حماتك حجزت القاعة المقفولة تاني يا فوزية
حماتك حجزت القاعة المقفولة تاني يا فوزية
"حماتك حجزت القاعة المقفولة تاني يا فوزية.. من غير مقدم، من غير عقد، وبتقول إنك إنتي اللي وافقتِ بنفسك!" لما صوفيا قالت لي الجملة دي، حسيت إن صوت الدوشة والزحمة اللي في المطعم اتمسح فجأة من ودني، وكأن حد ضربني قلم فوقني. كانت الساعة تمانية بالليل في مطعمي "ملح وشطة" في أرقى حتة في الزمالك، برة كانت العربيات المرسيدس والبي إم دبليو بتركن قدام الباب وكأنه مهرجان سينما، وجوة صوت الكاسات بيتحرك، والويترية بيجروا بصواني الجمبري الجامبو، وطواجن السي فود، وقزايز الشمبانيا المستوردة اللي أنا أصلاً ما وافقتش إنها تطلع للمركز ده، وفي آخر الممر، جوة القاعة الخاصة، كانت قاعدة حماتي، الحاجة كاميليا الشربيني. كاميليا دي ما كانتش بتدخل مكان، دي كانت بتحتله، دايماً تعمل كده بالابتسامة الصفرا بتاعة ستات جاردن سيتي الشيك، شعرها المتظبط بالسيشوار، عقد اللولي، وصوتها الناعم اللي يحسسك إن الكوكب كله مديون لها لمجرد إنها اتكرمت واتولدت فيه، ولسنين طويلة كنت بستحمل تلميحاتها اللي بترميهالي في شكل هزار وتقول لي يا حبيبتي يا فوزية، والله برافو عليكي إنك لسه بتشقي وبتتعبي كده كأنك شغالة بالأجر، أو تقول لي جميل أوي الدكان الصغير بتاعك ده، ده طارق جوزك دايماً ذوقه عالي، حتى لما اختار اختار ست شقبانة وطاحنة نفسها في الشغل. كنت ببتسم وأسكت وأبلع الإهانة عشان طارق جوزي كان دايماً يقول لي معلش يا حبيبتي كبري دماغك، إنتي عارفة أمي ومقامها ومقصدهاش حاجة، وأنا كنت عارفة مقامها كويس. من تلات أيام بس، كاميليا عزمت شلة النادي عندها في المطعم، جت بتمانية وعشرين فرد، طلبت منيو مخصوص، وأنضف أنواع العازم، وورد وديكور، وفي آخر السهرة خدتني بالحضن قدام الناس وقالت لي بكرة هحول لك الفلوس على الحساب يا فوزية، بلاش تشنج بقى إحنا أهل، وما حولتش مليم، والفتورة قفلت على 220 ألف جنيه شيلتهم أنا من جيبي عشان ما أعملش خناقة تخرب بيتي وعشان ما أحطش طارق بيني وبين أمه. بس الليلة دي، وأنا شايفاهم عمالين يفتحوا في قزايز غالية والويترية بتوعي بيجروا حواليها كأنهم خدامين في قصر الملكة، فهمت إن كاميليا ما فهمتش سكوتي على إنه أدب، دي فهمته على إنه ضعف وقلة حيلة. سألت صوفيا هما كام فرد؟ صوفيا بلعت ريقها وقالت لي اللي أكدوا حجزهم 56، بس اللي جم لغاية دلوقتي معديين الـ70، غمضت عيني ثانية وسألتها هي مضت على أي ورقة؟ قالت لي لأ، بس بعتت إيميلات من حسابها الشخصي بكل الطلبات والمنيو والورد، كله مكتوب وموثق بالإيميل، والجملة دي هي اللي ردت فيا الروح. قربت من باب القاعة وبصيت عليها، كانت واقفة ولابسة فستان أبيض شيك وسط صاحباتها بتوع الكومباوندات وسيدات المجتمع والرجالة اللي بيتكلموا بالملايين كأنهم بيتكلموا عن الجو، أول ما شافتني شاورت لي بصباعها كأني شغالة عندها وقالت لي فوزية يا حبيبتي! تعالي تعالي، الناس كلها عايزة تشوف الشيف اللي طابخة لنا الأكل التحفة ده. الشيف. مش صاحبة المكان، مش الست اللي رهنت شقتها وطحنت نفسها 16 ساعة في اليوم واستحملت قلة القيمة من البنوك والموردين عشان تفتح الصرح ده. الشيف. قربت منها وعلَى وشي ابتسامة هادية جداً وقلت لها مساء الخير يا طنط كاميليا، ما كنتش أعرف إن عندك حفلة تانية هنا النهاردة، ضحكت ضحكة دلع وقالت لي يوه يا فوزية ما تبقيش قفوشة، دي عزومة على الضيق، وبعدين ده في مصلحتك، الناس دي وجودها هنا برستيج للمكان، وصاحبتها بصت لي من فوق لتحت وقالت لكاميليا إنتي مش قلتي إن المكان ده يعتبر بتاعكم؟ وقبل ما أنا أنطق، كاميليا رفعت كاسها وقالت طبعاً يا حبيبتي، أنا يعتبر صاحبة المكان ده أصلاً، وفوزية يا دوب واخدة بالها من المطبخ عشان كل حاجة تطلع شكلها حلو، الناس ضحكت، وأنا ما ضحكتش، وقلت بصوت واطي ومسموع لأ، المكان ده مش بتاعك. كاميليا بربشت بعينيها بس بسرعة رجعت ضحكتها وقالت يا ساتر على غشوميتك يا فوزية، عشان كده طارق محتاج طاقة صبر قد كده عشان يستحملك، والكل ضحك تاني. حسيت بالدم بيفور في عروقي بس مش أنا اللي هعمل خناقة بلدي وأفرج الناس عليا عشان تطلعني في الآخر بيئة ومش وش نعمة، لفيت وضهري ومشيت، وصوفيا كانت مستنياني برة وقالت لي تحبي نوقف الخدمة ونطيرهم؟ بصيت على المطبخ وشوفت الأسطى حسن وهو بيطلع الأطباق بيرفكت تحت الضغط، وشوفت نيرمين الويتر الجديدة وعينيها مدمعة باين كاميليا رمت لها كلمة تسم البدن، وبصيت على شقايا اللي شغال زي الساعة رغم قلة الذوق، وقلت لها لأ، سيبيهم ياكلوا، سيبيهم يشربوا ويهيصوا، صوفيا بصت لي باستغراب وقالت لي طب والعمل؟ قلت لها اطبوعي كل حاجة، كل قزازة اتفتحت، كل وردة، كل ويتر اشتغل أوفر تايم، وساعات المطبخ، وحطي معاهم الـ220 ألف بتوع المرة اللي فاتت، كله في فاتورة واحدة بالتفصيل. ملامح صوفيا اتغيرت وابتسمت وقالت لي أنا أصلاً كنت بجهزها. لمدة ساعة فضلت ألف في المطعم كأن مفيش حاجة، أسلم على الزباين، وأدوق الصوص، وأعدل شكل طبق، بس من جوايا كانت كل ضحكة بتطلع من قاعة كاميليا بتعصر في قلبي، لحد ما سمعت صوت رن المعلقة الصغيرة في الكاس.. كاميليا هتقول كلمة. وقفت عند الباب ومحدش واخد باله مني، وقالت بصوت عالي المطعم ده بيموت فيا، وفي الأول كنت بقول لفوزية لو سمعتِ كلام الناس اللي بتفهم وعندها خبرة هتعملي حاجة عدلة، الناس ضحكت، وكملت وبصراحة بعد كل الزباين والناس التقيلة اللي أنا بجيبهم هنا، أقدر أقول بقلب جامد إني بقيت صاحبة المكان ده فعلاً، ورفعت كاسها ناحية الباب، ناحيتي أنا، وقالت وسط ضحك الكل ونبرة السخرية مصلصلة في ودني، ومرت ابني يا دوب هي الشغالة الشيك اللي بتدير الليلة دي وتطبخ لنا. كلمة "شغالة" نزلت عليا زي الكرباج، الشغالين بتوعي نزّلوا راسهم في الأرض، وبعض المعازيم ضحكوا وهما مش عارفين يودوا وشهم فين من الإحراج، وكاميليا واقفة ومبسوطة بنفسها كأنها قالت نكتة الموسم. أنا ما صرختش، ما عيطتش، وما رديتش عليها بكلمة، دخلت المكتب بتاعي بكل هدوء مسكت الفاتورة المطبوعة ورجعت القاعة وبخطوات ثابتة وهدوء مرعب قربت منها، وحطيت الورقة جنب كاس الشمبانيا بتاعها فجأة الترابيزة كلها سكتت وصوت الضحك مات، وفوق في خانة الحساب، كان مكتوب بالخط العريض: الإجمالي المطلوب سداده: 870,000 جنيه مصري، وفي نفس الثانية دي بالظبط، شاشة تليفون كاميليا اللي كان محطوط على الترابيزة نورت، وكان المكتوب المتصل: طارق جوزي.
