القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 في عز ليلة الروقان

 



في عز ليلة الروقان

 

في عز ليلة الروقان وأنا بكلم خطيبي مكالمة فيديو فيس تايم، لمحته بيبتسم لكرسيّ الفاضي على تربيزة العشاء ويقول بثقة تخوف أنا دايماً بعرف أحافظ على حاجتي واللي يخصني! وهو رافع في إيده الغويشة الألماظ اللي حور عليا وقال إنه لقاها في بيت أهلي.. بس في اللحظة دي بالظبط، وش أمي قلب أصفر زي الليمونة وهمست برعب وهلع حذاري تطلعي صوت!، قمت اتسحبت ل خزنة أوضتي وفتحت علبة الدهب والمجوهرات اللي عمره ما كان المفروض يعرف مكانها ولا يلمحها، والمفاجأة اللي لقيتها جوه الخزنة وقفت الدم في عروقي وشقلبت كل حاجة!

أنا دايماً بعرف أحافظ على حاجتي واللي يخصني!.. طارق قال الجملة دي وهو بيتبسم للكاميرا بتاعة التليفون، والغويشة الألماظ بتتدلدل وبتلمع بين صوابعه. وش أمي في ثانية اتقلب وبقى أبيض زي الجير؛ مش مجرد خضة عادية، لأ، ده بياض مرعب سحب الدفى من الأوضة كلها قبل ما حد يستوعب إيه اللي بيحصل. على الشاشة، عشاء ليلة العيد في بيت أهلي في جاردن سيتي كان طالع ملوش مثيل؛ نور الشموع هادي على التربيزة، كاس العصير بتاع أبويا زي ما هو ملمسهوش، وأختي الصغيرة سارة قاعدة متخشبة جنب فازة الورد. خطيبي طارق كان واقف جنب كرسي الفاضي، شيك، هادي، وراسي كأن مفيش قوة في الدنيا تقدر تهزه أو تلمسه. وأنا، ندى، قاعدة بتفرج عليهم من شقتي في القاهرة، ببيجامة كستور، وحاسة بذنب رهيب لأن الشغل والمطبعة عطلوني ومعرفتش أسافر وأوصل البيت قبل الحلو. كنت لسه هعتذر لهم تاني، بس طارق رفع الغويشة لفوق؛ وقال بنعومة وسلاسة أنا لقيت دي واقعة على أرض الصالون،


شكلها اتزحلقت منك آخر مرة كنتِ هنا.. كانت هتضيع بس الحمد لله لحقتها. الصالة كلها جوه الشاشة اتقلبت لسكوت مريب؛ مش سكوت باهت ولا إحراج، ده كان السكوت الحذر اللي الناس بتعمله لما تكون خايفة تصحي حاجة مؤذية وضلمة جنبها. فك أبويا اتشد وعضلات وشه جزت، وسارة بَصت في طبقها بسرعة، أما أمي، الحاجة نادية، فتبسمت نص ابتسامة ميتة كدة، الضحكة الصفراء اللي الستات بتضحكها لما يكون في ضيوف قاعدين والحقيقة المرة واقفة ورا ضهرهم ومستنية بره. كان لازم آخد بالي من بدري؛ طارق دايماً كان حريف في إنه يقلب السيطرة والتحكم ل حب وحنية. لما جالي عقد شغل محترم في دبي، مقاليش لأ وممنعنيش، هو بس سألني بخبث أنتِ بجد هتقدري تبعدي المسافة دي كلها عني وإحنا لسه بنقول يا هادي؟ ولما كنت بسهر في الجريدة لليل، كان يبعت لي عشاء فاخر للمكتب، وبعدها يسألني بنبرة عادية مين لسه سهران معاكي في الشغل برضه؟ ولما لبست عقد الياقوت بتاع جدتي في حفلة خيري، قال عليه ياخد العقل، بس عينه مكنتش باصة على رقبتي، كانت باصة على القفل؛ على الصياغة، وعلى الطريقة اللي إيدي كانت بتتحرك بيها وتخبيه لما يقرب مني زيادة عن اللزوم. تفاصيل صغيرة، حاجات حلوة في ظاهرها.. زي حبل من قطيفة بدل الباب المقفول ب قفل؛ دي كانت موهبة طارق، يعرف يحط إيده على ضهرك ويحسس الكل إنه بيعشقك ويحميكي، في حين إنك أنتِ بس اللي حاسة ب ضغطة صوابعه وهي بتأمرك تقفي فين وتتحركي إزاي! بس أنا كنت بكدب نفسي وأقول معلش؛ أهو بيغير عليا، أهو بيحبني زيادة، أهو من عيلة تقيلة وناس واصلين

