جوزى متغرب
جوزى متغرب أمانى سيد كاملة
جوزى متغرب رجع بعد ٤ سنين عشان يستقر ويفتح مشروع هنا
كان كل شهر بيحولى فلوس وانا اشيلهاله وادخله جمعيات كبيره لحد ما عملتله مبلغ كبير
يوم ما جوزى رجع من السفر كان متغير كنت فاكره إنه هيرجع ملهوف عليه أو انى وحشاه لكن اللى حصل انه رجع وقالى انا عايز انام ارتاح من السفر لحد بليل ماتصحنيش وماتفتحيش اى شنطه وافقت و دخل هو سلم على اهله وبعدها نام وبليل لقيت باقى قرايبه جم يسلموا عليه خلاته وبنت خالته بالتحديد
لقيت جوزى صحى فايق ومتشيك وقعد فى وسطيهم والضحكه اللى كانت مختفيه ظهرت على وشه بس لاحظت بنظرات بينه وبين بنت خالته بيهتم بيها بشكل خاص يقوم يجبلها بنفسه اى حاجه تطلبها وشويه خرج معاه شنط هدايا صغيره لاهله لكن بنت خالته كانت بتبصله وغمزلته وخل تانى جاب شنطه كبيره واداهلها
لقتها اتعمدت تفتح الشنطه قدامى وطلعت منها موبايل وطقم دهب رقيق وهدايا تانيه برفانات غاليه ومكياج وشنطه وفيها محفظه والمحفظه فيها فلوس بعمله البلد اللى كان فيها
قررت انى اعدى اليوم قولت يمكن ظنون وهى اللى طلبت ويمكن مش حابب يورينى الهدايا بتاعتى قصاد اهله
بعد ما اهله اخدوا واجبهم ومشيوا لقيته تجاهلنى ومسك التليفون بيبعت منه رسايل
سالته بابتسامه
ماقولتيش يا راضى فين الهديه بتاعتى
بصلى من فوق لتحت وقالى هديه ايه منا ببعتلك كل شهر فلوس مش مكفياكى
حسيت الكلمه صدمتنى قررت اعدى اليوم واريح اعصابى
صحيت عليها تاني يوم الصبح على صوت ضحكات مألوفة في الصالة. خرجت من أوضتي لقيت “سماح”، بنت خالته، بتخبط على الباب فتحتلها لقتها ذقتنى ودخلت، وماشية في البيت وكأنها صاحبته.
دخلت الأوضة اللي نايم فيها، وسمعتها بتقول بصوت عالي وهي بتصحيه بدلع: “قوم يا راضي، كفاية نوم، وراك مشاوير كتير النهاردة، وبعدين أنا جايبالك الفطار اللي بتحبه من إيدي!”.
وقفت في ممر الشقة، شايفاهم من بعيد. راضي صحي، وش الحزن والهم اللي كان شايله من ساعة ما رجع اختفى، وبدلته بابتسامة واسعة، وشدها من إيدها قعدها جنبه على السرير وقال: “أحلى صباح ده ولا إيه؟ تسلم إيدك يا وش الخير
ومسك اديها وباسها
دمي غلي في عروقي لدرجة إني حسيت ببرد يسري في جسمي كله وكل جسمى اتشنح ، مش قادرة أصدق عيني، ولا قادره اتحرك راضي اللي كان
سارة، اللي كانت لسه بتبصلي من فوق لتحت وكأنها بتطردني من بيتي، اتدلعت بزيادة وقالت بصوت مسموع ومقصود عشان يوصل لي: “بقولك إيه يا راضي، النهاردة اليوم طويل ومهم، وأنا قررت ألبسك على ذوقي، عشان تكون أشيك واحد في الناس كلها”.
راضي ضحك ضحكة رجولية مليانة إعجاب وقالها: “يا ستي ذوقك ده أحلى حاجة في الدنيا، اللي تختاريه أنا هلبسه وانا ساكت”.
سارة قامت بتتمختر قدام الدولاب بتاعي، دولابي اللي أنا رتبته بايدي، وبدأت تقلب في الهدوم بدلع وتوقع فى الارض اللى مش عاجبها ، ولما جت عند الرف العالي اللي فيه القمصان اللي أنا كاوياها وشايلاها للمناسبات، وقفت عملت نفسها مش طايلة، وبصت له ببرطمة دلع: “أوف.. القميص ده بعيد أوي، مش طايلة يا راضي، تعالي ساعدني”.