د شاشه التليفون كانت بتنور وتطفي باسم طارق جوزي
شاشة التليفون كانت بتنور وتطفي باسم “طارق جوزي”، والضوء الأزرق بتاع الشاشة عاكس على الفاتورة اللي مكتوب فيها “870,000 جنيه”. الصمت اللي حل على الترابيزة كان تقيل لدرجة إن صوت نفس كاميليا المكتوم كان مسموع. صاحباتها بتوع جاردن سيتي والنادي مالت روسهم القدام عشان يقروا الرقم، وعيونهم اتسعت من الصدمة. الضحكة اللي كانت مالية وش كاميليا اتمسحت تماماً، وبقت ملامحها مشدودة وكأن الوش الشيك الخشب اللي حطاه وقع واتكسر ميت حتة.
بصيت لها بثبات، وإيديا الاتنين ورا ضهري، ووقفتي مشدودة زي قبطان سفينة في وسط العاصفة. كاميليا بكتفها المائل وبحركة سريعة حاولت تداري الفاتورة بشنطتها الماركة الكبيرة، لكن صوفيا كانت واقفة ورايا ومعاها تابلت المطعم وجاهزة.
— “إيه ده يا فوزية؟” كاميليا قالتها بصوت واطي ومبحوح، وبتحاول تبتسم عشان تحافظ على برستيجها قدام الناس، بس عينيها كانت بتطلع شرار. “إيه الهزار البايخ ده؟ إحنا وسط ضيوف مهمين، مش وقت قلة عقلك دي.”
قربت منها خطوة واحدة، وميلت راسي عليها ووجَّهت كلامي بحيث كل اللي قاعدين على الترابيزة يسمعوا:
— “ده مش هزار يا طنط. دي فاتورة الحفلة بتاعة النهاردة، ومضاف عليها الـ 220 ألف جنيه بتوع عزومة النادي من تلات أيام اللي نسيتِ تحوليهم. الشغل شغل، وإحنا هنا في الزمالك بندفع تمن الخدمة قبل ما النور يطفي.”
واحدة من صاحباتها، ست لابسة دهب مغطي دراعها كله، سعلت بشكل محرج وبصت في ساعتها، والرجالة اللي كانوا بيتكلموا في الملايين سكتوا خالص وبقوا يبصوا لبعض. كاميليا حست إن هيبتها بتهتز، واللقب اللي لسه داقّاه في حيطة المكان “أنا صاحبة المطعم” بيتدشدش قدام الكل.
التليفون فصل ونور تاني.. “طارق بيصل”.
كاميليا مدت إيدها المرعوشة وفتحت الاسبيكر وهي فاكرة إن طارق هيكون طوق النجاة اللي هيلم الليلة ويهزأني قدام الناس.
— “طارق يا حبيبي! كويس إنك اتصلت، شوف مراتك بتعمل إيه…”
صوت طارق جه من السماعة، بس ما كانش الصوت الهادي اللي كاميليا متعودة عليه، ولا كان الصوت اللي دايماً بيقول لي “معلش يا فوزية كبري دماغك”. كان صوت واحد نفسه مقطوع، وراه دوشة كأنها في فرع بنك أو مكتب رسمي، وصوته فيه نبرة رعب عمري ما سمعتها منه من يوم ما اتجوزنا.
— “أمي! إنتي فين؟” طارق زعق في التليفون لدرجة إن الناس على الترابيزة رجعوا لورا. “إنتي في المطعم عند فوزية؟”
— “آه يا حبيبي، وعازمة أصحابي، وفوزية داخلة عليا بـ…”
— “أمي، اطلعي برة المطعم حالا! المصيبة وقعت على دماغنا! البنك رفض يجدد التسهيلات، والشيكات اللي مضيتِ عليها بتاعة أرض أكتوبر اتقدمت للنيابة! الحسابات كلها جمدوها، وفي قوة تنفيذ أحكام بتدور عليكي في البيت دلوقتي!”
الكلمات نزلت في القاعة زي القنبلة. كاميليا وقفت طولها، والقميص الأبيض الشيك بتاعها بدا وكأنه كفن. كاس الشمبانيا اللي في إيدها اتهز ودلق نقط على الفاتورة.
— “أنت بتقول إيه يا طارق؟ شيكات إيه وقوة إيه؟ أنا في وسط الناس!”
