وأنا واقفة ورا باب أوضة العمليات، سمعت جوزي يقول للدكتور: «لما تنام… شيلولها الرحم».
حكايات رشا خالد1
“وأنا واقفة ورا باب أوضة العمليات، سمعت جوزي يقول للدكتور: «لما تنام… شيلولها الرحم».
في اللحظة دي، وقفت مكاني ومقدرتش أصرخ… ولا أعيط… …… وقتها عرفت إن اللي كنت فاكراه زوجي… كان عايز يقت*لني وإن فى سر اكبر من كده جوزى مخبيه..”
الجزء الأول
“لما مراتي تنام تاني، شيلولها الرحم؛ أنا مش عايزها تحمل أبدًا.”
سمعت الجملة دي وأنا واقفة في طرقة المستشفى، لسه لابسة ترينج المستشفى المفتوح من الظهر، رجلي مش شيلاني، وجسمي كله بيترعش من صدمة نزيف وإجهاض ابني. الصوت ده كان صوت حازم الهواري، جوزي.. الراجل اللي حلف لي قدام المأذون ويوم فرحنا إنه هيشيلني في عينيه ويحميني حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدنا.
وقفت متثبتة في مكاني ورا الباب الموارب. الدكتور مردش عليه، فحازم وطى صوته شوية، بس مش لدرجة إني مسمعهوش:
— اتصرف واكتب أي تشخيص.. سرطان، خطورة على حياتها، أي حاجة! المهم تعمل العملية، ومن غير ما مريم تحس بأي حاجة.
“مريم” دي كانت أنا.
في اللحظة دي ظهرت نيرمين، المذيعة والإنفلونسر اللي شغالة في شركة “الهواري ميديا” اللي يملكها جوزي. كانت لابسة فستان أبيض ضيق، وإيدها ساندة على بطنها المنتفخة حاجة بسيطة.. لسه في أول شهور الحمل. حازم قرب منها وخدها في حضنه بحنية وعطف عمري ما شفتهم منه مؤخرًا، حنية خلاص مبقتش ملكي.
— دي بقى مراتى التانيه عايزكم توفروا لها أحسن برنامج متابعة حمل وتوليد في المستشفى هنا — حازم قال للدكتور وهو بيشاور على نيرمين — الطفل ده هو اللي هيبقى سليل عيلة الهواري والوريث الوحيد لكل أملاكي.
حسيت إن الأرض بتلف بيا وبتنشق تبلعني. مدمعتش.. ولا حتى صرخت. رجعت أوضتي في صمت رهيب، بهدوء بارد ومخيف لدرجة إني أنا نفسي اتخضيت من نفسي. على التربيزة اللي جنب السرير، كان فيه بوكيه ورد حازم بعتهولي، ورد أبيض معاه كارت مكتوب فيه: “أنا وإنتي ضد الدنيا كلها يا حبيبتي”.
حسيت بغثيان ورغبة شديدة في القيء.
دخلت الممرضة وهي مبتسمة، ومكنتش تعرف إني لسه سامعة حكم إعدامي بوداني:
— مدام مريم، إنتي محظوظة بجد.. الأستاذ حازم حجز الدور كله عشان راحتك، ومفارقش المستشفى ولا دقيقة. أول ما البيبي نزل، قعد يعيط زي الأطفال.. بجد قليل لما تلاقي راجل بيحب مراته بالشكل ده في الأيام دي.
بصيت من الشباك على شوارع القاهرة الزحمة.. الدنيا برة كانت ماشية وعايشة عادي، ومفيش حد فارق معاه، في نفس الوقت اللي كان فيه جوازي بيتدبح ويتصفى دمه من غير ما يعمل أي صوت.
بعد كام دقيقة، حازم دخل الأوضة وهو باين عليه الخضة والارتباك. أول ما شافني صاحية، جري عليا وخدني في حضنه:
— كنتي فين؟ أنا كنت هتجنن! افتكرت حصلك حاجة أو جرى لك حاجة برة الأوضة.
الخوف اللي في عينيه كان يبان حقيقي وصادق جداً.. وده كان أقذر وأبشع جزء في اللعبة كلها.
كان شايل في إيده كباية فيها دوا لونه غامق، وقربها من شفايفي:
— اشربي ده يا حبيبتي، هيريحك ويخليكي تخفي بسرعة. لسه قدامنا العمر طويل ونقدر نحاول نخلف تاني وتجيبي لي حتة عيل من صلبك.
“نحاول”.. الكلمة دي دخلت في قلبي زي الس*كينة التلمة.
— مش عايزة — قلتها بنبرة ناشفة.
عينه اسودت وملامحه اتغيرت لثانية واحدة بس، وبعدين رجع يبتسم:
— مريم، بلاش عناد.. إنتي طول عمرك نفسك تخلفي وتجيبي لي الولد اللي يحمل اسمي.
خطفت الكباية من إيده ورميتها بكل عزمي في الحيطة. الكباية اتدشدشت والدوا الغامق نزل وساب بقعة سوداء كبيرة على البلاط الأبيض النضيف.
— قلت مش عايزة!
حازم أخد نفس طويل وعميق عشان يسيطر على غضبه، وبص للممرضة اللي واقفة:
— سبينا لوحدنا لو سمحتي.
دي كانت آخر حاجة فاكراها قبل ما أحس بشكة إبرة قوية في دراعي.. الأوضة بدأت تلف بيا، ووش حازم بدأ يتمط ويبقى مش واضح، والضلمة بلعتني تماماً.
لما فوقت، كانت الشمس طلعت والدنيا الصبح. الوجع اللي في بطني المرة دي كان مختلف.. كان وجع عميق، وجع معاه إحساس بالفضى الشديد جوة جسمي. رفعت الغطا بإيدين بترعش وبصيت.. شفت جرح عملية جديد وخياطة طويلة ومستقيمة عريضة بطول بطني.
حازم كان قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، وعينيه حمرا ومورمة من قلة النوم:
— حبيبتي.. حصلت مضاعفات خطيرة وإنتي نايمة. الدكاترة اكتشفوا خلايا سرطانية ونشطة في الرحم.. مكنش قدامي حل تاني وكان لازم أمضي على إقرار العملية فوراً عشان أنقذ حياتك ومخسركيش.
