القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الطمع حكايات رومانى مكرم كامله 



الطمع حكايات رومانى مكرم كامله 

أنا زوجي مسافر استراليا وعندي اختي ارمله ظروفها صعبه انا بساعدها كل شهر ب750 جنيه لقيتها بتطلب مني بتقولي متزوديلي شويه عشان بنتها بياخد دروس في ثانويه عامه جيت قولتلها وانتي بتدخليها ليه ثانويه عامه وهي مش قد ظروفك قالتلي بنتى الوحيده قولتلها هما 750 جنيه انا زوجي بيبعتلي كل شهر مبلغ 2000دولار بصرف وبشترى دهب كل شهر لاولادى


وخلاص انا قررت اوقف 750جنيه ومش هديها تانى


 


في شقة واسعة، تشرح القلب في أرقى حتة في المنطقة، كانت “سعاد” واقفة قدام المراية بتلبس غوايشها الدهب اللي لسه مشترياها جديد. جوزها “مدحت” مسافر أستراليا بقاله سنين، ربنا فتحها عليه من وسع، وبيبعتلها كل أول شهر ألفين دولار كاملين مكملين. سعاد كانت عايشة ملكة، مأمنة مستقبل عيالها، ومبتحرمش نفسها من حاجة، والدهب في إيديها بيشخلل مع كل حركة.


على الناحية التانية، وفي حارة ضيقة متفرعة من الشارع الرئيسي، كانت أختها الكبيرة “صباح” عايشة في أوضتين وصالة. صباح أرملة من خمس سنين، جوزها مات وساب لها البنت الوحيدة “نورا”. صباح بتشتغل في البيوت، بتغسل وتطبخ عشان تستر بنتها، وبقالها سنة بتاخد من سعاد 750 جنيه كل شهر مساعدة، كانت بتعتبرها السند اللي بيسند زير الحياة المخروم.


### الشرارة الأولى


في يوم العصر، راحت صباح لبيت سعاد. كانت مكسوفة، وشها في الأرض، وإيديها بتفرك في طرف عبايتها السمرة الدبلانة. قعدت على طرف الكنب القطيفة ودموعها في عينيها:


* “بقولك إيه يا سعاد يا أختي.. كان ليا عندك رجاء، والنبى لو تقدري تزودي الـ 750 جنيه دول شوية.. يعني خليهم ألف ولا ألف وميتين؟”


سعاد رفعت حاجبها ونزلت نظارتها:


* “ونعم بالله يا صباح، بس إيه اللي جَدّ؟ ما إنتي ماشية بيهم بقالك سنة ومستورة!”


صباح اتنهدت بوجع:


* “نورا دخلت ثانوية عامة يا أختي، والمدرسين مبرحموش، الدرس بقى بالشيء الفلاني، ومقدرش أوقف حال البنت في أهم سنة في عمرها.”


هنا سعاد لوّت بوزها وقالت بنبرة فيها عتاب ناشف:


* “وأنتي إيه اللي يدخلك في السكة دي يا صباح؟ ثانوية عامة إيه ومصاريف إيه وأنتي مش قد ظروفك؟! ما كان دبلوم تجارة ولا صنايع تخلص بيه وتشوفلها شغلانة ولا جوازة تسترها! لازم يعني المنظرة؟”


الكلام نزل على صباح زي المية الساقعة، كرامتها اتهانت، بس الأمومة خلتها تبلع الإهانة وقالت وصوتها بيترعش:


* “منظرة إيه يا سعاد؟ دي بنتي الوحيدة، حتة من قلبي، ونفسي أشوفها حاجة كبيرة، هي ذنبها إيه تطلع غلبانة زي أمها؟”


سعاد وقفت، وشخللت الغوايش في إيدها وقالت ببرود حاسم:


* “بقولك إيه يا صباح، هما الـ 750 جنيه، لا هقلي ولا هكتري. أنا جوزي صحيح بيبعتلي 2000 دولار كل شهر، بس أنا بَحسبها بالمليم، بصرف على عيالي وبشتري ب الباقي دهب يشيلهم للزمن. مش هبوظ ميزانيتي عشان دروس خصوصية.. وخلاص بقى، مادام الكلام جاب بعضه، الـ 750 جنيه دول مش طالعين تاني، وفري على نفسك وماتطلبيش مني حاجة تاني!”


### نقطة التحول


صباح حست إن الأرض بتلف بيها. الكلام كان قاسي، قاسي لدرجة إنه جرح كبريائها اللي عاشت تحافظ عليه وسط الفقر. وقفت على رجليها وهي بتترعش، بصت لأختها نظرة طويلة مخلوطة بالدموع والوجع، وقالت بكلمات مخنوقة:


* “كتر خيرك يا بنت أبويا.. يغني الله من فضله.”


خرجت صباح من الشقة، والدموع مغمية عينيها، ونزلت السلم وهي مش شايفة قدامها. أما سعاد، فدخلت كملت لبس دهبها وهي بتقول لنفسها: “أنا مش هعيش عشان أصرف على الناس وعيالي أولى”.


الكاتب_رومانى_مكرم


لكن اللي سعاد مكنتش تعرفه.. إن في نفس اللحظة اللي قفلت فيها الباب في وش أختها، كان في “مكالمة تليفون” جاية من أستراليا هتغير كل حاجة.. مكالمة هتقلب حياتها رأساً على عقب!


**يا ترى هيحصل إيه؟.. هل مكالمة أستراليا هتهز عرش سعاد والـ 2000 دولار هيطيروا؟ ولا صباح وبنتها ربنا هيفتحها عليهم من وسع ويخلوها تندم؟


الشيطان شاطر، والزمن دوار.. واستنوا تشبّك الخيوط في


### الجزء الثاني: انقشاع القناع


نزلت صباح السلم وظلمة الدنيا كلها في عينيها، الدموع كانت بتغسل وشها الشقيان، وكلمات أختها “سعاد” بتِنهش في قلبها زي السكاكين. كانت ماشية في الشارع مش عارفة هتروح فين، ولا هتقول إيه لـ “نورا” اللي مستنية ثمن كتاب الفيزياء والدرس الجديد.


على الناحية التانية، كانت سعاد لسه واقفة قدام المراية، بتبتسم لنفسها بانتصار وهي بتمسح على الغوايش الدهب، وفجأة.. تليفونها رن بنغمة دولية مألوفة. شافت الاسم، فرحت وفتحت الخط بسرعة:


* “أهلاً يا مدحت! عاش من سمع صوتك يا أبو العيال، لسه كنت في سيرتك بالخير.. الـ 2000 دولار وصلوا يا حبيبي والكل تمام.”


جاءها صوت مدحت من أستراليا، بس مكنش الصوت الدافي بتاع كل مرة. كان صوته مخنوق، مليان غضب مكتوم ونبرة حدة غريبة:


* “وصلوا يا سعاد؟ طب الحمد لله إنهم بيوصلوا بالمليم.. قوليلي بقى، أخبار أختك صباح إيه؟ والـ 5000 جنيه اللي متفقين عليهم كل أول شهر بتوصلها ولا لسه؟”


سعاد اتململت في مكانها، والابتسامة اختفت من على وشها، وقالت بتلعثم:



* “آه.. طبعاً يا مدحت، بوصلهم ليها أول بأول.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا خويا، الـ 5000 جنيه ساندينها ومخلينها مش محتاجة حاجة.”


هنا، انطلقت ضحكة ساخرة وقاسية من مدحت عبر التليفون، ضحكة خلت جسم سعاد يتنفض. مدحت قال بزعيق هز سماعة التليفون:


* “بتكدبي؟ لسه بتكدبي وتداري يا سعاد؟! أنتي بتضحكي عليا أنا؟ بقالك سنة كاملة بتقوليلي شلت ذنب صباح وبديها الـ 5000 جنيه اللي اتفقت معاكي عليهم عشان بنتها اليتيمة، وأنا أقول أصيل يا ابن الأصول وعامل حساب صلة الرحم.. تقومي تديها 750 جنيه بس وتكسري بخاطرها؟! لا وكمان جاية تمنعيهم عنها خالص وتطرديها من بيتك عشان طلبت زيادة لدروس بنتها؟!”


سعاد الـدم هرب من عروقها، رجليها مكنتش شايلاها، قعدت على السرير وهي بتترعش:


* “أنت.. أنت عرفت منين يا مدحت؟ مين اللي نقل الكلام ده؟ دي صباح كدابة! والله كدابة وبتبلى عليا.. أنا بديها الـ 5000 جنيه كاملين!”