— “ناس إيه وزفت إيه يا أمي! إحنا فلسنا! الحجز اتنفذ على الفيللا، والشرطة زمانها في الطريق للمطعم لأنهم عارفين إنك هناك! شوفي فوزية.. شوفي فوزية تخبيكي فين أو تعمل أي حاجة!”
طارق قفل السكة، والصوت اللي فضل في القاعة كان صوت “توت.. توت.. توت” بتاعة الخط لما يقطع.
أنا ما تحركتش من مكاني. فضلت باصة لكاميليا اللي وشها بقى أبيض زي الحيطة، ولفت رقبتها ببطء وبصت لصاحباتها، الستات اللي كانت من شوية بتنافقها وبتضحك على نكتها. في ثانية واحدة، وبدون أي مقدمات، بدأت شلة “جاردن سيتي” تلم حاجتها. الست اللي لابسة دهب خدت شنطتها وقامت وقفلت زرار جاكيتها:
— “معلش يا كاميليا، افتكرت إن عندي ميعاد مهم مع الدكتور.. عن إذنكم.”
— “وأنا كمان يا حبيبتي، جوزي مستنيني في العربية برة.”
خلال دقيقتين، القاعة الكبيرة اللي كانت مليانة ضحك ومنظرة وفشخرة كدابة، فضيت تماماً. مضلش فيها غير الأطباق المليانة جمبري، وقزايز الشمبانيا المفتوحة، وكاميليا الشربيني واقفة لوحدها، منكسرة، وعقد اللولي حوالين رقبتها حاساه طوق بيخنقها.
بصيت لصوفيا وقلت لها بصوت جهوري سمّع الويترية اللي واقفين على الباب:
— “صوفيا.. اقفلي باب القاعة دي. ومحدش يدخل.”
كاميليا لفت ليا، وعينيها اللي كانت مليانة كبرياء وغرور، بقى فيها نظرة رجاء مكسورة، نظرة عمري ما تخيلت إني هشوفها في الست دي.
— “فوزية.. إنتي هتعملي إيه؟ طارق ابني.. طارق هيضيع لو أنا اتسجنت. إنتي لازم تساعدينا. المطعم ده بيكسب ملايين، ادفعي الشيكات دي.. إحنا أهل يا فوزية.”
ضحكت. ضحكت ضحكة خفيفة طالعة من قلبي، ضحكة الست اللي شافت شقا عمرها بيتداس عليه بالرجلين وساكتة لحد ما اللحظة المناسبة جت.
— “أهل؟ دلوقتي بقيت أنا الأهل يا طنط؟ مش من عشر دقائق بس كنت أنا الشغالة الشيك؟ مش كنتِ بتقولي للناس إنك صاحبة المكان وأنا مجرد طباخة بتعمل لك الأكل؟”
— “كنت بهزر يا بنتي! إنتي عارفة طريقتي.. أنا بحبك زي بنتي!”
— “لأ يا كاميليا هانم. إنتي عمرك ما حبتيني. إنتي كنتِ شايفاني البنت اللي من منطقة شعبية اللي جوزها ابنك طارق عشان فلوسها وشقاها ينقذوا عيلتكم اللي كانت بتغرق من زمان وإنتوا عاملين برستيج كداب في جاردن سيتي. كنتِ بتيجي تاكلي وتشربي وتتمنظري بفلوسي وشقايا، وفي الآخر تذليني قدام عمالي.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل طارق. كان مبهدل، قميصه عرقان، وشعره منكوش، وعينيه حمرة من الرعب. أول ما شافني، جري عليا ومسك إيديا:
— “فوزية! أرجوكي.. أنا عارف إن أمي غلطت في حقك كتير، وعارف إنها كانت بتيجي تضغط عليكي، بس أرجوكي أنقذينا. الديون اللي علينا برة المطعم واصلة لـ 5 مليون جنيه شيكات بدون رصيد. لو الشرطة وصلت هنا، أمي هتبات في القسم، والسمعة هتروح، وأنا هتدمر!”
بصيت لطارق، الراجل اللي عشت معاه تلات سنين، الراجل اللي كل ما كنت بروح له أشتكي من إهانات أمه كان بيقول لي “معلش كبري دماغك دي أمي”.
