سكريبت جوزى كامله حكايات رومانى مكرم
جوزى حكايات رومانى مكرم 1
فجاء لقيته جوزى بيعيط بحر.قة بسئله مالك فى ايه لقيته اعترفلي بيقولى حبيبته اللي كان بيحبها زمان فرحها النهاردة
مكنش عندي أي ردة فعل غير إني طبطبت عليه وقولتله
معلش انا معاك ومش هسيبك فجاء لقيته بيقولى لا انا عاوزها هي انا بحبها
قمت من على السرير على صوت شهق ومكتوم، لقيت رامي جوزي قاعد على طرف السرير، جسمه كله بيتنفض وزي ما يكون عيل صغير تاه من أمه في المولد. دموعه كانت نازلة بحرقة وعياطه يقطع القلب.. عمر زواجنا تلات سنين، عمري ما شفته بالحالة دي ولا ربعها حتى! قربت منه وأنا قلبي واكلني، حطيت إيدي على كتفه وقولتله بصوت واطي: “مالك يا رامي؟ في إيه يا حبيبي؟ حد من ناسك جرا له حاجة؟ طمني عليك!”
لقيته رمى نفسه في الأرض، ودفن وشه بين إيديه، وطلع منه صوت مبحوح وزي ما يكون بيطلع في الروح.. قالي الكلمة اللي نزلت على دماغي زي المية المغلية: “فرحها النهاردة.. نادين بتتجوز النهاردة يا سمر.. مش قادر، مش قادر أشوفها بتروح لغيري ويموتوني!”
أنا مكاني اتسمر، والدم هرب من عروقي. نادين؟ الحكاية القديمة اللي قالي إنها ماتت وشبعت موت من قبل ما ييجي يخطبني؟ في اللحظة دي، اللسان عجز، والوجع خرسني. أي ست مكانها كان هيمسك في خناقه وتقلب الدنيا عشان كرامتها اللي اتهانت في عقر دارها، بس أنا جالي برود غريب، برود يفرس.
مديت إيدي، وزي الأليين اللي مش حاسين بحاجة، فضلت أطبطب على ضهره وهو بيبكي. بصيت له وقولتله بمنتهى الهدوء المستسلم: “معلش.. أنا معاك ومش هسيبك.. أنا جنبك يا رامي.”
كنت فاكرة إن كلمتين الطبطبة دول هيفوقوه، أو هيحس على دمه ويفتكر إن اللي واقفه قدامه دي مراته اللي صاينه بيته وعرضه. لكنه رفع وشه اللي بقى أحمر دم، وبص في عيني بنظرة غل وجحود عمري ما هنساها، وقالي بأعلى صوته وكأنه بيضربني بسك..ينة في قلبي: “لا.. أنا مش عاوزك أنتِ.. أنا عاوزها هي! أنا بحبها هي وعمري ما حبيت ولا هحب غيرها!”
الدنيا لفّت بيا، والحيطة كانت هتقع عليا. سحبت إيدي من على كتفه بالراحة، وحسيت إن نفسي بيتفرك. هو مابصليش تاني أصلاً، مسك تليفونه وبقى يقلب بلهفة وسرعة في صور الفرح اللي أصحابه عمالين ينزلوها.. الفرح كان في فندق كبير في القاهرة.
دار ضهره ليا وفضل باصص للشاشة، وأنا سحبّت رجلي وخرجت الصالة. قعدت على الكنبة في الضلمة، مذهولة ومش مصدقة.. مين ده اللي أنا عشت معاه تلات سنين تحت سقف واحد؟ أنا كنت إيه بنسباله؟ مجرد مسكن؟ ولا كمالة عدد عشان يرضي أهله؟
مفقتش من صدمتي إلا على صوت باب الأوضة وهو بيتفتح بترقيعة وعنف. لقيت رامي خارج، لابس هدومه كاملة، وفي إيده مفاتيح العربية. عينه كانت بتطق شرار، والضعف والعياط اتقلبوا لجنان وتهور مش طبيعي.
وقفت في وشه وقولتله بجمود: “على فين في وقت زي ده وبحالتك دي؟”
بصلي كأنه بيبص في الهوا، وقالي بنبرة ناشفة تقطع الحبال: “رايح لها.. مش هسيبها تضيع مني.. ولازم أوقف الفرح ده حتى لو كان فيها موتي النهاردة!”
مشى ناحية الباب بسرعة الصاروخ، وقبل ما يفتح، لفت وقالي: “متزعليش مني يا سمر.. أنتِ بنت حلال ومفيش منك.. بس أنا مش قادر أظلمك وأخدعك أكتر من كده.”
فتح الباب وخرج، ورزع الباب وراه روعة هزت جدران البيت، وهدت حياتي كلها في ثانية واحدة. وقفت مكاني كام ثانية وعقلي عمال يحسبها. الساعة تعدت اتناشر ونص بالليل، والفندق اللي فيه الفرح محتاج ساعة بحالها سواقة. رامي مش في وعيه وممكن يعمل حادثة، والأنيل إنه رايح يعمل فضيحة تجرس عائلات وتدمرني أنا أولهم.
لقيت نفسي، ومن غير ما أفكر، بجري على الأوضة، لبست عبايتي وطرحتي في ثواني، وأخدت تليفوني وشنطتي. نزلت السلم جري وزي المجنونة، وأول ما طلعت الشارع، لمحت عربيتة وهي بتطير وتختفي في أول الشارع الرئيسي.