ما استنيتش ثانية، راضي نزل من على السرير بسرعة البرق، وكأنه خايف عليها من “التعب”. راح عندها، وقف وراها، وبإيد قوية شالها من خصرها، رفعها بكل سهولة عشان تطول الرف. كانت بتضحك وهي متعلقة في رقبته، وهو كان بيضحك وبيبص لها نظرات تملك، ولا كأني موجودة، ولا كأني واقفة في ممر بيتي، ولا كأن ده جوزي اللي شقيته سنين عشان أفرش له البيت ده.
سحبت القميص وهي لسه في حضنه، ولما جهةينزلها قالتله لا خلينى شويه وفضلت تدلع عايه وبعدها وراضي نزلها بالراحة، بس مسك إيدها ما سابهاش. وقفوا قدام المراية، وبدأوا يختاروا الكرافتات، وسارة بتعدل له الياقة بإيدها، وهو بيعدل لها خصلات شعرها.
في اللحظة دي، سمعته بيقول لها: “سارة، متخافيش، كل اللي في البيت ده تحت أمرك، ولا يهمك من حد، البيت ده بيتي وأنا اللي بقرر فيه مين يدخل ومين يخرج، ومين يعيش فيه ويبقى ليه كلمه ومين يعيش فيه كخيال”.
بص لي راضي في المراية، وشافني واقفة، بدل ما يتخض، ضيق عينيه ورفع حاجبه باستهزاء، وكأنه بيقولي: “أنا عارف إنك شايفة، وعاجبني إنك تشوفي”.
دخلت المطبخ بسرعة، مكنش ينفع أواجه في اللحظة دي، النار اللي جوايا كانت محتاجة “خطة”، مش مجرد خناقة. مسكت تليفوني، وفتحت حساب الجمعيات، وشفت المبلغ اللي باقي في “الخزنة السرية” اللي مش عارف عنها حاجة.. ابتسمت.
راضي فاكر إنه “ملك” البيت لأنه صرف كام ألف على هدايا، بس الحقيقة إن “المفتاح” اللي بيفتح قفل البيت، وفيزات المشروع، وكل ورقة بتثبت ملكيته لأي حيطة هنا.. معايا أنا.
فضلت واقفة في المطبخ، وإيدي بتترعش من الغضب، لكن لأول مرة ماعيطتش. الغريب إني حسيت بهدوء غريب، هدوء الست اللي أخيرًا فهمت اللعبة كلها.
من بره كانوا لسه بيضحكوا، وسارة صوتها عالي وهي بتقول: “يلا يا راضي اتأخرنا.”
رد عليها بسرعة: “أهو جاي يا ستي.”
ولا حتى فكر يسألني إذا كنت فطرت، أو محتاجة حاجة، ولا حتى يبصلي.
بعد ما خرجوا، دخلت أوضة النوم. بصيت حواليّا.
الأوضة اللي كنت بحلم بيها وأنا بعد النجوم. كل ستارة فيها، وكل قطعة عفش، وكل جهاز، وراها سنة تعب وسهر وحسابات وجمعيات.
فتحت الدرج اللي كنت مخبية فيه الأوراق.
قعدت على السرير أراجع كل حاجة.
إيصالات التحويلات.
إثباتات الجمعيات.
العقود.
وأهم حاجة… التوكيلات اللي كان عاملها لي وأنا اللي كنت بخلص بيها إجراءات المشروع من هنا وهو مسافر.
ابتسامة صغيرة طلعت على وشي.
واضح إن الأستاذ راضي راجع من السفر فاكر إن الفلوس اللي كان بيبعتها هي اللي عملت كل حاجة.
ناسي مين اللي كان بيلف على المصالح الحكومية بالساعات.
مين اللي كان بيقنع أصحاب الجمعيات يدخلوا مبالغ أكبر.
مين اللي كان بيصحى الفجر عشان يدفع قسط قبل ميعاده.
المشروع ده كان فيه من عمري أكتر ما فيه من فلوسه.