مدحت صرخ فيها بعصبية:


* “صباح مكلمتنيش ولا تعرف رقمي أصلاً! صباح ست عفيفة النفس وعمرها ما تشتكي.. جارتك ‘أم محمد’ كانت عندك وسمعت كل كلامك وتهزيئك لأختك وشخللة دهبك، وكلمت بنتها اللي معايا هنا في أستراليا وحكتلها السواد اللي عملتيه! بنتها بلغتني بكل حرف يا سعاد.. بعين قوية بتقولي لها ‘هما 750 جنيه ومفيش تاني’؟! وأنا اللي فاكرك بتعملي لآخرتنا وبترضي ربنا في الغلبانة الشقيانة؟”


سعاد حاولت تلم الموضوع بصوت بيترعش:


* “يا مدحت اسمعني بس.. الـ 5000 جنيه كتير عليها، هي وأقفت حالها على قدها، وأنا كنت بوفر الباقي لعيالنا.. بشتري بيه دهب يشيلهم للزمن.. أنا بعمل كل ده عشان مصلحتنا!”


مدحت رد بنبرة فيها صدمة وقرف:


* “بتسرقي أختك الأرملة وبتاكلي حق اليتيمة وبتقولي مصلحتنا؟! الدهب اللي في إيدك ده مغموس بدموع أختك الكبيرة اللي شقيت عليكي زمان! أنا مأمنك على مالي وعلى بيتي، تطلعي بالخسة دي؟!”


سعاد بدأت تبكي بنواح:


* “عشان خاطري يا مدحت، أنا أسفة.. هصلح كل حاجة، هبعتلها الـ 5000 جنيه وزيادة.. بس متبقاش قاسي عليا.”


مدحت أنفاسه كانت عالية وسريعة، وقبل ما يقفل السكة قال بكلمات حاسمة زي السيف:


* “تصلحي إيه؟ اللي انكسر جوة القلوب مبيتصلحش يا سعاد. من أول الشهر الجديد، مفيش دولار واحد هيدخل بيتك بالطريقة دي. الميزانية كلها هتتغير، والـ 5000 جنيه بتوع صباح هيوصلوا ليها من وراكي وبطريقتي، وأنتي ليكي حساب تاني خالص معايا لما أنزل.. سلام يا سعاد.”


الخط قطع..


سعاد فضلت باصة للتليفون والدموع نازلة على وشها، الغوايش الدهب اللي في إيديها مبقتش بتشخلل فرحة، بقت تقيلة زي الكلبشات. حست فجأة إن البيت الواسع الشرح ضاق عليها وبقى زي القبر.. الـ 2000 دولار اتهز عرشهم، والسر اللي دارته سنة انكشف في ثانية.


أما في الحارة الضيقة.. فكانت صباح قاعدة في صالتها الصغيرة، حاطة راسها بين إيديها وبتبكي بقلب محروق، ونورا بنتها قاعدة جمبها مش فاهمة إيه اللي حصل، وفجأة الباب خبط خبطة خفيفة..


الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى مين اللي على الباب؟ وهل مدحت هينفذ تهديده ويحرم سعاد من العز اللي كانت فيه؟ والدهب اللي لمته سعاد بالكدب، هيكون هو سبب خراب بيتها؟


الزمن دوار، ودعوة المظلوم ملهاش حجاب.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


 


 


سعاد فضلت قاعدة مكانها على السرير، التليفون في إيدها زي حتة الثلج، وصوت قفل السكة لسه بيرن في ودنها زي ضرب المدافع. شافت الغوايش الدهب اللي في إيدها، فجأة حسّت بقرف وخوف، وبدأت تخلعهم بسرعة وهي بتعيط وهتتجنن:


* “مين اللي وصّلك الكلام يا مدحت؟ أم محمد؟ لا.. أم محمد كانت قاعدة في الصالة ومشت قبل ما صباح تيجي بـخمس دقائق! مين اللي سمعني؟ ومين المرسل اللي خرب بيتي ده؟”


كانت سعاد فاكرة إنها تقدر تتبلى على صباح أو تطلع جارتها كدابة، لكن اللي مكنتش تعرفه إن السهم خرج من بيتها هي.. ومن أقرب الناس ليها!


في نفس اللحظة، في الحارة الضيقة، كان الخبط على باب صباح لسه مستمر. نورا قامت فتحت الباب، ولقت قدامها “منة” بنت خالتها سعاد، واقفة وشها أحمر وعينيها منفوخة من العياط.


صباح رفعت راسها المخنوقة بالدموع وقالت باستغراب:


* “منة؟ تعالي يا بنتي.. في إيه؟ أمك جرى لها حاجة؟”


منة جريت على خالتها صباح، رمت نفسها في حضنها وقعدت تعيط بحرقة:


* “سامحيني يا خالتي.. سامحيني أنا السبب في اللي حصل، بس والله ما قدرت أشوف دموعك وكسرة قلبك وأسكت!”


صباح طبطبت عليها وهي مش فاهمة:


* “مسامحاكي على إيه يا بنتي؟ أنتي مالك ومال اللي حصل؟”


منة رفعت راسها وقالت بصوت بيترعش:


* “أنا اللي كلمت بابا في أستراليا يا خالتي.. أنا ‘المرسل’ اللي حكيتله كل حاجة!”


### المواجهة الصادمة


اللقطة رجعت لورا بساعة واحدة.. في شقة سعاد الواسعة.


منة كانت قاعدة في أوضتها بتذاكر، وسامعة كل تفاصيل الحوار اللي دار بين أمها وخالتها صباح. شافت من ورا الباب كسرة خالتها، وسامعت أمها وهي بتعايرها بفقرها وبتقول لها “هما 750 جنيه ومش طالعين تاني”.


البنت مأستحملتش الظلم، وخصوصاً إنها عارفة إن باباها مدحت راجل طيب وبيحب الخير. أول ما صباح خرجت والدموع مغمية عينيها، منة دخلت أوضتها وقررت تكسر حاجز الخوف. مسكت تليفونها وطلبت رقم باباها الدولي في أستراليا.


مدحت رد بلهفة:


* “أهلاً يا منة يا حبيبتي، عاملة إيه في دراستك؟”


منة انفجرت في العياط:


* “مش كويسة يا بابا.. أنا تعبانة ومكسوفة من نفسي ومن بيتنا.. أنا بكلمك عشان أقولك الحقيقة اللي أمي مخبياها عنك بقالها سنة!”


مدحت اتخض وقعد على حيله:


* “حقيقة إيه يا بنتي؟ خضيتيني، في إيه؟”


منة حكت له كل حاجة بنبرة تتقطع لها القلوب:


* “بابا.. أنت مش كل شهر بتبعت 2000 دولار وبتقول لأمي إدي لخالتي صباح 5000 جنيه منها عشان نورا وعشان ظروفهم؟ أمي كانت بتضحك عليك وبتدلها 750 جنيه بس! والنهاردة خالتي جت وكان وشها في الأرض وبتطلب زيادة عشان دروس نورا في الثانوية العامة، أمي هزأتها وعايرتها بفقرها، وقالت لها هما الـ 750 جنيه، ومادام اتكلمتي مفيش مليم داخل لك تاني وطردتها! أمي بتاخد الفلوس تشتري بيها دهب وتكنزه، وأختها مش لاقية ثمن الملازم يا بابا!”


مدحت الصدمة لجمت لسانه، حَس إن الأرض بتهد فوق دماغه، وسأل بصوت مرعوب من البشاعة:


* “أنتي متأكدة من الكلام ده يا منة؟ أمك تعمل كدة في أختها الشقيانة؟ وتغشني أنا؟”


منة عيطت وقالت:


* “والله يا بابا ده اللي حصل، وأنا واقفة وسمعتهم بحرف الحرف.. أنا مكنتش هقدر أعيش في البيت ده وأنا شايفة الظلم ده كله وباسكت عليه.”


### العاصفة تبدأ


نزل الكلام على مدحت زي الصاعقة. هو اللي شقيان في الغربة، بيشتغل ليل مع نهار في أستراليا عشان يستر بيته ويستر أخت مراته اليتيمة، تطلع مراته وأم عياله بالخسة دي؟ في ثواني، قفل مع بنته وطلب سعاد.. وهو ده السر في المكالمة اللي قلبت كيان سعاد!


