القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

زعيم العيلة رجع بيته بدري وهو فاكر القصر فاضي

 زعيم العيلة رجع بيته بدري وهو فاكر القصر فاضي



زعيم العيلة رجع بيته_ حكايات ميرااا


زعيم العيلة رجع بيته بدري وهو فاكر القصر فاضي... لكنه لقى بنت الخدامة الصغيرة واقفة حافية بتغسل قميصه، والرجل اللي كان بيناديه أخويا كان في نفس اللحظة بيختار لهم مكان القبور.

أول حاجة قالتها ليان، اللي عندها تلات سنين، لما ياسين المنشاوي لقاها واقفة حافية جوه حوض الغسيل...

ما كانتش أنا آسفة.

كانت

لو سمحت... ماتطردش ماما من الشغل.

إيديها الصغيرة كانت غرقانة في قميص أبيض تمنه أكتر من مرتب أمها سارة في شهر كامل.

المية الساقعة كانت بتنزل على صوابعها، ورغوة الصابون مغرقة شعرها الكيرلي، وفستانها الأصفر مبلول لحد وسطها، والكرسي الخشب اللي واقفة عليه بيتهز مع كل مرة تحاول تفرك البقعة البنية اللي على ياقة القميص.

وقف ياسين عند الباب...

من غير ما يتحرك.

رجالة خانوه قبل كده واعترفوا وهم راكعين قدامه.

تجار تنازلوا عن أملاكهم أول ما دخل عليهم.

كل الناس كانت بتهابه.

لكن البنت الصغيرة دي...

كانت باصة له كأنه هو اللي مخوفها.

قالت بصوت واطي

أنا بغسله كويس... والله.

وفجأة الكرسي اتحرك تحتها.

في ثانيتين كان ياسين وصل ولحقها قبل ما تقع.

كانت خفيفة أوي بين إيديه.

القميص وقع في الحوض.

قالت بسرعة

أنا لسه هخلص... ماما قالت الشغل لازم يخلص.

سألها بهدوء

فين مامتك؟

أشارت ناحية البيت الصغير اللي ورا الجنينة.

ماما نايمة... جسمها سخن أوي، وقالت ما أصحيش حد عشان الناس بتزعل لما الواحد ما يقدرش يشتغل.

بص لإيديها...

كانت حمرا من برد المية، وفي جرح صغير في صباعها من كتر الدعك.

سألها

مين قالك إن الناس بتزعل؟

هزت راسها.

ماما ما قالتش الناس... قالت الأستاذ ياسين مشغول أوي، وماينفعش نعمله مشاكل.

ابتسم ابتسامة حزينة وقال

أنا الأستاذ ياسين.

ردت بصوت أصغر

عارفة... عشان كده كنت بساعد.

في اللحظة دي...

حس بحاجة اتكسرت جواه.

افتكر أمه...

وهو طفل.

افتكر يوم ماتت قدامه.

وافتكر أبوه...

وأخوه...

وكل الناس اللي خسرهم.

ولا مرة دموعه نزلت.

لكن النهارده...

وسط أوضة الغسيل، وهو شايل طفلة خايفة...

دموعه نزلت لأول مرة.

البنت بصتله باستغراب، ولمست خده بإيدها المبلولة.

وقالت

أنا بوظت القميص؟... عشان كده حضرتك بتعيط؟

مسك إيدها برفق وقال

لأ يا ليان.

البقعة مش راضية تروح... بس هحاول أكتر.

هز راسه.

أنا مش فارق معايا القميص.

أمال بتعيط ليه؟

سكت شوية...

وبعدين قال

عشان كان المفروض أعرف إن مامتك تعبانة.

فكرت شوية...

وقالت ببراءة

ماما بتقول اللي بيكتم زعله... قلبه بيبقى وحش.

قفل عينيه.

الجملة دي...

دي سارة.

الست الهادية اللي اشتغلت في قصره تلات سنين، وكانت تدخل وتخرج من غير ما حد يحس بيها.

كان يعرف إن عندها بنت.

لكن عمره ما عرف إن البنت دي كانت كل يوم تستنى عربيته من الشباك.

ولا عرف إن أمها علمتها تخاف على شغلها وهي عندها تلات سنين.




فتح فوطة ولفها حوالين ليان وشالها.

قال

تعالي معايا.

قالت وهي باصة للقميص

بس الشغل...

ابتسم وقال

الشغل يستنى.

هزت راسها وقالت

ماما بتقول الشغل ما بيستناش.

رد بابتسامة لأول مرة من سنين

يبقى النهارده... أنا ومامتك هنختلف.

حضنته الصغيرة وهي ملفوفة في الفوطة.

ولأول مرة...

الخوف اللي حس بيه من الثقة اللي حطتها فيه طفلة صغيرة، كان أكبر من خوفه من أي سلاح.

دخل بيها البيت الصغير.

لقى سارة نايمة على السرير، وشها شاحب، وجسمها مولع من السخونية.

أول ما شافته شايل بنتها...

اتفزعت.

وقالت بسرعة

أستاذ ياسين... أنا آسفة... كنت هرجع الشغل قبل الضهر.

لكن أول ما شافت إيدين بنتها المليانين صابون...

عرفت اللي حصل.

صرخت

ليان... عملتي إيه؟!

قالت البنت بابتسامة

غسلت قميص الأستاذ ياسين.

حطت سارة إيديها على وشها وهي بتهمس

يا نهار أبيض...

حاولت تقوم...

لكن الدوخة رجعتها مكانها.

قالت وهي محرجة

والله ما كنت أسمح لها تلمس حاجة من حاجتك.

رد بهدوء

هي كانت بتحاول تحافظ على شغلك.

نزلت دموع سارة.

قال

هتصل بدكتور حالًا.

قالت بسرعة

لأ...

وقف مستغرب.

همست

أنا ما أقدرش أدفع كشف دكتور.

قال وهو بيطلع موبايله

أنا ما سألتكيش تقدري ولا لأ.

قالت وهي بتبصله

لو سمحت... ماتعملش كده شفقة فيا.

بصلها في عينيها وقال بهدوء

ولو مش شفقة... يبقى إيه؟

لو عايز تعرف سارة ردت بإيه، وإزاي اكتشف ياسين إن أقرب واحد ليه كان بيخطط يدفنه هو والطفلة، اكتب نعم. الجزء الثاني في أول تعليق. 

زعيم العيلة رجع بيته بدري وهو فاكر القصر فاضي... لكنه لقى بنت الخدامة الصغيرة واقفة حافية بتغسل قميصه، والرجل اللي كان بيناديه أخويا كان في نفس اللحظة بيختار لهم مكان القبور.

حكايات_ميراااا

سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ

باقي القصة هتنزل هنا 

في اللحظة اللي قال فيها ياسين

ولو مش شفقة... يبقى إيه؟

رفعت سارة عينيها بتعب، وقالت بصوت مبحوح

يبقى دين... وأنا طول عمري بخاف أبقى مدينة لحد.

سكت ياسين لحظة، وبعدين رد بهدوء

فيه فرق بين الدين... وبين إن الواحد يعمل الصح.

قبل ما سارة ترد، كان الدكتور دخل بعد دقائق، وفحصها بسرعة.

قال وهو بيكتب الروشتة

حرارة عالية والتهاب شديد. لو كانت فضلت يوم كمان من غير علاج، كانت حالتها هتسوء جدًا.

لف وشه لياسين.

محتاجة راحة أسبوع كامل... وممنوع أي مجهود.

بمجرد ما خرج الدكتور، قالت سارة بخوف

أسبوع؟! والشغل؟

رد ياسين من غير ما يفكر

إجازة مدفوعة.

هزت راسها بعناد.