وفجأة رن تليفوني.
كان رقم صاحبتي منى.
رديت.
أول ما سمعت صوتي قالت: “مالك؟ صوتك مش طبيعي.”
سكت ثواني وبعدين حكيتلها كل حاجة.
كل حاجة.
من أول الهدايا لحد حضنه لسارة قدام عيني.
فضلت ساكتة تسمع لحد ما خلصت.
بعدها قالت جملة واحدة:
“أوعي تعملي مشكلة دلوقتي.”
استغربت.
“يعني أسكت؟”
قالت: “لا… خليهم هما يغلطوا أكتر.”
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
“الناس اللي بتستخبى عادة بتخاف، لكن اللي بيعمل كده قدامك بالشكل ده… ده واحد واثق إن محدش يقدر يوقفه.”
قفلت معاها وأنا بفكر في كلامها.
وبالليل رجع راضي وسارة معاه.
أيوه… معاه.
دخلت البيت وهي شايلة أكياس ومحلات وكأنها راجعة بيتها.بصولى ببرود وحوزى اتكلم
ـ انا وساره هنقعد نتكلم فى شغلى
كملت ساره بعده
ـ لو عندك مشكله امشى
بصتلهم ببرود
“لا يا حبيبتي… اقعدي براحتك.”
الاتنين بصوا لبعض باستغراب.
وأنا كملت:
“أصل واضح إن الأيام الجاية هيبقى فيها مفاجآت كتير… وأنا بحب أتفرج على المفاجآت للآخر.”
ولأول مرة… شفت القلق يلمع ثانية واحدة في عيون راضي قبل ما يختفي.
خرجت من قدامهم ودخلت المطبخ وأنا محافظة على برودي بالعافية، لكن جوايا كان بركان. سبتهم يتكلموا ويضحكوا، وكل شوية يوصلني صوت سارة وهي بتتكلم وكأنها صاحبة المكان.
بعد حوالي ساعة، سمعت صوتها عالي وهي بتقول:
ـ بص يا راضي، أنا شايفة إن المحل ده يتسجل باسمك لوحدك، مالوش لازمة وجع الدماغ بتاع الشراكات والكلام ده.
رد عليها بسرعة:
ـ ما هو أصلًا باسمي.
سكتت لحظة وبعدين قالت:
ـ كله؟
ـ كله.
وقتها ابتسمت لوحدي.
واضح إنه بيكدب عليها زي ما بيكدب على نفسه.
لأن نص الأوراق اللي بتثبت خطوات المشروع كانت بإيدي أنا.
وفجأة سمعت خبط على الباب.
قمت أفتح.
لقيت الراجل اللي كنا متفقين معاه على توريد معدات المشروع.
أول ما شافني قال:
ـ الحمد لله إني لقيتك يا مدام، كنت بدور عليكي من الصبح.
ـ خير؟
ـ الأستاذ راضي رجع؟
ـ أيوه.
هز راسه وقال:
ـ كويس، أصل فيه شوية أوراق لازم حضرتك توقعي عليها عشان نكمل الإجراءات.
في اللحظة دي كان راضي خارج من الصالة.
أول ما سمع الكلام اتوتر.
وقال بسرعة:
ـ لا لا… خلاص أنا موجود.
الراجل بصله باستغراب.
ـ بس الإجراءات كلها كانت شغالة باسم المدام من البداية.
ولأول مرة شفت سارة ساكتة.
مابقتش فاهمة حاجة.
بصت لراضي وقالت:
ـ يعني إيه باسم المدام؟
راضي حاول يضحك.
ـ إجراءات عادية يعني.
لكن الراجل كمل من غير قصد:
ـ بصراحة لولا تعب المدام المشروع ده كان وقف من أول سنة.
سكت البيت كله.
وسارة بصالي لأول مرة بنظرة مختلفة.
مش نظرة شفقة.
نظرة خوف.
لأنها بدأت تفهم إن الست اللي واقفة قدامها مش مجرد زوجة مهملة زي ما راضي صورلها.
بعد ما الراجل مشي، راضي دخل الأوضة بعصبية.
ولأول مرة سارة ما دخلتش وراه.
