي كاتبها لك ‘بيع وشراء نهائي’ ومسجلة، وعامل بند في عقد برهاني مستخبي هنا، إن الشقة دي لا يجوز التصرف فيها إلا بموافقة مجلس عائلي أو في حالة وفاة المالك تؤول لدار أيتام.. يعني حتى لو مضيتي له، العقد بتاعه هيبقى باطل وهيدخل بيه في قضية تزوير ونصب. بس احنا مش هنعمل كده.. احنا هنجيب حقك وحق البنت اللي قبلك، وهنخليه هو اللي يركع”.




فوزية مسحت دمعة هربت من عينها بسرعة، وقالت بصوت قاطع زي السيف:



“قولي نعمل إيه يا متر.. أنا مش هبكي.. أنا هوريه المغفلة دي هتعمل فيه إيه”.


رجع مصطفى البيت يوم الخميس بالليل، شايل في إيده شنطة فيها حلويات من محلات غالية، ووشه منور بابتسامة صفرا مفيش أوسخ منها. دخل لقى فوزية قاعدة في الصالون، لابسة فستان شيك، وحاطة ميك أب كامل، ومجهزة سفرة عشا معتبرة.


“إيه الحلاوة دي يا فوزي؟” مصطفى قالها وهو بيقرب يبوس رأسها: “ده أنا كده أحس إن عيدي النهاردة”.


فوزية ضحكت، ضحكة رنت في الصالة بس كانت طالعة من حنجرة ميتة:


“أنا فكرت في كلامك يا مصطفى.. ولقيت إن عندك حق. 11 سنة جواز مش قليلين، وإحنا ملناش غير بعض. يوم السبت إن شاء الله، هننزل للشهر العقاري، وأنا هكتبلك الشقة تنازل بيع وشراء.. بس بشرط”.


مصطفى عينه لمعت بجشع مرعب، حاول يداريه ورا نظرة عطف:


“شرط إيه يا قلب مصطفى؟ أنتي تؤمري.. الشقة دي شقتك وأنا بس عايز أحميها عشان الزمن”.


“الشرط إننا نعمل ده في هدوء.. ومش عايزه أى حد يعرف، ولا حتى مامتك يا مصطفى.. أنت عارف حماتي ساعات كلامها بيبقى حامي وأنا مش عايزه حساسية. نخلص الموضوع، وتجيبلي العقد هنا، ونحتفل لوحدنا”.


مصطفى طار من الفرحة، وافق فوراً وهو بيقول في نفسه: “يا غبية.. ده أمي هي اللي مستنية الرقصة الكبيرة”.


“طبعاً يا حبيبتي، من غير ما حد يعرف.. بكره هكلم المحامي صاحبي يجهز العقود والصيغة عشان ننزل السبت الصبح نخلص”.


في الليلة دي، مصطفى نام وهو بيحلم بالملايين اللي ثمن الشقة في كويوكان بمصر الجديدة، وفوزية نامت وهي بتعد الثواني عشان تدوس على رقبته.


يوم الجمعة، فوزية راحت لبيت حماتها الحاجة مرفت في المطرية. دخلت وكانت شايلة معاها طقم فاكهة. مرفت استقبلتها ببرود المعتاد وضحكة مصطنعة:


“أهلاً يا فوزية يا بنتي.. خطوة عزيزة. مصطفى مجاش معاكي ليه؟”


“مصطفى وراه شغل يا ماما.. أنا جيت أقعد معاكي شوية عشان وحشتيني.. وكنت عايزة أخد رأيك في حاجة”.


قعدوا في الصالون القديم، وفوزية بدأت تلعب اللعبة:


“بصي يا ماما.. مصطفى بقاله فترة بيلح عليا في موضوع الشقة.. وأنا الصراحة كنت خايفة، بس خلاص قررت أسمع كلامه وأمضيله يوم السبت.. بس هو قالي متقوليش لأمك عشان متفرحش فينا وتقول إننا بنعمل حوارات”.


الحاجة مرفت عينيها وسعت، وحاولت تكتم زغروطة كانت هتطلع من زورها:


“يا واد يا مصطفى.. قصدي، يا حبيبتي يا فوزية! عين العقل يا بنتي.. ده جوزك وسندك، والراجل لما بيحس إن مراته مأمنة له بيشيلها جوة عينيه. ومصطفى ياما ضحى عشانك.. ياما ناس قالوا له اتجوز واحدة تانية تخلف لك وتملى عينك، وهو يقول لأ.. فوزية بالدنيا”.


فوزية كانت بتسمع السم ده وهي مبتسمة:


“عارفة يا ماما.. عشان كده أنا اتفقت معاه، هو هياخد الشقة، وأنا طلبت منه يكتبلي مكانها نصيبه في أرض العائلة اللي في القليوبية.. كضمان يعني عشان قلبي يطمن”.


الحاجة مرفت وشها اتقلب ألوان:


“أرض إيه يا بنتي؟ الأرض دي بتاعة العيلة ومينفعش غريب يدخل فيها!”