وقفت في وسط الشارع الضلمة الخالي، بنهج ونفسي
#الكاتب_رومانى_مكرم
مقطوع. هلحقه إزاي ده؟ وهعمل إيه عشان أمنع الفضيحة والمصيبة اللي هتحل علينا؟ وفجأة، تليفوني نور برقم غريب مأعرفوش، أول ما فتحت الخط، سمعت صوت واحدة ست بتعيط وبتترعش وبتقول بهمس كله رعب: “سمر؟ أرجوكي اسمعيني ومتقاطعينش.. رامي كلمني من دقيقتين وهو سايق.. رامي رايح يـ مـ وت نفسه ويـ مـ وتنا معاه!”
وقفت مكاني متسمرة، والتليفون على ودني زي الحجر، والصوت اللي جاي من الناحية التانية كان بيرتعش ويدق في نغاشيش مخي. سألتها بذهول ونفسي مقطوع: “أنتِ مين؟ ونادين تعرف رقمي منين؟”
جاءني صوتها الباكي المستعجل: “أنا ريهام، صاحبة نادين الأنتيم.. نادين متعرفش حاجة، نادين بتموت من الرعب جوة الكوشة! رامي كلمني أنا لأن رقمي هو اللي كان فاكره من أيام زمان.. قالي إنه عدا البوابة وسايق على سرعة ميتين، وبيحلف بدمه إنه هيدخل بالعربية في قلب قاعة الفرح ويهدها على اللي فيها لو مخرجتش له! يا سمر الحقيني، جوزك مجنون وهيضيع نفسه ويضيعنا، أنا رنيت عليكي من رقم جوزي لما بحثت عن اسمك وعرفنا طريقك.. اتصرفي أرجوكي!”
الخط قطع، والشارع حواليا كان هس هس، مفيش فيه صريخ ابن يومين. قفلت الخط وإيدي بتترعش، وبقيت بلف حوالين نفسي في وسط الضلمة. هعمل إيه؟ أطلب تاكسي؟ في الوقت ده وفي منطقتنا صعب ألاقي، والوقت بيجري وثانية واحدة ممكن تنهي حياة ناس ملهمش ذنب.
وفجأة، لمحت النور بتاع كشك عم أحمد على أول الشارع لسه قايد، وابنه “محمود” واقف بيمسح الموتوسيكل بتاعه. جريت عليه وزي ما أكون غريق بيتعلق بقشة، وقولتله بنبرة كلها رجاء وعياط: “محمود.. أرجوك يا ابني الحقني.. رامي جوزي عمل حادثة على طريق المحور وفي المستشفى هناك، ومفيش مواصلات.. وديني وراك الله يسترك!”
الجدعنة الصعيدية والشهامة ظهرت في عين الواد؛ مألتش ولا استفسر، دور الموتوسيكل في ثانية وقالي: “اركبي يا ست سمر، متقلقيش واسترخي.. ربع ساعة ونكون هناك.”
طيرنا في الهوا، والموتوسيكل كان بيشق الضلمة والبرد بيلطش في وشي، بس أنا مكنتش حاسة بالبرد.. أنا كان في نـ ار قايدة جوة صدري. عقلي عمال يودي ويجيب: رامي اللي عشت معاه تلات سنين، اللي شيلت اسمه وصونت بيته، يطلع بالرخص ده؟ يطلع عايش معايا بجسده وروحه وعقله مع واحدة تانية؟ طب لو كان بيحبها وميت فيها كده، اتجوزني أنا ليه؟ كسر بخاطري ودان حـ ياتي ليه؟! الدموع نزلت من عيني مغرقة وشي، بس مسحتها بسرعة بقهر وقسوة.. مفيش وقت للضعف، الفضيحة لو حصلت هتدمر عيلتي قبل عيلته.
بعد مسافة وتعب، بدأت أنوار الفندق الكبير تظهر من بعيد. الفندق كان على النيل، فخم والزينة والأنوار مغرقاه، والعربيات واقفه طوابير برة. أول ما الموتوسيكل هدى عند المدخل الخارجي، نزلت بسرعة وقولت لمحمود: “كتر ألف خيرك يا محمود، روح أنت وأنا هحصل قرايبه جوة.”
دخلت من البوابة الخارجية بجرى، الأمن كان باصص لشكلي بذهول.. عباية سمرة وطرحة متبهدلة من الهوا ونفس عالي. وأنا عيني بتلف في المكان زي الصقر، لمحت عربية رامي!
العربية كانت مركونة على جنب، بس مش في المأوى بتاع العربيات.. كانت واقفة فوق الرصيف وقريبة جداً من السلالم الرخام المؤدية لباب القاعة الرئيسي، والموتور بتاعها لسه داير وصوته عالي، كأنه بيستعد للهجوم!
قربت من العربية بخطوات مرعوبة، وبصيت من الازاز.. لقيت رامي قاعد ورا الدريكسيون، عينه حمرا زي الـ دم، وشه عرقان بطريقة تخوف، وإيديه كبسوا على الدريكسيون لدرجة إن عروقه البارزة كانت هتطق. كان باصص للباب الزجاجي بتاع القاعة، ومستني اللحظة اللي الزفة تخرج فيها عشان ينفذ جنونه.
فتحت الباب اللي جمبه فجأة وركبت، هو اتخض وبصلي بذهول، وقبل ما ينطق بكلمة واحدة، قولتله بصوت واطي ومخيف، صوت عمري ما تخيلت إنه يطلع مني:
“انزل من العربية يا رامي.. انزل بدل ما ألم عليك أمن الفندق والبوليس، وأخلي الفرح كله يتفرج على جنازتك وجنازة كرامتك اللي رميتها تحت الرجلين!”
بصلي بجنان وقالي وهو بيزعق وبيحاول يذقني برة العربية: “أنتِ إيه اللي جابك ورايا؟ قولتلك سيبيني! أنا مش هسيبها تروح.. نادين ليا أنا! انزلي من العربية يا سمر بدل ما أدوس عليكي معاهم!”