نرجع للحارة.. صباح بصت لـ منة وهي مش مصدقة، وقالت بصدمة:


* “يعني عمك مدحت كان بيبعتلي 5000 جنيه كل شهر يا منة؟ وأمك كانت بتاكلهم وتديني الفتات؟”


منة هزت راسها بالوجب والدموع في عينيها:


* “أيوا يا خالتي.. بابا كان فاكر إنه شايل حملكم، وأمي هي اللي كانت بتداري وتكدب وتقولك ‘ده من خيري ومن جيبي’. بابا اتقهر لما عرف، وحلف ليرجعلك حقك بالمليم.”


صباح قعدت على الكنبة القديمة، ونظرت للسقف وهي بتقول بنبرة مخلوطة بالوجع والذهول:


* “يااااه يا سعاد! تاكلي مال النبي يّتم؟ ده أنا كنت بدعيلك وبقول لولا الـ 750 جنيه بتوع سعاد كنا ضعنا.. تطلعي بتاكلي حقي وحق بنتي اليتيمة اللي من دمك ولحمك؟”


وفي تلك اللحظة، رن تليفون صباح.. كان الرقم الدولي بتاع مدحت من أستراليا. صباح إيدها كانت بترتعش وهي بتفتح الخط:


* “ألو.. السلام عليكم يا أبو العيال.”


جاءها صوت مدحت مليان خجل وأسف وكَسرة:


* “سامحيني يا أم نورا.. حقك فوق راسي يا أختي، والله ما كنت أعرف، أنا اتمخمضت في الغربة ومكنتش متخيل إن القربى تظلم.. من الثواني دي، الـ 5000 جنيه بتوع كل شهر هيوصلوا ليكي لحد باب بيتك من غير ما تشوفي وش سعاد، ومصاريف نورا للثانوية والجامعة كلها عليا أنا.. اعتبريني مكان المرحوم وجزمتك فوق راسي.”


صباح بكت، بس المرة دي دموع كرامة وعدل:


* “كتر خيرك يا أصيل.. ربنا يجبر بخاطرك وينصرك في غربتك.. أنت مالكش ذنب يا ابن الأصول.”


في الشقة الراقية، كانت سعاد قاعدة زي المجنونة، بنتها منة مرجعتش البيت، وعرفت إن بنتها هي اللي كشفتها وباعت سرها لأبوها. الغل والخوف عمى عينيها، وبقت تتوعد وتصرخ في الصالة الفاضية.. لكن الخوف الأكبر كان من اللي جاي، لأن مدحت مسبهاش، وبعتلها رسالة على الواتساب فيها سطر واحد:



(الدهب اللي لميتيه من دم اليتيمة.. جه الوقت اللي هتدفعي تمنه غالي يا سعاد).


الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى مدحت ناوي يعمل إيه في سعاد والدهب اللي حوشته؟ وهل سعاد هتحاول تنتقم من بنتها منة ومن أختها صباح؟


الخيوط بدأت تشتد، والعدالة بدأت تظهر.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تبعوها


### الجزء الرابع: غليان الحقد


خرجت “منة” من البيت، والخطوط اتطربقت فوق دماغ “سعاد”. قعدت في الصالة الواسعة والغل بياكل في قلبها زي النار. مبقتش شايفة إنها غلطانة، ولا فكرت في حق أختها الأرملة ولا اليتيمة اللي كلت حقها.. كل اللي كان مسيطر على عقلها هو الحقد والغل.


بصت لسقف الشقة وهي بتنهج من العصبية وقالت بنبرة مليانة سم:


* “بقى حتة الجربوعة دي.. صباح الشقيانة اللي بتلف على البيوت، تقلب عليا جوزي؟ وتخرب بيتي؟ وبنتي أنا.. بطني اللي شيلتها تسع شهور، تبيعني وتعمل عليا قاضية عشان خاطر خالتها؟! ماشي يا صباح.. والله ما هسيبك تتهني بمليم واحد من فلوس مدحت.”


مسكت سعاد تليفونها وطلبت رقم جوزها مدحت في أستراليا وهي ناوية على الشر وعايزة تقلب التربيزة وتتصدى للحقيقة بالبجاحة. أول ما فتح الخط، صرخت فيه من غير مقدمات:


* “أنت بتصدق عليا العيال يا مدحت؟! بتصدق البت وتيجي عليا عشان خاطر صباح وبنتها؟ جرى لك إيه في الغربة؟ أختي إيه واليتيمة إيه اللي هتاخد 5000 جنيه كل شهر؟! دي بلد بحالها عايشة بـ 5000 جنيه، تروح تديهم لصباح في حارة ضيقة ليه؟ هتعمل بيهم إيه؟!”


مدحت رد بصوت هادي من كتر القرف والذهول:


* “أنتي لسه فيكي نفس تجادلي وتصيحي يا سعاد؟ أنتي معندكيش دم؟ دي أختك الكبيرة اللي جوزها مات ومبقاش ليها سند.. والـ 5000 جنيه دول أنا اللي شقيان بيهم وتعبان، مش طالعين من جيبك!”


سعاد لوّت بوزها وردت بحقد أعمى:


* “لا من جيبي ومن قوت عيالي! القرش اللي يخرج برة البيت، عيالي أولى بيه. صباح دي طول عمرها عينيها فارغة وبتحسدني على العز اللي أنا فيه. كانت بتجيلي البيت وعينيها على الغوايش والستائر والشقة الشرح.. ودلوقتي بنتها نورا عايزة تخش ثانوية عامة وتعمل فيها دكتورة؟ دكتورة على إيه؟ وأمها بتغسل البلاط في البيوت؟! هي المقامات جرى لها إيه في الدنيا؟!”


مدحت صرخ فيها بعصبية هزت الخط:


* “اخرسي يا سعاد! قسماً بالله أنا مبقتش طايق أسمع صوتك. المقامات عند ربنا بالقلوب النظيفة، مش بالدهب اللي أنتي شحتاه من عرق جبيني وتعايري بيه الناس. صباح وبنتها برقبتك.. وفلوسهم هتوصلهم يعني هتوصلهم، وأنتي مالكيش كلمة عليا.”



سعاد زعقت بأعلى صوتها:


* “مش هتوصل! أنا مش هسمح لصباح ترفع راسها عليا وتتمنظر بفلوس جوزي.. لو بعت لها مليم واحد يا مدحت، لا أنا ولا عيالك هنقعد لك في البيت ده، وهقلبها حريقة على الكل!”


مدحت رد ببرود قاتل:


* “أعلى ما في خيلك اركبيه يا سعاد.. والبيت ده ميبقاش بيت مدحت لو الظلم فضل جواه.” وقفل السكة في وشها للمرة التانية.


### زيارة النار والغل


سعاد الحقد عماها تماماً، مأستحملتش تقعد في مكانها. لبست عبايتها ونزلت بسرعة متجهة للحارة الضيقة، الدم كان بيغلي في عروقها وعايزة تفش غلها في صباح.


وصلت للحارة، ودخلت بيت صباح من غير ما تخبط، زقت الباب برجليها ودخلت الصالة الصغيرة وهي بتصرخ:


* “أهلاً يا ست صباح! أهلاً يا شيخة جوامع، يا اللي عاملة نفسك غلبانة ومكسورة الجناح وأنتي عقربة من تحت لِتحت!”


صباح وقفت مذهولة، ونورا جريت وقفت جمب أمها بخوف. صباح قالت بهدوء ووجع:


* “في إيه يا سعاد؟ داخلة البيت كدة ليه وعايزة إيه تاني؟ مش كفاية اللي عرفناه؟”


سعاد قربت منها وعينيها بتطلع شرار:


* “عرفتوا إيه يا أم ديل؟ فاكرة نفسك شاطرة لما شغلتي بنتي ‘منة’ جاسوسة عليا وخليتيها تلطش الكلام وتنقله لأبوها في أستراليا؟ فاكرة لما تتمسكني لمدحت وتاخدي الـ 5000 جنيه إنك بقيتي هانم؟ لأ يا حبيبتي.. فوقي لنفسك، أنتي لسه صباح الشقيانة، وبنتك دي أخرها دبلوم زي ما قولتلك، مش هتوصل لمستوى عيالي أبداً!”


نورا بكت من القهر وقالت:


* “حرام عليكي يا خالتي.. إحنا عملنا لك إيه؟ إحنا عمرنا ما طلبنا من بابا مدحت حاجة، هو اللي كان بيبعت من نفسه وأنتي اللي كنتي بتاكلي حقنا!”