طلع ملف طبي وتقارير عليها أختام المستشفى والوزارة. كل حاجة كانت متقفلة صح.. كل حاجة كانت باينة قانونية وطبيعية ومفيش فيها غلطة.
بس أنا كنت سامعة الحقيقة كاملة بوداني قبل ما أنام.
في اللحظة دي، الباب اتفتح ونيرمين دخلت وهي شايلة في إيدها سبت فاكهة كبير ومتزوق، ومبتسمة وداخلة بكل ثقة كأنها جاية تبارك في سبوع مش بتزور مريضة:
— صباح الخير.. أنا أسفة لو جيت في وقت مش مناسب، بس قلت لازم أجي أطمن على مدام مريم بنفسي.
حازم مطردهاش، ولا حتى اتهز.. كل اللي عمله إنه مسك إيدي وضغط عليها جامد.
وتحت الغطا.. وهو بيتظاهر إنه بيواسيني وبيطبطب عليا، كنت حاسة بصوابعه وهي بترتعش من كتر ما كان نفسه يسيب إيدي ويقوم يلمسها هي.
ساعتها بس.. عرفت وفهمت إن أبشع حاجة في الدنيا مش إنك تخسري رحمك وحلمك في الأمومة، الأبشع هو إنك تكتشفي إن الجلاد والقاتل بتاعك هو اللي بينام جنبك على سرير واحد كل ليلة.. وهو لسه ميعرفش ولا يتخيل أنا ناوية أعمل فيه إيه بالورقة القانونية اللي معايا…….
أنا مريم.. مريم اللي كان المفروض تكون دلوقتي في غيبوبة الموت أو على الأقل مستسلمة لدموعها ومكسورة الجناح زي ما حازم خطط بالملي.
فضلت باصة لنيرمين وهي بتقرب مني بخطوات واثقة، الفستان الأبيض اللي كانت لابساه كان بيبين بطنها اللي لسه مظهرتش قوي، بس كانت ساندة إيدها عليها بحركة مقصودة.. حركة بتقول لي فيها “أنا اللي كسبت”. حازم كان باصص لها بنظرات سريعة وخاطفة، نظرات كلها رعب ليكون فيه تفصيلة تفلت منه وتكشف اللعبة.. مكنش يعرف إن اللعبة اتكشفت خلاص، وإن الورقة اللي تحت مخدتي هي أول مسمار في نعشه.
الورقة دي مكنتش تقرير طبي.. دي كانت “قسيمة جوازي الرسمي” من حازم اللي كان دايماً شايلها في خزنة مكتبه في البيت، واللى قدرت أخدها منه قبل ما نيجي المستشفى بيوم واحد لما شكيت في مكالماته المتأخرة، لكن الصدمة الكبيرة مكنتش في الجواز.. الصدمة كانت في الشروط المكتوبة في قسيمة جوازنا القديمة، شرط حازم نفسه مضى عليه بكامل إرادته يوم فرحنا ومكنش يتخيل إنه هيبقى حبل المشنقة حوالين رقبته.
— ألف سلامة عليكي يا مدام مريم.. بجد قلبي وجعني عشانك، بس الأستاذ حازم عمل الصح.. حياتك أهم من أي عيل — نيرمين قالتها بصوتها الناعم المذيع اللي كله لؤم، وهي بتحط سبت الفاكهة على التربيزة.
بصيت لها وابتسمت.. ابتسامة برود جمدت الدم في عروق حازم.
— الله يسلمك يا نيرمين.. عقبالك لما تقومي بالسلامة وتجيبي “الوريث” اللي حازم مستنيه — قلتها ونبرة صوتي كانت هادية جداً لدرجة خضتهم هما الاتنين.
حازم اتنفض من مكانه، وبص لي وعينيه بتتحرك بسرعة بيني وبين نيرمين:
— مريم.. إنتي.. إنتي عرفتي منين إن نيرمين حامل؟ أنا مكنتش لسه قلتلك!
سندت ضهري على المخدة بالراحة رغم الوجع الرهيب اللي في بطني، وقلت:
— الممرضات في المستشفى هنا صوتهم عالي يا حازم.. وبعدين نيرمين إنفلونسر مشهورة، والكل عارف إنها متجوزة رجل أعمال كبير في السر، مكنتش محتاجة ذكاء يعني.
نيرمين وشها جاب ألوان، وبصت لحازم بحدة كأنها بتلومه إنه مش مسيطر على الموقف، وحازم حاول يداري ارتباخه وقرب مني ومسك كتفي:
— حبيبتي.. إنتي لسه تعبانة من البنج، نيرمين مجرد زميلة في الشركة وجاية بصفة ودية.. ياللا يا نيرمين اتفضلي إنتي عشان مريم ترتاح.
نيرمين خرجت وهي بتضرب الأرض بجزمتها الكعب، وحازم لف ليا وشكله كان مرعوب من الهدوء اللي أنا فيه:
— مريم.. إنتي مصدقاني صح؟ الدكاترة هما اللي قالوا..
قاطعته بإيدي:
— مصدقاك يا حازم.. ومقدرة جداً إنك أنقذت حياتي. أنا بس عايزة أخرج من هنا، مش بحب قعدة المستشفيات.
بالفعل، خلال يومين اتكتب لي على خروج. حازم كان بيعاملني كأنني حتة زجاج خايف عليها تتكسر، بيشيلني ويسندني ويأكلني بإيده.. وكل لمسة منه كانت بتخليني عايزة أصرخ من القرف، بس كنت كاتمة في قلبي.
أول ما وصلنا الفيلا بتاعتنا في التجمع، حازم أصر إنه يدخلني الأوضة ويريحني، وسابني ونزل الشركة عشان “يخلص شغل مهم” زي ما قال، بس أنا كنت عارفة إنه رايح لنيرمين يطمنها ويهديها.