“غريب؟ أنا غريبة يا ماما بعد 11 سنة؟ على العموم مصطفى وافق وقالي إنه هيجيب عقود الأرض معاه يوم السبت في الشهر العقاري عشان نمضي الاتنين سوا.. تنازل قصاد تنازل”.


مرفت بلعت ريقها بصعوبة، وأول ما فوزية مشيت، مسكت التليفون وكلمت مصطفى وهي بتصوت بصوت واطي:


“يا واد يا مصطفى! المصيبة فوزية جتلي وقالت إنها هتمضيلك على الشقة بس بشرط تكتبلها نصيبك في أرض القليوبية!”


مصطفى على الناحية التانية اتعصب:


“أرض إيه يا أمي؟ أنا مقلتلهاش كده! دي بتألف!”


“اسمعني يا مغفل.. الست دي شكلها بدأت تنصح أو حد بيوزها. وافقها! وافقها واعملها عقد أرض مزور.. أي ورق وخلاص اطبعه من المكتبة بختم فالسو.. هي إيه عرفها بعقود الأراضي؟ المهم تمضي على الشقة الأول، وبعد ما العقد يتسجل، ارمي لها ورقة الأرض المضروبة في وشها واطردها برة الشقة!”


مصطفى ضحك بشر:


“دماغك ألماظ يا أمي.. هعمل كده بالظبط. هجيب عقدين.. عقد الشقة الحقيقي، وعقد الأرض المزور.. ويوم السبت اللعبة تنتهي”.


يوم السبت المنتظر.




الجو كان مغيم، والساعة دقت عشرة الصبح. مصطفى وفوزية واقفين قدام مأمورية الشهر العقاري. مصطفى كان لابس بدلة ومنتشي، وفوزية كانت هادية لدرجة تخوف.



دخلوا المكتب اللي اتفقوا عليه، ولقوا الأستاذ رأفت الصاوي قاعد مستنيهم!


مصطفى أول ما شاف الأستاذ رأفت، اتهز:


“أستاذ رأفت؟ إيه اللي جاب حضرتك هنا؟ أنا قايل لفوزية إن المحامي بتاعي هو اللي هيخلص”.


رأفت وقف وسلم عليه ببرود حديدي:


“أهلاً يا بشمهندس مصطفى. فوزية بنتي ومقدرش أسيبها في خطوة زي دي من غير ما أراجع الورق.. ولا أنت عندك مانع إننا نضمن حقوق الطرفين؟”


مصطفى بلع ريقه وبص لفوزية بغيظ مستخبي، بس فوزية قالتله بنعومة:


“جرى إيه يا مصطفى؟ مش الأستاذ رأفت زي أبويا؟ وهو اللي هيراجع عقد الأرض اللي هتكتبهالي عشان أطمن”.


مصطفى طلع من شنطته الدوسيهات:


“تمام.. ده عقد التنازل عن الشقة من فوزية ليا.. وده عقد بيع نصيبي في أرض القليوبية لفوزية”.


الأستاذ رأفت مسك العقود، لبس نظارته، وبدأ يقرا. فوزية كانت عينيها على وش مصطفى اللي كان بينقط عرق. رأفت طلع قلم حبر أسود عريض، وحط العقدين قدام فوزية:


“امضي هنا يا فوزية.. وهنا”.


فوزية مسكت القلم. مصطفى كان حاسس إن قلبه هيقف من الفرحة، الشقة اللي تسوى ملايين خلاص بقت في جيبه. فوزية مضت بخط واضح وثابت.


بعدها، رأفت دار العقود لمصطفى:


“امضي أنت كمان هنا يا بشمهندس على عقد الأرض وعقد استلام الشقة”.


مصطفى مضى بسرعة الصاروخ، وهو بيوقع باسمه الثلاثي وبصم كمان عشان الثقة تكتمل.


أول ما الحبر جف على الورق، الأستاذ رأفت سحب العقود كلها وحطها في شنطته، وقام وقف.


مصطفى استغرب:


“أستاذ رأفت.. العقود دي المفروض تتدخل للموظف عشان تتوثق.. حضرتك واخدها ورايح فين؟”


رأفت بص له بنظرة سخرية قاتلة:


“تتوثق؟ لا يا بشمهندس.. العقود دي مش هتوثق في الشهر العقاري.. العقود دي هتروح حالاً لنيابة الأموال العامة ومكتب مكافحة النصب والاحتيال”.


