القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

حكاية زين وبنت عمه كاملة بقلم ملك ابراهيم

 

حكاية زين وبنت عمه كاملة بقلم ملك ابراهيم 




حكاية زين وبنت عمه ج1


الجزء الأول


الكاتبة ملك إبراهيم


رنة تليفونه قطعت الصمت التقيل اللي كان مالي قاعة الاجتماعات، وهو في عز كلامه عن أهم صفقة عنده. التوتر كان باين على وشوش الكل.


ابتسم بذوق للأجانب اللي قاعدين قدامه وقال:


“معلش يا جماعة، ثانية واحدة بس، مكالمة طارئة جداً.”


عينه نزلت على شاشة الموبايل، ولقى اسم “مرات عمي” منور. قلبه اتقبض في لحظتها، هو عارفها كويس.. عمرها ما هتتصل بيه في وقت زي ده إلا لو في مصيبة كبيرة حاصلة.


رد بصوت واطي وهادي وهو بيحاول يسيطر على قلقه:


“ألو.. أيوة يا مرات عمي، في إيه؟”


اللي سمعه ماكنش رد، كانت شهقة مكتومة وبعدها عياط متقطع بيترعش.


“إلحقنا يا زين.. إلحقنا يا ضنايا! عمك.. عمك اتشل يا زين.. اتشل يا ابني!”


زين قام من على الكرسي مرة واحدة، كل العيون بقت عليه بس هو ماكنش شايف حد قدامه خلاص.


“إيه! بتقولي إيه؟ عمي ماله؟ حصل إيه؟” صوته بدأ يعلى والخوف بقى طالع منه غصب عنه.


الست صرخت بصوت موجوع وهي مش قادرة تاخد نفسها:


“بنت عمه.. زهرة.. فضحتنا يا زين! غلطت مع واحد.. وحامل.. وعمك أول ما عرف الخبر ما استحملش ووقع من طوله.”


زين حس إن الدنيا كلها بتلف بيه. زهرة؟ زهرة اللي طول عمرها هادية ومتربية وعينها في الأرض، اللي متربية في بيت مقفول ومحافظ تعمل كده؟ عقله رفض يصدق، مستحيل، أكيد في حاجة غلط.


صوت مرات عمه رجع تاني وهو بيستنجد بيه كأنها غرقانة وبتتعلق في قشاية:


“يا ابني ارجع لنا بسرعة.. ماليش غيرك يا زين، البيت هيتخرب، تعالا شوف لنا حل!”


قالها وهو مصدوم ومش مستوعب:


“حاضر يا مرات عمي.. أنا جاي حالاً.. حالاً دلوقتي.”


قفل السكة وهو مش حاسس بنفسه، نسي الأجانب ونسي الصفقة ونسي كل حاجة، كل اللي كان في دماغه إنه لازم يرجع البلد. في دقايق كان لامم شنطته وحاجز أول طيارة نازلة.


ولما وصل، البيت ماكنش هو البيت اللي يعرفه. كآبة تقيلة نازلة على كل ركن. دخل على أوضة عمه، الأوضة اللي طول عمرها مليانة ضحك وصوت عالي، لقى عمه نايم على السرير، نص جسمه مش بيتحرك ونظرة كسرة وقهرة في عينيه عمره ما شافها قبل كده. عمود البيت، الراجل اللي كان سند الكل، بقى مرمي وعاجز. قلبه اتوجع عليه ووجع ما يتوصفش، الصدمة على الحقيقة كانت أبشع مليون مرة من المكالمة.


خرج من الأوضة وهو تايه، لقى مرات عمه في وشه، وشها شاحب ودبلان وعينيها وارمة من كتر العياط. قربت منه ومسكت إيديه وإيديها بتترعش وصوتها طالع بالعافية:


“زين.. يا ابني.. أنا عارفة إن اللي هطلبه منك ده تقيل وصعب.. بس والله ما لينا غيرك بعد ربنا.. انت اللي هتقدر تنقذنا من المصيبة دي.”


بصلها باستغراب وقلق:


“في إيه يا مرات عمي؟ قولي على طول في إيه تاني؟”


خدت نفس عميق كأنها بتجمع كل قوتها وقالت والدموع مغرقة وشها:


“تتجوز زهرة يا زين.. استر عليها يا ابني.. خدها وسافر بيها بعيد عن هنا.. أي مكان غير البلد دي. عشان الفضيحة تتلم وعشان خاطر عمك يقوم بالسلامة، هو مش هيقوم من اللي هو فيه غير لما يحس إن بنته اتسترت ومستقبلها ماراحش. دي الطريقة الوحيدة يا زين.. والله دي الطريقة الوحيدة اللي ممكن ترجع عمك لصحته تاني.”



زين اتسمر مكانه، الكلام نزل عليه زي الصاعقة، صاعقة أقوى من كل اللي فات. يتجوز زهرة؟ زهرة اللي كانت زي أخته الصغيرة؟ ياخدها ويسافر؟


كل اللي قدر يطلعه صوت مبحوح مش طالع:


“إيه اللي انتي بتقوليه ده يا مرات عمي؟”


فضل باصص في الأرض لحظات طويلة، صورة عمه وهو مكسور ومشلول مش بتفارق خياله، شريط سنين تعبه وشقاه عشان يربيهم ويكبرهم ويسترهم بيعدي قدام عينيه، وكل اللي بناه بيتهد في لحظة. حس بوجع تقيل في قلبه، مفيش حل تاني قدامه، لازم يضحي عشان خاطر الراجل اللي كان عموده الفقري وانكسر.


رفع راسه أخيراً وصوته كان فيه مرارة وغصة بس كان قرار نهائي:


“أنا موافق يا مرات عمي.”


الكلمة نزلت عليها زي نقطة ماية في صحرا ناشفة، شهقت وحضنته وهي بتعيط بحرقة:


“ربنا يجبر بخاطرك يا ابني.. ربنا يرضى عليك ويسعدك.”


الساعات اللي بعدها عدت كأنها سنين. المأذون جه والقعدة كلها كانت كئيبة وتقيلة على القلب. زين قاعد وضيق الدنيا كله على وشه، بيبص على زهرة اللي قاعدة جنبه زي التمثال، وشها أحمر من كتر العياط والدموع نازلة من عينيها من غير صوت. كل ما عينه تيجي عليها يحس بغضب مكتوم جواه، مش قادر يصدق إن دي هي زهرة اللي كان يعرفها، إزاي كل ده حصل وإمتى؟


لما المأذون قال جملته المشهورة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير” زهرة جسمها اتنفض مرة واحدة وطلعت منها كلمة واحدة بالعافية وسط عياطها:


“مظلومة..”


زين ما سمعهاش كويس وسط صوت الورق وهمس الناس اللي موجودين، بس الكلمة رنت جوه صدره كده من غير ما يفهمها.


“إيه؟” سأل نفسه، بس المأذون كان بيكمل كتابة. زهرة كانت موطية راسها في الأرض وعينيها بتحكي وجع سنين، لكن شفايفها مانطقتش غير الكلمة دي اللي تاهت في صمت الأوضة الحزين. مضى على الورقة، إمضة واحدة بس غيرت حياتهم هما الاتنين للأبد.


زين مابقاش فاهم أي حاجة، الدنيا اتشقلبت فوق دماغه خلاص. مسك أعصابه بالعافية ونفذ اللي اتفق عليه مع مرات عمه اللي كان أشبه بالأمر. جهز نفسه وخد زهرة اللي كانت لسه في صدمتها وما بتبطلش عياط، ومافهمش منها طول الوقت ده غير كلمة “مظلومة” اللي بترددها زي اللي عقلها طار.


طول الطريق للعاصمة والعربية ماشية في صمت يخنق، مفيش صوت غير شهقات زهرة المكتومة. زين كان سايق وهو كازز على سنانه والغضب بيغلي جواه، كل ما يسمع نحيبها أو كلمة “مظلومة” اللي بتطلع منها بالعافية يفتكر وش عمه المكسور وصوت مرات عمه وهي بتترجاه. كان رافض يسمعها تماماً، أي كلمة ممكن تقولها كانت بتتترجم في دماغه على إنها كدب وخيانة. إزاي بنت عمه اللي كانت تحت عينه تعمل كده وتجيب راس عمهم في الأرض؟ مفيش أي مبرر في الدنيا. كل اللي كان عايزه هو السكوت، يمكن السكوت يطفي النار اللي قايدة جواه. وهي كانت بتبصله بعنين غرقانة دموع كأنها بتترجاه يديها فرصة تتكلم وتدافع عن نفسها، بس هو كان مثبت عينه على الطريق قدامه ومصمم مايفتحش أي باب للكلام، مش دلوقتي ولا يمكن بعدين أبداً.



وصلوا قدام الفيلا الكبيرة اللي في القاهرة. زين وقف العربية وما طفاش الموتور، فضل ساكت كام دقيقة كأنه بيجمع اللي باقي منه أو بيفكر في المصيبة اللي بقت لازقة في حياته. زهرة كانت لسه بتعيط في صمت وخايفة حتى ترفع عينها فيه.


لف وبصلها بنظرة كلها غضب وقرف، عينيها كانت حمرا ووارمة لكن نظرته كانت حادة زي السكين وصوته طلع ناشف يسم البدن:


“اسمعي كويس أوي الكلام اللي هقولهولك ده يا زهرة. هنا في القاهرة مفيش مخلوق هيعرف إنك مراتي، انتي هتبقي الخدامة الجديدة اللي جاية من البلد تشتغل في الفيلا، فاهمة؟”


زهرة رفعت وشها مصدومة والدموع وقفت في عينيها للحظة من الصدمة:


“خدامة؟”


“أيوة خدامة، وهتسمعي الكلام اللي هيتقالك بالحرف، ولا كلمة زيادة ولا كلمة ناقصة، وحسك عينك حد يعرف الحقيقة، لو ده حصل وحياة عمي اللي اترمى في السرير بسببك لتشوفي وش من زين عمرك ما شفتيه في حياتك، مفهوم؟” كمل كلامه بنبرة كلها تهديد ووعيد، نظراته كانت بتخرمها وبتحسسها إنها ولا حاجة، مجرد وصمة عار ماشية على رجلين.


نزل من العربية ورزع الباب وراه بكل غضب، وزهرة نزلت وراه بخطوات بطيئة وتقيلة، موطية راسها في الأرض كأنها بتعد تراب الأرض اللي ماشية عليه، حاسة بنظراته اللي بتلسع ضهرها كأنه عايز يحرقها وهي واقفة.


دخل الفيلا وهو بينادي بصوت عالي يهز المكان:


“يا سنية! يا سنية!”


سنية، الست الكبيرة مديرة الشغل في الفيلا، طلعت تجري على صوته:


“أيوة يا بيه، حمد الله على السلامة.”


زين شاور على زهرة اللي كانت واقفة بعيد كأنها خيال وقال بصوت عالي قاصد تسمع كل حرف:


“دي زهرة، خدامة جديدة جبتها من البلد، هتشتغل معاكم هنا، وريها شغلها وفهميها كل حاجة.”


الكلمات دي كانت زي السكاكين بتتغرز في قلب زهرة، حست إن روحها بتتسحب منها مع كل حرف بيطلع منه. نظرة سنية ليها كانت عادية جداً، نظرة واحدة شغالة لزميلتها الجديدة، لكن في عيون زهرة كانت نظرة احتقار من الدنيا كلها. الدموع اللي كانت بتحاول تحبسها نزلت تاني بصمت وحرقت وشها التعبان.


سنية هزت راسها وقالت:


“حاضر يا بيه، تعالي يا بنتي معايا.”


زهرة ما رفعتش راسها ومشيت ورا سنية زي الطفلة التايهة، خطواتها كانت بتجر وراها وجع الدنيا كله، وكل ما كانت بتبعد كانت بتحس إنها بتفقد حتة من نفسها وبتتأكد إن كلمة “مظلومة” دي عمر ما حد هيسمعها ولا هيصدقها.


عدى شهر، وكل يوم بيعدي على زهرة كان كأنه سنة كاملة. حياة الخدامة الجديدة كانت صعبة ومُهينة بكل تفاصيلها، وكل تفصيلة كانت بتفكرها بحياتها القديمة كبنت عم زين مش مجرد “زهرة الخدامة”. كانت بتصحى بدري جداً وتخلص شغل البيت كله وتنام كل يوم وهي بتعيط في صمت، وكلمة “مظلومة” بقت زي ترنيمة حزينة بترددها بينها وبين نفسها. زين كان بيتجنبها تماماً كأنها شبح في البيت، ولو عينه جت في عينها بالصدفة نظراته كانت بتبقى باردة ومليانة نفور.



وفي يوم سنية قالتلها إن الفيلا النهاردة هتبقى مقلوبة عشان في حفلة كبيرة زين عاملها لرجال الأعمال بتوع شركته وهي لازم تساعد في التجهيزات والتقديم. الحفلة دي كانت اختبار حقيقي ليها.


لبست زهرة لبس الشغل الموحد، الفستان الأسود الطويل والمريلة البيضا، أول ما بصت لنفسها في المراية حست إنها انفصلت عن هويتها القديمة تماماً، بقت مجرد حتة من ديكور الفيلا. وبالليل الفيلا اتحولت لقاعة فخمة، أنوار وديكورات ومزيكا هادية وصوت ناس مهمة في كل مكان.


المعازيم بدأوا ييجوا، وزهرة كانت بتتحرك وسطهم بسرعة بتقدم المشروبات والأطباق وهي بتحاول ماتلفتش نظر حد ليها، وفجأة عينها وقعت عليه، زين.


كان واقف وسط مجموعة من رجال الأعمال، لابس بدلة سودا شيك جداً وشعره متسرح بعناية ووسامته بتخطف العين. الابتسامة الراقية اللي كانت على وشه وهو بيتكلم كانت منورة المكان ومخلياه محور اهتمام الكل. فضلت بتبصله من بعيد وهو مش واخد باله منها، وقلبها دق بطريقة غريبة وملخبطة، رغم كل الوجع والغضب اللي سببهولها سحره ووسامته خلوا قلبها يتهز، للحظة نسيت كل حاجة وحست إنها بتنجذب ليه زي الفراشة ما بتنجذب للنور، سحره كان أقوى منها لدرجة إنها حست بلمعة غريبة في عينيها.


وفي عز ما قلب زهرة كان بيرفرف لزين اللي كان طالع زي النجم الساطع وسط الحفلة، ظهرت بنت زي القمر، لابسة فستان سواريه أحمر مولع وجمالها لافت نظر الكل أول ما دخلت. مشيت بخطوات واثقة وراحت لزين دايركت، حطت إيديها في دراعه بدلال وثقة كأنها صاحبة مكان، وابتسامة واسعة مرسومة على وشها، وزين ابتسم لها هو كمان واتكلم معاها كأن وجودها طبيعي ومألوف جداً بالنسباله.


زهرة شافت المنظر ده بعينيها وهي شايلة صينية فيها مشروبات، قلبها اللي لسه كان بيدق لوسامته حس إنه بيتقطع، مين دي؟ وإيه مكانتها في حياة زين؟ أسئلة كتير دارت في دماغها وهي بتحاول تكتم الغيرة اللي بدأت تولع في قلبها غصب عنها.


بس في نفس اللحظة كان في عيون تانية مركزة مع زهرة في صمت، أياد، صاحب زين المقرب وشريكه في الشغل ورجل أعمال مرموق زيه بالظبط، كان واقف في ركن هادي وبيراقبها من بعيد. كانت لسه بتتحرك بين الضيوف بلبس الخدم، لكن رغم كده كانت بتلمع ببراءة ورقة خطفت عينه، لاحظ حركتها الهادية وعينيها اللي بتلمع رغم الحزن اللي مليها وشكلها المختلف تماماً عن أي بنت شافها في الوسط ده. عجبه فيها حاجة غامضة وفضوله ناحيتها كان بيزيد مع كل ثانية، فضل متابعها بنظراته الذكية اللي بتقرا اللي قدامها كأنه شايف جوهرة مستخبية وسط كومة رمل.


الحفلة كانت شغالة على ودنه والمشروبات بتلف على الكل، وأياد اللي كان بيشرب زيادة عن اللزوم عينيه مافارقتش زهرة لحد ما شافها داخلة المطبخ عشان تجيب أوردر جديد، الشرب كان لعب بدماغه خلاص، ومخه فصل، وقام وراها بخطوات مش متزنة… كملوا الباقي في الجزء الأخير


حكاية زين وبنت عمه ج2



الجزء الأخير 


الكاتبة ملك إبراهيم 


زهرة كانت بتلم الأطباق وهي سرحانة وتايهة، فجأة حست بنفس وراها قريب أوي. لفت وشها بسرعة مخضوضة، لقت أياد واقف لازق فيها وعينيه بتلمع لمعة غريبة مش مريحة. قلبها وقع في رجليها، حاولت ترجع خطوة لورا تبعد عنه، بس هو كان أسرع منها. مد إيده ناحيتها عايز يلمسها وهي رجعت لورا بخوف باين على وشها.


قالت بصوت واطي كله رعشة:


“إيه اللي بتعمله ده يا أستاذ أياد؟!”


هو ما ردش عليها، كان شارب ومش في وعيه، حاول يقرب أكتر ويمد إيده على وشها. زهرة اتجمدت مكانها من الرعب، حست إن الخطر حقيقي وقريب منها جداً. ماقدرتش تمسك نفسها وصرخت، صرخة عالية قطعت صوت المزيكا والضحك، صرخة طالعة من قلبها كله خوف ورعب.


الصرخة دي خلت الفيلا كلها تتسمر مكانها، المزيكا سكتت مرة واحدة وكل العيون راحت ناحية الصوت. زين اللي كان واقف بيتكلم مع البنت الجميلة اللي لابسة أحمر، اتنفض وقلبه اتقبض، حس إن في حاجة مش طبيعية، وجري بسرعة لجوه.


دخل المطبخ لقى زهرة واقفة بتترعش زي الورقة، دموعها مغرقة وشها، وأياد واقف ماسك وشه ومناخيره بتنزف دم.


أول ما زهرة شافته جريت عليه واترمت في حضنه وهي بتترعش وبتعيط بهستيريا، كأنها بتستنجد بيه من وحش هياكلها.


أياد بص لزين وهو غضبان وصوته متقطع من الخبطة وقال:


“البنت دي.. البنت دي مش كويسة يا زين! هي اللي كانت عايزة تعمل معايا علاقة ولما رفضتها ضربتني في وشي!”


كلامه نزل على زين زي الصاعقة، وبالذات إنه حاسس بذنب ناحية صاحبه، بص لزهرة اللي لازقة فيه وبتعيط، مشاعر الغضب والحيرة كانوا بيتخانقوا جوا صدره.


زين بصلها بصدمة، كلام أياد عمال يرن في ودانه زي الجرس. إزاي أياد يقول عليها كده؟ وفجأة كل الشك القديم، والفضيحة اللي هربان منها، كل ده رجع يضرب في دماغه زي الشواكيش. بص لزهرة اللي لسه ماسكة فيه وبتعيط وبتستنجد بيه، بس هو عنيه ما بقاش فيها غير غضب أعمى.


“مش كويسة؟” الكلمة عمالة تتعاد في دماغه وهو بيبصلها بقرف. “أنا اللي صدقتك وسترت عليكي.. وفي الآخر تطلعي زي ما كانوا بيقولوا عليكي بالظبط!”


وقبل ما زهرة تلحق تنطق حتى بحرف واحد، إيد زين كانت نازلة على وشها بقلم جامد صوته رن في المطبخ اللي بقى ساكت تماماً. زهرة حطت إيدها على خدها المضروب وعينيها مليانة ذهول ووجع أكبر من وجع القلم نفسه بكتير.


صرخ فيها:


“قومي!”


وشدها من إيدها بعنف لدرجة إنها كانت هتقع على وشها، بقى يجرها وراه وهو ماشي وسط نظرات كل المعازيم اللي كانوا مصدومين من المنظر.


قالت وهي بتترعش وصوتها متقطع من الخوف:


“فين.. موديني فين؟”


فضل ماشي وبيجرها وراه لحد ما وصل لباب آخر الفيلا محدش بيستخدمه كتير، فتحه وظهر وراه بدروم ضلمة وريحته موحشة.


قال وهو غضبان:


“هنا!”


وزقها لجوه بعنف، زهرة وقعت جوه والضلمة بلعتها.


“لا.. لا يا زين! أنا بخاف من الضلمة!” صرخت وهي بتحاول تطلع، بس هو كان سادد الباب بجسمه.



قالها بنبرة كلها سخرية ومرارة:


“بتخافي من الضلمة؟ انتي اللي جبتي الضلمة لحياتنا كلنا، خليكي هنا يمكن تحسي يعني إيه فضيحة ووجع!”


ورزع الباب وراها بقوة، وسابها لوحدها في الضلمة بتعيط وبتنادي عليه باسمه، وهو واقف بره الباب الغضب عامي عينيه، شايف إنها فضحته للمرة التانية وإنها بنت ما تستاهلش أي رحمة.


الحفلة خلصت أخيراً والضيوف مشيوا وسابوا وراهم كركبة وصمت تقيل يخنق. زين دخل على أوضة مكتبه وقعد على الكرسي الجلد الفخم بتاعه، والغضب لسه بينهش فيه. حط راسه بين إيديه ودماغه بتغلي، هو دلوقتي شايل عار تاني لازم يدفنه، ومستقبل عمه اللي كان نفسه يرجع يقف على رجليه باظ تاني. عمال يفكر هيعمل فيها إيه وهيخلص من العار ده إزاي.


وفي نفس الوقت تحت في البدروم، زهرة كانت بتعيط وبتصرخ طول الليل، صوتها اتبح من كتر الصريخ والخوف، الضلمة كانت بتخنقها وكل ركن في المكان الموحش ده كان بيزود رعبها، كانت حاسة إنها هتتجنن، بس لا حياة لمن تنادي، محدش سامعها.


وزين فوق في مكتبه بعد ما قعد فترة طويلة يفكر ومفيش ولا حل من اللي في دماغه مريحه، فكرة طقت في دماغه مرة واحدة، مد إيده بسرعة وفتح شاشة الكمبيوتر اللي عليها سيستم كاميرات المراقبة بتاعة الفيلا كلها. كان عايز يشوف بعينيه إزاي زهرة كان عندها الجرأة تعمل اللي أياد قاله، كان عايز دليل مادي يثبت لنفسه إن كلام أياد صح وإن ظنه فيها كان في محله، عشان يعرف ياخد قرار قاسي ويخلص من الموضوع ده كله. بدأ يرجع الفيديوهات لورا لحد ما وصل للحظة دخول أياد المطبخ.


عين زين اتسمرت على الشاشة وبيتابع كل حركة بتحصل. شاف زهرة وهي بتتحرك عادي جداً في المطبخ، بتخلص شغلها بهدوء ومفيش أي حاجة غريبة في تصرفاتها. وبعدها شاف أياد وهو داخل، خطوته مش متزنة وملامحه متغيرة من كتر الشرب. شاف إيده وهي بتمتد ناحية زهرة وهي بترجع لورا بخوف باين.


شاف زهرة وهي بتدافع عن نفسها بكل قوة عندها وبتبعد عنه، عينيها كانت بتصرخ رفض وخوف. ولما أياد أصر يقرب منها، شافها وهي بترفع إيدها وبتضربه وبعدها صرخت الصرخة اللي هزت الفيلا كلها. كل تفصيلة في الفيديو كانت بتصرخ ببراءة زهرة وشرفها، وإنها كانت ضحية محاولة اعتداء مش أكتر.


الدم اتجمد في عروق زين، إزاي قدر يصدق أياد؟ إزاي قدر يشك فيها ويعمل فيها كده؟ الكاميرات كانت بتكشف الحقيقة المرة على عينه، حقيقة إنه ظلمها ظلم بيّن وإنها كانت صادقة في كل كلمة. وش أياد وهو بينزف كان دليل على إنها بتدافع عن نفسها مش بتتهجم عليه. زين حس إن الأرض بتتهز من تحت رجليه.


تفكيره بقى زي الدوامة، كل كلمة قالها أياد وكل شك اتزرع جواه اتحول لسكاكين بتقطع في ضميره. شافها بوضوح في التسجيل، براءتها كانت بتصرخ في كل حركة بتعملها، هي فعلاً مظلومة، ومظلومة منه هو بالذات. أياد الكداب استغل غضبه وقهره عشان يلبسها تهمة هي أبعد ما تكون عنها.



قام من مكانه مصدوم والكرسي اتقلب وراه وهو ما حسش بيه. خرج يجري من المكتب زي المجنون، ملامحه متغيرة تماماً، الخوف على زهرة حل مكان الغضب اللي كان راكبه. نزل السلم خطوتين خطوتين وجري لحد الباب اللي كان رازعها وراه، الضلمة اللي كان شايفها وسيلة عقاب دلوقتي بقت هي العدو اللي لازم يشيله من عليها.


فتح الباب بسرعة والمكان كان ساكت سكوت يخوف، صمت موحش. نادى عليها وصوته بيترعش:


“زهرة! يا زهرة!”


مفيش رد، قلبه كان هيقف من الخوف. نور النور وهو داخل يجري خطوة لجوه، وفجأة اتجمد مكانه.


زهرة كانت مرمية على الأرض، جسمها هزيل ووشها شاحب وباين عليها آثار العياط والخوف، مغمى عليها. المنظر ده كان يهد جبل، ما بالك بقلب زين اللي لسه مكتشف قد إيه هو ظلمها. نزل على ركبه جنبها بسرعة وحس نبضها، قلبه كان بينزف عليها وعلى الحالة اللي وصلها ليها بإيديه.


شالها بين إيديه بحرص شديد، حس بخفة وزنها اللي بتعكس قد إيه هي مرهقة وضعيفة. طلع بيها على أوضته وحطها على سريره بهدوء وغطاها كويس، وشها الشاحب كان بينطق خوف وتعب. وفي ساعتها اتصل بالدكتور وصوته كله قلق وخوف مش طبيعي.


بعد شوية الدكتور وصل وكشف على زهرة، ولما خلص بص لزين بنظرة كلها فهم وقال:


“المدام اتعرضت لصدمة عصبية عنيفة أوي يا أستاذ زين، لازم راحة تامة، ما تقلقش العلاج اللي كتبتهولها هيهديها وهيخليها ترتاح، أهم حاجة تبعدوها عن أي توتر أو ضغط نفسي.”


زين هز راسه وهو حاسس إن كل كلمة الدكتور بيقولها بتزود جواه إحساس الذنب والقهر. الدكتور مشي وساب زين وزهرة لوحدهم في الأوضة.


زين قعد على كرسي جنب السرير وسهر جنبها طول الليل، كان بيتأمل ملامحها، لأول مرة يشوفها كده من غير غضب ولا أحكام مسبقة. ملامحها الهادية وهي نايمة، رموشها الطويلة اللي لسه مبلولة من الدموع، وشها اللي بينطق براءة. اكتشف قد إيه هي جميلة، جمال هادي وراقي ومختلف تماماً عن الجمال الصاخب اللي كان متعود عليه في عالم القاهرة. كل نفس بتاخده وكل حركة خفيفة منها كانت بتخليه يحس بغصة في قلبه، الألم اللي سببهولها كان كبير وذنبها ماكنش موجود غير في خياله هو وبس. كان بيتمنى الزمن يرجع بيه لورا عشان يصلح كل اللي عمله، بس اللي حصل حصل. دلوقتي كل اللي يقدر يعمله إنه يفضل جنبها ويحاول يلم اللي كسره بإيديه.


بعد تلات أيام، زهرة كانت لسه بتتعافى، جسمها ضعيف وروحها منهكة، كانت نايمة على سرير زين الفخم وواحدة من الشغالين بتساعدها تاكل شوية شوربة وبتحاول تدخل أي حاجة في بطنها عشان تسترد قوتها.


زين دخل الأوضة بخطوات هادية، أول ما عين زهرة وقعت عليه جسمها كله انتفض بخوف واضح، الكوباية كانت هتقع من إيدها والشغالة خدت بالها من رعشتها. زين لمح ده والإحساس بالذنب لسع قلبه تاني.


طلب من الشغالة بهدوء تسيبهم لوحدهم، الشغالة خرجت بسرعة وهي بتبص على زهرة بقلق. زين قرب من السرير وقعد قدامها وبدأ يبصلها دايركت، زهرة كانت بتهرب بعينيها عنه، نظراتها مكسورة وخايفة ومش قادرة تواجهه.



زين خد نفس عميق وصوته القوي اللي كان دايماً بيخوفها المرة دي طلع بنبرة محايدة وبيحاول يفهم:


“زهرة.. أنا عايز أسمعك، عايزك تحكيلي كل اللي حصل بالتفصيل.”


وسكت لحظة وبعدين كمل وصوته بقى فيه حدة خفيفة كأنه ماسك آخر خيط شك جواه:


“مين اللي غلطتي معاه؟ ومين اللي كنتي حامل منه؟ عايز أعرف الحقيقة كاملة من غير لف ولا دوران.”


نظرة زهرة ثبتت عليه للحظة، نظرة فيها ألم وغضب ووجع السنين، السؤال ده كان السكينة اللي كل مرة بيدبحها بيها.


زهرة بدأت تتململ على السرير وفتحت عينيها ببطء، أول ما عينيها وقعت على زين اللي قاعد جنبها ملامح الخوف والوجع رجعت تاني بس المرة دي كان معاها غضب جامد، رفعت راسها بصعوبة وقالت بصوت مجهد بس مليان قوة:


“أنا قولتلك قبل كده إني مظلومة وإني ما عملتش أي حاجة غلط! بس انت رافض تصدقني ورافض تسمعني!”


بصتله مباشرة في عينيه بنظرة كلها تحدي وألم وكملت:


“خدني عند أي دكتورة.. أي دكتورة نسا تبعك خليها تكشف عليا وتقولك إذا كنت مظلومة ولا لأ، أنا بنت شريفة يا زين! ومفيش راجل لمسني في حياتي كلها!”


الكلمات دي كانت زي الرصاص بيصيب قلبه، كل كلمة كانت بتأكد قد إيه هو ظلمها وقد إيه الشك عماه.


زين حس إن كل كلمة بتقولها روحه مصدقاها قبل عقله، بس كبرياؤه وغضبه اللي اتربى عليه سنين خلاه يقاوم الإحساس ده بقوة. قام وقف قدامها وصوته كان أعلى من نبرتها الغضبانة:


“انتي كدابة! مرات عمي قالتلي بنفسها إنك غلطتي مع واحد وإنك كنتي حامل.. دي كانت فضيحة!”


زهرة بصتله بقوة وثبات، نظرة مفيهاش خوف بس مليانة ألم وانكسار:


“أمي كدبت عليك!” الكلمة نزلت على ودانه زي الصاعقة. “كدبت عليك عشان تبقى مضطر تتجوزني عشان خاطر عمك!”


سكتت لحظة كأنها بتجمع كل قوتها عشان تكمل الكلام اللي كاتماه جواها طول المدة دي:


“أبويا اتشل يا زين! اتشل من قهرته بعد ما خسر أرضه ومابقاش حيلته حاجة في الدنيا، أمي شافت إن مفيش حل تاني وإنها لازم تتصرف عشان تساعدنا بالفلوس، ولما أنا رفضت إني أتجوزك.. عملت الحكاية دي.”


الدموع بدأت تتجمع في عينيها وهي بتكمل وصوتها مخنوق بالعياط:


“خلتها تقولك كدبة الفضيحة عشان تتجوزني غصب عني.. وتنقذهم من الفقر ومن غيرتهم عليك، كل ده عشان فلوسك!”


زين واقف مصدوم، كلام زهرة نزل عليه زي الصاعقة بس عقله رافض يصدق، أمها بالبشاعة دي؟ تستغل ظروفها وجوزها عشان تلفق تهمة زي دي لبنتها؟ مستحيل.


قال بصوت عالي كأنه بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعها:


“انتي كدابة! انتي بتقولي أي كلام عشان تخرجي نفسك من اللي انتي فيه، وأنا مش هصدق، أنا هاخدك للدكتورة دلوقتي.. دلوقتي حالاً عشان أكشف كدبك ده قدام عيني!”


ومسك إيدها بقوة وماكنش فيه مجال للنقاش، نزل بيها على السلالم وكل ما بتنزل خطوة كان قلبه بيتقبض أكتر. ركبوا العربية وساق بسرعة جنونية ناحية أقرب مستشفى خاص يعرفها أو أي دكتورة يثق فيها.




وصلوا المستشفى وزين ماكنش في وعيه، طلب من الاستقبال دكتورة نسا فوراً، دخلت زهرة مع الممرضة وزين واقف بره الأوضة رايح جاي وقلبه بيدق بسرعة، خوف وقلق وشك مش عايز يسيبه.


دقايق عدت عليه كأنها ساعات.


وأخيراً باب الكشف اتفتح وخرجت الدكتورة بهدوء، زين جري عليها وعينيه بتسألها قبل ما لسانه ينطق.


الدكتورة بصتله بنظرة هادية وقالت بصوت واضح وثابت:


“يا أستاذ زين.. المدام.. آنسة، بنت عذراء.”


الكلمات دي نزلت على زين زي حكم إعدام، بنت عذراء، يعني كل اللي قاله أياد كدب، وكل اللي قالته مرات عمه كدب، وكل اللي اتهمها بيه هو نفسه كان كدب، الدنيا كلها لفت بيه وحس إن كل حاجة كان بانيها في حياته كانت مبنية على أكاذيب، والظلم اللي عمله في زهرة دلوقتي بقى واضح قدامه زي الشمس.


بعد ما كلمات الدكتورة اخترقت ودانه ووصلت لقلبه، زين اتجمد مكانه، الضربة كانت قوية ومش مجرد اعتذار ممكن يصلح اللي حصل. زهرة خرجت من أوضة الكشف ملامحها متجمدة، لا فيها خوف ولا حزن، بس قوة غريبة وعيون بتلمع بندم وحقد كبير، وقفت قدامه ونظرتها بتخترقه وكل كلمة بتخرج منها كانت أقوى من القلم اللي ضربهولها:


“دلوقتي صدقت؟” قالتها وصوتها فيه مرارة عمره ما سمعها. “دلوقتي عرفت مين فينا الشريفة ومين الكداب؟” سكتت لحظة وخدت نفس عميق وقالت بصوت واضح وثابت زي اللي واخدة قرار لا رجعة فيه: “طلقني يا زين، أنا مش عايزة أعيش معاك لحظة واحدة بعد اللي عملته فيا.”


كلمة “طلقني” رنت في ودانه كأنها بترجعله الوعي، لأول مرة زين يحس بالخوف بجد، خوف إنه يخسر زهرة اللي ظلمها ظلم عمره ما هيتغفر، إزاي يسيبها تروح وهو لسه مادفعش تمن اللي عمله فيها؟ إزاي يسيبها قبل ما يردلها اعتبارها من كل اللي ظلموها؟


الرفض كان رد فعله الأسرع:


“لأ! مستحيل أطلقك!” قالها بصوت فيه أمر وخوف، ومد إيده مسكها من دراعها بقسوة، ماكنش في وقت للمناقشة ولا حتى للتفكير، سحبها وراه من المستشفى ورجع بيها على الفيلا.


ماكنش يقدر يسيبها تروح، لازم تفضل تحت عينيه، لازم يصلح اللي كسره بس بطريقته هو. وصل الفيلا وفجأة نبرته اتغيرت، عينيه لمعت بحاجة أقوى من الغضب، حاجة شبه الانتقام بس المرة دي عشانها هي.


“انتي مش هتطلعي من هنا يا زهرة.” قالها وهو بيسحبها لأوضتها اللي بقت أوضته هو كمان. “مش هتعيشي بره الفيلا دي غير لما أجيبلك حقك من كل واحد ظلمك، من أياد.. ومن أمك.. ومن أي حد اتجرأ يجيب سيرتك بكلمة وحشة، وهتشوفي بعينك إزاي زين بيعرف يجيب حق اللي يخصوه.”


وسابها في الأوضة وقفل الباب وراها، حبسها.. بس المرة دي حبسها مش عشان يعاقبها، لكن عشان يحميها ويجيبلها حقها، كانت لسه رهينة في قصره بس الوضع اختلف تماماً، زين كان بيتحول وبيجمع كل قوته عشان يواجه عيلته والعالم كله، بس المرة دي زهرة كانت في صفه هو.


زين ماكنش عنده وقت يضيعه، الصبح بدري قبل ما أياد الكلب يفكر يفتح بقه بكلمة زيادة أو يعمل أي حركة غبية، زين كان في طريقه لشركة أياد، دخوله كان زي الإعصار، ملامحه متجهمة وعينيه بتطق شرار، مابصش لحد وتوجه دايركت على مكتب أياد.




فتح الباب بقوة لقى أياد قاعد بيشرب قهوته ومبسوط كأنه عامل إنجاز، أياد اتفاجئ بوجود زين ورسم ابتسامة مصطنعة على وشه:


“أهلاً زين باشا.. خير في حاجة؟”


زين مسك أياد من ياقة قميصه بقوة لدرجة إن وش أياد احمر، قرب وشه منه وهمس بصوت واطي ومخيف يا دوب أياد هو اللي سامعه:


“البنت اللي كنت عايز تعتدي عليها دي، اللي اتهمتها بالكدب، دي تبقى مراتي، زهرة مراتي يا كلب.”


وبعدها وقبل ما أياد يلحق يستوعب الصدمة، زين رفع إيده ونزل عليه بقلم خلاه يقع من على كرسيه، الموظفين اللي كانوا معديين جنب المكتب والمديرين اللي في المكاتب اللي جنبه كلهم طلعوا يشوفوا إيه اللي بيحصل، وزين ماكنش فارق معاه.


شاور بإيده على شاشة الكمبيوتر اللي في المكتب اللي كان عليها فيديو الحفلة وهو بيعرض لحظة اعتداء أياد على زهرة ودفاعها عن نفسها وقال:


“الفيديو ده يا أياد هو نهاية لعبتك القذرة.”


وبص للموظفين المصدومين اللي اتجمعوا حواليهم وقال بصوت عالي وواضح:


“اللي بيحصل ده قدام عينيكم ده جزاء أي واحد يفكر بس يمد إيده على واحدة ست بريئة، خصوصاً لو كانت مراتي!”


وطلع من المكتب وساب أياد مرمي على الأرض، ووشوشة الموظفين بدأت تعلى وسيرة الفضيحة اللي عملها زين لأياد في شركته انتشرت في كل مكان زي النار في الهشيم.


زين بعد ما خلص من أياد كانت وجهته اللي بعدها هي البلد، كان لازم يواجههم، لازم يحط النقط على الحروف وبالذات مع اللي كانوا السبب في كل اللي حصل لزهرة. وصل بيت عمه في البلد ودخل البيت اللي كان مليان صمت غريب، عمه قاعد على كرسيه ومرات عمه بتتحرك حواليه في صمت.


زين دخل وقعد قصادهم وماكنش فيه أي مقدمات، بص لعمه اللي وشه متغير من الشلل وبعدين بص لمرات عمه اللي كانت بتبصله باستغراب وقال بصوت ثابت وهادي بس وراه بركان غضب مكبوت:


“أنا عرفت الحقيقة كلها.”


مرات عمه حاولت تتكلم بس زين رفع إيده عشان يسكتها:


“عرفت إنك يا مرات عمي كدبتي عليا، كدبتي وقولتيلي إن زهرة غلطت وكانت حامل وكل ده عشان تجبريها تتجوزني.”


مرات عمه وشها اتخطف وبدأت تتمتم بكلام مش مفهوم بتحاول تنكر.


قالها:


“ما تحاوليش تنكري.” وخرج تليفونه ووراهم فيديو كاميرات المراقبة اللي سجل اعتداء أياد على زهرة ودفاعها عن نفسها. “عرفت كل حاجة، وعرفت إن أياد كداب وإن زهرة مظلومة وإنها بنت شريفة زي ما كانت بتقول.”


وعينيه لمعت بغضب وهو بيبص لمرات عمه:


“وكل اللي حصلها ده وكل اللي أنا عملته فيها كان بسبب كدبتك البشعة، بسبب إنك اتفقتي مع أياد عشان تلفقولها تهمة تخليني أتجوزها عشان فلوسي!”


وبعدها بص لعمه بنظرة كلها لوم وحزن:


“وانت يا عمي كنت فين من كل ده؟ إزاي سمحت بالكلام ده يحصل تحت سقف بيتك؟”


عمه ماكنش قادر يرد، عينيه كانت بتلمع بندم وحزن وهز راسه بإيجاب ضعيف.


قالهم:


“أنا عايزكم كلكم، انتي يا مرات عمي وانت يا عمي، تروحوا لزهرة وتعتذرولها، تعتذرولها على كل كلمة وعلى كل ظلم وعلى كل وجع سببتوهولها، عايزكم تردولها اعتبارها بنفسكم، ده أقل حاجة ممكن تعملوها بعد اللي حصل.”



زين سابهم مصدومين من كلامه وخرج، سايب وراه صمت أتقل من أي كلام ومواجهة أتقل من أي عقاب، كان عارف إن المهمة لسه ما خلصتش بس على الأقل بدأ يشيل طبقات الكدب واحدة ورا التانية.


بعد ما خرج زين من بيت عمه حس إن جبل اتشال من على صدره، رجع لزهرة في الفيلا ودخل أوضتها بخطوات هادية، لقاها قاعدة على طرف السرير بتبص قدامها بشرود.


قعد جنبها ومد إيده عايز يلمسها بس سحبها تاني لما حس بترددها.


“زهرة.. أنا جيتلك تاني.” قالها بصوت مكسور.


رفعت زهرة عينيها وبصتله ونظرتها لسه مليانة حذر.


كمل زين وصوته هادي ومتقطع:


“أنا لسه راجع من البلد، واجهت عمي ومرات عمي بكل حاجة، عرفتهم إني عرفت كل أكاذيبهم وإنك بريئة من كل تهمة اتهموكي بيها.”


زهرة فضلت ساكتة بس لمعة خفيفة ظهرت في عينيها.


قال زين:


“هما هيجولك هنا يعتذرولك بنفسهم وهيردوا اعتبارك قدام كل الناس، وأياد في إيد القانون ومحدش هيقدر يخرجه من اللي عمله، أنا حاولت على قد ما أقدر أرجعلك حقك من كل اللي ظلموكي.”


وسكت لحظة وبعدين بص في عينيها مباشرة:


“بس باقي أهم حق لازم تاخديه وهو حقك مني أنا، أنا عارف إن كلامي وشكي فيكي وقسوتي عليكي كل ده ما يتغفرش، أنا اتعميت عن الحقيقة وصدقت الكدب وسيبتك تعاني لوحدك.”


ونزل زين على ركبه قدامها ومد إيده ليها بتردد:


“زهرة.. أنا آسف، آسف على كل لحظة وجع سببتها ليكي وعلى كل دمعة نزلت من عينيكي بسبب جهلي وظلمي، أنا مش بطلب منك تنسي ولا بطلب منك ترجعيلي الحب اللي كان بيننا، أنا بس بطلب منك تسامحيني على الأذية اللي عملتها فيكي، سامحيني عشان أقدر أسامح نفسي.”


نظرة زهرة كانت بتتنقل بين عينيه وإيديه اللي ممدودة ليها، الصمت كان مالي الأوضة، صمت محمل بكل الألم اللي مروا بيه وبكل الأمل اللي ممكن يكون لسه موجود.


زهرة بصت لزين وحست إن كل الكلام اللي كانت مجهزة تقوله اختفى، شايفاه قدامها مكسور ودي أول مرة تشوفه كده، الألم اللي في عينيها كان كبير بس كلامه بدأ يكسر حواجز كتير جواها.


بعد لحظة صمت طويلة ردت بصوت خافت:


“زين.. اللي حصل مش سهل، الألم اللي عشته كان أكبر بكتير من إني أنساه أو أعديه بسهولة، أنا.. أنا محتاجة وقت.”


زين هز راسه بتفهم وقام وقف تاني:


“أنا عارف يا زهرة، عارف إن اللي عملته مش هيتنسي بسهولة وإن كلمة آسف صغيرة قدام حجم وجعك، وهستنى أي وقت تحتاجيه وهستنى مهما طال الزمن.”


ومسك إيديها بحنية المرة دي ماكنش فيه تردد:


“بس عايزك تعرفي حاجة وأنا بقولها بكل صدق.. أنا بتمنى من كل قلبي إنك في يوم من الأيام توافقي تكوني مراتي، مراتي لآخر يوم في عمري، أنا بتشرف بيكي قدام الدنيا كلها وقدام نفسي وقدام ربنا، انتي تستاهلي كل خير يا زهرة وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أثبتلك ده.”


وساب إيديها بهدوء وساب الأوضة، سايب وراه قلب زهرة اللي كان مليان صراع بين ماضي موجوع ومستقبل مجهول، بس لأول مرة من زمان كان فيه بصيص أمل صغير بينور.




وبعد شهور طويلة قضاها زين في محاولات حثيثة إنه يعوض زهرة عن كل لحظة ألم مرت بيها، كان بيقف جنبها في كل خطوة، بيرد اعتبارها وبيثبت براءتها قدام كل اللي شكوا فيها، مرات عمه وعمه جم واعتذروا لزهرة قدام الجميع وظهرت الحقيقة جلية وواضحة للكل.


زين ماكنش بس بيصلح اللي فات، لأ ده كان بيبني مستقبل جديد مع زهرة، كان بيسمعها وبيحتويها وبيخليها تحس بالأمان والحب اللي كانت محرومة منه، ومع الوقت بدأت جروح زهرة تلتئم وبدأ قلبها يسامح، مش بس زين لكن كمان نفسها على كل اللي مرت بيه.


وجاء اليوم اللي زهرة فيه بصت لزين بابتسامة حقيقية طالعة من القلب، ولقى نفسه بيعيد السؤال اللي كان بيتمناه من سنين بس المرة دي بثقة أكبر وبقلب أصدق:


“هتقبلي تكوني مراتي يا زهرة؟”


ابتسامتها كانت كافية، عينيها لمعت بالحب اللي رجع يملى قلبها وهزت راسها بموافقة.


وكان فرح زهرة وزين فرح البلد كلها، عزموا فيه كل الناس الكبير والصغير والقرايب والجيران، ماكنش مجرد فرح عادي، كان احتفال بانتصار الحق على الباطل وانتصار الحب على الظلم، كانت زهرة لابسة فستانها الأبيض زي الملاك وزين جنبها عينيه ما بتتشالش من عليها كأنه بيعوض كل لحظة فاتت.


واكتمل جوازهم وبدأوا صفحة جديدة في حياتهم، عاشوا مع بعض في سعادة، زين كان الزوج الحنين والسند وزهرة كانت الزوجة المحبة اللي قدرت تتخطى آلام الماضي وتبني حياة جديدة مليانة أمل وحب، وكانت قصتهم بتتحكي للأجيال اللي بعدهم عشان تكون دليل على إن الصدق دايماً بينتصر وإن الحب الحقيقي ممكن يشفي أي جرح.


النهاية



تعليقات

close