بمجرد ما قفل باب الفيلا ورا ظهره، قمت من السرير بكل وجعي. فتحت الدولاب وطلعت الورقة.. قسيمة جوازنا. في ظهر القسيمة، كان فيه بند حازم وافق عليه زمان لما كان لسه بيبدأ شركته ومكنش حيلته غير قرشين ورثهم عن والده، وكان محتاج اسم عيلتي وعلاقات بابا الله يرحمه عشان يكبر. البند كان بيقول: “في حال قيام الزوج بأي إجراء طبي أو تصرف يضر بسلامة الزوجة الجسدية أو يمنعها من الإنجاب عمداً، أو في حال زواجه بأخرى دون علمها، تؤول نصف أسهم شركة (الهواري ميديا) والعقارات المملوكة له باسم الزوجة فوراً كتعويض غير مشروط”.
حازم كان فاكر إنه قفل اللعبة لما زور التقارير الطبية وكتب إن الموضوع “سرطان”، ومكنش يعرف إن الدكتور اللي عمل العملية غبي.. وساب خيط يوديهم كلهم في داهية.
طلبت رقم نمرة موبايل غريبة، نمرة دكتور شغال في نفس المستشفى، بس مكنش من طقم حازم.. دكتور شاب كنت شفته بالصدفة بيتخانق مع الممرضة في الطرقة وبيقول لها “المهزلة اللي بتحصل في أوضة العمليات دي أنا مش هسكت عليها”.
— ألو.. دكتور يوسف؟
— أيوة.. مين معايا؟
— أنا مريم.. مريم الهواري. الحالة اللي اتعمل لها استئصال رحم من يومين في المستشفى عندك.
الخط قطع لثواني، وبعدين سمعت صوت أنفاسه السريعة:
— مدام مريم؟ إنتي كويسة؟ أنا.. أنا حاولت أمنعهم، بس جوزك والمدير جابوا تقارير متقفلين عليها جاهزة من برة المستشفى!
— أنا عارفة كل حاجة يا دكتور.. وعارفة إن الرحم بتاعي سليم ومكنش فيه سرطان.. أنا محتاجة مساعدتك، ومستعدة أدفع لك اللي تطلبه عشان أثبت الج*ريمة دي.
— أنا مش عايز فلوس يا مدام مريم، أنا ضميري صاحي ومش هسيب المافيا دي تكمل.. بس إنتي مش عارفة جوزك مخبي إيه تاني.. الموضوع أكبر من مجرد وريث ونيرمين.. حازم الهواري بيغسل أموال عن طريق عمليات المستشفى دي، والرحم بتاعك مكنش المقصود بيه الخلفة وبس.. فيه سر تاني في التحاليل بتاعتك هما كانوا مرعوبين منه!
في اللحظة دي، سمعت صوت عربية حازم برة الفيلا.. وصوت مفاتيحه وهي بتفتح الباب الخارجي.
دمي اتجمد.. وحسيت إن الوجع رجع لبطني أقوى من الأول.
— دكتور يوسف.. حازم جه.. هكلمك تاني.
قفلت السكة بسرعة وحطيت الموبايل تحت السرير، ورجعت نمت على السرير وغمضت عيني وعملت نفسي نايمة. الباب اتفتح، ودخل حازم.. بس المرة دي مكنش لوحده. كان بيتكلم بصوت واطي جداً مع حد على الموبايل وهو بيقرب من السرير:
— أيوة يا باشا.. البنت نايمة ومفيش أي شك.. التحاليل القديمة بتاعتها اتعدمت خلاص، ومحدش هيعرف إن فصيلة دمها والنخاع بتاعها هما المطابقين للزبون.. إحنا شيلنا الرحم عشان نضمن إن جسمها يضعف وتفضل تحت إيدينا هنا في الفيلا ومتحاولش تسافر أو تبعد.. الخطوة الجاية إمتى؟
حكايات رشا خالد 2
فتحت عيني ببطء شديد بعد ما قفل السكة، وحرصت إن أنفاسي تفضل منتظمة كأنني لسه غرقانة في النوم. حازم لف وبص عليا، ملامحه كانت خالية تماماً من الود اللي بيصطنعه قدام الناس.. وش جاف، بارد، وعينين بتلمع بطمع مرعب. قعد على الكرسي اللي جنب السرير وفضل يراقبني لكام دقيقة، لحد ما تليفونه رن تاني فهز رأسه بضيق وخرج من الأوضة وهو بيتكلم بصوت واطي.
أول ما قفل الباب، اتنفضت من السرير والوجع بيعصر بطني، بس الخوف والأدرينالين كانوا أقوى من أي ألم. كلامه في التليفون كان بيلف في دماغي زي الإعصار.. زبون؟ فصيلة دم ونخاع مطابق؟ غسيل أموال؟ يعني الموضوع مكنش مجرد راجل أناني عايز وريث من ست تانية.. أنا كنت بالنسباله “قطع غيار” متحركة، مشروع تجاري مستني اللحظة المناسبة عشان يتصرف فيه!
مديت إيدي تحت السرير وطلعت الموبايل، وكتبت رسالة سريعة للدكتور يوسف: “حازم بيتكلم عن نخاع مطابق وزبون، وعايز يحبسني في الفيلا.. ساعدني أخرج من هنا”.
الرد جه في ثواني: “مريم، متشيليش أي حركات تلفت النظر.. حازم مراقب كل حاجة. بكبرة هبعتلك ممرضة تبعي بحجة إنها بتغير على الجرح، هكون معاها.. لازم تخرجي من الفيلا دي بأي طريقة لأن حياتك في خطر حقيقي”.
مسحت الرسائل بسرعة ورجعت الموبايل مكانه، ونمت مكاني وأنا بحاول أستجمع ثباتي.
بعد أقل من ساعة، الباب اتفتح ودخل حازم ومعه واحدة ست تلاتينية، لابسة لبس ممرضات، ووشها مفيش فيه أي تعبير:
— مريم حبيبتي.. صحيتي؟ دي داليا، ممرضة ممتازة أنا اتفقت معاها هتقيم معانا هنا في الفيلا الفترة دي عشان تاخد بالها من غيار الجرح والعلاج بتاعك.. أنا مش هأمن عليكي لوحدك بعد كده.
بصيت لداليا، وقلبي كان بيدق بسرعة.. هل دي الممرضة اللي دكتور يوسف قال عليها؟ ولا دي حد تبع حازم عشان يقفل عليا الخط تماماً؟ داليا قربت مني وابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
— حمد الله على سلامتك يا مدام مريم.. الأستاذ حازم موصيني عليكي جداً.