فضلت قاعدة في الصالة.
أما هو دخل وقفل الباب وقال من بين سنانه:
ـ إنتي ليه مخلياه يكلمك بالطريقة دي؟
ضحكت.
ضحكة هادية جدًا.
ـ طريقة إيه؟
ـ كأنه المشروع بتاعك.
بصيتله بثبات.
ـ عشان يعرف الحقيقة.
ـ حقيقة إيه؟
ـ إنك كنت بتبعت الفلوس… وأنا كنت ببني.
سكت.
ولأول مرة عينه نزلت من عيني.
كملت وأنا بفتح الملف اللي قدامي:
ـ تعرف إن عندي كشف بكل جنيه دخل وخرج؟
تعرف إن كل جمعية اتعملت متسجلة؟
تعرف إن فيه ورق لو اتفتح قدام أي حد هيعرف مين اللي كان شايل البيت والمشروع أربع سنين؟
وشه بدأ يتغير.
أما أنا فكنت لأول مرة حاسة بالقوة.
وفجأة سمعنا صوت سارة من بره وهي بتنادي:
ـ راضي… ممكن تيجي دقيقة؟
خرج بسرعة.
أما أنا فوقفت عند باب الأوضة أراقب.
لقيتها واقفة ماسكة موبايلها.
وقالت بهدوء:
ـ هو كلام الراجل ده صح؟
راضي اتوتر.
ـ مالك إنتي بالكلام ده؟
ـ جاوبني.
سكت ثواني.
فسارة بصتله وقالت:
ـ أصل لو الست دي عندها كل النفوذ ده في المشروع… يبقى إنت مش قوي زي ما كنت بتقول.
الجملة نزلت عليه زي الصفعة.
وأنا واقفة بعيد بتابع.
لأول مرة بدأت أشوف الشرخ الحقيقي بينهم.
لأن العلاقة اللي مبنية على الاستغلال أول ما تدخلها الحقيقة… بتبدأ تقع لوحدها.
وساعتها بالضبط رن تليفوني.
بصيت للشاشة.
وكان الاسم اللي ظهر قدامي خلاني أرفع حاجبي بدهشة.
المتصل كان… المحامي.
المحامي اللي كنت مكلفاه من شهور يراجع كل أوراق المشروع تحسبًا لأي ظرف.
رديت.
وسمعته بيقول:
ـ مدام… فيه حاجة مهمة جدًا لازم تعرفيها فورًا. أنا اكتشفت معلومة تخص الأستاذ راضي، ولو طلعت صحيحة فالموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي.
سكت مكاني.
وقلبي بدأ يدق بقوة.
وقلت:
ـ معلومة إيه؟
فرد بصوت جاد:
ـ الأستاذ راضي… ماكانش مسافر لوحده طول الأربع سنين اللي فاتوا…!
قلبي دق بقوة، حسيت وكأن الأرض بتتميل بيا، لكن ثبت نفسي وطلعت بلكونة المطبخ بعيد عنهم، ووطيت صوتي على قد ما أقدر:
“اتكلم يا أستاذ صابر، إيه اللي اكتشفته؟”
صابر المحامي اتنهد بتقل وقال: “مدام، أنا كنت براجع التوكيلات اللي بعتها لي، ولقيت ورقة قديمة من مصلحة الجوازات والسفر، راضي متجوز “سارة” دي من أكتر من 3 سنين، ومسجلين خروجهم من البلد اللي كان فيها في نفس التوقيت، ورجعوا مصر من أربع شهور بس، قبل ما هو يرجع رسمي بفترة!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. الأربع سنين اللي فاتوا، كل لحظة غياب، كل جنيه كان بيتبعت، كل وعد كان بيترسم في التليفونات، كان تمثيلية. هو مكانش متغرب بيشقى عشاني وعشان ولاده، هو كان بيبني حياة تانية مع “الست” دي، وأنا هنا كنت “الموظفة” اللي بتخلص له ورق مشروعه، وبتدفع له الجمعيات، وبتشقى عشان لما يرجع “البرنس” يلاقي كل حاجة جاهزة، وبعدها يرميني ويتمم جوازه عليها رسمي!