سعاد رفعت إيدها وشاورت في وش نورا بحقد:


* “اخرسي يا بت أنتي، متتكلميش معايا.. الفلوس دي فلوس جوزي أنا، وشقا عمري أنا وعيالي. الدهب اللي في إيدي ده أنا أولى بيه من ملازمك ودروسك الخصوصية.. والله يا صباح لو لمستي قرش واحد من فلوس مدحت، لأكون مخربة الدنيا فوق دماغك ودماغ بنتك، وهخلي الحارة كلها تتفرج عليكي!”


صباح بصت لأختها ونظرة الشفقة ظهرت في عينيها رغم الوجع، وقالت بكرامة:


* “أنا مش هرد عليكي يا بنت أبويا.. أنا هسيبك لربنا اللي كشفك من فوق سبع سموات من غير ما أفتح بوقي. الفلوس اللي جوزك هيبعتها دي حق بنتي اليتيمة اللي أنتي استكترتيه عليها.. وامشي برة بيتي يا سعاد، ماليش أخت بالغل ده.”


سعاد ضحكت بـغل وقالت وهي خارجة:


* “ماشي يا صباح.. الأيام بيننا، وهنشوف الـ 5000 جنيه دول هتنفعك ولا هتكون سبب في خراب بيوتنا كلنا!”



رجعت سعاد شقتها، وهي بتخطط لشر جديد.. مكنتش تعرف إن مدحت في أستراليا مأكتفاش بالمكالمة، وإنه أخد قرار حاسم بخصوص “الدهب” والشقة، وقرر ينفذه فوراً عن طريق محامي في مصر!


#الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى إيه المفاجأة القانونية اللي مدحت بيحضرها لسعاد عشان يكسر حقدها؟ وهل سعاد هتقدر تمنع الفلوس عن صباح بنفوذها؟ ونورا هتعمل إيه في دراستها وسط التهديدات دي؟


النفوس اتكشفت، والحقد أعمى القلوب.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


 



مرت أيام قليلة، وكانت الشقة الواسعة تغلي بالحقد والتوتر، وسعاد لا تزال تتوعد أختها وابنتها “منة” التي رفضت العودة إلى البيت واختارت البقاء في حضن خالتها صباح. لكن سعاد لم تكن تعلم أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن قطار المفاجآت قادم من أستراليا بأقصى سرعة.


وفي صباح يوم شديد الحرارة، كانت سعاد تجلس في الصالة، تخطط لكيفية قطع الطريق على الأموال التي وعد بها مدحت شقيقتها. وفجأة، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب الخارجي!


انخلع قلبها من مكانها، ووقفت مذهولة وهي تنظر للباب الذي فُتح ببطء، ليدخل منه رجل بجسد منهك وعينين يتطاير منهما شرر الغضب.. إنه “مدحت”! نزل من أستراليا فجأة وبدون أي مقدمات أو اتصال.


سعاد تراجعت خطوتين للخلف والدم هرب من وجهها، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها المرتجفتين:


* “مدحت؟! حمد الله على السلامة يا خويا.. جيت إمتى؟ ومقولتليش ليه عشان أجهز لك البيت وأعمل لك لقمة تاكلها؟”


مدحت أغلق الباب خلفه بقوة هزت الجدران، ورمى حقيبته الصغيرة على الأرض، ونظر إليها بنظرة مليئة بالاحتقار والغل المكبوت طوال رحلة الطيران، وقال بصوت جهوري زلزل الشقة:


* “آكل لقمة من إيدك يا سعاد؟! لقمة مغموسة بحق اليتيمة ودموع أختك الشقيانة؟! أنا نزلت عشان أطهر بيتي من السواد والسرقة اللي عيشتيني فيهم وأنا مغمى العين في الغربة!”


### خناقة كسر العظام


سعاد حاولت تتماسك ورجعت لبجاحتها وعقدت إيديها وقالت بنبرة حادة:


* “جرى إيه يا مدحت؟ أنت نازل من آخر بلاد المسلمين عشان تتخانق معايا وتكدبني عشان خاطر صباح؟ أيوا يا سيدي، كنت بديها 750 جنيه بس، والـ 5000 جنيه كتير عليها وعلى بنتها! أنا وفرت فلوسك وجبت بيها دهب لعيالك.. هو ده جزائي إني بحافظ على قرشك وشقا عمرك؟!”


مدحت قرب منها لدرجة أن أنفاسه الغاضبة كانت تلفح وجهها، وصرخ بصوت جعل الجيران يستمعون:


* “أنتي بتحافظي على قرشي؟! أنتي بتسرقيني وتسرقي أختك! أنا اللي كنت بشقى في برد أستراليا وبشتغل ورديتين عشان أبعت القرش، وأقول ربنا هيسترها معايا عشان خاطر البنت اليتيمة اللي بكفلها.. تقومي أنتي تقطعي صلة الرحم وتذلي أختك الكبيرة اللي ربتك؟ تعايريها بفقرها وشقاها في البيوت؟! وتقولي لبنتها خليكي في الدبلوم؟ أنتي إيه يا شيخة؟ معندكيش دين؟ معندكيش رحمة في قلبك؟!”


سعاد زعقت وهي بتشاور على الغوايش اللي لسه في إيدها:


* “أيوا مش هتاخد مليم! وعيالي أولى بالذهب ده والشقة دي! صباح وبنتها مش من مستوانا، ومش هسمح لك تضيع شقاك عليهم.. أنا مراتك وأم عيالك، والفلوس دي حقي وحق عيالي، والدهب ده بتاعي ومش هفرط فيه!”



هنا انطلقت ضحكة مدحت المليئة بالقهر والسخرية، ومد إيده في جيبه وأخرج حافظة أوراقه، ورمى في وجهها مجموعة من المستندات القانونية:


* “بتاعك؟ الدهب ده والشقة دي بتاعتك يا سعاد؟ طب اقري الأوراق دي كويس.. الشقة دي اللي كانت باسمك، أنا لغيت التوكيل اللي كنت عاملهولك من أستراليا، ورفعت دعوى استرداد، والمحامي بتاعي هنا في مصر جهز كل حاجة.. الشقة دي هتدخل في بيت الطاعة لو ملمتيش نفسك، والدهب اللي في إيدك ده.. أنا هحجز عليه بالقانون لأن الفلوس دي فلوسي وبحسابات البنك اللي كنت ببعتها باسمك عشان توصليها لصباح وبنتي منة!”


### الانهيار الشديد


سعاد نزلت على الأرض تجمع الأوراق وإيدها بترتعش، قرت الكلام وحست إن الدنيا بتلف بيها، مدحت جاي يهد المعبد فوق دماغها. صرخت بنواح وعياط:


* “بتخرب بيتك يا مدحت؟ بتهد عز عيالك عشان خاطر صباح؟ والله ما هسكت، هفضحك وسط المنطقة وأقول إنك جاي تظلمني وتطردني من بيتي!”


مدحت وطى عليها وبص في عينيها بثبات حاسم:


* “افضحي.. الحارة والمنطقة كلها عارفة إنك أكلتي حق أختك الأرملة، والكل بيتكلم على جبروتك. بنتي ‘منة’ اللي طردتيها هي اللي صانت شرفي وقالت لي الحقيقة، وأنا من بكبكرة الصبح هروح لبيت صباح، هبوس راسها وأعتذر لها، والـ 5000 جنيه بتوع السنة اللي فاتت كلهم هيدفعوا ليها كاش وحالاً.. وأنتي يا سعاد، مالكيش عيش معايا ولا ليكي كلمة في البيت ده لحد ما أشوف هعمل فيكي إيه!”


سعاد قعدت على الأرض والغل بياكل في قلبها، الـ 2000 دولار طاروا، وعرشها اتهز بجد، ومدحت واقف قدامها زي السيف القاطع مش راضي يلين ولا يسامح، وحقدها على صباح زاد أضعاف وأضعاف لأنها شافت إن أختها هي السبب في كل اللي بيجرى لها.


الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى مدحت هيعمل إيه لما يروح لبيت صباح؟ وسعاد وهي قاعدة في الشقة المهددة بالضياع، إيه الكارثة أو المصيبة اللي هتعملها عشان تنتقم من أختها وبنتها بعد الخناقة دي؟


الخيوط تشابكت على الآخر، والنار بدأت تحرق الأخضر واليابس.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


### الجزء السادس: رصاصة الفراق


لم تنم سعاد تلك الليلة، كانت تجلس في زاوية الصالة وعيناها حمراوان من كثرة الغل والبكاء، تراقب زوجها مدحت الذي كان يجلس على المقعد المقابل وعيناه لا تفارقانه، وكأنه يحرس مغارة من اللصوص. لم يكن هناك أي مجال للتراجع في عيني مدحت؛ فقد اتخذ قراره وحزم أمره.