حازم طبطب على رجلي وقال:
— أنا هسيبكم دلوقتي يا حبيبتي ونزل ورايا شوية حاجات في القناة والشركة.. داليا معاكي ولو عوزتي أي حاجة كلميني فوراً.
أول ما حازم خرج وقفل باب الفيلا الخارجي، داليا التفتت بسرعة وقالت بصوت واطي جداً:
— مدام مريم.. دكتور يوسف مستني برة في العربية على أول الشارع.. الفيلا عليها حراسة برة، وحازم مأمن الأبواب الإلكترونية.. بس أنا معايا نسخة من مفتاح الطوارئ للمطبخ اللي بيطلع على الجنينة الخلفية.. قدامنا ربع ساعة بالظبط قبل ما الحرس يعملوا الجولة بتاعتهم.
جسمي كله اترعش:
— بس أنا تعبانة.. مش هقدر أجري!
— مفيش وقت للخوف.. لو فضلتي هنا، الأسبوع الجاي هيكون فيه عملية تانية، ومش هتطلعي منها عايشة.
سندتني داليا بكل قوتها، وطلعت عباية سوداء واسعة من الشنطة بتاعتها لبستهالي فوق لبسي. مشينا بخطوات تقيلة ومرعوبة في طرقة الفيلا لحد ما وصلنا لباب المطبخ الخلفي. داليا فتحت الباب براحة، والهوا البارد خبط في وشي.. الجنينة كانت فاضية.
تسللنا ورا الشجر لحد ما وصلنا للسور الخلفي، ومن بوابة صغيرة مخصصة لعربيات الزبالة والصيانة، خرجنا للشارع الجانبي. دكتور يوسف كان واقف بعربيته، أول ما شافنا فتح الباب وجري علينا.. شالني بسرعة وقعدني في الكنبة اللي ورا، وداليا ركبت جنبه، وطار بالعربية بأقصى سرعة.
أنا مكنتش قادرة أتكلم، كنت ببص ورايا وخايفة في أي لحظة أشوف عربية حازم بتطاردنا.
— إحنا رايحين فين يا دكتور؟ — سألته وأنا بنهج.
— رايحين شقة قديمة تابعة لجدتي محدش يعرف عنها حاجة.. هناك أمان.. وهناك هفهمك كل حاجة بالورق اللي قدرت أسحبه من مكتب مدير المستشفى قبل ما يستقيل ويهرب برة البلد.
بعد نص ساعة، وصلنا عمارة قديمة في وسط البلد. يوسف وداليا سندوني لحد ما طلعنا الشقة. قعدت على الكنبة وأنا حاسة إن روحي بتطلع. يوسف طلع شنطة سوداء وفتحها، وطلع منها ملف أزرق:
— مريم.. حازم جوزك مش مجرد رجل أعمال.. حازم شريك في شبكة دولية لتجارة الأعضاء وغسيل الأموال.. نيرمين المذيعة مش مراته عشان الوريث وبس.. نيرمين هي حلقة الوصل بينه وبين المشتري الأجنبي.. والتحاليل بتاعتك لما عملتي حادثة من سنة وفصيلة دمك النادرة ظهرت، حازم باع بياناتك للشبكة دي.. فيه بروفيسور أجنبي ملياردير محتاج نقل نخاع وفصيلة مطابقة جداً، والجراحة دي تمنها ملايين الدولارات.. هما شالوا الرحم عشان يثبتوا حالتك الصحية ويمنعوا سفرك، ويجهزوا جسمك للعملية الكبيرة اللي كانت ميعادها بعد أسبوعين!
كنت بسمع وبحس إن الموت بيقرب مني.. الراجل اللي عشت معاه تلات سنين كان بيسمنّي عشان يبيعني بالقطعة!
في اللحظة دي.. موبايل داليا رن.. بصت للشاشة ووشها بقى أبيض زي الورقة:
— دكتور يوسف.. الأستاذ حازم بيكلمني على الموبايل بتاعي!
يوسف قال لها بحدة:
— افتحي السبيكر وردي عادي.. أوعي تحسسيه بحاجة.
داليا فتحت الخط بإيد بترعش:
— ألو.. أيوة يا فندم.
صوت حازم جه من السماعة.. بس مكنش صوت حازم الهادي.. كان صوت شيطان حقيقي، وضجكة برود مرعبة هزت حيطان الأوضة:
— داليا.. إنتي ويوسف فاكرين إنكم أذكياء؟ وفاكرة إنك هربتي بمريم؟.. بصي من شباك الشقة اللي إنتي قاعدة فيها دلوقتي كده.. هتلاقي رجالي محاصرين العمارة من أولها لآخرها.. مريم مش هتخرج من هنا غير على المستشفى بتاعي.. والعملية هتتعمل الليلة!
صوت ضحكة حازم في السماعة كان زي فحيح الأفاعي، بيخترق هدوء الشقة القديمة ويحول الهوا لكتلة من التلج. داليا موبايلها وقع من إيدها على الأرض، وشاشته اتشرخت بس الصوت كان لسه طالع منه، مالي الأوضة برعب حقيقي.
يوسف جِري على الشباك بحذر، ورب الملاية المتربة وبص للشارع تحت. وشه اتخطف تماماً، ولف ليا وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
— في عربيتين جيب سود واقفين تحت.. وفيه تلات رجالة بجاكت جلد واقفين على باب العمارة.. حازم مش بيهزر يا مريم، المكان متراقب فعلاً!
في اللحظة دي، الوجع الرهيب اللي في بطني اتنسى تماماً، وحسيت بنبضة قوية في عروقي.. نبضة غضب مش خوف. مريم الضعيفة اللي كانت بتعيط من الصدمة في المستشفى ماتت مع الرحم اللي سرقوه مني. بصيت ليوسف ولقيتني ببتسم ببرود غريب:
— حازم غبي.. فاكر إنه لسه سايق اللعبة وميعرفش إن القسيمة والشرط الجزائي معايا.. والملف اللي في إيدك ده يوديه حبل المشنقة.