والناس دي بتبقى حريصة في كل خطوة. بس الليلة دي، في حاجة تحت الأرض اتهدت واتشرخت؛ لأنني مكنتش فاكرة أبداً إنني نسيت الغويشة دي في بيت أهلي.. أنا فاكرة كويس قوي إنني شلتها بإيدي وقسّمت عليها! جدتي مكنتش سايبة لي غير حاجات معدودة ولها قيمة؛ حلق لولي، وسلسلة التخرج الذهب، وطقم الياقوت اللي مكنتش بتخلي مخلوق يلمسه، والغويشة الألماظ دي اللي طارق جابهالي في عيد ميلادي. أنا كنت شايلاهم كلهم في علبة قطيفة صغيرة جوه الخزنة المدارية في الحيطة ورا لبسي في الدولاب؛ مش في صالون بيت أهلي، ولا على الأرض، ولا بين صوابعه! قلت له تسلم يا حبيبي إنك أخدت بالك منها.. قلت كدة عشان الكل بيتفرج وعشان الأصول اللي تربيت عليها علمتني أبتسم قبل ما أسأل نفسي هو ليه دمي اتجمد في عروقي كدة؟ ضحكة طارق وسعت وقال أنا دايماً بعرف أحافظ على حاجتي واللي يخصني! الكلمة نزلت على التربيزة زي السكينة؛ مش أنتِ.. حاجتي! سارة أختي لوت بوقها وقالت بس بقى يا طارق وبلاش كلام المحن والسينما ده، شكلنا بقى يكسف بجد. أمي كان المفروض توبخها وتزعق لها، بس م نطقتش! بالعكس، عينيها اتحركت بسرعة؛ وبصت وراء الكاميرا بالظبط، بَصت وراء كتفي في الشاشة وأنا بيني وبينها بلاد ومحافظات، ووشها كله اتقلب في ثانية. من ثانية واحدة كانت هي أمي اللي عازمانا على العشاء، تعبانة بس شيك ومكياجها مظبوط تحت النجف، وفي ثانية تانية بقى وشها زي اللي شاف عفريت واقف على باب الأوضة، رعب مستحيل أم تحسه وهي شايفه بنتها لوحدها في مدينة تانية. إيدها ظهرت في الكادر وقبضت على

حرف تربيزة السفرة بكل قوتها، وهمست ندى! الكل اتسمر في مكانه؛ طارق م رمشلهوش جفن، وعين أبويا راحت عليه ورجعت بسرعة. قلت بقلق أمي؟ في إيه؟ هزت راسها حتة صغيرة قوي؛ نظرة مرعوبة ومكسورة، وقالت وكل حرف طالع منها متكتف كأن حتى الهوا في الأوضة ليه ودان حذاري تطلعي صوت! متتنفسيش، أنتِ سامعاني؟ فروع النور والشموع كانت بتهتز على الشاشة، وفي شقتي، مكنش فيه صوت غير زنة التلاجة. هزيت راسي وأنا مش فاهمة؛ أمي بلعت ريقها وشفت الدموع وهي بتتحبس في عينها بالعافية وقالت أبوكي هيجيلك الليلة دي بالعربية، خليكي جاهزة ومستنياه، ثقي فيا ومتسأليش عن أي حاجة دلوقتي! وفجأة، وكأن في حد سحب التليفون منها خطف، الشاشة اسودت والمكالمة قطعت! فضلت واقفة في مكاني كذا ثانية؛ التليفون في إيدي، ورجلي الحافية على السجادة، ونبضات قلبي بتدق في وداني لدرجة مغطية على صوت زحمة الشارع بره. صوت كلكس تاكسي جه من بعيد، وسرينة إسعاف عدت، وواحد من الجيران بيضحك وراء الحيطة؛ دنيتي كانت عادية جداً، وده كان أرخم وأصعب جزء في الموضوع. كل حاجة حوايا بتقول إن دي حياتي الطبيعية؛ اللاب توب مفتوح على السرير، ومج الشاي النص شرباه على الكومودينو، والجاكت الأحمر اللي كنت هخده معايا مطبق على الكرسي، وشنطتي السوداء واقفة عند الباب فاضية مفيهاش غير جزمتين وكيس المكياج. مفيش حاجة اتغيرت؛ غير إن أمي لسه قايلالي مطلعش صوت، وغير إن خطيبي ماسك في إيده غويشة مش المفروض تكون معاه أصلاً، وغير إن كل بني آدم كان قاعد على التربيزة دي كان بيمثل الهدوء قدام

 