مصطفى وشه بقى أبيض زي القماشة:


“أنت بتقول إيه؟ نصب إيه؟ فوزية.. إيه الهزار ده؟”


فوزية وقفت، قربت منه وبصت في عينيه بكل القرف اللي في الدنيا، وقالت بصوت مسموع لكل اللي في الصالة:


“الهزار ده هو اللي أنت وأمك رتبتوه يا مصطفى.. الشقة دي شقة أبويا، وأنت حشرة مكنتش تطول تعتب عتبتها. مفكرني مغفلة وتخينة وبتقفل مني؟ مفكر إن 11 سنة جواز كانوا تمثيلية وأنا مصدقاها؟”


مصطفى اتنفض:


“أنتي.. أنتي سمعتيني؟”


“سمعتك.. وسمعت أمك الحرباية وهي بتقولك ارمي لها يمين الطلاق بعد ما تمضي. وكمان الأستاذ رأفت جابلي قرار طليقتك الأولانية ‘أميرة’ اللي سرقت شقتها في التجمع بنفس الطريقة.. بس المرة دي اللعبة اتقلبت عليك”.


مصطفى حاول يمد إيده ياخد الشنطة من الأستاذ رأفت:


“هات الورق ده هنا.. دي عقود رسمية وإحنا مضينا سوا!”


الأستاذ رأفت زقه بقوة وثبات:


“العقود اللي أنت مضيت عليها دي يا مصطفى.. عقد الأرض المزور اللي أمك قالت لك تعمله، احنا صورناه وثبتنا الجريمة عليك.. والعقد التاني اللي أنت مضيت عليه دلوقتي مش عقد استلام الشقة.. ده عقد ‘إقرار مديونية واعتراف بنصب’ بمبلغ 5 ملايين جنيه لصالح فوزية عبد الحميد، كتعويض عن الأضرار المادية والنفسية وسرقاتك من حسابها طول الـ 11 سنة اللي فاتوا.. وأنت مضيت وبصمت بكامل إرادتك قدام شهود والمحامين اللي واقفين بره دول”.


في اللحظة دي، دخل اتنين رجالة بجسم رياضي، ومعاهم أميرة.. طليقة مصطفى القديمة!


أميرة بصت لمصطفى وعينيها فيها شماتة السنين:


“أهلاً يا مصطفى.. وحشتني يا جوزي القديم. أخيراً حوبتي جت.. والبوليس مستنيك بره بتهمة التزوير والنصب والنصب الممنهج بمساعدة والدتك المصونة اللي البوليس بيقبض عليها دلوقتي في بيتها بالمطرية”.


مصطفى انهار، رجله خانته وقعد على ركبه في صالة الشهر العقاري، وبص لفوزية وهو بيعيط وبيتذلل:


“فوزية.. عشان خاطري.. 11 سنة جواز.. أنا بحبك.. والله أمي هي اللي وزتني!”


فوزية بصت له من فوق لتحت، مفيش في عينيها غير البرود:


“11 سنة جواز يا مصطفى.. كانوا أوسخ أيام حياتي عشان عشتهم مع بني آدم زيك. اشبع بقى باللي جاي.. والست التخينة المغفلة.. هي اللي هتقفل عليك باب السجن بإيديها”.




لفت ضهرها ومشت، خطواتها كانت بتعمل رنة ثقة على أرضية الشهر العقاري. خرجت للشارع، الشمس طلعت من بين الغيوم ونورت وشها. خديت نفس عميق لأول مرة من سنين.. نفس بطعم الحرية والانتصار.



بعد أسبوعين..


فوزية كانت قاعدة في بلكونة شقتها في مصر الجديدة، بتشرب شاي بلبن يوم الجمعة، والهدوء مالي المكان. مصطفى وأمه كانوا في الحبس الاحتياطي على ذمة القضية، والورق كله كان في صالحها وصالح أميرة اللي رجعت لها حقوقها هي كمان بفضل ذكاء فوزية والدوسيه الأزرق.


تليفونها رن.. كان رقم غريب.


ردت: “ألو؟”


جاءها صوت راجل، خشن، هادي، وفيه نبرة غموض تخوف:


“مدام فوزية عبد الحميد؟”


“أيوه.. مين معايا؟”


“أنا مش مهم أنا مين دلوقتي.. بس أنا كنت شغال مع الحج عبد الحميد الله يرحمه في المطبعة القديمة بتاعته.. الدوسيه الأزرق اللي معاكي، الأستاذ رأفت ورّاكي منه عقود مصطفى بس.. صح؟”


فوزية قلبت عينيها بقلق:


“أيوه.. في إيه تاني؟”


الراجل سكت ثواني، وبعدين قال بصوت واطي:


“أبوكي ساب ورقة تانية مخفية في الجدار اللي ورا الخزنة.. ورقة بتقول إن مصطفى مكنش داخل حياتك بالصدفة ولا عشان الشقة دي بس.. مصطفى يبقى ابن الراجل اللي قتل أمك من عشرين سنة وهرب.. وأبوكي كان عارف ومستني اللحظة اللي يقع فيها.. افتحي الجدار اللي ورا الخزنة يا فوزية.. الحقيقة الأكبر لسه مظهرتش”.


الخط قطع.


فوزية التليفون وقع من إيدها، والشاي اتدلق على الأرض.. بصت لجوّه الشقة، ناحية الأوضة اللي فيها الخزنة، وجسمها كله بدأ يترعش تاني.. بس المرة دي مش من الخيانة.. من الرعب!



تعليقات

close