مع أول خيط من خيوط الفجر، وقف مدحت وارتدى جلبابه الصعيدي الأصيل الذي يعتز به، وبصوت يشبه قصف الرعد قال لها:



* “هاتي الدهب يا سعاد.. والفلوس اللي في الخزنة هنا اللي كنت ببعتها لك بالدولار وتغيريها بالمصري وتكنيزيها.”


سعاد وقفت وجسدها يرتعش، وحاولت المماطلة والصراخ:


* “مش هدي لك حاجة! ده شقايا وتدبيري، الدهب ده بتاعي وبتاع عيالي، مش هتاخده وتديه لصباح وبنتها!”


مدحت اقترب منها خطوة واحدة، وكانت نظرته كفيلة بإسكاتها، وقال بنبرة هادئة لكنها مرعبة:


* “أنا مش هسيب في بيتي قرش واحد حرام مغموس بدموع يتيمة. الدهب ده اتشرى بفلوس الأمانة اللي خنتيها.. هاتي الدهب والفلوس بالذوق، بدل ما أطلب لك البوليس والمحامي واقف برة على السلم ومعاه محضر إثبات حالة بالسرقة وخيانة الأمانة.. اختاري يا بنت الأصول!”


### تجريد الحقد


سعاد شعرت بأن الحصار اشتد حول رقبتها. بكت بنحيب وقهر وهي تخلع الغوايش من يديها واحدة تلو الأخرى، وكل غويشة تتخلع كانت كأنها قطعة تنزع من قلبها المليء بالحقد. رمت الذهب على الطاولة، ثم توجهت إلى الدولاب وأخرجت علبة قطيفة فيها ما تبقى من أموال الدولارات والمصري التي كانت تحرم منها أختها وتكنزها للزمن.


وضعت كل شيء أمام مدحت وهي تنظر إليه بغل أعمى وتقول:


* “أهو.. خدت كل حاجة! ارتحت؟ هتروح بقى ترميهم تحت رجلين صباح والبت بنتها؟ مبروك عليك الشحاتين يا مدحت! بس افتكر إنك بتخرب بيتك بإيدك.”


مدحت جمع الذهب والأموال ووضعهم في حقيبته ببرود تام، ثم نظر إليها ونظرة القرف تملأ عينيه:


* “أنا مبخربش بيتي.. أنا بنظفه من النجاسة والغل. والبيت ده ملوش قعدة معاكي تاني.”


مدحت أخرج هاتفها من جيبها ورماه بجانبها، ثم وقف في منتصف الصالة الشاسعة، وقال بكلمات حاسمة خرجت كالرصاص الذي لا يرحم:


* “أنتي خنتي الأمانة، وأكلتي حق اليتيم، وعايرتي أختك بفقرها، وعلمتي بنتك الغش لكنها طلعت أنظف منك.. ست بالسواد والحقد ده متلزمنيش ولا تشرفني تكون أم لعيالي في الغربة.. يا سعاد، أنتي طالق.. طالق بالتلاتة، ومالكيش عندي غير هدومك اللي عليكي، وأوراقك هتوصلك لبيت أبوكي!”


### زلزال في الحارة


نزلت الكلمة على سعاد كالصاعقة التي شلت حركتها. وقعت على ركبتيها تصرخ وتلطم وجهها، لكن مدحت لم ينظر خلفه. أخذ الحقيبة وخرج من الشقة الواسعة التي أصبحت فجأة باردة ومظلمة، وتركها وحيدة مع حقدها الذي أكل الأخضر واليابس.


نزل مدحت وتوجه مباشرة إلى الحارة الضيقة، حيث كان البيت الصغير لصباح يمتلئ بالدفء والنظافة رغم الفقر. عندما وصل، وجد ابنتيه منة ونورا جالستين مع صباح حول صينية فطور بسيطة.



أول ما رأته صباح، وقفت ترحب به:


* “أهلاً يا ابن الأصول.. حمد الله على السلامة يا مدحت يا خويا، نورت مصر ونورت بيتك الصغير.”


مدحت دخل والدموع غلبت عينيه، وضع الحقيبة على الطاولة وانحنى وقبل رأس صباح أمام الجميع وقال بصوت مخنوق:


* “سامحيني يا أم نورا.. حقك وحق البنت اليتيمة في رقبتي ليوم الدين. الحقيبة دي فيها كل الذهب والفلوس اللي سعاد سرقتهم منكم بقالها سنة.. ده حقكم بالمليم، وفوقهم مصاريف دروس نورا لحد ما تخلص الجامعة وتطلع دكتورة وتشرفنا كلنا.”


صباح بكت من الفرحة والذهول، ونورا ومنة عانقتا بعضهما والدموع في أعينهما. لكن صباح نظرت لمدحت بقلق وقالت:


* “كتر خيرك يا أصيل.. بس سعاد فين؟ وأنت عملت إيه معاها؟ أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيت أختي يا مدحت.”


مدحت تنهد وقال بحسم:


* “سعاد خربت بيتها بنفسها يا صباح.. سعاد مبقتش مراتي، أنا طلقتها تروح تدور على الدهب والعز في بيت أبوها، والشر اللي زرعته حصدته النهاردة.”


وفي تلك اللحظة، في الشقة الراقية، كانت سعاد تلملم ملابسها والغل يعمي بصيرتها، ولم تكن تفكر في الطلاق قدر ما كانت تفكر في طريقة واحدة لتدمير فرحة صباح وبنتها، والانتقام من مدحت الذي جردها من كل شيء!


#الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى سعاد هتعمل إيه بعد ما اطلقت واتأخد منها كل الفلوس والدهب؟ هل هتلجأ لأهلها عشان تقلبهم على مدحت وصباح؟ وإيه الخطوة الجاية اللي مدحت هيعملها عشان يؤمن مستقبل بناته ونورا؟


الخيوط وصلت لذروتها، والزمن دار دورته كاملة.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


 



### الجزء السابع: عرض غير متوقع


مرت عدة أشهر على تلك الليلة العاصفة. سعاد عادت إلى بيت أهلها جريرة الخيبة والحقد، تجتر مرارة الهزيمة والطلاق بعد أن جُردت من كل شيء. أما في الحارة الضيقة، فقد تبدلت الأحوال؛ تسلمت صباح حقوقها كاملة، وبدأت “نورا” دروسها الثانوية بهمة وعزيمة، يملأ قلبها الأمل في غدٍ أفضل، بينما كانت “منة” تجد في بيت خالتها الحنان والدفء الذي حرمت منه في بيت أمها.


مدحت لم يسافر فوراً إلى أستراليا، بل قرر البقاء في مصر لفترة لترتيب الأوراق وتأمين حياة بناته. وخلال هذه الأشهر، كان يراقب صباح عن قرب؛ رأى فيها الأصالة، عفة النفس، والقلب النظيف الذي يربي بحب ويصون الأمانة. رأى كيف احتضنت ابنته “منة” ولم تفرق بينها وبين ابنتها نورا، وكيف كانت تدعو لـ سعاد بالهداية رغم كل ما فعلته بها.


وفي يوم، ارتدى مدحت جلبابه وذهب لزيارة صباح في بيتها الصغير. جلس في الصالة، وكانت نورا ومنة تذاكران في الغرفة المجاورة. وضعت صباح أمامه كوب الشاي بابتسامتها المعهودة وقالت:


* “نورت يا أبو العيال.. الشاي يظبط الدماغ، قولي، خلصت ورق السفارة والرحلة الجاية لأستراليا؟”


مدحت نظر إلى كوب الشاي، ثم رفع عينيه ونظر لـ صباح بنظرة طويلة مليئة بالاحترام والتردد، وقال بنبرة هادئة ورزينة:


* “يا أم نورا.. أنا بقالي كام شهر قاعد هنا، وشايف كل حاجة بعيني. شايف الست الأصيلة اللي بجد، اللي شالت بنتي وصانت غيبتي ودعت بالخير للي ظلموها.”


صباح خفضت عينيها بخجل وقالت:


* “ده حق الله يا مدحت يا خويا، منة بنت أختي وهي في مقام نورا، وأنت راجل أصيل ومفيش بيننا غير كل خير.”