لا... أنا ماخدتش مرتب على حاجة ما اشتغلتهاش قبل كده.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

يبقى اعتبريه أول مرة.

...

في نفس الوقت...

في مبنى الإدارة داخل القصر...

كان فؤاد المنشاوي، ابن عم ياسين والرجل الوحيد اللي كان يناديه دايمًا يا أخويا... قاعد قدام اتنين من رجال العصابة.



فرد خريطة كبيرة على الترابيزة.

وأشار لمكان مهجور وسط الجبل.

وقال ببرود

هنا.

سأله واحد منهم

متأكد؟

ابتسم.

محدش بيدور على حد هنا.

التاني قال

وياسين؟

رد وهو بيولع سيجارة

هيموت وهو فاكر إن اللي قتله أغراب.

أما الخدامة وبنتها...

فدي مجرد شهود.

لازم يختفوا.

...

بعد ساعات...

كان ياسين قاعد في أوضة المكتب، وليان نايمة على الكنبة وهي حضنة الدبدوب اللي اشتراه لها في طريق رجوعه من الصيدلية.

دخل كبير الحرس، سامح.

قال

يا باشا...

في حاجة غريبة.

رفع ياسين عينه.

خير؟

مد له ملفًا.

دي كشوف المرتبات.

فتحها بسرعة.

كل حاجة كانت طبيعية...

لحد ما وقف عند اسم سارة.

عقد حواجبه.

هي بتشتغل هنا بقالها تلات سنين؟

أيوه.

ليه مرتبها أقل من كل العمال؟

سامح اتردد.

الحقيقة... الأستاذ فؤاد هو اللي كان بيحدد مرتبات العمال بنفسه.

رفع ياسين رأسه ببطء.

فؤاد؟

أيوه.

قلب باقي الأوراق.

ولقى حاجة أغرب.

كل شهر...

كان بيتخصم من مرتب سارة مبلغ تحت بند

تلفيات.

همس

تلفيات إيه؟

قال سامح

عمرها ما كسرت حاجة.

أمال الخصومات دي؟

بلع ريقه.

الأستاذ فؤاد كان يقول دي أوامر حضرتك.

اتجمدت ملامح ياسين.

أنا؟

هز سامح رأسه.

والست كانت كل مرة تشكره... وتقول الحمد لله إن الأستاذ ياسين رضي يشغلها.

قفل الملف بعنف.

أول مرة يحس إن اسمه اتستخدم عشان يظلم حد وهو مايعرفش.

...

في المساء...

دخل يطمن على سارة.

لقاها صاحيه.

قال بهدوء

في سؤال.

بصتله.

اتفضّل.

ليه استحملتي كل الظلم ده؟

ابتسمت ابتسامة فيها وجع.

لأني كنت محتاجة أربي بنتي.

حتى الخصومات؟

الرزق على الله.

وحتى الإهانة؟

نزلت عينيها.

الكرامة أوقات بتسكت... عشان العيال تعرف تعيش.

الجملة نزلت على قلبه كالرصاص.

...

وفي الخارج...

كان فؤاد واقف يراقب البيت الصغير من بعيد.

طلع موبايله.

وقال للرجل اللي على الطرف التاني

جهزوا العربية.

الليلة دي هنخلص من الثلاثة مع بعض.

ياسين...

وسارة...

والبنت الصغيرة.

ثم ابتسم ابتسامة باردة، وهو لا يعرف أن أحد رجاله سمع المكالمة كاملة... وقرر لأول مرة يخون فؤاد، ويبلغ ياسين بكل ما سمعه، قبل تنفيذ الخطة بدقائق رن هاتف ياسين بعد منتصف الليل.

كان الرقم مجهولًا.

أجاب بصمت.

جاله صوت راجل بيتكلم بسرعة وهو بيهمس

اقفل النور... وما تخرجش من البيت الصغير... في ناس جاية تقتلك.

اعتدل ياسين في وقفته.

مين معايا؟

ماليش وقت أقولك أنا مين... لكن لو عايز تعيش، خُد الست والبنت واطلع من الباب الخلفي حالًا.

وقفل الخط.

وقف ياسين ثواني قليلة يفكر.

ثم فتح درج المكتب.

طلع مسدسه، واتصل بكبير الحرس سامح.

من غير ما حد يحس... هات أربعة من أوثق الرجالة وتعال ورا البيت الصغير.

حاضر يا باشا.

دخل أوضة سارة.

لقاها صاحية، كأن القلق مانعها تنام.

قال بهدوء

البسي أنتي وليان بسرعة.

اتوترت.

في إيه؟

مافيش


وقت للأسئلة.

حضنت ليان وهي نايمة، وخرجوا من الباب الخلفي.

بعد أقل من دقيقتين...

دخلت عربيتان سوداوان من البوابة الجانبية للقصر.

نزل منها ستة رجال ملثمين.

واحد منهم قال

اتأكدوا إنه جوه.

لكن أول ما قربوا من البيت الصغير...

اشتغلت الكشافات كلها مرة واحدة.

واتحاصروا من كل ناحية.

صرخ سامح

ارموا السلاح!

بدأ إطلاق النار.

استمرت المواجهة أقل من دقيقة.

اتقبض على أربعة، واتنين هربوا في الضلمة.

أحد المقبوض عليهم كان مصابًا في كتفه.

ياسين وقف قدامه وقال ببرود

مين اللي باعتكم؟

الرجل سكت.

ياسين أشار للحرس يبعدوا.

ثم قال

اللي دفعلك كام... أنا هدفع عشرة أضعافه، لكن عايز الحقيقة.

الرجل رفع عينيه بخوف.

وقال

إحنا... إحنا شغالين مع الأستاذ فؤاد.

ساد الصمت.

حتى سامح اتجمد مكانه.

سأل ياسين بصوت منخفض

فؤاد المنشاوي؟

هز الرجل رأسه.

هو اللي قال... محدش يخرج عايش... حتى البنت الصغيرة.

قبض ياسين على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله.

لم يغضب لأنه أراد قتله...

غضب لأنه صدّق فؤاد طوال هذه السنين.

وفي نفس اللحظة...

كان فؤاد داخل مكتبه، يبتسم وهو ينتظر اتصالًا يؤكد انتهاء المهمة.

لكن بدلًا من ذلك...

دخل عليه أحد رجاله وهو يلهث.

اهرب يا باشا!

وقف فؤاد مذعورًا.

ليه؟

قال الرجل

ياسين عرف كل حاجة... والرجالة اتقبض عليهم.

اختفت الابتسامة من وجه فؤاد.

فتح الخزنة بسرعة، وأخذ جواز سفر وحقيبة مليئة بالنقود.

وقال وهو يتجه إلى الباب

يبقى نسيب البلد الليلة.

لكنه عندما فتح الباب...

وجد ياسين واقفًا أمامه، وخلفه رجال الحراسة.

نظر إليه ياسين طويلًا، ثم قال بصوت هادئ أخطر من الصراخ

كنت فاكر إنك أخويا...

لكن واضح إني كنت آخر واحد عرف حقيقتك.

وتراجع فؤاد خطوة إلى الخلف، بعدما أدرك أن طريق الهرب قد أُغلق تمامًا اتراجع فؤاد خطوة، وهو بيحاول يحافظ على هدوء ملامحه.

ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال

ياسين... واضح إن في حد لعب في دماغك.

فضل ياسين ساكت.

مد سامح إيده، وحط تسجيل صوتي على المكتب.

ضغط زر التشغيل.

خرج صوت فؤاد واضحًا

محدش يخرج عايش... حتى البنت الصغيرة.

اختفت الألوان من وش فؤاد.

بص لياسين وقال بسرعة

التسجيل متفبرك.

رد ياسين بهدوء

وأنا كنت أتمنى يكون كده.