مسكت الموبايل بتاعي اللي كنت مخبياه، وطلبت نمرة تانية خالص.. نمرة مكنتش أتخيل إني هحتاجها في يوم من الأيام. نمرة المستشار عادل الرفاعي، وصي بابا الله يرحمه وصاحبه الروح بالروح، والراجل اللي حازم كان بيعمل ألف حساب لاسم عيلته ونفوذه في البلد.
— ألو.. عمي عادل؟ أنا مريم.. مريم حسام الرفاعي.
الصوت جه من الناحية التانية ملهوف وقلقان:
— مريم! يا بنتي إنتي فين؟ حازم قالب الدنيا عليكي وبيقول إنك اختفيتي من المستشفى وإنتي تعبانة.. إنتي كويسة؟
— عمي عادل، اسمعني كويس ومن غير ما تقاطعني لأن دقيقتي ببحياة.. حازم سرق رحمي، وحالياً محاصرني في شقة في وسط البلد وعايز يق*تلني وياخد نخاعي يبيعه لشبكة دولية.. ومعايا المستندات والدكتور الشاهد على ج*ريمته.
الخط سكت لثانيتين، وبعدها سمعت صوت خبطة مكتب قوية وصوت عمي عادل وهو بيتحول لبركان غضب:
— ابن (… )! عملها؟ طب ورب العزة ما هيرحمك يا حازم.. مريم، أملي عنوان الشقة بالظبط.. خمس دقايق والمنطقة كلها هتتقلب، ومحدش هيجرؤ يلمس شعرة منك.
مليت عمي عادل العنوان بالملي، وقبل ما أقفل قال لي: “اوعي تفتحي الباب لأي حد مهما حصل.. أنا هكلم وزير الداخلية بنفسي حالاً”.
قَفلت السكة وبصيت ليوسف وداليا اللي كانوا بيبصوا لي بذهول:
— يوسف.. اقفل الباب ده بالترباس، وحطوا الكنب والدواليب وراه.. قدامنا خمس دقايق بس.
بدأنا نجر الكنب الثقيل والدولاب القديم ورا الباب بسرعة وجسمي كان بينزف وجع، بس كنت بدوس على نفسي. فجأة، سمعنا صوت خطوات تقيلة وسريعة طالعة على السلم.. الخطوات وقفت قدام الباب بالظبط.
خبط رزيع وقوي هز الخشب القديم بتاع الباب كأنه هيتكسر، وصوت واحد من رجالة حازم برة بيزعق:
— افتحي يا مدام مريم.. الأستاذ حازم مستنيكي تحت، وبلاش شوشرة عشان متموتيش هنا!
يوسف مسك حديدة قديمة كانت جنبه، ووقف ورا الباب وهو بيتنفس بسرعة، وداليا استخبت ورايا وهي بتبكي بصوت مكتوم. الخبط زاد.. وصوت خشب الباب بدأ يطقطق ويتشرخ..
وفجأة.. صوت الرزع وقف.
بداله، سمعنا صوت صريخ برة على السلم، وجري وعياط، وصوت سرينات بوليس قوية جداً بدأت تملى الشارع تحت والضوء الأحمر والأزرق يضرب في سقف الأوضة من الشباك. عمي عادل جه.. والشرطة حاصرت المكان!
من الشباك، شفت رجالة حازم وهما بيترموا في بوكسات البوليس مكلبشين. يوسف فتح الباب بالراحة بعد ما القوة طلعت، ودخل عمي عادل ومعاه لواء شرطة ورجالته. أول ما شفت عمي عادل اترميت في حضنه وأنا بعيط لأول مرة.. دموع قهر ووجع.
— خلاص يا بنتي.. إنتي في أمان.. حازم نهايته الليلة — عمي عادل قالها وهو بيطبطب عليا.
اللواء أخد الملف الأزرق من يوسف، وبص في الورق وعينيه وسعت من الصدمة:
— الكلام ده مظبوط؟ دي قض/ية أمن دولة وشبكة دولية.. حازم الهواري مش هيشوف الشمس تاني.
تم نقلي للمستشفى العسكري تحت حراسة مشددة عشان أتعالج بجد وبأمان. وبعد يومين، وأنا قاعدة في السرير، الباب اتفتح ودخل عمي عادل والمحامي بتاعي، ووشهم كان فيه علامات تعجب.
— مريم.. حازم اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب على طيارة خاصة لليونان ومعه نيرمين.. بس المفاجأة مش هنا — عمي عادل قال وهو بيقعد.
المحامي طلع ورق وقسيمة الجواز بتاعتي وقال:
— مدام مريم.. إحنا فعلنا البند الجزائي في القسيمة، وبما إن حازم اتقبض عليه وجريمته ثبتت، نص أملاك وشركات وقنوات “الهواري ميديا” بقت باسمك قانونياً من النهردا.. إنتي بقيتي الشريكة بالنص في كل حاجة يملكها.
ابتسمت ودموعي في عيني.. حازم اللي كان عايز يكسرني ويموتني عشان الوريث والأملاك، بقى نصه ملكي وأنا اللي هيدير الإمبراطورية بتاعته وهو ورا القضبان.
لكن الفرحة مكملتش لثانية.. موبايل عمي عادل رن، رد وفضل يسمع لثواني ووشه قلب تانيرعب وخوف، وبص لي وهو إيده بتهز:
— إيه؟ بتقول إيه؟.. حازم هرب؟!
المكالمة كانت من مدير المديرية.. حازم وهو بيتنقل لنيابة أمن الدولة العليا، عربية ترحيلات تانية خبطت العربة بتاعته، ومجموعة مسلحة ضربت نار وهربته في وسط الطريق!
وفي نفس اللحظة.. شاشة التليفزيون اللي في أوضتي بالمستشفى اشتغلت لوحدها.. وظهرت نيرمين في بث مباشر من مكان مجهول، وهي بتبتسم وتقول:
— مساء الخير يا جماعة.. الأستاذ حازم الهواري بيسلم عليكم، وبيقول لمدام مريم.. اللعبة لسه مخلصتش، والعملية الكبيرة ميعادها النهاردة بالليل.. وهنجيلك لحد سريرك!
حكايات رشا خالد 3
شريط الأخبار الأحمر كان بيتحرك بسرعة جنونية أسفل الشاشة، وصوت نيرمين طالع من التليفزيون زي السِم: «..وهنجيلك لحد سريرك!».