وفي اللحظة دي، وقبل ما رامي يدوس بنزين، الباب الزجاجي الكبير بتاع القاعة اتفتح، وخرجت نادين بفستانها الأبيض المنفوش، وإيدها في إيد عريسها، والضحكة كانت مغرقة وشها، وحواليها أصحابها وأهلها بيغنو ويرموا عليهم ورد..
رامي عينه ثبتت عليها، ونفسه اتكتم، ولقيته بيحرك الفتيس وبيدوس بنزين بكل عزم عنده والعربية بدأت تتحرك بسرعة ناحية السلم.. في الأجزاء من الثانية دي، أنا مأخدتش بالي غير من حاجة واحدة.. إني لازم أمنع الكارثة دي مهما كان التمن!
جوزى حكايات رومانى مكرم 2
مديت إيدي بكل قوتي وعمري كله بيتأرجح بين الحياة والموت، وبدون تفكير، شديت فرامل اليد لأقصى عزم عندي وفي نفس الوقت لطشت دريكسيون العربية بكل عزمي ناحية اليمين. العربية زأرت بصوت مخيف، والكاوتش عمل صوت صريخ هز ساحة الفندق كلها، ولفّت بينا نص لفة عنيفة لحد ما خبطت في الرصيف الحجري البعيد عن السلم، والموتور بطل وطلع منه دخان أبيض كتم نفسنا إحنا الاتنين.
الناس برة اتخضت، والزفة وقفت للحظات، وبعض أفراد الأمن بدأوا يجروا ناحية العربية يشوفوا في إيه. رامي كان راسه خبطت في الدريكسيون خبطة خفيفة، بس الجنان اللي في عينه متمحاش.. بصلي بنظرة كلها غل وضـ رب كفوفه في الدريكسيون وهو بيصرخ: “ضيعتيني! ضيعتي فرستي الأخيرة يا سمر! الله يخرب بيتك!”
نزلت من العربية بسرعة البرق قبل ما الأمن يوصل لنا، ووقفت قدام الباب وحجبت الرؤية وأنا بحاول ألملم شتات نفسي وطرحتي المتبهدلة. قرب مننا رئيس أمن الفندق ووشه مقلوب: “خير يا فندم؟ في إيه؟ السواقة بالطريقة دي ممنوعة وممكن تودي في داهية!”
بلعت ريقي وبمنتهى الثبات الانفعالي اللي نزل عليا من السما قولتله: “أنا آسفة جداً يا فندم.. جوزي السكر بتاعه عِلي فجأة وغاب عن الوعي وهو سايق، ورجله كبست على البنزين غصب عنه.. أنا لولا إني لحقت الفرامل كانت هتبقى مصيبة.. أرجوك ساعدني نخرجه برة الفندق بالراحة من غير ما نعمل شوشرة على الناس، هو زمانه بيفوق.”
الأمن صدق كلامي وشكلي المتبهدل الخايف، وبدأوا يوسعوا الطريق. في اللحظة دي، بصيت ناحية السلم.. كانت نادين واقفة، فستانها الأبيض زي الملايكة، وعريسها بيطمنها وبيضحك معاها، ولا هي هنا! ولا تعرف إن في واحد مجنون كان هيضيع عمره وعمرها وعمر ناس ملهمش ذنب عشان وهم في دماغه. شفتها بتركب عربية الزفة المتزينة بالورد، والعربية بدأت تتحرك وتخرج من بوابة الفندق وسط كلكسات الفرح وزغاريط صحابها.
لفيت وبصيت لرامي اللي كان لسه قاعد جوة العربية، دافن وشه بين إيديه وبيعيط بنشيج يقطع القلب.. بس المرة دي عياطه مقطعش قلبي أنا.. عياطه موّت حتة جوايا كانت باقية ليه. قولتله بنبرة حادة وناشفة: “انزل.. اقعد جمبي ومش عاوزة أسمع صوتك لحد ما نوصل، محمود ابن عم أحمد لسه واقف برة مستنيني بالموتوسيكل، هيدخل يسوق بينا العربية ويرجعنا.. انزل!”
نزل زي التلميذ الخايب اللي انكسر حلمه، ركب ورا وأنا ركبت جمب محمود اللي دخلت نديت عليه وساق بينا وخرجنا من الفندق. طول الطريق، السكون كان سيد الموقف، مفيش غير صوت الهوا وموتور العربية.. رامي باصص من الشباك ودموعه نازلة في صمت، وأنا باصة قدامي وعقلي عمال يعيد شريط التلات سنين.. تلات سنين كنت فاكرة فيهم إني مالية عينه وقلبه، تلات سنين كنت بصلح وببني في بيت اتضح إنه متبني على رمل، وعلى ذكرى واحدة ماتت بنظره بس عايشة في كل دقة من دقات قلبه.
وصلنا البيت على الفجر، حاسبت محمود وشكرته ودخلنا الشقة. أول ما الباب اتقفل علينا، رامي رمى مفاتيحه على الترابيزة وقعد على أقرب كرسي وهو حاطط راسه بين رجليه. أنا مقلعتش عبايتي ولا طرحتي، وقفت قدامه وبكل برود الدنيا قولتله: “ليه يا رامي؟”
رفع راسه، عينه كانت منفوخة ووشه دبلان، قالي بصوت مبحوح: “سمر.. أنا عارف إني غلطت في حقك.. بس غصب عني، نادين دي كانت حلم عمري، أهلها رفضوني زمان عشان كنت لسه ببدأ حياتي ومحلتيش حاجة.. ولما قولتلك إنها ماتت، كنت بكدب على نفسي قبل ما أكدب عليكي، كنت بحاول أقنع نفسي إن الحكاية انتهت عشان أعرف أعيش.. بس لما عرفت إنها بتتجوز النهاردة، حسيت إن روحي بتتسحب مني، ومبقتش شايف قدامي.”
ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة كلها وجع وسخرية: “غصب عنك؟ وروحك بتتسحب منك؟ طب وأنا؟ أنا اللي صنتك وصنت بيتك تلات سنين؟ أنا اللي كنت بنام في حضنك وتصحى تقولي بحبك؟ كنت بتقولها لمين يا رامي؟ ليا أنا ولا كنت شايفها هي فيا؟ أنا كنت بنسبالك إيه؟ مجرد دلالة إنك نسيت؟ ولا كمالة عدد عشان ترضي أهلك وتثبت لنفسك إنك بقيت راجل ومتجوز؟”
سكت ومردش، ونزل راسه الأرض تاني. كملت كلامي والدموع خلاص غلبتني ونزلت حامية على سحنتي: “أنت مرخصتنيش أنا وبس يا رامي.. أنت رخصت نفسك.. كنت رايح تعمل فضيحة لواحدة عايشة حياتها وناساك وفرحانة بعريسها، كنت رايح تهد فرح وهدم عائلات عشان أنانيتك! أنت م بتحبهاش.. أنت بتحب العند وبتحب تعيش دور الضحية.”
وقفت ومسحت دموعي بقسوة، ودخلت الأوضة، طلعت شنطة السفر الكبيرة وبدأت ألم فيها هدومي.. كل توب، كل حاجة تخصني في البيت ده كنت برميها جوة الشنطة بقهر. خرجت والشنطة في إيدي، لقيت رامي وقف مخضوض ومسك إيدي: “أنتِ بتعملي إيه يا سمر؟ رايحة فين في وقت زي ده؟ أرجوكي سامحيني، أنا كنت غايب عن الوعي ومش هكررها، أنا مقدرش أستغنى عنك أنتِ بيتي وأماني!”
نفضت إيدي من إيده بقرف وبصيت في عينه قولتله: “أنا مش مسكن يا رامي، ولا أنا البيت البديل اللي بترجع له لما حلمك يطير.. أنت قولتلي بعلو صوتك (أنا مش عاوزك أنتِ، أنا عاوزها هي).. والكلمة دي مبيغسلهاش أسف ولا بيمحيها ندم.. أنا رايحة بيت أبويا، والشنطة دي مش هترجع هنا تاني.”
فتحت باب الشقة وخرجت في جلالة الفجر، ورزعت الباب ورايا بنفس الرقعة اللي هو رزعهالي من كام ساعة.. بس المرة دي كانت رقعة نهايتنا. نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، وطلعت على الشارع الرئيسي وأنا بفكر: هقول لإيجار إيه؟ وأهلي هيفهموا وجعي إزاي؟
وفجأة، وأنا واقفة مستنية أي عربية تاخدني، تليفوني نور تاني.. نفس الرقم الغريب بتاع ريهام صاحبة نادين! فتحت الخط وأنا مستغربة، لقيت صوتها جاي المرادي مش مرعوب.. صوتها كان حاد وفيه نبرة غريبة وقالتلي: “سمر؟ رامي لسه معاكي؟ أصل في مصيبة حصلت في الفندق بعد ما مشيتوا.. والبوليس دلوقتي بيفتح تحقيق، واسم جوزك اتقال في المحضر!”
وقعت الشنطة من إيدي على الرصيف، وحسيت بركبي سابت ومبقتش قادرة تشيلني. سألتها بنبرة مخنوقة والدم بيغلي في نفوخي: “بوليس إيه ومحضر إيه يا ريهام؟ إحنا مشينا من الفندق والعربية ملمستش حد، والأمن عدا الموضوع! في إيه بالظبط؟”
جاءني صوت ريهام وهي بتنهج وبتتكلم بصوت واطي كأنها بتستخبى من حد: “يا سمر افهميني.. بعد ما أنتِ أخدتي رامي ومشيتوا، الفرح خلص والعرايس ركبوا عربية الزفة عشان يطلعوا على فندق الإقامة بتاعهم.. على طريق الكورنيش، في عربية سودا جيب من غير نمر كانت مستدية ليهم، قطعت عليهم الطريق وخرج منها تلات رجالة مسلحين ومقنعين.. خطـ فوا نادين برخصتها من قلب عربية الزفة وداسوا غل عريسها اللي حاول يمنعهم، وطاروا بيها!”
شهقت وحطيت إيدي على بوقي، والدينا لفت بيا.. خطـ فوها؟! نادين اتخطـ فت في ليلة دخلتها؟!
كملت ريهام وهي بتعيط بهستيريا: “العريس في المستشفى بين الحيا والموت، وأهل نادين قلبوا الدنيا.. البوليس جه الفندق وفرغ الكاميرات، وشافوا الخناقة اللي حصلت بينك وبين رامي، والأمن قال إن جوزك كان داخل بسرعة جنونية وكان عاوز يهد القاعة! والأنيل من كده.. البوليس لما فحص تليفون نادين اللي سابته في العربية، لقوا رسايل وتهديدات مبعوتة ليها من رقم مجهول بقالها أسبوع، مكتوب فيها (مش هتبقى لغيري ولو بقيتي لغيري هنهي حياتك وحياته).. وطبعاً الشبهة كلها دلوقتي لفت وراحت لرامي! البوليس سأل عليه وعرفوا عنوانكم وفى طريقهم ليكم دلوقتي يا سمر!”