— “وإنت كنت فين يا طارق لما كانت أمك بتهيني؟ كنت فين لما سابت 220 ألف جنيه المرة اللي فاتت ومحولتهمش ولما كلمتك قلت لي ‘معلش يا فوزية عديها عشان خاطري’؟ كنت فين لما كانت بتقول لصحباتها في النادي إن أنا السيرفانت بتاعة العيلة؟”
— “كنت غلطان يا فوزية! والله كنت غلطان! بس دي أمي.. هسيبها تتسجن؟”
صوفيا دخلت بسرعة ووشها مخطوف:
— “شيف فوزية.. في بوكس شرطة وقف قدام المطعم، وفي أمين شرطة وظابط داخلين بيسألوا عن الحاجة كاميليا الشربيني.”
كاميليا صرخت واستخبت ورا طارق وهي بترتعش وتعيط، البرستيج كله داب، وبقت مجرد ست خايفة من السجن. طارق بص لي بدموع:
— “فوزية.. عشان خاطري.. خبّيها في مكتبك.. قولي للظابط إنها مش هنا.”
وقفت بثبات، وبصيت لصوفيا، وبعدين بصيت للباب اللي بدأ يظهر من وراه كاب الظابط.
— “صوفيا.. خدي طارق وطمّنيه في المكتب جوة.”
— “وفوزية؟ وأمي؟” طارق سأل بلهفة.
— “سيبلي أنا الليلة دي يا طارق. أنا هحلها.”
طارق خد أمه من إيدها وهي بتترعش ودخلوا المكتب اللي ورا المطبخ. في نفس اللحظة، دخل الظابط ومعه اتنين أمناء شرطة. المطعم كله سكت، والزبائن اللي في الصالة برة بدأوا يوشوشوا.
— “مساء الخير يا فندم. أنا الرائد أحمد من مباحث تنفيذ الأحكام. معانا إذن بضبط وإحضار المحكوم عليها كاميليا الشربيني، وعملنا تتبع لتليفونها وعرفنا إنها هنا.”
ابتسمت للظابط بكل هدوء ودبلوماسية:
— “أهلاً يا فندم، اتفضل في مكتبي برة الصالة عشان الزباين والبرستيج بتاع المكان.”
خدت الظابط ومشيت بيه في ممر تاني بعيد عن المكتب اللي فيه كاميليا وطارق. قعدنا في غرفة الاستقبال الصغيرة.
— “يا فندم، الحاجة كاميليا كانت هنا فعلاً من شوية، بس سابت المكان بعد ما حصلت مشكلة بخصوص الفاتورة. بس أنا عندي حل يريح كل الأطراف.”
— “حل إيه يا فندم؟ دي أحكام قضائية وشيكات بملايين.”
— “أنا عارف الشيكات دي لصالح مين. لصالح شركة المقاولات وبنك التنمية، صح؟”
— “تمام.”
— “أنا صاحبة مطعم ‘ملح وشطة’، وعندي أصول وعقارات باسمي. أنا هضمن الست دي بشيك مقبول الدفع حالا بقيمة الفاتورة والديون المستعجلة اللي عليها أمر ضبط وإحضار، بشرط.. إن الإجراءات تتم بشكل قانوني يضمن حقي أنا الأول.”
الظابط بص لي باستغراب:
— “إنتي هتطلعي 5 مليون جنيه عشان تحمي حماتك اللي لسه مسببة لك مشكلة؟”
— “أنا مش بحميها يا فندم.. أنا بشتري حاجة تانية خالص.”
بعد ساعة من الاتصالات والإجراءات القانونية، وبوجود محامي المطعم اللي جه جري، تم تسوية الأمر المؤقت ووقف تنفيذ الحكم لغاية الصبح بضمان الشيك المالي المعتمد من حسابي الخاص. الظابط مشي، والمطعم بدأ يفضى لأن الساعة بقت واحدة بعد نص الليل.
دخلت المكتب. كاميليا كانت قاعدة على الكرسي الجلد، راسها بين إيديها، ودموعها مبهدلة الكحل في عينيها. طارق كان واقف جنبها ماسك إيدها ومكتئب. أول ما دخلت، طارق رفع راسه:
— “فوزية؟ عملتِ إيه؟ الشرطة مشيت؟”
— “مشيت يا طارق. وأمك مش هتبات في القسم النهاردة، ولا بكرة.”
كاميليا رفعت عينيها وبصت لي بنظرة ذهول:
— “إنتي.. إنتي دفعتی الفلوس؟ أنقذتيني يا فوزية؟”
قعدت على الكرسي ورا مكتبي، وحطيت رجل على رجل، وطلعت ورقة جديدة كانت صوفيا والمحامي جهزوها في الساعة اللي فاتت. حطيت الورقة قدام كاميليا وقلم حبر جاف شيك.
— “أنا مدفعتش الفلوس لله وللوطن يا كاميليا هانم. أنا دفعت 5 مليون جنيه من حساب أرباح المطعم والشغل اللي كنتِ بتقولي عليه ‘دكان صغير’. ودي عقود تنازل وبيع نهائي.”
— “تنازل عن إيه؟” طارق سأل بصدمة.
— “تنازل عن فيللا جاردن سيتي، وعن نصيب كاميليا هانم في أرض أكتوبر، وعن أي ورث أو حق ليكي يا طارق في أي أملاك عائلية لصالحي أنا شخصياً.. كضمان للفلوس اللي اتدفعت. والورقة التانية دي.. دي عقد إدارة وشراكة إجبارية، بس بنسبة 100% ليا في كل حاجة تملكوها.”
كاميليا بصت للورق وإيدها بترتعش:
— “إنتي بتستغلي مصيبتي يا فوزية؟ عايزة تاخدي بيتي وأرضي؟”
— “إنتي اللي جيتي لغاية عندي ورجليكي شيلالك يا هانم. كنتِ تقدري ترفضي وتروحي تباتي في القناطر، وتشوفي صاحباتك بتوع النادي هيجيبوا لك عيش وحلاوة ولا لأ. قدامك دقيقتين: إما تمضي وتطلعي من هنا على فيللا هي ملكي وأنا سايباكي تقعدي فيها كتر خير مني، أو أكلم الرائد أحمد يرجع ياخدك من على باب المطعم.”
طارق بص لأمه وبص لي، وعرف إن فوزية بتاعة زمان، الست الطيبة اللي كانت بتسكت وتعدي، ماتت الليلة دي.
— “امضي يا أمي.. امضي مفيش حل تاني.”
كاميليا، والدموع نازلة على وشها، مسكت القلم ومضت وبصمت على كل الأوراق. بعد ما خلصت، رمت القلم على المكتب وقامت وقفت وهي بتترعش:
— “إنتي ست قاسية يا فوزية.. قاسية ومنتقمة.”
وقفت وفتحت لها باب المكتب:
— “أنا مش قاسية.. أنا بس ‘الشغالة الشيك’ اللي عرفت إزاي تشتري أسيادها. اتفضلي برة مطعمي.”
كاميليا خرجت ووراها طارق اللي كان بيبص لي بنظرة ندم وخوف، وقفل الباب وراهم.
تنفست الصعداء، وقعدت على الكرسي وبصيت للأوراق المتمم عليها. حسيت براحة مفيش بعد كده. شقا عمري وكرامتي رجعوا لي وتمنهم كان غالي أوي بس يستاهل.
سندت ضهري لورا وغمضت عيني، وكنت فاكرة إن الليلة خلصت لحد هنا..
وفجأة، تليفون المكتب الأرضي رن.
شيلت السماعة: “أيوة يا صوفيا؟”
صوت صوفيا كان مرعوب أكتر من الأول، وبتتكلم بهمس سريع:
— “شيف فوزية.. إحنا بنقفل المطعم، بس في عربية سودا كبييرة، بستاير سودا، وقفت قدام الباب. نزل منها اتنين رجالة بلبس رسمي شيك جداً، ومعاهم شنطة دبلوماسية.. ورفضوا يمشوا وبيقولوا إنهم جايين يقابلوا ‘صاحبة المكان الحقيقية’ لأمر يخص الحساب القديم اللي اتقفل من عشر سنين!”
حسيت ببرودة غريبة سرت في جسمي. حساب قديم من عشر سنين؟ أنا فاتحة المطعم ده من خمس سنين بس!
قبل ما أنطق بكلمة، باب المكتب اتفتح ببطء بدون ما حد يخبط.. ودخل راجل طويل، لابس بدلة سودا كاملة، وفي إيده الشنطة الدبلوماسية، وبص لي بعيون حادة زي الصقر وقال بنبرة هادية ترعب:
— “مساء الخير يا فوزية هانم.. أو المفروض أقولك يا ‘ياسمين’؟ افتكرتِ إنك لما تغيري اسمك ومنطقتك وتفتحي مطعم هنا، الماضي مش هيلاقيكي؟”
الورق اللي في إيدي وقع على الأرض، والماضي اللي هربت منه وعشت سنين بداريه.. وقف قدامي وجهاً لوجه!


تعليقات
إرسال تعليق