تنحنح مدحت، وأخذ نفساً عميقاً، ثم قال الكلمات التي لم تكن صباح تتوقعها أبداً:


* “عشان كدة يا صباح.. أنا جاي النهاردة وأنا كلي عشم في كرمك وأصلك. أنا عايز أطلب إيدك للجواز.. عايزك تكوني مراتي على سنة الله ورسوله، وتكوني أم لبناتي في الحلال، وناخدهم كلهم ونسافر أستراليا نفتح صفحة جديدة نظيفة مفيهاش غل ولا سواد.”


### الصدمة والموقف


صباح تراجعت للخلف والذهول ألجم لسانها، سقطت يدها على الطاولة ونظرت إليه وعيناها متسعتان من الصدمة:


* “أنت بتقول إيه يا مدحت؟! أتجوزك؟ أتجوز جوز أختي؟! لا يا خويا، حاشا لله.. سعاد رغم كل اللي عملته هي أختي ومن دمي، والناس برة يقولوا إيه؟ يقولوا صباح خطفت جوز أختها وقعدت في مكانها؟!”


مدحت هز رأسه برفض وتحدث بحسم الوجع:


* “سعاد مبقتش مراتي يا صباح، سعاد طالق بالتلاتة والصفحة دي انطوت وماتت. أنا مش بدور على واحدة تقعد مكان حد، أنا بدور على ست بيت تصون شرفي وتربي عيالي. أنتي أرملة بقالك سنين وشيلتي الحمل لوحدك، وأنا راجل غريب في بلاد الغربة ومحتاج الست الأصيلة اللي تشيل معايا.. البنات هنا بقوا زي الأخوات، ومنة بتموت فيكي.. فكري يا صباح، متظلميش نفسك وتظلمينا معاكي عشان كلام الناس.”


في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة المجاورة، وخرجت منه نورا ومنة والدموع في أعينهما. منة جريت على خالتها صباح وارتمت في حضنها وقالت بنحيب:


* “وافي يا خالتي عشان خاطري.. أنا نفسي تكوني أمي بجد، ونفسي نعيش كلنا مع بابا ومتبعديش عننا.”


ونورا هزت رأسها بالموافقة وقالت:


* “يا أمي.. عمو مدحت راجل طيب وصاننا في غيبته وفي حضوره، والزمن ده ميهمناش فيه كلام الناس قدر ما يهمنا الأمان.. وافقي يا أمي.”


صباح نظرت للبنتين، ثم نظرت لمدحت والدموع حائرة في عينيها. كانت الحيرة تنهش قلبها؛ بين كرامتها وخوفها من كلام الناس وحقد أختها، وبين الأمان الذي يعرضه عليها راجل شريف تمنى الكل رضاها.


### نيران الحقد تشتعل مجدداً


لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن..


في بيت أهل سعاد، كانت إحدى الجارات قد استمعت بالصدفة لحديث منة مع صديقتها في الشارع عن عرض الزواج، وطارت بالخبر إلى سعاد!


عندما علمت سعاد بالخبر، تحول وجهها إلى كتلة من السواد والجنون. قامت تكسر في أثاث الغرفة وتصرخ كالذبيحة:


* “تتجوزه؟! صباح الشحاتة تاخد مدحت وتعيش بالـ 2000 دولار في أستراليا؟! تقعد في عزي وتاخد مكاني؟! والله ما هسيبهم يتنعموا.. لو الجوازة دي تمت، هحرق الحارة كلها ودم صباح وبنتها هيكون على إيدي!”


الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى صباح هترفض العرض خوفاً من الفتنة وكلام الناس؟ وإيه الكارثة اللي سعاد بتخطط ليها بعد ما عرفت بالخبر عشان تمنع الجوازة دي؟ وهل مدحت هيقدر يحمي صباح والبنات من جنون سعاد؟


الخيوط تشابكت ونار الانتقام بدأت تلتهم العقول.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


### الجزء الثامن: وعد الغربة والأمان


كانت الدموع لا تزال حائرة في عيني “صباح”، والكلمات تائهة على شفتيها بعدما ألجمتها المفاجأة. نظرت إلى بنتها “نورا” وابنة أختها “منة” وهما متمسكتان بعباءتها وكأنها طوق النجاة الأخير لهما في هذه الدنيا، ثم التفتت إلى “مدحت” وقالت بصوت متهدج يملأه الخوف من كلام الناس:


* “يا مدحت يا خويا.. العين مبتعلاش عن الحاجب، وسعاد مهما كان أختي ومن دمي. الناس في الحارة والمنطقة مش هيرحموني، هيقولوا أكلت من خير جوز أختها وهي على ذمته، ولما طلقها خذت مكانه وقعدت في حجر جوزها! أنا ست عاشت بشرفها وبتحافظ على سمعة بنتها اليتيمة.. الجوازة دي صعبة، صعبة قوي يا ابن الأصول.”


مدحت أخذ نفساً عميقاً، وظهرت على وجهه أمارات التصميم والإصرار، واقترب خطوة وهو ينظر إليها بعينين مليئتين بالصدق والأمان، وقال بنبرة قوية حاسمة لتطمين قلبها:



* “اسمعيني يا صباح.. أنا عامل حساب لكل كلمة وكل نظرة ممكن تتوجه ليكي، وعارف إن القعدة هنا في الحارة والمنطقة بعد الكلام ده هتبقى صعبة. عشان كدة أنا مش عايزك تقعدي هنا ولا يوم واحد بعد ما نتجوز.. أنا هاخدلك شقة تانية خالص، مكان بعيد عن الحارة وعن عيون الناس وعن حقد سعاد وأهلها، شقة تليق بيكي وبعزك الجديد، تقعدي فيها مع نورا ومنة وباقي أولادي معززة مكرمة.”


صباح رفعت رأسها ونظرت إليه باستماع، فتابع مدحت وعيناه تلمعان بالأمل:


* “أنا هكتب كتابي عليكي في السر والعلن بما يرضي الله، وأوفرلكم الشقة البعيدة دي، وبعدها بأيام هسافر أنا على أستراليا عشان أظبط أوراق الإقامة والزيارة هناك. أول ما أموري تجهز والورق يخلص، هبعتلك تذاكر السفر وتيجي تعيشي معايا في أستراليا.. أنتي وبنتك نورا وأولادي كلهم! هنقفل ورا بلاد الغربة كل السواد، والـ 2000 دولار اللي كانت سعاد بتكنزهم بالغل، هنعيش بيهم في عز وخير هناك، وتربي العيال في هدوء ونظافة.. قولي قبلت يا بنت الأصول وشيلي الحمل معايا.”


### لحظة الاختيار


منة ونورا نظرتا إلى صباح بعيون تترجى الموافقة، وقالت منة وهي تبكي:


* “وافقي يا خالتي.. المكان البعيد ده هيكون أمان لينا من غل أمي، وأستراليا هتبقى البداية اللي بنحلم بيها.. متسبيناش بالله عليكِ.”


صباح نظرت إلى السقف، وتذكرت سنوات شقائها، وتذكرت كيف أكلت سعاد حق ابنتها اليتيمة، وكيف من الله عليها برجل أصيل مثل مدحت ليعيد لها كرامتها ويسند زير حياتها المخروم. أخذت نفساً طويلاً، ومسحت دموعها بطرف عباءتها، وقالت بصوت يرتجف من الثقة:


* “مادام فيها سفر ومكان بعيد يا مدحت، ومادام هلم عيالك في حضني وأصون شرفك.. يبقى توكلنا على الله، وأنا قبلت أكون ليك زوجة صالحة وسند في الدنيا.”


الفرحة ملأت البيت الصغير، ونورا ومنة احتضنتا بعضهما بزغاريد مكتومة بفرحة طال انتظارها. وبدأ مدحت فوراً في إجراءات البحث عن الشقة البعيدة لتأمين صباح والبنات قبل سفره.


### بركان الغل المستعر


لكن في الجانب الآخر من المدينة، في بيت أهل سعاد، كانت النار تأكل الأخضر واليابس في صدرها. الجارة التي نقلت لها خبر عرض الزواج، عادت لتنقل لها الصاعقة الجديدة:


* “الحقي يا سعاد! ده مدحت بيشتري لصباح شقة في مكان راقي وبعيد، وبيجهز عشان يكتب كتابها وياخدها هي وبنتها وعيالك ويسافروا بيهم كلهم على أستراليا وعيشوا في العز هناك!”