الخط قطع.. وأنا بقيت واقفة في الشارع زي المجنونة. عقلي مكنش قادر يستوعب.. رامي غبي، أناني، ومتهور.. بس هل ممكن يوصل بيه الجنان والغل إنه يخطـ فها؟ هل الرسايل دي بتاعته فعلاً وهو اللي رتب لكل ده عشان لما يفشل في الفندق يتنفذ المخطط التاني؟
بصيت لشنطة هدومي المركونة على الرصيف، وبصيت لاتجاه بيت أبويا، وبعدين بصيت ورايا ناحية بيتي.. بيت رامي. لو هربت دلوقتي وروحت لأهلي، اسمي هيتجرجر في المحاضر كزوجة المتهم الهارب، وعيلتي ملهاش ذنب في الفضيحة دي. لازم أواجهه، لازم أعرف الحقيقة كاملة قبل ما البوليس يوصل.
سحبت الشنطة ورايا وطلعت السلم جري، كنت بنهج وبموت من الرعب. فتحت الباب بالمفتاح ودخلت وزقيت الشنطة برجلّيا. رامي كان لسه قاعد على الكرسي في الضلمة بنفس الوضعية، كأنه ج..ثة هامدة.
قربت منه ورزعت تليفوني على التربيزة قدامه، وقولتله بصوت زلزل الأوضة: “اقف عندك.. اقف وبص في عيني يا رامي!”
اتخض ووقف وهو مستغرب رجوعي وشكلي المرعوب: “في إيه يا سمر؟ أنتِ مش مشيتي؟ رجعتي ليه؟”
مسكته من ياقة قميصه بكل غل الدنيا، ودموعي نازلة من كتر الخوف والقهر: “نادين اتخطـ فت يا رامي! اتخطـ فت من ساعة على الكورنيش وعريسها بيموت في المستشفى! والبوليس جاي في السكة يقبض عليك بتهمة الخـ طف والشروع في القـ تل! قولي حقيقة الرسايل والتهديدات اللي كانت على تليفونها.. أنت اللي عملت كده؟ أنت اللي خطـ فتها يا رامي؟!”
رامي وش ألوانه اتقلب، وبقى أبيض كأنه كفن، عينه طلعت لبرة بذهول حقيقي وقالي وهو بيترعش وبيتراجع لورا: “خـ طف؟! رسايل إيه؟ والله العظيم ما أعرف حاجة! أنا أه مجنون وعملت فضيحة وكنت هوديكم في داهية في الفندق.. بس أنا ممعيش حد، ومخططتش لحاجة، أنا روحت هناك لوحدي بدافع الجنان واللحظة! تهديدات إيه وخـ طف إيه اللي بتتكلمي عنهم؟!”
بصيت في عينه قوي، كنت بحاول أقرا الكدب.. ملامحه كانت مرعوبة ومذهولة، الذهول ده مكنش تمثيل، الصدمة شلت حركته. ووسط ما إحنا واقفين بنصرخ في بعض، سمعنا صوت سرينة عربيات البوليس وهي بتهز هدوء الشارع تحت البيت، وصوت فرامل عربيات كتير وقفت مرة واحدة!
رامي جرى على الشباك وبص برعب: “البوليس.. البوليس حاصر البيت يا سمر! هيقبضوا عليا في جري..مة معملتهاش.. هيضيعوني!”
وفجأة.. تليفون رامي اللي كان مرمي على السرير نور.. رن برقم غريب مأعرفوش. رامي بص للشاشة وإيده بتترعش، فتح الإسبيركر ورد بصوت مخنوق: “ألو؟ مين؟”
جاءنا صوت راجل، صوت غليظ، حاد، وضخك ضحكة باردة تخوف، وقال بنبرة كله ثقة: “إزيك يا رامي يا حبيبي؟ نادين معايا دلوقتي.. في الحفظ والصون.. والبوليس تحت بيتك دلوقتي عشان يلبسك التهمة تمااام زي ما خططت! لو عاوز نادين تفضل عايشة، وأنت تخرج من المصيبة دي.. قدامك عشر دقايق بالظبط تهرب من باب السطوح وتنزل من غير ما البوليس يشوفك، وتجيلي على العنوان اللي هبعتهولك في رسالة.. لو بلغت أو اتمسكت، نادين هتموت، وساعتها حبل المشنقة هيتلف حوالين رقبتك أنت يا رامي بيه!”
الخط قفل.. والرسالة وصلت على تليفونه بالعنوان.
أنا ورامي بصينا لبعض، وصوت خبط عنيف ومرعب بدأ يدق على باب الشقة برة، وصوت ضابط بيزعق: “افتح يا رامي.. معانا إذن من النيابة.. افتح بدل ما نكسر الباب!”
رامي بصلي ودموعه نازلة، ومسك إيدي وهو منهار: “سمر.. أرجوكي صدقيني، أنا بريء.. لو اتمسكت دلوقتي هروح فيها.. أعمل إيه؟!”
الحمل كان تقيل، واللحظة كانت بتحدد مصير حياتنا كلها.. الباب بيتكسر، ورامي قدامه طريقين: يا يهرب ويروح للمجهول، يا يستسلم ويدخل السجن في جري..مة لبساه من ساسه لراسه!
جوزى حكايات رومانى مكرم 3
الخبط على الباب بقى زي الرعد، الخشب كان بيزيق وهيتهد في أي ثانية. رامي كان واقف وجسمه كله بيتفض، عينه على باب الشقة وعينه التانية على تليفونه اللي فيه الرسالة والعنوان.
مسكته من كتفه بقوة وضغطت عليه عشان يفوق من صدمته، وقولتله بفحيح واطي وسريع: “مفيش وقت للخوف.. لو هربت، هتبقى أثبت التهمة على نفسك وبقيت مطارَد في قض..ية خطـ ف وشروع في قـ تل. ولو قعدت، البوليس معاه أدلة ضدك بسبب جنانك في الفندق.. اسمعني كويس، أنت هتمشي من باب السطوح زي ما الراجل ده قال، بس مش عشان تنقذ نادين.. عشان تجيب الراجل اللي ورا المصيبة دي، وأنا هقعد هنا وأعطل البوليس على قد ما أقدر عشان أديك وقت!”