عمي عادل صرخ في العساكر الواقفين على الباب، والأوضة اتقلبت في ثانية لثكنة عسكرية. اللواء كلم العمليات الخاصة، وبدأوا يوزعوا أفراد حراسة زيادة في طرقة المستشفى العسكري وعلى المداخل والمخارج.
أنا مكنتش خايفة.. مكنش فيه مكان جوة قلبي للخوف؛ الغضب والوجع حولوني لكتلة من الصخر البارد. بصيت لعمي عادل وقلت له بثبات:
— حازم مش غبي عشان يقتحم مستشفى عسكري يا عمي.. حازم بيعمل كده عشان يرعبني، وعشان يخليني أغلط وأتحرك من مكاني. البث المباشر ده مقصود، ونيرمين مجرد أداة بيحركها عشان يشتت الأمن.
في وسط الدوشة دي، لمح يوسف رسالة جاتله على تليفونه من رقم برايفت (رقم سري). فتحها ووشه اتقلب تماماً، جِه عليا وهمس بصوت مرعوب:
— مريم.. حازم بعت لي رسالة على تليفوني الخاص.. كاتب فيها: “لو مخرجتش بمريم من الباب الخلفي للمستشفى خلال نص ساعة.. والدتك وأختك مش هيرجعوا البيت يا دكتور”.
يوسف قعد على الكرسي وهو حاطط راسه بين إيديه وبيترعش. حازم مكنش ناوي يقتحم، حازم كان لاوي دراع الدكتور اللي معاه سر التحاليل، وبيجبره يهربني ويسلمني ليه على طبق من فضة!
وقفت على رجلي وضغطت على جرح بطني بكل عزمي لحد ما حسيت بنغزة الموت، بس مأظهرتش أي ألم. قولت بلهجة حاسمة:
— يوسف.. ارفع راسك. إحنا مش هنستسلم.. حازم فاكر إنه ماسك الخيوط، بس هو دلوقتي هربان ومطارد، يعني بيلعب كرت هلكان. إحنا هنجاريه في اللعبة دي.
عمي عادل بصلنا بخوف:
— إنتي بتقولي إيه يا مريم؟ ده مجرم ومعه مجموعة مسلحة!
— يا عمي، لو فضلنا مستنيين هنا، حازم هيأذي أهل يوسف وهيهرب برة البلد بالشبكة بتاعته. أنا هخرج مع يوسف زي ما حازم عايز.. بس تحت عيون وقوات العمليات الخاصة. حازم مستني “قطع الغيار” بتاعته.. وأنا هروح له بنفسي، بس المرة دي عشان أقطع رقبة الشيطان ده.
بعد خطة سريعة ومحكمة مع لواء العمليات الخاصة، يوسف رد على الرسالة وكتب: “خلاص.. أنا هخدر الحارس وهخرج بمريم من باب المشرحة الخلفي.. ابعتلي العنوان”.
الرد جه في ثواني بإحداثيات لموقع (Location) في منطقة ملاحات مهجورة على أطراف الإسكندرية.. مصنع قديم ومقبرة لغسيل الأموال وتجارة الأعضاء.
لبست لبس ممرضة واسع عشان يداري جرحي، ويوسف سندني وخرجنا من الباب الخلفي، وركبنا عربية إسعاف كانت مجهزة ومراقبة بأجهزة تتبع دقيقة من المخابرات والشرطة. العربيات المدرعة وقوات مكافحة الإرهاب كانت ماشية ورانا على مسافات بعيدة وغير مرئية عشان حازم ميرصدهاش بالناضور.
طول الطريق اللي استمر ساعتين، كنت ببص للطريق الصحراوي الضلمة.. وكنت بفتكر كل كلمة حب كدابة قالها لي، كل وردة بيضاء بعتهالي وهو بيخطط إزاي يصفّي دمي ويبيعني.
وصلنا للموقع.. مصنع قديم مهجور، الإضاءة فيه خافتة والمركب باين عليه الكآبة والموت. عربية الإسعاف وقفت، ونزلنا أنا ويوسف بخطوات مرعوبة ومصطنعة.
الباب الحديدي للمصنع اتمط وفتح، وظلمة المكان بلعتنا. جوة، كانت الإضاءة مسلطة على سرير طبي مجهز بالكامل بأحدث الأجهزة الجراحية.. وجنبه كان واقف حازم، بكامل أناقته وبروده، وحواليه أربعة رجالة مسلحين، ونيرمين واقفة وراهم وهي بتبتسم بسمة انتصار.
حازم سقف بإيده ببطء وهو بيقرب مننا:
— برافو يا دكتور يوسف.. برافو يا مريم.. دايماً بتثبتي لي إنك زوجة مطيعة وبتسمعي الكلام في الآخر.. أهو أهلك يا دكتور في الأوضة اللي جوة سليمين، تقدر تاخدهم وتمشي.. ومريم هتفضل معايا عشان “العملية الكبيرة” اللي هتخليني ملياردير.
بصيت لحازم في عينيه مباشرة، ومأظهرتش أي ضعف، وقلت بنبرة سخرية هزت ثقته بنفسه:
— إنت فاكر نفسك كسبت يا حازم؟ إنت غبي.. الإمبراطورية بتاعتك بقت نصها ملكي بالنص والقانون.. وحتى لو موتني، الورق عند النائب العام وموثق.
حازم ضحك بصوت عالي:
— القانون ده للمغفلين يا مريم.. أنا هسافر بالباسبور الجديد الليلة، والملياردير الأجنبي مستني النخاع بتاعك، والعملية هتبدأ حالاً.. وموتك هيبقى بسبب “مضاعفات السرطان المزيف” اللي مفيش مخلوق هيقدر يثبت عكسه بعد ما تندفني!
حازم شاور لرجاله عشان يثبتوني على السرير الطبي.. وفجأة، وقبل ما حد فيهم يتحرك خطوة واحدة..
كل كشافات الإضاءة في المصنع اتطفت.. وصوت ضرب نار كثيف جداً فركع في المكان، والأبواب الحديدية اتدمرت بدخول مدرعات العمليات الخاصة وهي بتصرخ بالليزر الأحمر على صدور رجالة حازم!