فتح سامح ملفًا تاني.

جواه كشوف تحويلات مالية، وصور لكاميرات المراقبة، واعترافات مكتوبة من اتنين من الرجال اللي اتقبض عليهم.

قال ياسين

كل حاجة كنت فاكرها مجرد شك... بقت قدامي دليل.

تنهد فؤاد وقال

أيوه... كنت عايز أخد مكانك.

لكن أنا اللي بنيت معظم شغل العيلة.

وأنت كنت بتحصد كل المجد.

رفع ياسين عينه ناحيته.

وعشان كده قررت تقتل طفلة عندها تلات سنين؟

سكت فؤاد.

لأول مرة...

ما لقىش إجابة.

أشار ياسين للحرس.

خدوه.

حاول فؤاد يقاوم، لكن الرجال قيدوا إيديه.

وقبل ما يخرج، لف وبص لياسين.

هتندم.


.. في ناس أكبر مني وراك.

رد ياسين

لما ييجوا... هبقى مستنيهم.

طلع ياسين للبيت الصغير.

لقى ليان صاحية، أول ما شافته جريت عليه.

حضنته بكل قوتها.

وقالت

الوحش مشي؟

ابتسم رغم تعبه.

أيوه... مشي.

رفعت وشها الصغير وقالت

يبقى ماما مش هتعيط تاني؟

بص ناحية سارة.

كانت واقفة عند الباب، الدموع مالية عينيها.

قال بهدوء

طول ما أنا موجود... محدش هيقرب


 

منكم.

أخفضت سارة رأسها.

وقالت

أنا اشتغلت هنا عشان أربي بنتي... ماكنتش أتخيل إن بنتي هي اللي هتنقذ حياتي.

ابتسم ياسين وهو بينظر إلى ليان.

ولا أنا.

ثم مد يده إلى سارة، وسلمها ظرفًا.

فتحته باستغراب.

كان فيه عقد بيت صغير باسمها، ورصيد يكفيها تبدأ حياة جديدة.

قال

ده حقك... مش منة.

هزت رأسها وهي تحاول تمنع دموعها.

وأنا لو وافقت... هفضل مدينة ليك.

ابتسم لأول مرة براحة حقيقية.

يبقى سدديه...

استغربت.

قال وهو بينزل لمستوى ليان

ربّي ليان تفضل بنفس القلب ده... ده أغلى رد جميل ممكن آخده.

ابتسمت ليان وهي ماسكة إيده، وقالت ببراءة

يعني هينفع أغسل قميصك تاني؟

ضحك ياسين من قلبه لأول مرة من سنين، وقال

لا يا ستي...

المرة الجاية، هنشتري غسالة جديدة... ونسيب القمصان في حالها.

وانتشر صوت ضحكتهم في البيت الصغير، بعد أيام طويلة كان الخوف هو الصوت الوحيد الذي يملأ المكان بعد مرور شهرين...

بدأت الحياة ترجع لطبيعتها.

سارة خفت تمامًا، لكن ياسين رفض إنها ترجع لنفس الشغل.

قال لها

انتي مش خدامة في البيت ده من النهارده.

استغربت.

أمال هشتغل إيه؟

ناولها ملف صغير.

الحسابات.

فتحت الملف بدهشة.

أنا؟

سامح قالي إنك خريجة تجارة، وكنتِ شاطرة، لكن الظروف هي اللي أجبرتك تشتغلي أي شغل.

سكتت لحظة، ثم قالت

بس أنا بقالي سنين بعيدة عن المجال.

ابتسم.

والمهارة بترجع بالتعلم.

...

أما ليان...

فبقت أول واحدة تستقبله كل يوم.

أول ما تسمع صوت عربيته، تجري وهي تصرخ

الأستاذ ياسين جه!

وكان يرد ضاحكًا

كام مرة قولتلك اسمي ياسين بس؟

فتهز رأسها بعناد.

ماما قالت لازم أحترم الكبير.

...

في أحد الأيام...

كان ياسين يراجع ملفات الشركة.

دخل سامح بسرعة، وملامحه متوترة.

يا باشا...

في مشكلة.

رفع ياسين رأسه.

خير؟

حط سامح ظرفًا قدامه.

ده وصل من غير اسم.

فتح ياسين الظرف.

كان جواه صورة قديمة جدًا.

صورة لأمه وهي شايلة طفل صغير...

لكن الطفل لم يكن هو.

كان فؤاد.

وخلف الصورة مكتوب بخط قديم

مش كل اللي تعرفه عن عيلتك حقيقي.

وفي ورقة تانية مكتوب

لو عايز تعرف مين قتل أمك بجد... تعال لوحدك، الساعة عشرة بالليل، للمخزن القديم عند الميناء.

اتجمد ياسين.

لأنه طول عمره كان مقتنع إن أمه ماتت في حادث.

لكن الرسالة كانت بتقول إن الحقيقة مختلفة تمامًا...

وفي نفس اللحظة، كان شخص مجهول يراقب القصر من بعيد، وابتسم وهو يتمتم

اللعبة الحقيقية... لسه ما بدأتش الساعة كانت بتقرب من العشرة.

سامح وقف قدام ياسين وقال بحزم

ما تروحش يا باشا... دي أكيد فخ.

طوى ياسين الورقة وحطها في جيبه.

عارف إنها فخ.

أمال رايح ليه؟

بص للصورة القديمة.

لأن اللي يعرف حاجة عن أمي... لازم أسمعه.

حاول سامح يوقفه، لكنه رفض ياخد أي حد معاه.

...

وصل المخزن القديم.

المكان كان مهجور، وريحة البحر مالية الجو.

دخل


بحذر.

وفجأة...

نور كشاف اشتغل في آخر المخزن.

ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، وساند على عصاية.

قال بهدوء

كنت عارف إنك هتيجي.

رفع ياسين سلاحه.

أنت مين؟

ابتسم الراجل.

اسمي محمود.

كنت السواق الخاص لأبوك.

اتجمد ياسين.

أبويا مات من أكتر من عشرين سنة.

هز الراجل رأسه.

ومات وهو فاكر إن أقرب الناس ليه أوفياء.

سكت لحظة، ثم أخرج ظرفًا قديمًا.

أبوك سلمني ده قبل ما يموت بساعات.

وقال لي لو حصل لي حاجة... ما تسلموش لابني غير لما يبقى قوي ويقدر يواجه الحقيقة.

فتح ياسين الظرف.

كان فيه خطاب بخط والده.

قرأ أول سطر

يا ياسين... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا اتغدرت.

قبض على الورقة بقوة.

وأكمل القراءة.

العدو مش بعيد... العدو من دمنا.

رفع رأسه بسرعة.

تقصد فؤاد؟

قال محمود

لا.

فؤاد كان مجرد أداة.

اتسعت عينا ياسين.

أمال مين؟

قبل أن يجيب...

دوّى صوت رصاصة.

استقرت في كتف محمود.

وقع الرجل على الأرض وهو يتألم.

استدار ياسين بسرعة، وأطلق النار ناحية مصدر الرصاصة.

لكن المهاجم كان لابس قناعًا، وقفز إلى خارج المخزن.

جرى ياسين وراءه.

خرج إلى الرصيف...

لكنه لقى مركبًا سريعًا ابتعد في عرض البحر.

اختفى المهاجم.

رجع بسرعة لمحمود.

كان بينه وبين الموت لحظات.

مسك ياسين إيده وقال

مين؟ قولّي مين؟

ابتسم محمود بصعوبة.

وقال بكلمات متقطعة

دور... على... الخاتم...

خاتم... النسر...

ثم أغمض عينيه.

وفي يده...

كان ممسكًا بخاتم ذهبي عليه نقش نسر، لم يره ياسين من قبل.