سعاد صرخت صرخة هزت أرجاء البيت، وعيناها جحظتا وحقدها وصل لدرجة الجنون، وقالت بنبرة مرعبة وعروق وجهها ناطقة بالشر:



* “يسافروا أستراليا؟! الشحاتة صباح تاخد مكاني وتسافر بلاد برة وتعيش في عزي؟! والله ما هيحصل! لو فيها موتي وموتها وموت الكل، الجوازة دي مش هتم، والسفرية دي هتتقلب جنازة!”


مسكت سعاد عباءتها ونزلت الشارع وهي تجري كالمجنونة، متجهة إلى مكان لا يعرفه أحد، لتبحث عن شر مستطير تخطط لزرعه في طريق أختها ومدحت قبل أن يدخلوا الشقة الجديدة!


#الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى إيه المصيبة السوداء اللي سعاد ناوية تعملها عشان تبوظ الجوازة والسفر؟ وهل مدحت هيحق حلم الأمان لصباح والبنات وينقلهم للشقة البعيدة في الوقت المناسب؟ ونار الحقد دي هتحرق مين في النهاية؟


الخيوط تشابكت تماماً والشر واقف على الأبواب.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم!


 



### الجزء التاسع: نبض الأصالة


مرت الأيام سريعة كأنها تسابق الزمن، وبفضل الله وحسم “مدحت”، تم عقد القران وسط فرحة صامتة ومباركة من بناته و”نورا” التي شعرت لأول مرة أن لها ظهراً يستند إليه في هذه الدنيا. لم ينتظر مدحت يوماً واحداً في الحارة؛ بل نفذ وعده فوراً، ونقل “صباح” والبنات إلى الشقة الجديدة الواسعة في منطقة هادئة وبعيدة تماماً عن العيون وعن نيران حقد “سعاد”.


في هذه الشقة الشرح التي تشرح القلب، عاشت صباح وبناتها في سلام وأمان لم تذقه منذ سنوات. نورا تفرغت لدروس الثانوية العامة براحة بال، ومنة كانت تنام في حضن خالتها وهي تشعر بالأمان الذي افتقدته طويلًا. أما مدحت، فكان يقضي أيامه الأخيرة في مصر ينهي أوراق السفر والإقامة لأستراليا، والابتسامة لا تفارق وجهه وهو يرى بيته الجديد ممتلئاً بالبركة والنظافة.


وفي ليلة هادئة، سبقت سفر مدحت بأيام قليلة، كان الجميع يجلسون في الصالة يتناولون العشاء في أجواء يملأها الهدوء والسكينة. وبعد أن نامت البنات، جلست صباح بجانب مدحت، ونظرت إليه بنظرة ممتنة، ثم قالت بنبرة هادئة تملأها طيبة القلب المصرية الأصيلة:


* “بقولك إيه يا مدحت يا خويا.. ربنا يعلم إن الشقة دي والعيشة اللي أنا فيها دلوقتي كتير عليا، والفضل ليك بعد ربنا في صون كرامتي وكرامة بنتي.”


مدحت ابتسم وطبطب على إيدها:


* “ده حقك يا أم نورا، أنتي مراتي وصاينة بيتي وعيالي، والخير اللي إحنا فيه ده ببركة نيتك النظيفة.”


صباح أخذت نفساً عميقاً وقالت بتردد وصوت حنون:


* “عشان نيتي تفضل نظيفة يا ابن الأصول.. وعشان ربنا يبارك لنا في خطوتنا الجاية وسفرنا لأستراليا، أنا كان ليا عندك رجاء.. وعارفة إن قلبك كبير ومش هيردني.”


مدحت نظر إليها بانتباه:


* “قولي يا صباح، رقبتي ليكي، في إيه؟”


وقعت الكلمات من فم صباح كبلسم يداوي جراح الماضي، وقالت:


* “سعاد يا مدحت.. مهما عملت فيا ومهما حقدت، هي أختي الكبيرة، من دمي ولحمي، وبنت أبويا وأمي. هي دلوقتي قاعدة في بيت أهلها مطلقة، مكسورة الجناح ومفيش معاها مليم من الدهب والفلوس اللي اتأخدت منها. أنا قلبي مش مطاوعني أسافر وأسيبها لظروف الزمن.. إيه رأيك يا مدحت، لو نطلع ليها كل أول شهر 5000 جنيه مساعدة؟ نفس المبلغ اللي أنت كنت بتبعتهولي زمان وهي كانت بتاكله.. نديهولها عشان تستر نفسها ومتحتاجش لحد، والخير كتير والـ 2000 دولار فيهم البركة.”


### صدمة ابن الأصول


مدحت صدم من رجاء صباح، ونظر إليها بذهول ممزوج بالإكبار والاجلال. الست اللي أختها عايرتها بفقرها، وطردتها، وأكلت حقها وحق بنتها اليتيمة.. هي نفس الست اللي النهاردة في عز نصرها وعزها، بتطلب تمد إيدها بالخير وتساعدها وتديها 5000 جنيه كاملين!



مدحت تنهد وقال بصوت مليان إعجاب:


* “يااااه يا صباح! أنتي إيه يا شيخة؟ كل السواد والغل اللي شفتيه منها، ولسه بتفكري في سترها وتطلبي لها مساعدة؟ دي كانت ناوية تخرب بيتنا!”


صباح ابتسمت والدموع في عينيها:


* “الشر مبيتمحيش بالشر يا مدحت، الشر بيتمحي بالخير. ربنا يسامحها ويهديها لنفسها، وإحنا مش هننقص حاجة.. القرش اللي هيروح لها هيدفع عننا وعن البنات بلاوي كتير في بلاد الغربة.. وافق يا مدحت عشان خاطري.”


مدحت قبل يدها وقال بحب واحترام:


* “موافق يا أصيلة.. مادام ده هيريح قلبك النظيف، الـ 5000 جنيه هيوصلوا لبيت أهلها كل أول شهر من وراها ومن غير ما تعرف إنهم منك، عشان كرامتها.. ربنا يباركلي فيكي يا بنت الأصول.”


### في الجانب الآخر: حيرة الحقد


وفي نفس اللحظة، في بيت أهل سعاد.. كانت سعاد قاعدة في أوضتها المظلمة، الغل لسه بياكل في قلبها، لكن جواها كان فيه حيرة غريبة. كانت مستنية أي خبر عن جواز مدحت وصباح عشان تنفذ تهديدها وتحرق فرحتهم، لكنها تفاجأت إنهم اختفوا تماماً ومحدش في الحارة يعرف مكانهم الجديد.


وفجأة، الباب خبط، وأخوها دخل الأوضة ومعاه مغلف مقفول، رماه في حجرها وقال باستغراب:


* “خدي يا سعاد.. في واحد غريب خبط على الباب وساب الجواب ده ومشي، وقال إن ده مبلغ 5000 جنيه هيوصلك كل أول شهر مساعدة لظروفك، ومألوش مين المرسل!”


سعاد فتحت الجواب ولقت الفلوس، وبقت باصة ليهم بذهول وصدمة.. مكنتش تعرف إن الفلوس دي جاية من إيد أختها صباح اللي استكترت عليها الـ 750 جنيه!


#الكاتب_رومانى_مكرم


يا ترى سعاد لما تعرف إن الفلوس دي من صباح ومدحت، هتقبلها وندمها يصحى؟ ولا حقدها هيعميها أكتر وتعتبرها إهانة وتدور على مكانهم عشان تنتقم؟ ومدحت وصباح هيسافروا أستراليا في سلام؟


الخيوط بتقترب من النهاية، والنفوس بتتحط في أصعب اختبار.. واستنوا تشبّك الخيوط في الجزء القادم والأخير!


### الجزء العاشر: تذاكر الخلاص


مرت الأسابيع سريعة ومحملة بالخير، وجاء اليوم الموعود الذي انتظرته العائلة طويلاً. في الشقة الجديدة الهادئة، كانت الحقائب الكبيرة مرصوصة في الصالة، وجوازات السفر وتذاكر الطيران المتجهة إلى سيدني بأستراليا موضوعة على الطاولة، تلمع تحت ضوء الصالة وكأنها صكوك الخلاص والأمان.


أنهى “مدحت” كافة إجراءات السفر والإقامة لزوجته “صباح” وابنتها “نورا” وجميع أولاده، بما فيهم “منة” التي كانت تطير من الفرحة وهي ترى حلم العيش في سلام مع والدها وخالتها يتحقق. نورا كانت تحتضن كتبها وملازم الثانوية العامة، بعد أن رتب لها مدحت كل شيء لتكمل دراستها هناك في أرقى المدارس، وتستعد لتحقيق حلمها بأن تصبح دكتورة.