المصنع اتقلب لساحة حرب في ثواني.. رجالة حازم اتصفوا على الأرض، ونيرمين صرخت واستخبت ورا السرير وهي بتعيط. حازم وشه جاب ألوان وجري برعب ناحية باب خلفي سري وهو بيحاول يهرب.
أنا مشفتش غيره.. دُست على وجعي وجريت وراه بكل قوتي، وقبل ما يفتح الباب السري، مسكت حديدة من الأرض وضربته بيها بكل غلي وقوتي على رجله! حازم صرخ ووقع على الأرض وهو بيمسك رجله وبيبص لي برعب عمري ما شفته في عينيه قبل كده.
وقفت فوق راسه والشرطة بتملى المكان والكلبشات بتترمي حوالينا، وقلت له وأنا بتنفس بصعوبة:
— قولتلك يا حازم.. مريم القديمة ماتت.. وإنت اللي نهايتك الليلة.
الظابط كلبش حازم ونيرمين، ويوسف جِري طلع أهله من الأوضة وهما عياط وحضن. عمي عادل دخل المصنع وجري عليا وهو بياخدني في حضنه ويطمن عليا.
حازم وهو بيتجر على الأرض والكلبشات في إيده، بص لي بنظرة حقد وغل وقال وهو بيصرخ:
— فاكرة إنك كسبتي يا مريم؟.. الشبكة الدولية مش ه تسيبك.. الملياردير الأجنبي مش هيموت لوحده.. والسر اللي في تحاليلك لسه مخرجش.. هما هيجوا ياخدوكي حتى لو أنا في السجن!
وفي وسط الفرحة والقبض عليهم.. لمح يوسف ورقة ساقطة من جيب حازم وهو بيتجر.. ورق التحاليل الأصلية بتاعي اللي حازم كان مخبيها. يوسف وطى جابها وبص فيها.. وفجأة، ملامح يوسف اتغيرت تماماً وبص لي ونطق بكلمات صدمتني وصدمت عمي عادل:
— مريم.. حازم كان بيتكلم صح.. التحاليل دي بتقول إنك مش مريم حسام الرفاعي.. إنتي بنت الـ…
الكلمة وقفت في حَلْق دكتور يوسف، وعينيه كانت بتتحرك بيني وبين الورقة برعب ملوش مثيل. عمي عادل اتنفض من مكانه وجري عليه، شد الورقة من إيده بعنف وبص فيها.. وفجأة، شفت عمي عادل، الراجل السند اللي متهزش ثانية واحدة طول الأزمة، الورقة بتترعش في إيده، ووشه هرب منه الدم وبقى أبيض كأنه شاف الموت.
— عمي عادل.. في إيه؟ يوسف بيتكلم عن إيه؟ — قلتها وصوتي بدأ يتهز لأول مرة.
عمي عادل مبصليش، لف ببطء لضابط العمليات الخاصة وبصوت طالع بالعافية قال: “لو سمحت يا فندم.. فضي المكان ده حالاً.. مش عايز عسكري واحد يسمع الكلام ده”.
الظابط بص لحالة عمي عادل وعِرف إن الموضوع مش مجرد قضية تجارة أعضاء، ده فيه سر هيدمر عائلات. شاور لرجاله، وفي دقيقة كان المصنع كله فضي، ومفضلش غيري أنا وعمي عادل ودكتور يوسف اللي كان واقف مربع إيده وبيتنفض.
— اتكلم يا عمي! — صرخت والوجع في بطني بيحرقني مع كل نفس — يعني إيه أنا مش بنت حسام الرفاعي؟! أمي شريفة.. وأبويا الله يرحمه أنا عشت في حضنه طول عمري!
عمي عادل قعد على صندوق خشب قديم، وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بنشيج يقطع القلب:
— حازم مكنش بيكدب يا مريم.. حسام الرفاعي الله يرحمه.. مكنش بيخلف.
الصدمة خلتني أرجع خطوة لورا، ويوسف سندني بسرعة. عمي عادل كمل وهو بيبص للأرض:
— حسام لما عرف إنه مبيخلفش، سافر برة مع مامتك، وهناك عملوا عملية تلقيح مجهري من “متبرع” في مستشفى دولي في اليونان.. المتبرع ده مكنش مجهول يا مريم.. حسام اختاره بالاسم وبأوراق رسمية مخفية.. اختار دكتور يوناني من أصل مصري، ملياردير وصاحب شبكة مستشفيات.. هو نفسه الملياردير اللي بيموت دلوقتي ومحتاج النخاع بتاعك!
حسيت إن الهوا اقطع عن المصنع كله. يعني الملياردير الأجنبي اللي حازم كان عايز يبعني ليه بالقطعة.. مكنش مجرد زبون؟ ده كان.. أبويا البيولوجي؟!
يوسف قرب وهو ماسك تقرير التحاليل وقال بصوت واطي:
— مش بس كده يا مريم.. التقرير ده فيه البصمة الوراثية الكاملة (DNA) بتاعة الملياردير ده.. والتحاليل بتقول إن نيرمين.. نيرمين المذيعة، فصيلة دمها متطابقة معاكي بنسبة 99%.. نيرمين تبقى أختك من الأب!
ضحكت.. ضحكت بهيستريا لدرجة إن جرح بطني بدأ ينزف دم خفيف بقع على العباية السودا. اللعبة طلعت أكبر من حازم بكتير.. حازم مكنش غير الصياد الصغير اللي الملياردير ونيرمين حركوه عشان يوصل للمصدر اللي هيعيّشه. نيرمين كانت داخلة حياتنا وعارفة كل حاجة، وسلمت نفسها لحازم عشان تضمن إن حازم ينفذ العملية وياخدوا النخاع، والوريث اللي في بطن نيرمين مكنش ابن حازم.. ده كان مجرد فيلم عشان يثبتوا وجودها في الفيلا والمستشفى!
— يعني حازم.. حازم ميعرفش السر ده كله؟ — سألت وعقلي بيجمع الخيوط.