أخذ ياسين الخاتم، وهو يدرك أن الحقيقة التي كان يبحث عنها أصبحت أكبر بكثير من مجرد خيانة فؤاد، وأن اسمًا جديدًا دخل اللعبة... اسم لم يعرفه بعد، لكنه كان وراء كل ما حدث منذ سنوات الساعة كانت بتقرب من العشرة.

سامح وقف قدام ياسين وقال بحزم

ما تروحش يا باشا... دي أكيد فخ.

طوى ياسين الورقة وحطها في جيبه.

عارف إنها فخ.

أمال رايح ليه؟

بص للصورة القديمة.

لأن اللي يعرف حاجة عن أمي... لازم أسمعه.

حاول سامح يوقفه، لكنه رفض ياخد أي حد معاه.

...

وصل المخزن القديم.

المكان كان مهجور، وريحة البحر مالية الجو.

دخل بحذر.

وفجأة...

نور كشاف اشتغل في آخر المخزن.

ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، وساند على عصاية.

قال بهدوء

كنت عارف إنك هتيجي.

رفع ياسين سلاحه.

أنت مين؟

ابتسم الراجل.

اسمي محمود.

كنت السواق الخاص لأبوك.

اتجمد ياسين.

أبويا مات من أكتر من عشرين سنة.

هز الراجل رأسه.

ومات وهو فاكر إن أقرب الناس ليه أوفياء.

سكت لحظة، ثم أخرج ظرفًا قديمًا.

أبوك سلمني ده قبل ما يموت بساعات.

وقال لي لو حصل لي حاجة... ما تسلموش لابني غير لما يبقى قوي ويقدر يواجه الحقيقة.

فتح ياسين الظرف.

كان فيه خطاب بخط والده.

قرأ أول سطر

يا ياسين... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا اتغدرت.

قبض على الورقة


بقوة.

وأكمل القراءة.

العدو مش بعيد... العدو من دمنا.

رفع رأسه بسرعة.

تقصد فؤاد؟

قال محمود

لا.

فؤاد كان مجرد أداة.

اتسعت عينا ياسين.

أمال مين؟

قبل أن يجيب...

دوّى صوت رصاصة.

استقرت في كتف محمود.

وقع الرجل على الأرض وهو يتألم.

استدار ياسين بسرعة، وأطلق النار ناحية مصدر الرصاصة.

لكن المهاجم كان لابس قناعًا، وقفز إلى خارج المخزن.

جرى ياسين وراءه.

خرج إلى الرصيف...

لكنه لقى مركبًا سريعًا ابتعد في عرض البحر.

اختفى المهاجم.

رجع بسرعة لمحمود.

كان بينه وبين الموت لحظات.

مسك ياسين إيده وقال

مين؟ قولّي مين؟

ابتسم محمود بصعوبة.

وقال بكلمات متقطعة

دور... على... الخاتم...

خاتم... النسر...

ثم أغمض عينيه.

وفي يده...

كان ممسكًا بخاتم ذهبي عليه نقش نسر، لم يره ياسين من قبل.

أخذ ياسين الخاتم، وهو يدرك أن الحقيقة التي كان يبحث عنها أصبحت أكبر بكثير من مجرد خيانة فؤاد، وأن اسمًا جديدًا دخل اللعبة... اسم لم يعرفه بعد، لكنه كان وراء كل ما حدث منذ سنوات وقف ياسين للحظات، والخاتم بين أصابعه.

كان ثقيلًا على غير العادة.

قلبه...

فلاحظ أن من الداخل منقوش حرفان صغيران

ن . م

وأسفل الحرفين...

تاريخ يرجع إلى سبعة وعشرين عامًا.

دخل سامح ورجاله بعد ما سمعوا صوت الرصاص.

أول ما شافوا محمود على الأرض، اتجمدوا.

قال سامح

لحقناه؟

هز ياسين رأسه في صمت.

ثم مد له الخاتم.

تعرفه؟

اتسعت عينا سامح.

مستحيل...

تعرفه ولا لأ؟

ابتلع ريقه.

الخاتم ده كان بيتقال عليه خاتم النسر.

مين كان بيلبسه؟

سكت لحظة، ثم قال

زعيم مجلس العائلات القديم... الراجل اللي كان كل الزعماء بيخافوا منه.

عقد ياسين حاجبيه.

لكن المجلس ده انتهى من سنين.

رد سامح

ده اللي الناس كلها فاكراه.

...

في صباح اليوم التالي...

وصل ياسين إلى مكتبه.

كانت سارة ترتب بعض الملفات.

أول ما شافت ملامحه، عرفت إن الليلة ما عدتش على خير.

قالت بهدوء

حصل إيه؟

حكى لها كل شيء.

ولما أخرج الخاتم، فضلت تبص له ثواني طويلة.

ثم فجأة...

وشها شحب.

لاحظ ياسين ده فورًا.

مالك؟

قالت بصوت مرتعش

أنا... شفت الخاتم ده قبل كده.

وقف من مكانه.

فين؟

قالت وهي تحاول تتذكر

من أربع سنين...

قبل ما أشتغل هنا.

كنت شغالة في بيت راجل كبير.

وفي يوم جه واحد لابس الخاتم ده.

كل اللي في البيت وقفوا أول ما دخل.

حتى صاحب البيت كان بيناديه...

سعادة الرئيس.

اقترب منها ياسين.

تعرفي اسمه؟

هزت رأسها.

لا...

بس فاكرة حاجة.

إيه؟

قالت

كان أعرج... وبيعتمد على عصاية فضة.

نظر ياسين إلى سامح.

سامح همس

نفس وصف الراجل اللي اختفى من خمسة وعشرين سنة...

الرجل اللي الناس كلها كانت فاكرة إنه مات.

وفي اللحظة نفسها...

في قصر قديم على أطراف المدينة...

كان رجل مسن يجلس على كرسي ضخم، وبجواره عصا فضية.

دخل أحد رجاله وقال

يا سعادة الرئيس...

ياسين


المنشاوي وصل للخاتم.

ابتسم الرجل ببطء.

ثم قال

إذًا...

أخيرًا بدأ يسير في الطريق الذي رسمته له منذ أن كان طفلًا.

ورفع يده...

فظهر في إصبعه خاتم آخر، مطابق تمامًا للخاتم الذي يحمله ياسين.

يتبع...مرّت ثلاثة أيام...

ولا خبر جديد.

لكن ياسين كان عارف إن الهدوء ده مش طبيعي.

في صباح اليوم الرابع، دخلت ليان المكتب وهي ماسكة رسمة ملونة.

جريت ناحيته وقالت

بص يا ياسين... رسمتك.

ابتسم وأخذ الورقة.

كان فيها هو، وسارة، وليان، وبيت كبير، وشمس طالعة.

لكن في آخر الرسمة...

كان فيه راجل بعصاية.

سألها وهو مستغرب

ده مين؟

قالت ببساطة

الراجل اللي كان واقف بره المدرسة.

اتجمد ياسين.

إمتى؟

امبارح.

دخلت سارة بسرعة.

ليان... إنتِ ماقولتيش كده!

قالت الصغيرة

افتكرت إنه صاحب ياسين.

كان بيضحكلي.

ويقول قولي لياسين... اللعبة قربت.

اختفت الابتسامة من وجه ياسين.

أمر سامح فورًا يراجع كاميرات المدرسة.

وبعد ساعة...

رجع سامح وهو ماسك جهاز لوحي.

شغّل الفيديو.

ظهر رجل مسن، أنيق، يعتمد على عصا فضية.

وقف بعيدًا عن المدرسة، ولم يحاول الاقتراب من الأطفال.

لكن قبل أن يركب سيارته...