وقفت صباح وسط الصالة، نظرت للشقة التي شهدت أيام زواجها الهادئة، ثم نظرت لمدحت وقالت والدموع تترقرق في عينيها:


* “مش مصدقة يا مدحت يا خويا.. رجل برة ورجل جوة، والطيارة فاضل عليها ساعات.. سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال! كنا فين وبقينا فين!”


مدحت ابتسم واقترب منها، مسك إيدها بحنان وقال:


* “ربنا مب يضيعش حق حد يا بنت الأصول. أنتي صنتي الأمانة ورضيتي بالقليل، فربنا عوضك بالخير كله. أستراليا مستنيانا، وهناك هنبدأ حياتنا من جديد، عيلة واحدة في ضهر بعض، والـ 2000 دولار اللي كانوا هنا بيعملوا مشاكل، هناك هيربوا العيال في أحسن عيشة.”


منة ونورا جريوا عليهم واحتضنوهم، والضحكة صافية وطالعة من القلوب لأول مرة من سنين.


### المواجهة الأخيرة على عتبة السفر


نزل الجميع إلى الشارع، حيث كانت سيارة الأجرة الكبيرة تنتظرهم لتنقلهم إلى مطار القاهرة الدولي. وضع السائق الحقائب في الحقيبة الخلفية، وركبت البنات وهما ينظران من النافذة بشوق للمستقبل.


وقبل أن تركب صباح بجانب مدحت، لمحت من بعيد سيدة تقف على أول الشارع، ترتدي عباءة سوداء دبلانة، ووجهها شاحب وعيناها مليئتان بكسرة غريبة مخلوطة بالذهول.. لقد كانت “سعاد”!


سعاد عرفت بطريقتها موعد السفر، وجاءت لتلقي النظرة الأخيرة. لم تأتِ هذه المرة بالشر أو النار، بل جاءت مكسورة بعد أن علمت بالصدفة من أخوها أن الـ 5000 جنيه التي تصلها كل أول شهر وتستر بيتها، ليست من فاعل خير مجهول، بل هي من عرق جبين مدحت وبأمر وتنازل من أختها صباح!


الدموع نزلت من عيني سعاد وهي تشوف أختها صباح بتركب العربية في طريقها للمطار وللعز، والدهب والـ 2000 دولار اللي اتقاتلت عليهم وطردت أختها بسببهم، بقوا من نصيب الست الطيبة اللي صانت الأمانة.


صباح وقفت، وبصت لأختها سعاد نظرة طويلة.. مكنش فيها شماتة، ولا كان فيها غل، كانت نظرة عتاب حنينة ودعوة بالهداية. أشارت لها بيدها وكأنها تودعها وتسامحها على كل ما فات.


سعاد غطت وشها بإيديها وانفجرت في العياط من الندم والقهر، وحست إن الحقد اللي كان مالي قلبها اتحول لنار أكلت نفسها بس، وضيعت منها جوزها وبنتها وعزها.


### في أعالي السماء


تحركت السيارة نحو المطار، وفي الموعد المحدد، صعدت العائلة إلى الطائرة. ومع إقلاع الطائرة في السماء، نظرت صباح من النافذة إلى بيوت مصر التي تصغر شيئاً فشيئاً، وقالت في سرها: “الحمد لله.. يغني الله من فضله”.


مدحت كان يجلس بجانبها، وبناتهم نائمات في المقاعد الخلفية بسلام، والطائرة تشق السحاب نحو بلاد الغربة، حاملةً معها قلوباً تطهرت من الظلم، ونفوساً انتصرت بالخير والأصالة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

### الجزء الحادي عشر والأخير: حصاد النفوس


دارت الأيام دورتها الكاملة، ومرت سنة كاملة على ذلك اليوم الذي أقلعت فيه الطائرة محلقة في السماء، تاركة خلفها نيران الحقد والظلم، وحاملة قلوباً بيضاء لا تعرف سوى الرضا والأصالة.


في مدينة سيدني بأستراليا، وتحديداً في منزل جميل يطل على مساحات خضراء واسعة تشرح القلب، كانت “صباح” تقف في مطبخها النظيف، تعد الطعام برائحة مصرية أصيلة تملأ الأرجاء. تبدلت ملامحها؛ اختفت آثار الشقاء والكسرة من وجهها، وحلت مكانها نضرة الرضا والراحة والوقار.


فُتح الباب الخارجي، ودخلت “نورا” وهي ترتدي المريلة البيضاء الخاصة بطلاب كلية الطب، وعيناها تلمعان بالفرحة، وبجانبها “منة” التي أصبحت متفوقة في دراستها الثانوية وتعتبر صباح أمها الحقيقية. نورا جرت على أمها واحتضنتها:


* “باركيلي يا أمي! طلعت الأولى في امتحانات الترم الأول، والعميد كرمني النهاردة.”


دموع الفرحة نزلت من عين صباح، وفي نفس اللحظة دخل “مدحت” وباقي الأولاد، وعلت الزغاريد والفرحة في البيت. مدحت نظر لصباح وقال بحب وفخر أمام الجميع:


* “مبروك لينا كلنا يا أم نورا.. الخير والبركة والنجاح اللي في البيت ده كله بسبب دعواتك وبسبب قلبك النظيف اللي دخل حياتنا فملاها ستر وأمان.”


في هذا البيت، لم تكن الـ 2,000 دولار مجرد أرقام تُكنز للزمن بل كانت سبباً في إسعاد العائلة، وبناء مستقبل البنات، وإطعام المساكين، فبارك الله فيها وضاعفها لمدحت في غربته.


### في الجانب الآخر: انكسار وبداية توبة


أما في مصر، وفي حارة أشد ضيقاً من حارتها القديمة، كانت “سعاد” تجلس على سجادة الصلاة في غرفتها ببيت أهلها. لم تعد سعاد تلك المرأة المتبخترة التي تشخلل الغوايش الذهبية في يديها وتنظر للناس بعين التعالي. لقد ذهب الذهب، وطارت الأموال، وخلت يداها من كل زينة الدنيا، لكن قلبها لأول مرة بدأ يتطهر.


كل أول شهر، كان يطرق بابها منديل الأمانة ومعه الـ 5,000 جنيه. في البداية، كانت تأكلها الحسرة والندم وتعتبرها سوطاً يجلد كرامتها، ولكن مع مرور الأيام، كانت هذه الأموال هي السند الوحيد الذي يسترها ويطعمها في كبرها بعد أن تبرأ منها الجميع.


نظرت سعاد إلى جدار الغرفة، وبكت بحرقة، رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوت متهدج:


* “سامحني يا رب.. واغفر لي جشعي وعمايا. وسامحيني يا صباح يا بنت أبويا.. أنا اللي استكترت عليكي الفتات، وأنتي اللي صنتي كرامتي في غيبتك ووكلتيني من خيرك. لولا قلبك النظيف كنت ضعت في الدنيا.”



سعاد عرفت في النهاية أن القيمة مش في كام غويشة دهب في الإيد، لكن القيمة في كام دقة قلب رحيمة بتعرف تسامح وتصون صلة الرحم.


### الحكمة (ختام القصة)


وهنا تنتهي خيوط حكايتنا، وتنكشف المعادن الحقيقية للبشر. إن الدنيا دوارة، ويوم لك ويوم عليك، وما زرعته يداك اليوم تحصده غداً لا محالة.


> **حكمة القصة:**


> “المال لا يصنع المقامات، والذهب لا يستر النفوس العارية من الرحمة. القرش الحرام أو المأخوذ بكسرة قلب يتيم وأرملة يكون ناراً تحرق العش الهادئ وتزلزل العروش ولو بلغت آلاف الدولارات. أما القرش الحلال، المبني على الستر والرضا وجبر الخواطر، فيطرح الله فيه البركة ويفتح له أبواب السماء.”


> لقد ظنت سعاد أن مال زوجها ملكها وحدها، فخسرت المال والزوج والابنة والكرامة. وظنت صباح أن كرامتها وعفة نفسها ستجعلها تموت فقيرة، فرزقها الله من حيث لا تحتسب، ورفع قدرها وصان ابنتها اليتيمة.


> “الشر لا يُمحى بالشر، بل يُمحى بالخير والأصالة.. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.”


>


انتهت الخيوط، وتطهرت النفوس، وعاش من صان الأمانة في سلام.


**تمت الحكاية بفضل الله..**


تعليقات

close