شخص ليه سلطة وقوة وفارض رعب عليهم! قمت وقفت بالراحة؛ مش لأنني عارفة أنا هعمل إيه، بس لأن جسمي أخد القرار وعقلي لسه بيحاول يلحقه. الطرقة كانت أضلم من العادي، وأرض الخشب كانت باردة تحت رجلي. مشيت لحد الدولاب، وزقيت الجواكت والفرو واحد وراء التاني، لحد ما إيدي لمست الباب الحديد الصغير؛ الخزنة المدارية. طارق كان عارف إنني عندي دهب ومجوهرات، طبعاً عارف، الكل عارف من كلام العيلة العادي، بس عمره ما عرف مكانها فين؛ كان سألني مرة وهو بيصب العصير في المطبخ براحة أنتِ شايسة دهب جدتك في مكان أمان ومأمنة عليه يا ندى؟ يومها ضحكت وغيرت السكة، وهو تبسم وسكت. ودلوقتي الابتسامة دي رجعت تلف في عقلي وأنا بلف بكرة الخزنة؛ صوابعي عِفيت واتزحلقت مرتين، وصوت أمي لسه بيرن في وداني حذاري تطلعي صوت! وصورة طارق مش عاوزة تفارقني أنا دايماً بعرف أحافظ على حاجتي واللي يخصني! الخزنة تكت واتفتحت؛ جوه كانت العلبة القطيفة الزرقاء القديمة بتاعة جدتي، أطرافها دايبة وريحتها بخور وعود قديم. مديت إيدي الاتنين وأخدتها؛ كانت أتقل بكتير من العادي! فكرة غبية ومجنونة عدت في عقلي؛ يمكن أنا بيتهيألي؟ يمكن في غويشتين شبه بعض؟ يمكن طارق اشترى واحدة تانية وفاجئني؟ يمكن أمي اتخضت من حد خبط على الباب وبس؟ يمكن الناس اللي بحبهم مبصوش ليا بالنظرة دي عشان يجروني ويهربوني؟ حطيت العلبة على التسريحة؛ الشقة كانت هسس ومفيهاش نفس. تليفوني اللي في إيدي التانية نور برسالة جديدة من طارق ندى يا حبيبتي، متقلقيش من مامتك، أنتِ عارفاها بتتحسس وتتأثر في المناسبات

دي.. قوليلي أنتِ فين بالظبط وأنا جاي أخدك حالا. فضلت باصة للشاشة؛ وبعدين بصيت للعلبة؛ رسالة واحدة، علبة مقفولة، وكدبة كبيرة مالية الأوضة وخانقة المكان. بصوابع بترتعش، رفعت الغطاء.. وشفت الحاجة اللي خلت كل كلمة طارق لسه قايلها كدب ومستحيلة، والسر اللي العلبة مخبياه هيقلب الطاولة عليه وهيخليني أهرب بجلدي قبل ما يوصل لباب الشقة!

العلبة مكنتش فاضية، الغويشة الألماظ الأصلية كانت موجودة في مكانها وملمستش، بس الصدمة الكبيرة كانت في الجهاز الصغير اللي مزروع تحت القطيفة والورقة المكتوبة بدم بارد، واللي كشفت إن طارق مش مجرد خطيب بيحبني، ده الشخص اللي دبر الحادثة بتاعة جدتي وعينيه دلوقتي على شقتي وعاوز يخلص مني الليلة دي بالذات!

لو عاوزين تعرفوا ندى هتعمل إيه وإزاي هتهرب من الشقة قبل ما طارق يوصل، وإيه السر المرعب اللي في الورقة واللي هيقلب حياتهم كلهم، 

وقفت ندى قدام التسريحة ويديها بتترعش.

الغويشة الأصلية كانت جوه العلبة فعلًا.

يعني اللي في إيد طارق نسخة.

أو بمعنى أدق... طارق كان بيختبرها.

لكن الصدمة الحقيقية مكانتش في الغويشة.

كانت في الجهاز الصغير المزروع تحت بطانة القطيفة.

جهاز تتبع.

صغير جدًا لدرجة إنه يستخبى بسهولة بين المجوهرات.

تحته مباشرة ورقة مطوية بعناية.

فتحتها بسرعة.

وكان مكتوب فيها بخط جدتها

لو لقيتي الورقة دي، يبقى أنا كنت صح.

شهقت ندى.

الخط ده مستحيل تغلط فيه.

كملت قراءة.

طارق مش زي ما بيبان. أنا شوفته بعيني وهو بيفتش في أوضتي بعد وفاة جدو بأيام. كان بيدور على حاجة معينة. ولما واجهته، ادعى

إنه تايه. لكن عينيه فضحته.

نفسها بدأ يضيق.

كملت.

أنا احتفظت بنسخ من كل المستندات المهمة في مكان آمن. ولو حصل لي أي مكروه، يبقى دوري علي الملف الأسود.

تجمدت مكانها.

الملف الأسود.

نفس الاسم اللي سمعته مرة بالصدفة بين جدتها وأبوها من سنين.