رفع وجهه نحو الكاميرا.

وابتسم.

كأنه كان يعرف أنهم سيشاهدون التسجيل.

ثم لمس الخاتم الذي في يده...

واختفى.

قال سامح

لقينا رقم العربية.

لكن...

العربية مسجلة باسم شخص مات من خمسة عشر سنة.

تنهد ياسين.

هو بيلعب معانا.

...

في تلك الليلة...

وصل إلى القصر صندوق خشبي صغير، من دون اسم.

فتحه سامح بحذر.

لم يكن بداخله سلاح...

ولا رسالة.

كان فيه ساعة يد قديمة، متوقفة عند الساعة 815.

وتحتها ورقة واحدة.

مكتوب فيها

اسأل عن اللي حصل الساعة 815... يوم ماتت أمك.

ظل ياسين ينظر إلى الساعة طويلًا.

لأول مرة...

بدأ يشك أن وفاة أمه لم تكن مجرد حادث، بل جريمة أُخفيت حقيقتها لسنوات.

رفع رأسه وقال لسامح

من بكرة...

هنبدأ نفتش في كل ورقة قديمة، وكل سجل، وكل شاهد لسه عايش.

إذا كان في حد بيلعب معايا من زمان...

فأنا كمان هبدأ ألعب.

لكن بقواعدي أنا.

وانتهى ذلك اليوم، بينما كان الرجل صاحب العصا الفضية يراقب القصر من شرفة قصره البعيد، ويتمتم بثقة

اقتربت يا ياسين...

لكن الحقيقة الأخيرة... هي الأصعب مع أول ضوء للشمس...

فتح ياسين أرشيف العائلة لأول مرة منذ وفاة والده.

كانت غرفة قديمة، لم يدخلها أحد منذ سنوات.

الملفات مغطاة بالتراب، والصور باهتة، والسجلات مرصوصة داخل خزائن حديدية.

وبينما يقلب الأوراق...

لفت نظره دفتر صغير مكتوب عليه

يوميات أمينة.

أمينة...

اسم أمه.

فتح الدفتر بيد مرتجفة.

كانت أغلب الصفحات ممزقة.

لكن بقيت صفحة واحدة.

قرأ فيها

لو حصل لي شيء، فأنا لا أخاف على نفسي... أخاف على ياسين. لأن الحقيقة التي عرفتها ستجعلهم يطاردونه حتى يكبر.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

قلب الصفحة...



فوجد صورة قديمة سقطت من بين الأوراق.

الصورة كانت تجمع والده ووالدته... ومعهما رجل ثالث.

الرجل نفسه...

صاحب العصا الفضية.

لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.

بل في ظهرها.

كان مكتوبًا بخط والده

إخوتي الثلاثة... قبل أن يفرقنا الطمع.

اتسعت عينا ياسين.

همس

إخوتي؟

يعني الرجل صاحب العصا...

لم يكن عدوًا من الخارج.

كان عمه.

وفي تلك اللحظة، دخل سامح مسرعًا.

يا باشا!

رفع ياسين رأسه.

خير؟

قال


 

سامح وهو يلهث

سارة... وليان اختفوا.

وقف ياسين فجأة.

إزاي؟

خرجوا الصبح يوصلوا ليان للحضانة... والعربية لقيْناها واقفة على الطريق.

الباب مفتوح...

لكن مفيش حد.

شعر ياسين أن الأرض اهتزت تحت قدميه.

وقبل أن يتحرك...

رن هاتفه.

رقم مجهول.

فتح الخط.

جاءه نفس الصوت الهادئ الذي سمعه في تسجيل الكاميرات

صباح الخير يا ياسين...

لو عايز تشوف سارة وليان أحياء...

تعالى وحدك.

ولو جبت حد معاك...

هترجع لوحدك.

ثم أُغلق الخط، بينما قبض ياسين على الهاتف بقوة، مدركًا أن المعركة لم تعد تخص ماضي عائلته فقط... بل أصبحت تخص أغلى شخصين دخلا حياته وقف ياسين للحظة، وكل الغرفة ساكتة.

سامح قال بسرعة

مستحيل تروح لوحدك.

رفع ياسين إيده، وسكّته.

ثم قال بهدوء

هو عايزني أفقد أعصابي... وأنا مش هعمل اللي هو عايزه.

رن الهاتف مرة تانية.

وصله عنوان مزرعة قديمة على أطراف المدينة، ومع الرسالة جملة واحدة

قدامك ساعة.

ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة.

هو فاكر إنه بيسحبني لفخ... لكن إحنا هنسبقه.

أمر سامح يقسم الرجال لمجموعات، من غير ما حد يقرب من المزرعة إلا بإشارته.

ثم ركب عربيته واتجه للمكان.

...

وصل قبل الموعد بخمس دقائق.

المزرعة كانت مهجورة.

الباب الحديدي مفتوح، وصوت الريح يحرّك الأشجار.

دخل بحذر.

وفجأة...

سمع صوت ليان.

يا ياسين!

جرى ناحية الصوت.

فتح باب المخزن...

ولقى ليان قاعدة على كرسي، لكن من غير أي قيود.

أول ما شافته جريت عليه وحضنته.

قال بلهفة

إنتِ كويسة؟

هزت راسها.

أيوه.

وماما فين؟

قالت الصغيرة

الراجل قال إن ماما في أوضة تانية.

قبل ما يتحرك...

سمع صوت تصفيق.

استدار.

كان الرجل صاحب العصا الفضية واقفًا عند الباب.

ابتسم وقال

نجحت في أول اختبار.

قبض ياسين على سلاحه.

فين سارة؟

رد الرجل بهدوء

بخير.

ومحدش لمسها.

نظر ياسين إليه بغضب.

ليه عملت كده؟

اقترب الرجل خطوة.

لأني كنت عايز أعرف...

لو خيرتك بين الانتقام...

وبين إنقاذ اللي بتحبهم...

هتختار إيه.

رد ياسين من غير تردد

أختارهم.

ابتسم الرجل لأول مرة.

وقال

إذًا... أنت مختلف عن أبوك.

عقد ياسين حاجبيه.

تقصد إيه؟

تنهد الرجل.

أبوك اختار الانتقام...

وخسر كل شيء.

أما أنت...

فاختارت البشر.

وده السبب اللي خلاني أوقف اللعبة هنا.

ثم أشار بيده.

فُتح باب جانبي.

خرجت سارة وهي تجري نحو ليان، واحتضنتها بقوة.

صرخت

الحمد لله...

نظر ياسين إلى الرجل.

مين أنت بالضبط؟

خلع الرجل خاتمه ووضعه على الطاولة.

وقال

أنا نجيب المنشاوي...

أخو أبوك.

وأنا آخر واحد يعرف الحقيقة كاملة.

لو عايز تعرف مين قتل أمك وأبوك...

تعالى بكرة.

لكن المرة دي...

مش كعدوين.

كعيلة.

ثم استدار وغادر ببطء، تاركًا ياسين ينظر إلى الخاتم، بينما بدأت أكبر أسرار عائلة المنشاوي تنكشف أخيرًا في صباح اليوم التالي...

لم ينم ياسين سوى ساعة واحدة.

كان كل ما حدث يدور في رأسه.

إذا كان نجيب عمه فعلًا...

فلماذا اختفى

كل هذه السنوات؟

ولماذا عاد الآن؟

في تمام التاسعة صباحًا...

وصل ياسين إلى العنوان الذي أرسله نجيب.

لم يكن قصرًا.

ولا مخزنًا.

كان منزلًا ريفيًا قديمًا، تحيط به أشجار الزيتون.

فتح الباب بنفسه.

وقال بهدوء

كنت عارف إنك هتيجي.