بصلي بنظرة مش فاهمها، نظرة بين الذهول والخزي، وقالي بصوت مخنوق: “بتنقذيني يا سمر بعد كل اللي عملته فيكي؟!”
زقيته ناحية المطبخ اللي فيه السلم الداخلي الموصل للسطوح وقولتله بقسوة: “أنا بنقذ نفسي وبنقذ اسم عيلتي من الفضيحة.. مش وقت كلام، اخلص! وابعتلي العنوان اللي جالك في الرسالة على تليفوني فوراً!”
بسرعة بعتلي العنوان، وجري على السلم وطار على السطوح. في نفس اللحظة، الباب اتكسر برقعة عالية، ودخل ضابط ومعه تلات عساكر مسلحين، والطبنجات كانت متوجهة في كل حتة.
الضابط بصلي بعين حادة ولقى الشقة ضلمة وأنا واقفة في وسط الصالة بترعش: “فين رامي؟ رامي فين يا مدام؟”
حاولت أبان منهارة وخايفة، ووقعت في الأرض وأنا بعيط بهيستيريا تمثيلية: “الحقوني يا فندم! رامي ساب البيت من بعد نص الليل لابس ومجنون ومش عارفة ماله.. نزل ومأعرفش طريق لية، وفجأة لقيتكم بتكسروا الباب.. في إيه؟ جوزي جرى له حاجة؟”
الضابط مبصش لدموعي، شاور للعساكر وقال بنبرة حازمة: “فتشوا الشقة حتة حتة، واطلعوا على السطوح بسرعة!”
قلبي سقط في رجليا.. السطوح! لو العساكر طلعوا دلوقتي هيجيبوا رامي قبل ما ينزل الشارع. وفجأة لقيت نفسي بصرخ وأنا ماسكة في رجل الضابط: “آه.. بطني! الحقني يا فندم أنا بموت.. رامي ضـ ربني ونزل وأنا بنزف ومبقتش قادرة!”
الحيلة دي خلت الضابط يتردد ثانية، وبص لعسكري وقاله: “اطلب الإسعاف بسرعة.. وأنت اطلّع فتش فوق!”
العسكري طلع السطوح وغاب حوالي خمس دقايق، الخمس دقايق دول كانوا بنسبالي زي خمس سنين.. كنت بدعي في سري إن رامي يكون عرف ينزل من بيت الجيران ويركب أي حاجة. نزل العسكري وهو بينهج: “يا فندم السطوح فاضي، بس باب المناور اللي بيعدي للبيت اللي جمبنا مفتوح.. شكله هرب من هناك!”
الضابط بصلي بنظرة شك قوية، وقرب مني وقالي وهو بيضيق عينه: “أنتِ شكلِك مش سهلة يا مدام وساعدتيه.. تليفونك وتليفونه فين؟”
قومت وقفت ومسحت دموعي وثبت نفسي: “تليفوني اهو.. وتليفونه مش هنا، أخدوا معاه. أنا معرفش حاجة عن خطف نادين، أنا كنت في البيت هنا.”
الضابط اتفاجئ إني عرفت اسم نادين وموضوع الخطف وأنا لسه قايلة إني معرفش حاجة! مسك تليفوني بسرعة وقال: “وأنتِ عرفتي منين إن نادين اتخطفت يا مدام سمر وإحنا لسه مقولناش تهمته إيه؟ أقسم بالله لو ليكي يد في التهريب ده لتباتي في التخشيبة النهاردة! خدوها معايا على البوكس، واعملوا نشرة بمواصفات المتهم رامي وعربيته!”
أخدوني ونزلت وسط حراسة، والجيران كلهم كانوا واقفين في البلكونات بيتفرجوا عليا.. الفضيحة اللي كنت خايفة منها حصلت، وبقيت مركب في قفص الاتهام. ركبوني البوكس والدموع جفت في عيني.. مبقاش فيا مكان للوجع، بقى فيا رغبة واحدة بس: إني أعرف مين اللي بيلعب بينا اللعبة القـ ذرة دي؟ وليه عاوز يدمر رامي بالذات ويلبسه التهمة؟
في نفس الوقت، تليفوني اللي كان في جيب الضابط بدأ ينور ويهتز.. الرسالة اللي وصلت مكنتش من رامي، كانت رسالة من رقم ريهام تاني! لمحت طرف الشاشة وهي بتنور وجواها جملة واحدة: “البوليس أكل الطُعم.. ورامي دلوقتي رايح لـ حتفه برجليه!”
عرفت ساعتها إن ريهام مش صاحبة نادين الوفية.. ريهام هي راس الأفعى وشريكة المجرم اللي خطف البنت!
على الجانب الآخر.. رامي كان بيجري في الشوارع الجانبية الضلمة، ونفسه مقطوع. وصل للعنوان اللي مبعوت له في الرسالة.. كان مصنع طوب مهجور على أطراف المنطقة، المكان حيطانه مهدومة وضلمة كحل، ومفيش فيه صريخ ابن يومين غير صوت الكلاب الضالة.
دخل رامي وهو بيترعش وبيهمس: “نادين؟ نادين أنتِ هنا؟”
وفجأة.. النور قاد في وش رامي مرة واحدة، وظهرت نادين مربوطة على كرسي في وسط المكان، بوقها مكمم بـ بلاستر وعينها منفوخة من العياط.. وواقف وراها راجل ماسك طـ بنجة وموجهها لراسها.
الراجل ده أول ما لف وشه ورامي شافه.. رامي صرخ بذهول وصدمة هزت جدران المكان: “أنت؟! مش ممكن.. أنت مش مـ وت من خمس سنين؟!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
رامي وقف مذهول، عينه جاحظة والدم هرب من وشه، والكلمة طلعت من بؤه بالعافية: “أنت؟! مش ممكن.. أنت مش مـ وت في حادثة العربية من خمس سنين؟!”
الراجل اللي كان واقف ورا نادين بصلنا بضحكة باردة، ضحكة خلت ضهري يقشعر، ورمى الطـ بنجة على جنبه ببرود ونزل القناع عن وشه. كان “حسام”، خطيب نادين الأول، الراجل اللي كلنا فاكرينه مات ودفناه، الراجل اللي نادين كانت بتحبه قبل ما تقابل رامي وتتخطب له.
حسام قرب من نادين، شال التكميم من بؤها ببطء، وهي بدأت تصرخ برعب: “رامي! ابعد من هنا، ده مجنون! ده مش طبيعي!”
حسام قاطع صرختها بـ ضـ ربة على وشها خلتها تخرس، وبص لرامي وقال بنبرة مليانة سم: “استغربت؟ الدنيا صغيرة يا رامي، والوجع اللي ذقته وأنا شايف حبيبتي بتبعد عني وبتتخطب لواحد زيك، مكنش يداويه غير إني أشوفك بتتحرق وتتدمر.. لا، ومين؟ بأيدي أنا!”
رامي كان بيترعش، حط إيده على دماغه وقال: “أنت اللي عملت كل ده؟ أنت اللي بعت التهديدات؟ أنت اللي خطفتها؟ طب ليه؟ ليه تلبسني تهمة أنا؟”
حسام ضحك بسخرية وقال: “لأنك كنت العقبة! نادين كانت بتحبني، بس أهلي وأهلها فرقونا عشان ظروفي.. لما وقعت في الحادثة وخرجت منها بـ عاهة خلتني أبعد عن الناس، شوفت نادين وهي بتخطب لواحد زيك، غلي زاد. ريهام؟ ريهام كانت بتكره نادين لأنها كانت بتغير منها، فكانت هي عيني ودنياي.. هي اللي كانت بتكتب لي أخبارك وأخبار نادين، هي اللي رتبت لي كل حاجة، حتى الفخ اللي وقعت فيه النهارده.”
في الوقت ده، أنا كنت لسه في البوكس، والضابط كان بيقلب في تليفوني بفضول. وفجأة، وصل لرسالة بعتها رامي ليا قبل ما يهرب، رسالة كان باعتها فيها صوته بتسجيل: “سمر، أنا رايح للمصنع المهجور على طريق… حسام عايش يا سمر! حسام اللي خطفها!”
الضابط بصلنا بذهول، وقام وقف وقال بصوت عالي للسواق: “ارجعوا بسرعة على عنوان المصنع المهجور! ده بلاغ كاذب من المجرم الحقيقي! رامي متورط في حاجة أكبر!”
في المصنع، كان حسام طلع خنجر وبدأ يقرب من نادين، ورامي كان واقف زي المشلول مش عارف يعمل إيه، كان خايف يتحرك يقتلوها، وخايف يستسلم فيقتلهم الاتنين.
رامي زعق بحرقة: “يا حسام، سيبها! نادين ملهاش ذنب! لو عايز تنتقم، انتقم مني أنا!”
حسام اتجنن، وبدأ يقرب الخنجر من رقبة نادين: “لا، أنا عايزك تشوفها وهي بتضيع، زي ما ضيعتني!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة البوليس بتقرب من المصنع بجنون، والأنوار الكشافات بدأت تخبط في الحيطان المهجورة. حسام اتوتر، عينه بدأت تلف في المكان بخوف، ورامي استغل اللحظة دي.. نطر نفسه على حسام بكل قوته!
الاتنين وقعوا على الأرض، وبدأوا يتصارعوا على الخنجر. نادين كانت بتصرخ، وأنا وصلت مع البوليس ودخلنا المصنع بجرى. أول حاجة عيني وقعت عليها، رامي وهو بيحاول يسيطر على حسام، وحسام بيحاول يغرز الخنجر في كتف رامي.
الضابط صرخ: “سيبوا السلا..ح فوراً!”
حسام أول ما شاف البوليس، بدل ما يستسلم، قام بسرعة وشـ د نادين قدامه كـ درع، ومسك الخنجر على رقبتها وقال بصوت عالي: “محدش يقرب! لو قربتوا، هنهي حياتها قدامكم!”
رامي كان بينزف من كتفه، بصلي وعينه فيها نظرة وداع، نظرة بتقولي “سامحيني”.. وفجأة، رمى نفسه تاني على حسام، بس المرة دي حسام فقد توازنه، والاتنين وقعوا قريب من برميل كبير مليان مواد كيميائية مهجورة في المصنع، والخنجر غرز في كتف رامي، وحسام اتخبط راسه في طرف البرميل ووقع ميبتحركش.
نطت على نادين فكيتها من القيود، والبوليس قبض على حسام اللي كان لسه بيتنفس بس فاقد الوعي، ونقلوا رامي اللي غرقان في دمه على المستشفى.
نادين كانت منهاره، وأنا كنت واقفة قدامهم، حاسة إن العالم كله بيترج من تحتي.. رامي كان بيحاول يفتح عينه، وبصلي بصعوبة، وكان عايز يقول كلمة، بس الوجع كان أقوى منه.
أنا مسكت إيده، ولقيت نفسي بقوله: “أوعى تروح يا رامي.. أوعى تسيبني.. لسه مخلصناش كلامنا.”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مرت الساعات جوة المستشفى وكأنها سنين، كنت واقفة قدام غطاء غرفة العمليات، هدومي متبهدلة، والدموع جفت في عيني. نادين كانت قاعدة بعيد مع عيلتها اللي وصلوا وجسمها لسه بيتنفض، وعريسها اللي انضرب برة القاعة اتنقل لنفس المستشفى وحالته استقرت.