قعدت على كرسي المطبخ، حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش. فجأة كل حاجة بقت واضحة، برود أعصابه، استهزاؤه بيا، حتى نظرات سارة ليا اللي كانت نظرات “واحدة داخلة تاخد حقها ومستعجلة”.
قفلت مع المحامي وأنا حاسة ببركان بيغلي جوايا، بس الهدوء اللي كان متمكن مني زاد. مسحت دموعي، وقفت قدام مراية المطبخ، وبصيت لنفسي.. أنا مش الست المكسورة اللي كان بيسيبها ويسافر. أنا اللي في إيدي مفاتيح كل شيء.
قعدت في ركن بعيد، وفتحت تليفوني وكأنني بكمل شغل، بس كنت في الحقيقة ببعت رسالة للمحامي: “كمل في الإجراءات، بس استنى إشارتي.. اللعبة لسه بتبدأ.”
راضي رفع عينه وبصلي وقال بنبرة فيها تعالّي: “في إيه يا ولية؟ واقفة في المطبخ بتعملي إيه كل ده؟ الشغل عايز تركيز، اخلصي هاتي لنا قهوة.”
سارة ضحكت بدلع وقالت: “معلش يا راضي، هي أكيد تعبت من كتر الترتيب.. سيبها ترتاح.”
بصيت لراضي، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت سارة تبصلي باستغراب، ابتسامة من حد عارف سر هما الاتنين ما يحلموش بيه. قمت بهدوء، دخلت المطبخ، وجهزت القهوة، وخرجت وقدمتها ليهم بإيدي.
حطيت الفنجان قدام سارة، وقربت من راضي، ميلت عليه وقولت بصوت واطي ومسموع في نفس الوقت:
“القهوة دي “تعدل المزاج” يا راضي.. خصوصاً لو الواحد عرف أخبار جديدة عن مشاريعه.”
راضي اتجمدت إيده وهو بياخد الفنجان، وبصلي بنظرة شك: “أخبار إيه يعني؟”
رديت ببرود: “أخبار “قديمة”.. من أربع سنين فاتوا.”
سارة حطت الفنجان ووقفت، وشها اصفر، بس راضي حاول يداري توتره وضحك ضحكة صفراء: “أنتي بتهببي إيه بالكلام؟ ادخلي جوه وخلصي اللي وراكي.”
مشيت من قدامهم، ودخلت الأوضة، قفلت الباب ورايا. قعدت على طرف السرير، وفتحت الدرج، وطلعت الأوراق اللي كنت مخبياها.
بدأت أرتب “خريطتي” الجديدة. هما فاكرين إنهم بيلعبوا بيا، بس الحقيقة إن كل خطوة بياخدوها محسوبة عليا. راضي فاكر إن “المفتاح” في جيبه، بس هو مش عارف إن البيت ده، والورق ده، وحتى اللعبة اللي هو فاكر نفسه بطلها.. بقت في إيدي أنا.
سارة خبطت على الباب بقوة ودخلت، ملامحها متغيرة: “انتي قلتي إيه لراضي دلوقتي؟ وإيه نظراتك دي؟”
بصيتلها، وبكل برود قولت:
“يا حبيبتي.. اللي بيقعد في بيت مش بيته، لازم يعرف إن صاحبة البيت ممكن تغير الكوالين في أي وقت.”
خرجت من الأوضة وسيبتها واقفة مذهولة، وراضي قاعد في الصالة تليفونه مش بيسكت من الرسايل، وقلقه بدأ يبان على وشه.
بدأت “خطة الاستنزاف”.. هخليهم يعيشوا في رعب من غير ما أنطق كلمة واحدة، هخليهم يحسوا إن الأرض بتهتز تحت رجليهم، لحد ما يغلطوا الغلطة اللي تنهي اللعبة خالص.
ودى كانت اخر خطوه وأهم خطوه اللى مصبرانى وانا بتخيل منظرهم لما يعرفوا الحقيقه
الأيام اللي تلت مكالمة المحامي كانت الأصعب في حياتي، لكنها كمان كانت “مدرسة” الصبر. كنت بشوف راضي وسارة بيخططوا، بيفتحوا ملفات، بيخلصوا توقيعات، وهما فاكرين إن “الضحية” نايمة على ودنها.