دخل ياسين، لكنه لم يجلس.

قال مباشرة

الحقيقة... من أولها.

تنهد نجيب طويلًا.

ثم فتح صندوقًا خشبيًا قديمًا.

أخرج منه ثلاث صور.

وضع الأولى أمام ياسين.

كانت صورة لأبيه، وأمه، ونجيب... وهم يضحكون.

قال

قبل ثلاثين سنة، كنا عيلة واحدة.

ثم وضع الصورة الثانية.

ظهر فيها رجل غريب يرتدي بدلة سوداء.

قال

ده اسمه كمال الدهبي.

كان شريك أبوك.

وأخطر راجل قابلناه في حياتنا.

ثم وضع الصورة الثالثة.

وفيها...

كان فؤاد طفلًا صغيرًا يقف بجوار كمال.

رفع ياسين رأسه بصدمة.

يعني... فؤاد؟

هز نجيب رأسه.

فؤاد ماكانش صدفة دخل حياتك.

كان متربي من وهو صغير على إيد كمال.

كان مزروع وسط العيلة.

شعر ياسين أن كل قطعة في اللغز بدأت تركب مكانها.

لكن بقي سؤال واحد.

وأمي؟

أغمض نجيب عينيه.

وقال بصوت منخفض

أمك اكتشفت إن كمال خان أبوك، وسرق فلوس العيلة، وقتل رجالًا أبرياء.

وقررت تبلغ السلطات.

كمال عرف.

وفي الليلة اللي كانت راجعة فيها للبيت...

قطع فرامل عربيتها.

اتجمد ياسين.

يعني...

قال نجيب وهو يحني رأسه

أمك ما ماتتش في حادث.

اتقتلت.

ساد صمت ثقيل.

ولأول مرة منذ سنوات...

لم يشعر ياسين بالغضب.

شعر بالحزن.

حزن طفل عرف متأخرًا كيف فقد أمه.

وفي تلك اللحظة...

دخل أحد رجال نجيب مسرعًا وهو يلهث.

يا باشا!

وقف نجيب.

خير؟

قال الرجل

كمال الدهبي رجع البلد...

وباعث رسالة.

ناولهم ظرفًا أسود.

فتحه ياسين.

كانت فيه ورقة واحدة.

مكتوب عليها

دلوقتي عرفت الحقيقة... فاضل تشوف النهاية.

ثم في أسفل الورقة...

عنوان...

وموعد بعد غروب الشمس.

نظر نجيب إلى ياسين وقال

المرة دي...

إما هننهي الحرب...

أو الحرب هتنهينا مع غروب الشمس...

تحركت سيارتان فقط.

واحدة فيها ياسين.

والثانية فيها نجيب.

رفض ياسين ياخد أي حد تاني.

وقال لسامح قبل ما يمشي

لو مرجعتش...

خليك جنب سارة وليان.

هز سامح رأسه وهو مخنوق.

هترجع يا باشا... لازم ترجع.

كان العنوان مصنعًا قديمًا خارج المدينة.

أبوابه الحديدية صدئة، لكن الأنوار في الداخل كانت شغالة.

دخل ياسين ونجيب بحذر.

وفجأة...

اشتغلت شاشة كبيرة على الحائط.

ظهر عليها رجل في الستين من عمره، شعره أبيض، لكن نظرته حادة.

ابتسم وقال

أخيرًا... اتقابلنا يا ياسين.

قال ياسين ببرود

كمال الدهبي.

ضحك الرجل.

واضح إن نجيب حكى لك كل حاجة...

لكن للأسف، ماحكاش الحقيقة كلها.

نظر نجيب للشاشة بغضب.

اسكت.

ابتسم كمال.

ليه؟ خايف يعرف إنك إنت كمان كنت شريك؟

اتسعت عينا ياسين.

التفت إلى نجيب.

يقصد إيه؟

خفض نجيب رأسه.

وقال بصوت مكسور

زمان... كنت بشتغل معاه.

لكن أول ما عرفت جرائمه... سبت كل حاجة.

صرخ ياسين

وليه ما

قلتليش؟

قال نجيب

لأنك كنت هتكرهني قبل ما تسمع باقي الحقيقة.

قاطعهم كمال وهو يصفق.

جميل... العيلة بتتفكك قدامي من غير ما أتعب.

ثم أشار إلى الكاميرا.

فانفتح باب جانبي.

ودخل سامح... مكبل اليدين.

شهقت أنفاس ياسين.

سامح!

ابتسم كمال.

كنت فاكر إنك الوحيد اللي بيعرف يحط خطط؟

سامح حاول يتكلم.

أوعى...

لكن أحد الرجال ضربه فسكت.

قال كمال

قدامك اختيار واحد.

يا تنقذ سامح...

يا تمسك بيا.

ولو اخترتني...

صاحبك هيموت.

سكت ياسين ثواني.

ثم أنزل سلاحه على الأرض.

وقال

أنقذ سامح.

ابتسم كمال بثقة.

لكنه لم يكن يعرف أن سامح، قبل دقائق من أسره، كان قد زرع جهاز تتبع صغيرًا داخل المصنع.

وفي الخارج...

كانت عشرات سيارات الشرطة تقترب بصمت، بعد أن أرسل الجهاز موقعهم قبل أن يُقبض عليه.

أما ياسين، فظل ثابتًا في مكانه، ينتظر اللحظة المناسبة، بينما بدأ كمال يشعر لأول مرة أن الخطة التي رسمها منذ ثلاثين عامًا قد تنقلب عليه في اللحظة التي انشغل فيها رجال كمال بفك قيود سامح...

وصل صوت صفارات سيارات من بعيد.

تغيرت ملامح كمال فجأة.

صرخ في رجاله

اقفلوا كل المخارج!

لكن الوقت كان متأخرًا.

بدأ الارتباك ينتشر بين رجاله، وكل واحد بقى يبص للتاني.

استغل ياسين اللحظة.

اندفع ناحية سامح، وفك آخر قيد في إيده.

سامح قال وهو يلهث

كنت عارف إنك مش هتسيبني.

ابتسم ياسين ابتسامة سريعة.

ولا مرة.

في الناحية التانية، حاول كمال يهرب من باب خلفي.

لكن نجيب كان مستنيه.

وقف قدامه وقال

تفتكر بعد تلاتين سنة هسيبك تمشي؟

نظر كمال إليه باحتقار.

إنت السبب في كل اللي حصل.

رد نجيب

وأنا جاي أصلح الغلطة دي.

حاول كمال يرفع سلاحه...

لكن سامح كان أسرع.

ركله من إيده، ووقع السلاح على الأرض.

بعد لحظات، أحاطت القوات بالمصنع بالكامل.

رفع كمال إيديه أخيرًا.

وبص لياسين وقال

حتى لو حبستني...

في أسرار هتفضل مدفونة.

اقترب منه ياسين وقال بهدوء

يمكن.

لكن من النهارده...

مش هتقدر تأذي حد تاني.

اقتادوه خارج المصنع.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة...

شعر ياسين أن عبئًا ثقيلًا انزاح عن كتفيه.

بعد عدة أسابيع...

رجعت الحياة هادئة.

سارة أصبحت تدير القسم الإداري في الشركة.

وسامح بقى المسؤول الأول عن الأمن.

أما ليان...

فكانت ما زالت تستقبل ياسين كل مساء بنفس الجملة

اتأخرت ليه؟

فيضحك ويقول

الشغل.

فترد وهي عابسة

أنت اللي قلت الشغل يستنى.

يضحك ويحملها بين ذراعيه.

وفي يوم مشمس...

وقف ياسين في حديقة القصر.

نظر إلى سارة وقال

فاكرة أول مرة شفت فيها ليان؟

ابتسمت.

وهي كانت بتغسل قميصك.

هز رأسه.

يومها افتكرت إني أنقذتها...

لكن الحقيقة إنها هي اللي أنقذتني.

نظرت إليه سارة بصمت.

ثم قالت

أوقات... كلمة بريئة من طفل بتغير عمر كامل.

في تلك اللحظة، جرت ليان نحوهما وهي تضحك، فأمسك كل واحد منهما بيدها.

ومشوا معًا في الحديقة، بينما كانت الشمس تغيب بهدوء، وكأنها تعلن نهاية

رحلة طويلة من الخوف... وبداية حياة جديدة مليئة بالأمان.

تمت بما إن القصة انتهت في الجزء السابق، فالتكملة المنطقية تكون بداية فصل جديد بعد عدة أشهر

بعد ستة أشهر...

كان قصر المنشاوي مختلفًا تمامًا.

لا صوت إطلاق نار.

ولا اجتماعات سرية.

ولا رجال يحملون السلاح في كل زاوية.

أول صوت كان يملأ المكان كل صباح...

ضحكة ليان.

كانت تجري في الممرات وهي تنادي

يا ياسين... تعالى بسرعة!

خرج من مكتبه وهو يبتسم.

خير يا مشاغبة؟

أمسكت يده وسحبته إلى الحديقة.

هناك كانت سارة قد أعدت مائدة الإفطار.

قالت وهي تبتسم

لو اتأخرت خمس دقايق كمان، ليان كانت هتدخل تجيبك من الاجتماع.

ضحك ياسين وجلس.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة...

جلس على مائدة لا يخاف أن يخونه أحد فيها.

لكن الهدوء لم يدم طويلًا.

دخل سامح بخطوات سريعة، إلا أن هذه المرة كانت ملامحه مطمئنة.

قال

في راجل كبير مستني عند البوابة.

قال إنه كان صديق والد حضرتك.

وقف ياسين.

اسمه؟

قال اسمه... حسن الشاذلي.

خرج ياسين لاستقباله.

كان رجلًا تجاوز السبعين، يحمل حقيبة جلدية قديمة.

ما إن جلس حتى فتح الحقيبة، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا عتيقًا.

وقال

والدك سلمني المفتاح ده قبل وفاته.

رفع ياسين حاجبيه.

مفتاح إيه؟

ابتسم الرجل.

خزنة ماحدش يعرف مكانها غيري.

وفيها...

وصية أبوك الأخيرة.

نظر ياسين إلى سارة، ثم عاد ببصره إلى الرجل.

قال بهدوء

واضح إن أسرار العيلة لسه ما خلصتش.

ابتسم الرجل العجوز وقال

المرة دي مش أسرار دم...

دي أسرار هتغير مستقبلك كله.

يتبع...بعد ساعة...

تحرك ياسين وسامح والرجل العجوز في سيارة واحدة.

أما سارة، فأصرت أن تبقى مع ليان في القصر.

قبل أن يغادر، اقتربت منه ليان وقالت

هترجع قبل ما أنام؟

ابتسم وربت على رأسها.

أوعدك.

ابتسمت الصغيرة وقالت

متتأخرش... عشان عندي ليك رسمة جديدة.

هز رأسه، ثم انطلق.

توقفت السيارة أمام بيت قديم مهجور على أطراف القرية.

نزل الرجل العجوز وقال

أبوك بنى المكان ده بنفسه.

دخلوا إلى الداخل.

لم يكن في البيت شيء مميز، حتى وقف العجوز أمام مدفأة حجرية.

أدخل المفتاح في فتحة صغيرة بجانبها.

صدر صوت خافت...

ثم تحركت المدفأة ببطء، لتكشف عن غرفة سرية تحت الأرض.

نظر سامح إلى ياسين بدهشة.

طول السنين دي... والمكان موجود؟

نزلوا السلم.

وفي آخره كانت خزنة حديدية ضخمة.

فتحها الرجل العجوز.

لم تكن مليئة بالذهب أو الأموال كما توقعوا.

كان بداخلها صندوق خشبي، وعدة دفاتر، ورسالة مغلقة.

فتح ياسين الرسالة.

كان أول سطر فيها

يا بني... إذا وصلت إلى هنا، فأنت لم تنتصر لأنك هزمت أعداءك... بل لأنك لم تصبح مثلهم.

ابتسم ياسين بحزن وهو يكمل القراءة.

الثروة الحقيقية التي أتركها لك ليست المال، بل سمعة العائلة. إن استطعت أن تجعل الناس تذكر اسم المنشاوي بالعدل بدلًا من الخوف، فاعلم أنني سأكون فخورًا بك.

أغلق الرسالة ببطء.

ثم فتح الدفاتر.

كانت تحتوي على أسماء عائلات ساعدها والده سرًا، وأموال أودعها لهم، ووصايا برد الحقوق إلى أصحابها.

نظر سامح إليه وقال

يعني... هنبدأ من جديد؟

هز ياسين رأسه.

أيوه.

المرة دي... هنبني، مش هنهدم.

وفي تلك الليلة...

عاد إلى القصر قبل أن تنام ليان.

كانت جالسة على الأريكة، تقاوم النوم وهي تمسك رسمة في يدها.

أول ما رأته، جرت إليه.

ناولته الورقة.

كانت الرسمة لعائلة صغيرة تقف تحت شجرة كبيرة.

وفي أعلى الورقة

 

كتبت بخط طفولي

البيت الحلو... هو اللي فيه ناس بتحب بعض.

نظر ياسين إلى الرسمة، ثم إلى سارة وليان.

وابتسم ابتسامة صادقة، شعر معها أن كل المعارك التي خاضها كانت تستحق... فقط ليصل إلى هذه اللحظة بعد عام كامل...

تغيّر كل شيء.

لم يعد الناس يذكرون اسم المنشاوي بالخوف كما كان في الماضي.

صاروا يتحدثون عن المستشفى الذي افتتحه ياسين في القرية، وعن المدرسة التي تكفّل بمصاريف أطفالها، وعن صندوق المساعدات الذي أنشأه باسم والدته أمينة.

وفي صباح أحد الأيام...

كانت ليان تستعد لأول يوم لها في المدرسة.

وقفت أمام المرآة بفستانها المدرسي الجديد، ثم التفتت إلى سارة وقالت

ماما... أنا حلوة؟

ابتسمت سارة وهي تعدل ضفيرتيها.

أجمل بنت في الدنيا.

في الخارج، كان ياسين ينتظر بجوار السيارة.

فتح الباب الخلفي بنفسه، وقال مبتسمًا

يلا يا آنسة ليان.

ركبت وهي تضحك.

وفي الطريق، سألته فجأة

فاكر أول مرة شيلتني؟

ضحك.

أنساها إزاي؟

قالت وهي تنظر من النافذة

أنا فاكرة إنك كنت بتعيط.

نظر إليها ثم ابتسم.

كنت بعيط... لأن طفلة صغيرة علمتني إن القوة مش معناها إن الناس تخاف منك.

سكتت لحظة، ثم قالت ببراءة

يعني لو ماكنتش غسلت القميص... كنا مش هنبقى أصحاب؟

ابتسم وهو يهز رأسه.

يمكن.

الحمد لله إني غسلته.

انفجر الاثنان في الضحك.

وعندما وصلا إلى المدرسة، نزلت ليان وهي تمسك يده بقوة.

وقبل أن تدخل، استدارت وقالت

يا ياسين...

نعم؟

جرت إليه، وحضنته بسرعة.

ثم همست

شكرًا... إنك ماطردتش ماما من الشغل يومها.

تجمد في مكانه.

فهو طوال العام كان يظن أن ليان نسيت ذلك اليوم.

لكنه أدرك أن الأطفال لا ينسون اللحظات التي غيّرت

حياتهم.

ربت على رأسها وقال

وأنا اللي لازم أشكرك... لأنك دخلتي حياتي.

دخلت ليان المدرسة وهي تلوح له بيدها الصغيرة.

وقف ياسين يتابعها حتى اختفت بين الأطفال.

اقتربت منه سارة، وقالت بهدوء

لو حد قالك من سنة إن نهاية الحكاية هتبقى كده... كنت هتصدقه؟

نظر إلى السماء، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.

لا...

لكن أحيانًا، أجمل النهايات بتبدأ من موقف صغير...

من طفلة حافية...

كانت بتحاول تغسل قميصًا أبيض. 

النهاية بعد خمس عشرة سنة...

وقف ياسين في نفس أوضة الغسيل القديمة.

لم يغيّرها.

رغم أن القصر كله اتجدد.

ظل الحوض كما هو، والنافذة كما هي، وحتى الكرسي الخشبي الذي كاد يتسبب في سقوط ليان، احتفظ به في ركن الغرفة.

دخلت ليان، وقد أصبحت شابة في الثامنة عشرة من عمرها.

ابتسمت وهي تنظر إلى الكرسي.

وقالت ضاحكة

لسه محتفظ بيه؟

رد ياسين مبتسمًا

ده أغلى كرسي في القصر.

ضحكت وهي تهز رأسها.

الناس تحتفظ بالتحف... وإنت محتفظ بكرسي مكسور.

اقترب منه، وربت على الكرسي برفق.

لأن هنا... بدأت حياتي من جديد.

سكتت ليان لحظة.

ثم قالت

أنا جالي قبول في كلية الطب.

رفع رأسه إليها، وامتلأت عيناه بالفخر.

بجد؟

هزت رأسها.

عايزة أبقى الدكتورة اللي كانت ماما محتاجاها يوم مرضت.

ابتسم ياسين، ولم يستطع أن يخفي دموعه.

في تلك اللحظة دخلت سارة.

نظرت إليهما، ثم قالت وهي تبتسم

واضح إنكم سبقتموني في العياط.

ضحك الثلاثة.

قالت ليان وهي تمسك يد أمها

كل اللي عندي... بدأ من يوم كنت بغسل القميص.

ردت سارة بهدوء

لا يا بنتي...

بدأ من يوم ربنا بعت في طريقنا إنسان عرف يسمع قلبه قبل ما يسمع خوفه.

نظر ياسين إليهما، ثم قال

لا...


بدأ من أم، وهي مريضة، كانت كل همها تربي بنتها على الأمانة.

ولو ما كانتش سارة ربت ليان بالشكل ده...

مكنتش حياتنا كلها اتغيرت.

اقتربت ليان منه، واحتضنته كما كانت تفعل وهي طفلة.

وقالت

هتفضل بالنسبة لي... أبويا.

أغلق عينيه، واحتضنها بصمت.

وخارج النافذة...

كانت الشمس تغرب على القصر الذي عرف يومًا الخوف والخيانة، لكنه صار الآن بيتًا مليئًا بالحب والطمأنينة.

وهكذا، انتهت الحكاية من حيث بدأت...

بقميص أبيض...

وطفلة صغيرة...

غيّرت حياة الجميع. بعد سنوات...

كان حفل تخرج ليان من كلية الطب.

وقفت على المسرح ترتدي روب التخرج، وبين يديها شهادة طالما حلمت بها.

نادى المذيع اسمها

الدكتورة ليان سارة.

صفق الجميع.

لكن ليان لم تنظر إلى الجمهور أولًا...

كانت تبحث بعينيها عن شخص واحد.

وجدت ياسين في الصف الأول.

كان يصفق لها، وعيناه تلمعان بالفخر.

بعد انتهاء الحفل، نزلت من المسرح وركضت نحوه.

احتضنته بقوة، ثم وضعت الشهادة بين يديه.

قالت مبتسمة

دي بتاعتك.

هز رأسه مستغربًا.

لا يا بنتي... دي تعبك.

ابتسمت والدموع في عينيها.

لو يومها كنت دخلت أوضة الغسيل، وشوفت طفلة بتغسل قميصك... واخترت تعاقبها بدل ما تسمعها...

مكنتش هكون واقفة هنا النهارده.

اقتربت سارة، وقالت وهي تبتسم

ولا أنا كنت هكون واقفة هنا.

نظر إليهما ياسين، ثم قال بهدوء

يمكن ربنا كتب إن قميصًا واحدًا يغيّر مصير عيلة كاملة.

ضحكوا جميعًا.

وفي تلك اللحظة، اقترب طفل صغير من ليان، كان ابن إحدى الممرضات في المستشفى.

تعثر وسقط على الأرض.

قبل أن يبكي، انحنت ليان بسرعة، ونفضت التراب عن ملابسه، وابتسمت له.

قال لها الطفل بخجل

أنا آسف.


ابتسمت وهي تذكرت نفسها قبل سنوات طويلة.

وقالت بنفس الجملة التي سمعتها يومًا من ياسين

ولا يهمك...

القميص مش أهم من الإنسان.

وقف ياسين يراقبها من بعيد، وشعر أن الدائرة اكتملت.

فالرحمة التي أنقذت ليان وهي طفلة...

كبرت معها.

وصارت هي بدورها تمنحها لكل من يحتاجها.

وهكذا بقي أثر ذلك اليوم، لا في القصر فقط، بل في كل حياة لمستها ليان بعد ذلك. بعد عشر سنوات أخرى...

كانت الدكتورة ليان تقف في قسم الطوارئ بالمستشفى الذي حمل اسم مستشفى أمينة المنشاوي.

دخلت ممرضة مسرعة وهي تقول

يا دكتورة... في راجل كبير تعبان، ومفيش معاه حد.

خرجت ليان بسرعة.

وجدت رجلًا بسيطًا، ملابسه قديمة، ويداه ترتجفان.

أول ما رآها، حاول يقوم وهو يقول بخجل

أنا آسف... معيش فلوس.

ابتسمت ليان وجلست أمامه.

وقالت

مين قال إننا هنسألك على الفلوس؟

بدأ الرجل يبكي.

همس

كل المستشفيات رفضت تستقبلني.

مسكت يده وقالت

هنا... محدش بيترفض.

من بعيد، كان ياسين، وقد غزا الشيب شعره، يراقب المشهد.

اقتربت منه سارة، التي بدا الزمن على ملامحها أيضًا، وقالت

بتبص على إيه؟

ابتسم وهو يشير إلى ليان.

فاكرة أول مرة شفتها؟

ضحكت سارة.

وهي واقفة في حوض الغسيل.

هز رأسه.

وقتها كانت بتحاول تنقذ شغل أمها...

ودلوقتي بقت بتنقذ أرواح الناس.

سكت قليلًا، ثم قال

يبقى أبوها وأمها ربّوها صح.

ابتسمت سارة، ونظرت إليه قائلة

وإنت كمان.

وفي تلك اللحظة، خرجت ليان من غرفة الكشف.

وقالت وهي تبتسم

المريض بخير.

ثم نظرت إلى ياسين وسارة، ومدت يدها إليهما.

أمسك كل واحد منهما بيدها.

وسار الثلاثة معًا في ممر المستشفى.

فوق المدخل كانت لوحة كبيرة مكتوب عليها

الرحمة لا تُنسى... وقد تغيّر حياة إنسان.

ابتسم ياسين وهو يقرأها.

فقد أدرك أخيرًا أن أعظم إرث يتركه الإنسان ليس المال ولا النفوذ...

بل الرحمة التي يزرعها في قلوب الآخرين.

تمت الحكاية.

 

تعليقات

close