عمي عادل رفع راسه ومسح دموعه:
— حازم عرف بالصدفة لما سرق ملفات حسام القديمة من الخزنة بعد وفاته، وعرف إن الملياردير الأجنبي قالب الدنيا على بنته اللي من صلبها عشان ينقذ حياته.. حازم فكر بمنطق التجارة، قال أبيع مريم للملياردير وأخد الملايين، واتجوز نيرمين عشان أضمن آخد نصيب من ورث الملياردير لما يموت.. حازم كان فاكر نفسه ثعلب، وميعرفش إن نيرمين والملياردير هما اللي كانوا بيلعبوا بيه!
في اللحظة دي.. سمعنا صوت حركة برة المصنع.. صوت خطوات سريعة بتقرب من الباب الخلفي المكسور.
يوسف جِري ومسك الحديدة تاني، وعمي عادل وقف قدامي. من وسط الضلمة.. ظهرت نيرمين!
العساكر مخدوهاش؟ هربت إزاي؟! كانت بتنهج، فستانها الأبيض متبهدل بالتراب والدم، وفي إيدها مسدس صغير كانت مخبياه في شنطتها ومحدش فتشها في وسط الهوجة.
نيرمين كانت بتعيط، بس عينيا كانت مليانة شر وغل، ووجهت المسدس عليا مباشرة:
— حازم غبي وضيع كل حاجة.. بس أنا مش هضيع! أبويا بيموت في اليونان يا مريم.. ومستني النخاع ده بقاله سنين.. إنتي هتيجي معايا حالاً على المركب اللي مستنينا على الشط، يا إما هق*تلك هنا وأخد اللي أنا عايزاه من ج*ثتك!
يوسف حاول يتحرك، فنيرمين صرخت فيه:
— خطوة واحدة وهفضي الخزنة في قلبها! ياللا يا مريم.. اتحركي قدامي.. اللعبة خلاص مفيش فيها قوانين.. دي حياة أو موت!
بصيت لفتحة المسدس الموجهة لصدري، وبصيت لعينين أختي.. الأخت اللي عمري ما عرفتها، واللى جاية تاخد حتة من جسمي بالعافية. أخدت نفس عميق، ودست على جرحي، ومشيت خطوة ناحيتها وأنا ببتسم وبقول لها:
— طب مش تقولي يا أختي.. إننا من دم واحد؟
وفجأة.. وقبل ما نيرمين تضغط على الزناد.. صباعي كان بيضغط على زرار صغير في الموبايل اللي كان لسه في جيبي ومفتوح على الخط مع لواء العمليات الخاصة من أول ثانية دخلنا فيها المصنع!
نيرمين بربشت بعينيها للحظة من الصدمة لما شافت ثباتي، وفي الأجزاء من الثانية دي، وقبل ما صباعها يتحرك على الزناد، دوت رصاصة قوية هزت حيطان المصنع المهجور.
المسدس طار من إيد نيرمين وهي بتصرخ، والرصاصة اللي ضربها قناص محترف من قوات العمليات الخاصة من برة الشباك جابتها في كتفها. نيرمين وقعت على الأرض وهي بتنزف وتبكي بنحيب مرعب، والدموع بتمسح الماكياج عن وشها، فظهرت على حقيقتها.. مجرد مسخ تانى من مسوخ الطمع.
القوات دخلت الأوضة في ثانية، وكلبشوا نيرمين وهي بتصرخ:
— مش هتموتوا لوحدكم.. أبويا هيدفنكم كلكم!
بصيت لها وأنا سانده على عمي عادل، وقلت لها والنبرة بتاعتي كلها عزة وقوة:
— أبوكي بيموت لأنه افتكر إن الفلوس والنفوذ تخلي بني آدم يملك حياة بني آدم تاني.. دم عيلة الرفاعي اللي ربوني وعلموني الكرامة، أنظف بكتير من دم الشراكة بتاعتكم. خدوها.
بعد مرور ست شهور..
الدنيا برة كانت شمسها دافية، وأنا قاعدة في مكتب رئيس مجلس إدارة “الهواري ميديا”. الصيحة والاسم اتغيروا، وبقى الاسم الرسمي للشركة “مؤسسة الرفاعي للإعلام”. النص اللي أخدته بالقانون من أملاك حازم، قدرت أشتري بيه باقي الأسهم بعد ما المحكمة حجزت على كل ممتلكاته الملوثة بجرائم تجارة الأعضاء وغسيل الأموال.
حازم ونيرمين والمدير بتاع المستشفى، صدر ضدهم حكم تاريخي من محكمة جنايات أمن الدولة العليا بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة المؤبدة. أما الملياردير الأجنبي في اليونان.. فمات في سريره قبل ما القضية تخلص، مات وحيد وفلوسه مقدرتش تشتري له يوم واحد زيادة في عمره، لأن عدالة ربنا ملهاش باسبور ولا بتعترف بالحصانة.
دكتور يوسف بقى بيدير واحد من أكبر مراكز التحاليل والأبحاث الطبية اللي أسستها من أرباح الشركة، عشان نكشف أي تلاعب أو مافيا طبية بتتاجر بآلام الناس.
وقفت قدام الشباك الكبير المطل على شوارع القاهرة، وبصيت على نفسي في المراية.. الجرح اللي في بطني لسه سايب أثر، خياطة عريضة ومستقيمة. بس الجرح ده مبقاش رمز للكسرة أو العقم.. الجرح ده بقى وسام المعركة اللي انتصرت فيها على الشياطين.
> **حكمة مريم:**
> “في الحياة، ساعات بتكتشفي إن أبشع الجلادين مش اللي بيقابلوكي في ضلمة الشوارع، بل اللي بتشاركي معاهم لقمة عيشك وسريرك وبيدعوا حبك. الأمان مش كلمة بتتكتب في قسيمة جواز، ولا وعد بيتقال تحت أضواء الفرح.. الأمان الحقيقي هو القوة اللي بتكتشفيها جوة نفسك لما الدنيا كلها تقرر تكسرك.
> والرحم اللي سرقوه مني عشان يحرموني من الأمومة، ربنا عوضني عنه بإن بقى عندي آلاف البشر اللي بقدر أحميهم وأجيب لهم حقهم بقلمي ونفوذي.. الأمومة مش بطن بتشيل عيل، الأمومة قلب بيشيل أمة وبيدافع عن الحق.”
>
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق