القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

حكايه حسن وفدوى كاملة للكاتبه سهر محمد

 حكايه حسن وفدوى كاملة للكاتبه سهر محمد



حكايه حسن وفدوى كاملة للكاتبه سهر محمد

”بصي بقى ياعروسة، أنا راجل مديون لطوب الأرض. هدومي اللي عليا دي مش بفلوسي، وأمي مشلولة نايمة في أوضة على السطوح مابتنطقش. أنا مابنامش غير أربع ساعات عشان أسد ديون أبويا اللي مات وسابني متعرّي قدام البلد. خطيبتي اللي قعدت أجهزلها شقة تلات سنين، رمت دبلتي في وشي أول ما فلست. أبوكي راجل طيب وصعبت عليه، فعرضك عليا عشان ألاقي ست تخدم أمي وتاخد بالها من اللقمة اللي بناكلها. أنا بقولك أهو، عيشتي معايا مرار وطين، فكري، ولو قلتي لأ، هطلع أقول لأبوكي أنا اللي استغليتها وماتنفعنيش.. ومحدش هيجيب سيرتك بكلمة.”

كان مستني منها أي رد فعل.. تعيط، تخاف، أو حتى ترفع عينيها اللي باصة للأرض وتجري على بره.

فدوى فضلت ساكتة ثواني، بتفرك في طرف عبايتها السودا الباهتة. وبعدين رفعت وشها، وبصت في عينيه المليانة قهر وقالت بصوت هادي مفيش فيه ذرة تردد: “موافقة يا أستاذ حسن.”

هو.. كان من تلات شهور بس “حسن بيه”، ابن كبير تجار الغلال في المركز. شاب مالي مركزه، شقته بتتشطب على النيل، وخطيبته بنت مستشار قد الدنيا. لحد ما صحي في يوم على كابوس. أبوه مات فجأة بسكتة قلبية، وبعد الدفنة بيومين، البلد كلها وقفت على بابه. أبوه كان واخد فلوس من كل فلاحين وتجار البلد يشغلها لهم، والفلوس كلها اتبخرت في صفقة مضروبة، ومات وساب وراه ديون تهد جبال.

حسن متهربش ولا قال دي ديون أبويا. وقف في المندرة قدام الرجالة اللي كانت بتيجي تبوس إيد أبوه، وبقوا دلوقتي بيشتموه، وقالهم: “حقكم في رقبتي.”

باع الأرض، المحلات، العربية، وحتى الشقة اللي كان بيجهزها. سدد تلات تربع الديون، وبقى مطالب يسدد الباقي بالكمبيالات. نقل أمه اللي انجلطت من الصدمة لأوضتين على سطوح بيت قديم، ونزل يشتغل شيّال في نفس الشون اللي كانت ملكه!

خطيبته “نورهان” ماستنتش عليه أسبوع. جاتله لحد الشونة، بصت لجلابيته المتعاصة تراب بقرف، وقالتله: “أنا ماتربيتش عشان أعيش في عشة على السطوح يا حسن.. كل شيء قسمة ونصيب.” وسابته ومشت، والبلد كلها اتفرجت على كسرته.

مرت الأيام، وحسن بقى يرجع تالي الليل، يلاقي أمه واقعة من على السرير، أو جعانة ومش قادرة تتكلم. كان بيموت في اليوم ميت مرة. لحد ما “عم سالم”، غفير الشونة الراجل الغلبان، خبط عليه وقاله: “يا ولدي، أمك محتاجة ونس، وأنا بنتي فدوى قاعدة في البيت، تاخد ثواب في أمك وتسترك، ومهرها مدفوع مقدماً بجدعنتك مع أهل البلد.”

حسن راح يقعد مع البنت وهو حاسس إنه بيظلمها معاه. قعد في صالة بيت عم سالم الضيقة، ودخلت فدوى. 24 سنة، ملامحها مصرية أصيلة، سمرا وعينيها فيها دفا غريب، بس متغطية بحزن كتم على نفسها. فدوى في البلد كان طالع عليها لقب “النحس”. اتخطبت مرتين، وفي المرتين العريس كان بيعمل حادثة قبل الفرح بشهر ويموت. الناس بقت تخاف تقرب من بابهم، ومرات أخوها كانت بتعايرها ليل نهار إنها “بومة” وقاعدة على قلبهم.

لما حسن رصلها الكلام كأنه بيرمي طوب، كان متأكد إنها هترفض.

ولما قالت “موافقة”، اتعصب وقالها: “انتي ماسمعتيش أنا قلت إيه؟ بقولك فقر وديون وأم مشلولة! انتي فاكرة إنك عشان كلام الناس عليكي توافقي بأي حاجة والسلام؟”

قالتله وهي باصة في عينه: “أنا مايهمنيش كلام الناس، ولا خايفة من الفقر. أنا موافقة عشان أنا عايزاك.”

اللي حسن ميعرفوش، إن فدوى ماكنتش بتشوفه زي ما الناس بتشوفه. لما كان غني وراكب عربيته، كانت بتخاف تبصله، كان بالنسبة لها نجم في السما. بس يوم ما وقف قدام الشونة، وباع هدومه عشان يستر اسم أبوه الميت، يوم ما شافته بيشيل شكاير الغلة وعرق الرجولة بيسيل على جبينه، قلبها اتنفض. دعواتها في صلاة الفجر ماكانتش إن ربنا يرزقها بعريس يسترها، كانت إن ربنا يفك كرب “حسن”. بالنسبة لها، هو دلوقتي مش فقير، هو في عينيها أغنى وأرجل واحد في الدنيا.

قالتله بصوت فيه رجفة بس كله صدق: “اللقمة الناشفة معاك، أطعم من الشهد مع غيرك. وأمك دي هتبقى تاج فوق راسي. حدد ميعاد كتب الكتاب يا أستاذ حسن.”

حسن قام وقف، حاسس ببركان جواه بينطفي بشويش. قال لأبوها قبل ما يمشي: “كتب الكتاب يوم الجمعة بعد الصلاة. مفيش فرح ولا زفة، هاخدها من إيدها ونطلع على أوضتنا.”

يوم الجمعة، الجو كان مغيم كأنه بيعكس حالة البلد اللي بتبص لحسن بشماتة، ولفدوى بشفقة. فدوى كانت لابسة فستان بسيط جداً أوف وايت، ووشها منور برضا عجيب. المأذون خلص، وحسن خدها من إيدها، ومشيوا في شوارع البلد لحد ما وصلوا لبيت السطوح.

طلعوا السلالم الضلمة، حسن كان ساكت طول الطريق، حاسس بتقل الجبل على كتافه، خايف يكون ظلمها. حط المفتاح في باب الأوضة وفتحه، ودخلها.

الأوضة كانت ضيقة، لمبة واحدة بتنورها. أم حسن نايمة على السرير، ووشها للحيطة.

حسن اتنهد وقال: “هو ده القصر بتاعي يا بنت الناس، خشي غيري هدومك جوه، وأنا هقعد هنا شوية.”

فدوى ابتسمت، ولسه هتحط إيدها على كتفه تطمنه، فجأة..

الباب خبط.

خبطة قوية، وراها خبطات متتالية كأن حد هيكسر الباب.

حسن عقد حواجبه، مين هيجيله يوم فرحه وفي الوقت ده؟ البلد كلها عارفة ظروفه.

فتح الباب، واتصمر مكانه.

واقف قدامه راجل لابس بدلة غالية، ومعاه اتنين حرس، ووراه.. خطيبته القديمة “نورهان”، بس وشها كان أصفر زي الموتى، وبتبكي بهستيريا.

الراجل اللي ببدلة بص لحسن، وطلع من جيبه رزمة ورق، رماها على الترابيزة الخشب المكسورة، وقال بصوت هز السطوح كله:

“أبوك مات مقتول يا حسن.. والفلوس اللي سددتها دي كلها كانت لعبة مني ومن البيه أبو خطيبتك عشان نكسره.. بس اللعبة وسعت، وأبو نورهان باعني أنا كمان.. أنا جاي أرجعلك فلوسك كلها وعليها الضعف، بس بشرط واحد…”

الراجل سكت، وبص لفدوى اللي واقفة ورا حسن، وابتسم ابتسامة شيطانية وقال:

“تطلق العروسة دي فوراً.. وتسلمهالي!”

حسن بص لفدوى.. وفدوى رجعت خطوتين لورا والدم هرب من وشها، وهي بتهمس بصوت مرعوب: “عمي؟!”


الكلمة نزلت في الأوضة الضيقة زي القنبلة. حسن حس إن الأرض بتلف بيه، الدم نشف في عروقه وهو بيبص للورق المرمي على الترابيزة المكسورة، وبعدين بص للراجل اللي واقف قدامه ببدلته الغالية ووشه اللي كله جبروت، ورجع بص لفدوى.. فدوى اللي كانت واقفه ورا ضهره، كشّت في مكانها وجسمها كله بيترعش، وعينيها واسعة من الرعب وهي بتبص للراجل وبتقول بنبرة عاجزة: “عمي راغب؟!”

حسن خطى خطوة لقدام، وعروق رقبة ظهرت وناشفة من الغضب، وقال بصوت فحيح زي الأفعى: “انت مين؟ وعمها كيف؟ وعايز إيه من مراتي في ليلة دخلتها؟”

راغب ضحك ضحكة باردة، هزت أركان السطوح، وبص لحسن من فوق لتحت بقرف وقال: “أنا راغب السيرافي.. كبير سوق الغلال في بحري يا حسن بيه.. قصدي يا حسن الشيال! أما البت دي، فتبقى بنت أخويا سالم، الراجل الشحات اللي مشغلينه عندكوا غفير في الشونة بلقمته. وأهو سبحان الله، الفقر لمه على الفقر، والغلابة ناسبوا بعض!”

نورهان، خطيبة حسن القديمة، انفجرت في العياط وهجمت على حسن، مسكت في جلابيته وهي بتبكي بهستيريا وتترجاه: “بوس إيدك يا حسن وافق.. طلقها وخد الفلوس.. أبويا هيموت في السجن! راغب بيه هيدمرنا كلنا، أبويا اتمسك في قض…ية رشوة وتجارة سلا..ح وراغب اللي لبسهاله.. وافق يا حسن عشان خاطري، الفلوس دي هترجعك سيد البلد تاني، هتبني اسم أبوك من جديد!”

حسن نفض إيد نورهان عنه بقرف، وبص لراغب وعينيه بتقدح شرار: “سيبك من نورهان وأبوها.. انت قلت كلمة دلوقتي توزن بلد.. قلت أبويا مات مقتول! أبويا مات بسكتة قلبية والدكاترة كلهم قالوا كديه.. اتكلم انطق بدل ما أدفنك مكانك هنا!”

راغب شاور للحرس بتوعه يهدوا، وخد خطوتين جوه الأوضة، عينه جت على أم حسن المشلولة اللي نايمة على السرير وبتترعش وعينيها مبرقة في سقف الأوضة. راغب وطي على حسن وقال بخبث: “الحاج متولي أبوك، الله يرحمه، كان راجل دغري وزياده عن اللزوم. لما دخل معايا أنا وأبو نورهان في صفقة الغلال الكبيرة، لقى ورق وسط الشحنة يودينا حبل المشنقة.. ورق يثبت إن الشحنة دي كانت غطاء لغسيل أموال وتهريب آثار.. أبوك صمم يبلغ، وقال شرفي واسمي أهم من ملايينكم.. تفتكر كنا هنسيبه؟ أبو نورهان حطله السم في قهوته، سم مابيظهرش في تشريح ولا بيبان في كشف.. ومات الحاج متولي، والبلد كلها قالت سكتة قلبية من خسارة الفلوس اللي احنا أصلاً سرقناها منه وعجزناه بيها!”

حسن صرخ صرخة مكتومة، وهجم على راغب خنقه من رقبته: “يا كلاب! قتلتوا أبويا وكسرتوا ضهري؟!”

الحراس هجموا على حسن، وضربوه بظهر الطبنجات على رأسه لحد ما وقع على الأرض ونزف، وفدوى صرخت ورمت نفسها عليه وهي بتبكي وتداري بوشها ضربات الحراس: “سيبوه! سيبوه حرام عليكم! خدو الفلوس وامشوا!”

راغب زعق للحراس: “بس يا غبي منك ليه.. مش عايز واد متولي يموت قبل ما يوقع على ورقة الطلاق ويمضي على استلام الفلوس.”

راغب قعد على كرسي خشب، وبص لفدوى اللي حاضنة حسن وبتمسح الدم من على قورته بطرحتها، وقالها: “شايفة يا فدوى؟ النحس بتاعك صاب الواد غصب عنه.. من يوم ما اتولدتي وأمك ماتت في نفاسك، وبعدها خطيبك الأول مات والتاني مات.. ودلوقتي هتموتي جوزك التالت لو مسمعتيش الكلام!”

حسن رفع راسه بصعوبة، ونفخ دم من بقه، وقال لراغب: “ليه؟ البت غلبانة وأبوها غفير.. هتموت وتمشيها معاك ليه؟ إيه اللي معاها يخلي حوت زيك يجي لحد السطوح يطلبها؟”

راغب عينيه لمعت بطمع أسود وقال: “عشان البت الغلبانة دي، أمها الله يرحمها كانت بنت قاضي كبير في الإسكندرية، وكاتبة لها فدادين وأراضي على البحر في العجمي تساوي ملايين، باسم فدوى.. والورق ده والوصية، سالم أخويا سرقهم من خزنعي وهرب بيهم من سنين وجيه استخبى هنا واشتغل عندكوا غفير عشان يداري بنته.. والمحكمة حكمت من أسبوع إن الأراضي دي مابتتباعش ولا تتوثق غير بإمضاء فدوى بنفسها أو بجوازها من ابني أنا عشان الورث يرجع لأصحابه! سالم عرف الخبر، وقبل ما نوصل له، جرى وجوزها لك عشان تسترها وتحميها بفلوسك وجاهك.. ميعرفش إنك بقيت على البلاطة!”

حسن لف وشه وبص لفدوى.. عينيه كانت مليانة عتاب وصدمة: “انتي كنتي عارفة يا فدوى؟ كنتي عارفة إن أبويا اتقتل وإن أبوكي مشغلكم اللعبة دي عليا؟”

فدوى هزت راسها بنفي وهي بتبكي بحرقة: “والله العظيم ما أعرف! والله العظيم أنا كنت فاكرة أبويا راجل غلبان وعمي ده قاطعنا من زمان عشان اتجوز أمي غصب عن أهلها.. أنا ماعرفش حاجة عن الأراضي ولا الملايين يا حسن.. أنا وافقت عليك عشان بحبك.. بحبك من زمان والله!”

راغب قام وقف، وعدل جاكت بدلته، وبص في ساعته وقال لحسن بنبرة تهديد صريحة: “معاك لحد بكرة بعد صلاة العشا.. رزمة الفلوس دي فيها تمن ديون أبوك كلها وزيادة، وهتاخد حق أبوك من اللي قتلوه (أبو نورهان) لأن الورق اللي يوديه المشنقة معايا وجاهز أسلمه للنيابة.. يعني هترجع غني، وتاخد ثأر أبوك.. المقابل إيه؟ ورقة طلاق فدوى، وتسلمهالي بالذوق.. لو العشا أذنت وبكرة مكنتش في الشونة ومعاك المأذون والبت.. قسماً بالله العظيم لهد السطوح ده عليك وعلى أمك المشلولة.. وهدفنكم صاحيين!”

راغب خد نورهان اللي كانت بتبص لحسن بنظرات رجاء وكسرة، ونزلوا، والحراس وراهم، وقفلوا الباب وراهم بعنف.

الأوضة بقت هس هس.. مفيش غير صوت شهقات فدوى المكتومة، وصوت أنفاس حسن العالية والدموع نازلة من عينيه بتبلع قهر الدنيا كله. حق أبوه وفلوسه كفتة قدامه.. وشرفه ومراته كفتة تانية.

حسن قام وقف على رجليه وهو دايخ، فدوى جرت عليه تمسكه: “أمسكك يا حسن.. أنت تعبان.”

حسن زق إيدها بشويش، بس بقسوة وجع: “ماتلمسينيش يا بنت سالم.. أبوكي لعب بيا ولعّب البلد كلها عليا.. شغلني شغال في شونتي، وجوزني بنته النحس عشان يحمي ملايينها ويداري على سرقته من أخوه!”

فدوى وقعت على ركبها في الأرض، ودموعها نازلة زي المطر: “والله مظلومة.. والله مالي ذنب.. يا حسن أنا لو عايزة ملايين كنت روحت لعمي من زمان وعشت في قصور.. أنا عايزة الستر، وعايزاك أنت.. ماتظلمنيش مع الناس!”

حسن مسح الدم من على وشه، وقال وعينيه فيها نظرة مرعبة: “أنا رايح لعم سالم الغفير في بيته.. لو طلع عارف إن أبويا مقتول وساكت عشان يحميكي.. هقتله بإيدي دي!”

حسن ساب الأوضة ونزل يجري في ضلمة الليل، وفدوى صرخت وراه بس مقدرتش تسيب أمه المشلولة لوحدها.

حسن وصل لبيت عم سالم.. البيت كان ضلمة ومفتوح على بحري! دخل وهو بيزعق: “يا عم سالم! يا سالم!”

لكن مفيش رد.. البيت كان مقلوب، الهدوم في الأرض، والدرج مكسور.. عم سالم فص ملح وداب.. هرب وساب بنته تواجه مصيرها!

حسن رجع السطوح مكسور ومش شايف قدامه.. الدنيا اسودت في عينه. دخل الأوضة، لقى فدوى قاعدة في الركن، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط في صمت كأنها طفل يتيم.

حسن بصلها، وقبل ما ينطق بكلمة.. حصلت الحاجة اللي هزت الأوضة أكتر من دخلة راغب السيرافي!

أم حسن.. الحاجة اللي بقالها تلات شهور جث..ة هامدة، مابتتحركش ولا بتنطق، ولا بترمش حتى.. فجأة، صوابع إيدها المرعشة اتمتعت، واتحركت بشويش لحد ما مسكت طرف جلابية حسن بـقوة!

حسن اتصمر مكانه، ونزل على ركبه قدام السرير وهو مش مصدق: “أمي؟! أمي انتي اتحركتي؟!”

أمه كانت عينيها حمرا زي الدم، وبتبص لفدوى بنظرة رعب وكره مرعب.. شفايفها بدأت تترعش، وحاولت تطلع صوت مخنوق من زورها.. حسن وطي ودنه ل بؤها وهو بيبكي: “انطقي يا أمي.. قولي يا حبيبتي.”

الأم ضغطت على إيد حسن، وشاورت بصابعها التاني المرعش على فدوى اللي كانت قاعدة مرعوبة، وقالت بصوت متقطع، طالع من وسط الموت:

“بنت… السيرافي… أبوها… هو… هو اللي… حط… السم… لأبوك!”

حسن وقف مرة واحدة كأنه ممسوس بالكهرباء.. وبص لفدوى.. وفدوى حطت إيدها على بؤها وعينيها برقت من الصدمة والرعب..

أبو نورهان محطش السم.. عم سالم الغفير هو اللي قتله!

وساعتها.. أذان الفجر بدأ يتردد في جامع العزايزة.. وبدأ العد التنازلي للـ 24 ساعة!

ينتهي الجزء الثاني.. لتكملة الأحداث المشوقة في الجزء الاخير



حكايه حسن وفدوى الجزء الاخير للكاتبه سهر محمد


الكلمة خرجت من شفايف أم حسن المرتعشة، بس كان صداها في الأوضة زي دبة زلزال هدت الباقي من حيلهم.

فدوى رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، حطت إيديها الاتنين على ودنها وهي بتهز راسها بهستيريا وكأنها بترفض تسمع: “لأ.. لأ.. أبويا أنا؟ عم سالم الغلبان اللي بيمشي يبص في الأرض يحط سم للراجل اللي كاسيه ومأكله؟ لأ يا طنط أبوس إيدك قولي إنك متلخبطة.. قولي إن عمي راغب هو اللي عملها!”

حسن كان راكع على الأرض قدام سرير أمه، دموعه بتنزل على خدوده بصمت يخوف. قام ببطء، وبص لفدوى. عينيه كانت فاضية، مفيهاش غضب، مفيهاش قهر، كان فيها انكسار راجل الدنيا كلها اتفقت عليه.

فدوى نزلت على ركبها قدامه، مسكت طرف جلابيته وهي بتشهق من العياط: “يا حسن والله ما أعرف.. والله العظيم ما أعرف.. اضربني، اقتلني وخد تار أبوك مني، بس ماتبصليش البصة دي.. أنا مليش ذنب في اللي عمله، أنا حبيتك انت!”

حسن سحب جلابيته من إيدها بشويش، وراح قعد على الكرسي المكسور، حط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق: “ذنبي إيه أنا وأبويا يا فدوى؟ راجل فتح بابه للغريب، يتقتل بخيانة؟ وأنا.. أنا اللي بعت لحمي ودمي عشان أسد ديون أبويا اللي طلع مقتول، أكتشف إن مراتي تبقى بنت قاتله؟”

فدوى حطت وشها في الأرض، ودموعها بلت بلاط الأوضة.. حست إن وجودها في حياته بقى لعنة، وإن النحس اللي الناس بتعايرها بيه طلع حقيقة، بس المرة دي دمر أغلى إنسان خاف عليها وحماها.

عدى النهار كأنه سنة. حسن ساب البيت من بعد الفجر ومارجعش، وأمه نامت من التعب. فدوى قامت، غسلت وشها، وبصت لنفسها في المراية المكسورة. عينيها كانت مليانة تصميم. فتحت الدولاب، طلعت الفستان القديم اللي جات بيه، وطلعت ورقة وقلم من درج حسن، وكتبت سطرين بدموعها، وحطتهم جنب راس أمه.

قبل أذان العشا بساعة، في الشونة الضلمة..

راغب السيرافي كان قاعد على كرسي خشب، بيدخن سيجارته، والحراس حواليه. الباب الحديدزيق، ودخلت فدوى لوحدها. العباية السودة لفاها، ووشها باهت بس مرفوع.

راغب ضحك باستهزاء وقال: “أهلاً ببنت الغالي.. فين جوزك السبع؟ هرب وسابك تواجهي مصيرك ولا بعتك عشان يقبض التمن؟”

فدوى مدت إيدها بورقة، وقالت بصوت ثابت رغم كسرتها: “حسن ميعرفش إني هنا. دي ورقة تنازل مني عن كل الأراضي والأملاك اللي باسمي في إسكندرية، مضيت وبصمت عليها. خد ملايينك اللي أبويا هرب بيها، وعيش بيها في نار جهنم. بس في مقابل الورقة دي، ديون حسن كلها تسقط، والورق اللي معاك اللي يثبت براءة أبوه تديهولي.. ولو فكرت تقرب لحسن أو تأذيه، هقتل نفسي، وساعتها مش هتعرف تبيع شبر واحد من الأرض دي طول ما أنا ميتة والورث متوقف في المحاكم.”

راغب قام، شد الورقة من إيدها، وبص فيها وابتسم بطمع: “عين العقل يا بنت أخويا.. بس انتي فاكرة إني هسيبك ترجعيله؟ انتي هتيجي معايا غصب عنك، والواد ده أنا كدة كدة هعصره لحد ما.. ”

”لحد ما إيه يا راغب بيه؟”

الصوت شق سكون الشونة. حسن ظهر من الضلمة، بس مكنش لوحده. كان لابس قميص وبنطلون نضاف، وواقف بهيبة أبوه زمان.

راغب عقد حواجبه وزعق للحراس: “خلصوا عليه!”

لكن قبل ما الحراس يرفعوا سلا..حهم، كشافات عربيات البوليس نورت الشونة كلها، وعساكر وضباط دخلوا من كل حتة، حوطوا المكان في ثواني.

راغب اتصدم وبص لحسن: “إنت عملت إيه يا غبي؟ فلوسك وحق أبوك ضاعوا!”

حسن قرب منه، عينه في عين راغب وقال بكل شموخ: “حق أبويا مابيرجعش بفلوس حرام يا سيرافي. الورق اللي انت رميتهولي امبارح على السطوح، عشان تذلني بيه وتثبتلي إنك قتلت أبويا مع أبو نورهان، أنا خدته وطلعت بيه على رئيس النيابة في الفجر. الورق ده مش بس بيدينكم في قتل متولي بيه، ده فيه بلاوي غسيل أموال تهز البلد.. أبويا مات راجل، وأنا هعيش راجل.. وعم سالم الغفير اتقبض عليه في محطة القطر وهو بيهرب، واعترف بكل حاجة.. اعترف إنك هددته يقتل أبويا عشان يسدد ديونه ليك.. كلكم هتعفنوا في السجن.”

الضباط كلبشوا راغب، وهو بيشتم ويزعق، وخدوه هو والحراس.

الشونة فضيت، ومابقاش فيها غير حسن وفدوى. فدوى كانت واقفة بتترعش، مش مصدقة اللي حصل. بصت لحسن، لقت نظرة عتاب بس مليانة حنية مخفية.

قالتله بصوت واطي ومكسور: “أنا كتبتلك ورقة فوق.. متنازلة فيها عن كل حقوقي، وهروح أعيش في أي حتة بعيد عنك.. أنا مقدرش أبص في وشك ولا وش أمك بعد ما أبويا كسر ضهركم.. دم أبوك بيني وبينك يا حسن، مستحيل نتجمع تحت سقف واحد.”

لفت عشان تمشي، وتجرجر خيبتها ووجعها.. بس فجأة، حسن مسك إيدها بقوة وشدها عليه.

فدوى بصتله بصدمة ودموعها بتنزل.

حسن حط إيده التانية على راسها، ومسح دموعها وقالها بصوت دافي هز قلبها:

“ربنا في كتابه العزيز قال (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).. أنا راجل صعيدي أه والدم عندنا غالي، بس قلبي مش أعمى. أنا شفتك وانتي بتعرضي روحك وملايينك للبيع عشان تفديني وتفدي أمي، وانتي متعرفيش إني كنت سامعك وشايفك. أبوكي خد جزاته، والمجرمين هياخدوا إعدام.. بس انتي ذنبك إيه تدفعي تمن ذنب معملتيهوش؟”

فدوى شهقت وقالت بين بكاها: “الناس هتعايرك.. هيقولوا متجوز بنت قاتل أبوه.”

حسن ابتسم، ورفع دقنها لفوق وقال: “الناس دي أنا بعتها يوم ما سابوني أشيل الشكاير لوحدي. ومفيش حد وقف جنبي في محنتي وبكى على وجعي غيرك.. انتي مش النحس يا فدوى، انتي العوض اللي ربنا بعتهولي في عز كربتي عشان يستر قلبي.”

فدوى رمت نفسها في حضنه، وانهارت من البكا، بس المرة دي مكنش بكا قهر، كان بكا فرحة وأمان وسند لأول مرة تحسه في حياتها. حسن ضمها بقوة، كأنه بيعوضها عن حرمان السنين.

بعد مرور سنة ونصف..

على شط النيل، قدام عمارة جديدة بتتبني، كانت يافطة كبيرة مكتوب عليها: “شركة أبناء الحاج متولي لتجارة الغلال”.

حسن كان واقف، لابس جلابية بيضا نظيفة وعباية، بيشرف على العمال بابتسامة رضا. ديونه اتسددت بالكامل من تعويضات المحكمة، واسم أبوه رجع ينور المركز من تاني ناصع وبدون أي شائبة.

من وراه، سمع صوت عجل كرسي متحرك بيقرب. لف وشه لقى فدوى، وشها منور زي البدر، لابسة عباية واسعة وجميلة، وبتزق الكرسي اللي قاعدة عليه “أم حسن”، اللي صحتها اتحسنت كتير وبقت تتكلم، وشايلة على حجرها طفل رضيع زي القمر.

أم حسن ضحكت وقالت بصوت فيه حنية: “خد ابنك يا حسن، الواد متولي جنني من الصبح عمال يعيط عايز أبوه.”

حسن شال ابنه “متولي” وباسه من جبينه، وبص لفدوى اللي كانت بتبصله بنظرة كلها عشق ورضا.

مسك إيدها، وباسها قدام العمال والناس وقالها: “طابخة إيه النهاردة يا أم متولي؟”

فدوى ضحكت ووشها احمر وقالت: “اللي تشتهي نفسك يا أبو متولي.. دا احنا في نعمة ورضا.”

حسن بصلها وبص لابنه وأمه، وحمد ربنا في سره. اتعلم إن الضربة اللي مابتموتش بتقوي، وإن ورا كل محنة منحة مستخبية، وإن العوض لما بيجي من ربنا، بينسي القلب كل مرار شافه.

(تمت بحمد الله)


تعليقات

close