بعد وقت طويل، الدكتور خرج والتعب باين على وشه، جربت عليه بلهفة: “طمني يا دكتور، رامي جراله إيه؟”
الدكتور اتنهد وقالي: “الحمد لله، الطعنة كانت قريبة من الشريان بس ربنا ستر، قدرنا نوقف النزيف وخيطنا الجرح، وهو دلوقتي اتنقل أوضة عادية وتحت الملاحظة، ربع ساعة وتقدروا تشوفوه.”
دخلت الأوضة لوحدي، كان نايم على السرير، وشه شاحب زي الورقة، والأجهزة حواليه بتصفر بصوت رتيب. قعدت على الكرسي اللي جمبه، وبصيت لملامحه.. رامي اللي عشت معاه تلات سنين، رامي اللي من كام ساعة بس كان بيعيط بحرقة عشان واحدة تانية، هو نفسه الراجل اللي رمى نفسه قدام الموت عشان ينقذها وينقذنا من الفضيحة والمصيبة.
بدأ يفتح عينه ببطء، وأول ما شافني، دموعه نزلت من طرف عينه، وحاول يتكلم بصوت شرقان ومبحوح: “سمر.. أنتِ لسه هنا؟”
قولتله بهدوء ونبرة حاسمة: “أنا هنا لحد ما أطمن عليك يا رامي.”
مسك إيدي بضعف وقالي: “أنا ميرضينيش أموت وأنا واخد ذنبك.. أنا لما شوفت حسام وشوفت نادين بتموت، فوقت.. فوقت وعرفت إن الوهم اللي كنت عايش فيه كان هيضيعنا كلنا. نادين مكنتش ليا، ولا كانت حلمي.. نادين كانت الماضي اللي أنا رفضت أدفنه، فكان هيدفن حياي ومستقبلي. أنا لما شوفتك واقفة في وش البوليس وبتضحي عشان تحميني، عرفت إنك أنتِ الحقيقة الوحيدة الحلوة في حياتي، وإن أنا اللي كنت أعمى.. سامحيني يا سمر، أرجوكي متسبينيش.”
سحبت إيدي من إيده بالراحة، وبصيت له بنظرة حزينة بس قوية، وقولتله: “أنا سامحتك يا رامي على الوجع، وسامحتك على الكسرة، لأن اللي عشتوا النهاردة كفيل يغسل أي ذنب.. أنت أنقذت أرواح، وفديت نادين وعريسها، وربنا نجاك عشان تبتدئ صفحة جديدة.. بس الصفحة دي مش معايا.”
اتخض وحاول يقوم من السرير وهو بيتألم: “ليه يا سمر؟ أنا اتعلمت الدرس، والله العظيم اتعلمت!”
قولتله والدموع بتلمع في عيني بس صريحة: “لأن في حاجات لما بتتكسر مابتتصلحش.. الكلمة اللي قولتهالي على السرير (أنا مش عاوزك أنتِ، أنا عاوزها هي) سابت حفرة جوة قلبي، وكل ما هبص في وشك هافتكِر إني كنت بنسبالك مجرد بديل ومسكن.. أنت محتاج وقت تداوي روحك وتعرف أنت عاوز إيه، وأنا محتاجة أرجع لنفسي وأرمم كرامتي اللي اتهانت.. أنا هسيبك وأنا دعيالك بالشفاء، بس حكايتنا لحد هنا وانتهت.”
سبته وخرجت برة الأوضة، وأنا حاسة بوزن تقيل اتقلع من على كتافي. في الممر، قابلت نادين اللي كانت جاية تطمن عليه، بصيت في عينها.. مكنش جوة قلبي ليها أي غل أو كره، بالعكس، كنت شفقانة عليها من الصدمة. نادين بصتلي بامتنان وقالتلي: “شكراً يا سمر.. رامي حكالي في العربية وأنا بفك قيوده إنك أنتِ اللي لحقتيه في الفندق وأنتِ اللي خلتيه يجي ورا حسام.. أنا آسفة لو كنت سبب في وجعك من غير ما أعرف.”
ابتسمت لها وقولت: “مفيش أسف يا نادين، أنتِ مالكيش ذنب.. ربنا يسعدك مع جوزك ويبعد عنكم كل شر.”
خرجت من المستشفى، والشمس كانت بتشقشق ونور الصبح بيملى الدنيا، وكأن ربنا بيبعتلي رسالة إن بعد كل ضلمة في نهار جديد بيطلع. ركبت العربية وطلعت على بيت أبويا، وأنا واخدة معايا شنطتي، وواخدة معايا أهم درس خرجت بيه من التجربة دي.
### الحكمة من القصة:
> “الحب مش مجرد كلمة بتتقال، الحب هو الأمان، والتقدير، والاكتفاء.. وأكبر غلطة ممكن يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق غيره، إنه يدخل حكاية جديدة وهو لسه عايش على أطلال حكاية قديمة، لأنه ساعتها مبيكونش بيعالج جرحه، بل بيكون بيبني بيت على رمال متحركة، هتهد على دماغه ودماغ اللي معاه في أول عاصفة.
> والست لما بتصون بيتها وجوزها، بتصونهم بكرامتها وكبريائها، والراجل الذكي هو اللي يعرف قيمة النعمة اللي في إيده قبل ما تضيع منه.. لأن في فرص بتيجي مرة واحدة في العمر، وإذا ضاعت، مبيرجعهاش الندم ولا بيمحيها الأسف.”
>
تمت بحمد الله.


تعليقات
إرسال تعليق