بدأت اللعبة بذكاء: كنت بوقع على أي ورق يخص المشروع من غير ما أبص، كنت ببتسم لراضي وأنا شايفة الغدر في عينه، وبمثل دور الزوجة “الساذجة” اللي بتنفذ الأوامر. راضي كان بيستغل ده، بيخليني أمضي على عقود، توكيلات، وأوراق تنازلات، وكلها كانت بتعدي على مكتبي، بس المحامي بتاعي كان بيستبدل “النسخ” الأصلية قبل ما تترفع، أو بيضيف بنود قانونية في التوكيلات اللي هو فاكرها لصالحه، بتخلي “الكلمة الأخيرة” ليا أنا.
في يوم، راضي قالي بوش كله خبث: “يا أماني، أنا محتاجك تمضي على الورق ده، عشان أخلص إجراءات المصنع الجديد، دي مجرد إجراءات روتينية، وبعدها هرتاح وهنعيش مرتاحين.”
مسكت القلم، وبكل برود أعصاب مضيت. كنت عارفة إن الورق ده هو اللي هيوقعه في الآخر.
مرت الشهور، المشروع كبر، والمصنع اشتغل، وسارة كانت بتتصرف كأنها “المديرة” في الموقع، بتهين الموظفين وبتمضي أوامر، وراضي كان بيزود في غطرسته، فاكر إن كل شيء بقى جاهز عشان “السيناريو الكبير”.
يوم “الخطة”، صحيت الصبح لقيت راضي وسارة في الصالة، باصين لبعض بنظرات ذات معنى. راضي بصلي وقال بصوت جاف:
“أماني، أنا كنت عايز أقولك… إحنا لازم ننفصل. أنا مابقتش حاسس بأي مشاعر تجاهك، وده أحسن لينا كلنا.”
سارة كانت واقفة وراه، حاطة إيدها على كتفه بدلال مقزز، ومبتسمة ابتسامة نصر.
مد إيده وطلع ورقة من جيبه: “دي ورقة طلاقك، وكل حقوقك المادية هتجيلك، بس البيت ده والمشروع… دول ملكي أنا.”
سكت.. ما نزلتش دمعة واحدة. بالعكس، ابتسمت، ضحكت ضحكة هادية خلت سارة تكش من نظرتي.
قمت وقفت، رتبت هدومي، ودخلت الأوضة. راضي وسارة بصوا لبعض باستغراب، فاكرين إني هنهار أو هصرخ.
طلعت بعد دقايق، ومعايا “ملف”.
رميت الملف على التربيزة قدامهم.
راضي اتوتر: “إيه ده؟”
بصيتله بثبات وقوة: “ده اللي بيعرفك مين اللي طالق مين، ومين اللي صاحب البيت.”
فتحت الملف، وطلعت منه “حكم محكمة” و”عقود الملكية” اللي اتسجلت باسمي أنا في الشهر العقاري من شهرين، وبند في التوكيل اللي هو مضا عليه بذكاء المحامي بتاعي، بيحول كل أصول المشروع وأرباحه ليا بالمستندات اللي المحامي صورهم وهما فاكرين نفسهم في أمان.
راضي فتح عينيه على وسعها، وبدأ يقرأ الورق وإيده بتترعش.
سارة صرخت: “يعني إيه؟ ده شغلنا!”
بصيت لسارة ببرود: “لا يا حلوة… ده شغلي أنا. إنتي وراضي كنتوا ضيوف تقال، والضيف اللي بيحاول يسرق صاحب البيت، بيترمي في الشارع.”
راضي حاول يصرخ، بس قاطعته بصوت جهوري:
“اسكت! إنت عارف كويس إن القانون في صف مين دلوقتي. كل قرش، كل مكنة، حتى الحيطة اللي إنت واقف عليها دي.. بتاعتي. ومعايا أمر طرد ليك وليها من البيت ده خلال ساعة، وإلا البوليس هو اللي هيخرجكم.”
سارة بصت لراضي بنظرة كره وندم، وبدأت تلم حاجتها بجنون. راضي كان واقف مذهول، ملامح الرجولة اللي كان بيتمصلح بيها قدامها وقعت، وبان على حقيقته.. راجل مكسور، خايف، ومفضوح.