الورقة كانت مكملة

لو أنا مت فجأة أو في حادث غريب، متصدقيش أي رواية تتقال بسهولة.

في اللحظة دي بالذات رن هاتفها.

طارق.

مرة.

اتنين.

تلاتة.

ورسايل ورا بعض

ندى افتحي.

أنا تحت البيت.

شايف إن نور أوضتك شغال.

الدم اتجمد في عروقها.

جرت للبلكونة بحذر.

وبصت من بين الستارة.

العربية السودا كانت واقفة فعلًا.

وطارق واقف جنبها.

رافع وشه لفوق ناحية شقتها.

وبيبتسم.

ابتسامة باردة عمرها ما شافتها بالشكل ده.

رن الهاتف من جديد.

لكن المرة دي كان أبوها.

ردت فورًا.

بابا!

جالها صوته متوتر

اقفلي كل الأنوار ومتفتحيش الباب مهما حصل. إحنا في الطريق.

في إيه؟

سكت ثانية.

وقال

جدتك مكانتش مجنونة زي ما الناس كانت فاكرة.

بعد عشر دقائق فقط.

بدأ طارق يخبط على الباب.

في الأول بهدوء.

ثم بعنف.

ثم بصوت عالي

ندى! افتحي!

أنا عارف إنك جوه!

إنتِ فاهمة الموضوع غلط!

كل خبطه كانت بتخلي قلبها ينط من مكانه.

لكنها فضلت ساكتة.

وفجأة...

سمعت أصوات عربيات في الشارع.

ثم صوت رجال.

ثم صراخ.

وبعدها...

سكون.

مرّت دقائق طويلة قبل ما يرن هاتفها.

أبوها.

افتحي يا ندى.

فتحت الباب.

ولقت أبوها وأمها وسارة.

وأفراد شرطة معاهم.

أمها حضنتها بقوة وهي بتعيط.

أما أبوها فكان باصص قدامه بشرود.

كأنه شايل حمل سنين.

سألته

إيه اللي بيحصل؟

تنهد.


وقال

حان الوقت تعرفي الحقيقة.

في قسم الشرطة اتكشف كل شيء.

قبل سنوات، جد ندى كان شريكًا في شركة استثمارات كبيرة.

وبعد وفاته اختفت مستندات تثبت ملكية أصول بملايين الجنيهات.

الكل افتكر إن الأوراق ضاعت.

إلا الجدة.

كانت مقتنعة إن حد بيحاول يوصل لها.

ومع الوقت بدأت تشك في طارق.

لأنه دخل حياتهم فجأة.

وتقرب من ندى بسرعة.

وكان مهتم بكل تفصيلة تخص ممتلكات العائلة.

حتى المجوهرات.

وحتى الخزنة.

لكن المفاجأة الأكبر ظهرت بعد تفتيش شقته.

الشرطة عثرت على أجهزة تتبع أخرى.

وصور للخزنة.

ونسخ من مفاتيح.

وسجل كامل لتحركات ندى خلال شهور.

أما الملف الأسود...

فكان موجودًا في مخزن قديم تملكه الجدة.

وبداخله المستندات الأصلية كلها.

والأدلة التي تثبت محاولات تزوير تمت منذ سنوات.

أدلة كانت كفيلة بإسقاط شبكة كاملة من المحتالين.

وكان طارق جزءًا منها.

بعد شهور طويلة.

انتهت التحقيقات.

وصدر الحكم.

واختفى طارق من حياتهم للأبد.

أما ندى فكانت قاعدة في نفس بيت جدتها القديم.

أمام نفس النافذة.

تمسك الغويشة الألماظ الحقيقية.

وتتأملها.

دخلت أمها بهدوء وجلست بجوارها.

وقالت

عارفة أكتر حاجة وجعتني إيه؟

بصتلها ندى.

ابتسمت أمها بحزن.

إننا كلنا شفنا الإشارات... بس كل واحد كان بيقول أكيد أنا متوهم.

سكتت لحظة.

وأضافت

الناس الخطيرة عمرها ما بتبان من أول يوم.

هزت ندى رأسها.

ثم نظرت إلى الحديقة.

لأول مرة منذ شهور.

لم تكن خائفة.

لم تكن مراقبة.

ولم تكن مضطرة تبرر أي شيء لأحد.

أخرجت الغويشة من العلبة.

وأعادتها إلى مكانها.

ثم أغلقت الخزنة بنفسها.

وأدارت المفتاح.

لكن هذه المرة...

لم تكن تغلق بابًا على خوف.

كانت تغلق آخر صفحة في قصة انتهت.

وتفتح باب حياة جديدة، بلا أسرار، وبلا طارق.

انتهت.

 

تعليقات

close