وقفت عند الباب، وبكل كبرياء قلت:
“أربع سنين كنتوا بتبنوا في وهم… ونسيتوا إن اللي بيبني بجد.. هو اللي بيملك.”
قفلت الباب وراهم، وسمعت صوتهم وهما بيتشاكلوا في الممر، بس مكنش يهمني. للمرة الأولى من سنين… البيت بقى بيتي بجد، وهدوء المكان كان أحلى موسيقى سمعتها في حياتي.
سكت البيت تماماً بعد ما قفلت الباب، بس السكون ده ما طالش كتير. دقايق وسمعت خبط جنوني على الباب، وصوت خالات راضي وأهله اللي كانوا جايين معاه في أول يوم، وصوتهم عالي في الممر.
فتحت الباب ببرود، لقيتهم كلهم واقفين: خالاته، وعمامه، وسارة واقفة وراهم بتعيط، وراضي واقف وشه في الأرض من الذل.
كبيرة العيلة، خالة راضي، دخلت وبدأت تصرخ: “إيه اللي بتعمليه ده يا أماني؟ راضي جوزك، وبنت خالته دي مراته، إيه الورق ده اللي بتلوحي بيه؟ ده بيته وشقاه!”
بصيت للخالة بهدوء، ورجعت بصيت لراضي اللي كان متجنب يبص في عيني: “بيته وشقاه؟ طيب اسأليه هو، الشقى ده كان باسم مين؟ والفلوس اللي كان بيبعتها، أنا كنت بحولها لإيه؟”
النقاش احتدم، الكل بيصرخ وبيحاولوا يضغطوا عليا. راضي رفع عينه بضعف وقال: “أماني.. كفاية فضايح، أنا غلطت، بس ما توصليش لأنك تطرديني أنا وأهلي في الشارع، أنا مشيت سنين عشان أعمل ده.”
في اللحظة دي، شفت نظراتهم كلهم.. الشفقة، الغضب، والطمع. بس وسط كل ده، شفت “راضي” اللي عرفته زمان، الشخص اللي كان بيبعت فلوسه وكان فاكر إنه بيأمن مستقبله. اه هو غدر، وهو استغل، وهو خان، بس الفكرة اللي زرعتها في دماغي طول السنين اللي فاتت -إن ده حقي- بدأت تتصارع مع الحقيقة اللي بتقول إن جزء من “عرق الغربة” ده كان بجد.
سكتت لحظة، ونزلت الملف من إيدي. قلت بصوت هادي خلى الكل يسكت:
“أنا مش هطرد حد، ومش هكون ظالمة زيك يا راضي.”
الكل اتفاجئ، وراضي بصلي ببارقة أمل.
كملت: “المشروع والبيت ده باسمي قانوناً، وده حقي اللي تعبت فيه ومحدش يقدر ينازعني فيه. بس عشان أنا ست أصل، وعشان ولادي ما يشوفوش أبوهم متشرد في الشارع، أنا هصفي كل الحسابات.”
بصيت لراضي: “أنا هحسب كل جنيه دخل من الغربة، وهحسب قصاده كل جنيه أنا تعبت فيه وخلصته في الإجراءات والمصالح.. وهديك جزء من الفلوس اللي كانت حصيلة غربتك، مبلغ يفتحلك مشروع صغير تبدأ بيه حياتك من جديد مع “سارة” اللي اخترتها.”
سارة بصتلي بذهول، وراضي عيونه لمعت بدموع الندم -أو يمكن الانكسار-.
“بس بشرط..” كملت بصرامة: “ورقة الطلاق تتنفذ فوراً، وتخرجوا من البيت ده، وتنهي أي علاقة بالمشروع ده. المبلغ ده هيكون آخر عهدي بيك، ولا ليكم عندي ولا ليكم عندي أي مطالبة تانية.”
خالة راضي حاولت تتكلم، بس راضي سبقها وبصلي بإنكسار وقال: “أنا موافق يا أماني.. أنا اللي ضيعت كل حاجة.”
في اليوم التاني، المحامي خلص الإجراءات. كان يوم غريب، يوم هدوء بعد عاصفة. شفت راضي وهو بياخد الشنط بتاعته ويخرج من الباب اللي أنا فرشته قطعة قطعة. سارة خرجت وراه وهي ساكتة، ما بقاش فيه دلع ولا تمختر.
وقفت في نص الصالة بعد ما مشيوا، والبيت كان فاضي وهادي. بصيت للحيطان، وللستائر، وللبيت اللي كنت فاكرة إنه هيكون “جنتي”، لقيتني لأول مرة بحس إني حرة فعلاً.
مرت سنتين، وكأن الزمن كان بيكتب “العدل” بإيد القدر.
في مكتبي الجديد، اللي اتفرش بذوقي الخاص وبمجهودي اللي اتضاعف، كنت واقفة بتابع التقارير. المشروع اللي بدأته من العدم، وبنيته على أنقاض خيانة راضي، بقى اسم كبير في السوق. مش بس نجحت، ده أنا بقيت “اسم” بيحترموه في المجلات اللي كنت بحلم أكتب فيها، زي “سيدتي” و”زهرة الخليج”. ولادي بقوا في أحسن مدارس، والبيت اللي كان يوم من الأيام مسرح للغدر، بقى حصن للأمان والهدوء.
أما راضي.. فدائرة الأيام دارت عليه.
وصلتني أخبارهم عن طريق “الصدفة” اللي بتجمع الناس في بلد صغيرة زي مصر. راضي، بالرغم من المبلغ الكبير اللي أديتهوله عشان يبدأ حياته، ماعرفش يدير نعمة “البداية الجديدة”. اتجوز سارة رسمي، لكن الغريب إن “الاستغلال” اللي كان رابطهم ببعض، هو نفسه اللي دمره. سارة، اللي كانت بتشجعه على الغدر بيا، لقت إن راضي ماعدش عنده “المكتب” ولا “الورق” ولا “الإجراءات” اللي كانت بتسهل له أموره، فبدأت تضغط عليه بمطالبها اللي مابتخلصش.
راضي، عشان يثبت لسارة إنه لسه “الراجل اللي بيعرف يجيب فلوس”، دخل في مشاريع وهمية وبورصات مشبوهة، وسمع نصايح ناس طماعة، لحد ما المبلغ اللي أخدوا مني -واللي كان حصيلة غربته وسنين عمره- اتبخر في أقل من سنة.
سمعت إن المشاكل بينهم وصلت للمحاكم. سارة سابته أول ما لقت الجيب فضي، ورفعت عليه قضايا نفقة وحجز، وراضي اللي كان بيحلم إنه “ملك” البيت في يوم من الأيام، بقى بيتنقل من شقة إيجار لشقة أصغر، ومطارد بديون ماكنش عامل حسابها.
في يوم، وأنا خارجة من مكتبي، شفت راضي واقف على الناصية.. كان شكله كبر عشر سنين في سنتين، ملامحه اللي كانت مليانة غرور بقت ذابلة، كان واقف بيبص على باب الشركة وكأنه بيشوف “الحلم” اللي ضيعه من إيده.
بص لي.. شافت عينه ندماً من النوع اللي بيحرق صاحبه. مكنش ندماً على خسارة الفلوس، كان ندماً على اللحظة اللي قرر فيها يبيع الست اللي بانت له كل ده، عشان يشتري وهماً كان آخره الشارع.
ماوقفتش. مش قسوة، لكن خلاص.. الشخص اللي كنت أعرفه مات من زمان. ركبت عربيتي، وبصيت قدامي.
فتحت تليفوني وبعت رسالة لـ “آيات” مساعدتي في الشغل: “يا آيات، خدي ميعاد مع المحرر المسؤول في مجلة زهرة الخليج، عايزة أراجع مقالتي الجديدة عن ‘كيف تبني حياتك من جديد بعد العواصف’.”
سقت عربيتي، والهدوء كان ماليني.. لأني عرفت أخيراً إن أكبر مكسب في الدنيا مش الفلوس، ولا المشروع، ولا حتى الانتقام.. أكبر مكسب هو إنك تفضل “إنتي”، بكرامتك، وبقوتك، وماتسمحيش لأي حد، مهما كان، إنه يغير جوهرك


تعليقات
إرسال تعليق