جوزي راح يصطاد كامله
جوزي راح يصطاد1
جوزي راح يصطاد مع أخوه.. ومن يومها ما رجعش. وبعد سنة كاملة، بنتي الكبيرة جت قالتلي: “يا ماما، لقيت جاكيت بابا في بيت عمي “شريف”.. وشوفي إيه اللي كان في جيبه.”
أنا وجوزي “جمال” عندنا 3 بنات، وعشان كدة لما أخوه “شريف” اقترح عليه يطلعوا رحلة صيد هما الاتنين، ما شفتش فيها أي مشكلة.
جمال كان طاير من الفرحة، ووعدني إنه هيرجع يوم الأحد بالليل بحكايات وصور، ولو ربنا كرمه، يرجع بسمكتين نعملهم عشا.
بس جمال مرجعش.
بعد يومين، “شريف” ظهر قدام بيتنا ومعاه اتنين ظباط، وشه كان أصفر ومخطوف، وبصوت مكسور قال:
— “جمال اختفى.. صحي بدري عشان ينزل يصيد وأنا كنت لسه نايم، وفجأة قامت عاصفة. ولما قمت أدور عليه.. مكنش له أثر.”
حسيت إن الدنيا بتنهار فوق دماغي.
قعدنا أيام والشرطة ورجال الإنقاذ بيقلبوا الغابة حتة حتة، والغطاسين نزلوا البحيرة أكتر من مرة.. ومفيش فايدة، ملقوش أي حاجة خالص.
الظباط طلعوا نظريات كتير، بس الأرجح إن جمال اتزحلق في العاصفة ووقع في المية والتيار سحبه. وبعد سنة من غير أي خيط يوصلنا لحاجة.. اتعلن رسمياً إنه “ميت”.
الناس كلها بقت تقولي “لازم تعيشي حياتك وتنسي”، بس كان في حاجة جوايا مش مقتنعة. جمال كان حريص زيادة عن اللزوم، ده كان بيشوف حالة الطقس قبل ما ينزل يجيب العيش! إزاي ممكن مياخدش باله إن في عاصفة جاية؟
و”شريف” كان طول الوقت بيزن على وداني:
— “جمال مش هيرجع يا سمر.. لازم تتقبلي الواقع.”
حاولت أتقبل، عشان خاطر بناتي.. لحد ما كل حاجة اتغيرت.
في يوم كان ورايا مشاوير كتير، فسبت البنات كام ساعة عند “شريف”. ولما رجعت خدتهم ورحنا البيت، بنتي الكبيرة “لوجي” جت عليا على طول وفتحت شنطتها، وطلعت جاكيت رجالي.
نفسي وقف.. ده كان جاكيت “جمال”، نفس الجاكيت اللي كان لابسه يوم ما سافر، واللي كنا فاكرين إنه كان لابسه وقت ما وقع في البحيرة.
لوجي دخلت إيدها في جيب الجاكيت وقالتلي:
— “ماما.. أنا لقيت جاكيت بابا في بيت عمو شريف، وشوفي إيه اللي كان جوه هنا.”
طلعت موبايل قديم.. عرفته في ثانية. ده كان موبايل “شريف” القديم، اللي بقاله 5 سنين بيقول إنه ضيعه!
من غير ما أفكر، إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه.. الموبايل اشتغل.
قلبي كان بيدق زي الطبلة لما فتحت “الاستوديو” بتاع الصور.. مكنش فيه غير صورة واحدة بس.
صورة واحدة، اتصورت بالظبط يوم ما “جمال” اختفى.
ركبي سابتني ووقعت على الأرض، وبصيت في الشاشة وهمست بصوت مبحوح:
— “لأ.. مش ممكن.”
الدموع بدأت تنزل زي المطر، وحقيقة مرعبة بدأت تتكشف قدام عيني.. الحقيقة اللي كنت متأكدة إنها مكنتش حادثة أبداً.
(عارفة إنكم دلوقتي متشوقين تعرفوا إيه اللي حصل وإيه اللي كان في الصورة..
في الصورة، لم يكن هناك بحيرة، ولا عاصفة، ولا شجر يتأرجح بفعل الرياح. كانت الصورة داخل مستودع قديم مغلق، تظهر فيه إضاءة خافتة آتية من كشاف سيارة شريف. وفي وسط الكادر، كان جمال مقيداً إلى كرسي خشبي، وعلامات الضرب المبرح واضحة على وجهه، وملابسه ممزقة. والصدمة الأكبر التي جعلت الدم يتجمد في عروقي، هي أن يد شريف نفسها كانت تظهر في طرف الصورة، وهي تمسح دماءً عن وجهه، وكأنه كان يوثق انتصاره أو يبتز جمال بشيء ما قبل أن ينهي حياته.
التاريخ والوقت المكتوبان أسفل الصورة كانا يطابقان ليلة الأحد.. الليلة التي كان من المفترض أن يعود فيها جمال إلينا.
مسكت الموبايل بقوة لدرجة أن أظافري كادت تخترق شاشته. كل شيء أصبح واضحاً الآن. شريف لم يكن نائماً، ولم تكن هناك عاصفة فاجأت جمال. شريف خطط لكل شيء، استدرج أخاه بحجة رحلة الصيد، وبدلاً من البحيرة، أخذه إلى ذلك المستودع المهجور الذي يمتلكه جدهم القديم في أطراف البلدة، المستودع الذي أغلقته الشرطة منذ سنوات ولم يخطر ببال أحد أن يفتشه.
نظرت إلى لوجي التي كانت تقف مرعوبة من منظري وأنا أبكي وأرتجف على الأرض. حاولت أن أتمالك نفسي لأجلها، فسألتها بصوت مخنوق:
— “لوجي.. الجاكيت ده كان فين بالظبط؟ وعمك شريف شافك وأنتِ بتاخديه؟”
لوجي هزت رأسها بنفي وهي تبتلع ريقها:
— “لأ يا ماما مشافنيش. هو كان في المطبخ بيعمل عشا، وأنا كنت بلعب استغماية مع أخواتي ودخلت الأوضة المقفولة اللي في آخر الممر. لقيت دولاب صغير مقفول بقفل قديم، بس القفل كان موارب ومش مقفول للآخر. لما فتحته لقيت الجاكيت ده تحت هدوم كتير، عرفته علطول من ريحته ومن العلامة اللي في الكم. ولما حطيت إيدي في الجيب عشان أشوف فيه إيه، لقيت الموبايل ده.. فخبيته في شنطتي بسرعة ولما عمو شريف نادى علينا لبست الجاكيت وخرجت جري.”
أخذت بناتي في حضني وأنا أرتعد. القاتل كان يدخل بيتنا، يأكل معنا، ويمسح على رؤوس بنات أخيه وهو يعلم أنه حرمنّ من أبيهن إلى الأبد. كان يزن على أذني لأتقبل الواقع، ليس لمواساتي، بل ليدفن سر جريمته تحت تراب النسيان.
لكن السؤال الذي كان يمزق عقلي: لماذا؟ لماذا يفعل شريف هذا بأخيه الوحيد؟ جمال لم يكن يؤذي أحداً، وكان دائماً يساعد شريف في أزماته المالية. وهنا تذكرت شيئاً جعل عقلي يتوقف.. قبل الحادثة بشهر واحد، جمال كان قد سحب مبلغاً كبيراً من البنك ليدخل في مشروع أرض جديدة، وكان شريف هو السمسار في تلك البيعة. بعد اختفاء جمال، شريف قال إن المال ضاع مع جمال في البحيرة، وأن الحقيبة جرفها التيار.
فتحت الموبايل القديم مرة أخرى وبدأت أفتش في الرسائل النصية الصادرة والواردة، لعلي أجد دليلاً إضافياً. كانت معظم الرسائل ممسوحة، لكن في صندوق “المسودات”، وجدت رسالة غير مرسلة، كتبها شريف وموجهة لرقم مجهول في نفس ليلة الاختفاء، مكتوب فيها: “كل شيء تم حسب الخطة. الأرض أصبحت لنا، والمال في الأمان. غداً سأبلغ عن اختفائه في البحيرة ليغلق الملف تماماً.”
أغلقت الموبايل ووضعت الجاكيت في حقيبتي بحذر. كنت أعلم أن خطوة واحدة خاطئة قد تجعلني أنا وبناتي الضحايا القادمين. شريف رجل ذكي ومجرم دم بارد، وإذا شعر أن أمره انكشف، فلن يتردد في التخلص منا.
ارتديت عباءتي ونظرت إلى بناتي وقلت لهن بنبرة حازمة لم يعتدن عليها:
— “اسمعوني كويس.. محدش يتكلم عن الجاكيت ده ولا عن الموبايل قدام أي حد، ولا حتى قدام عمكم شريف لو اتصل أو جه. احنا هنخرج حالاً.”
أخذت بناتي وخرجت من البيت والليل قد حل. لم أكن أثق في الذهاب إلى مركز الشرطة المحلي مباشرة، فبعض الضباط هناك أصدقاء مقربون لشريف ويقضون السهرات معه. قررت أن أذهب إلى المحامي القديم لعائلتنا، الأستاذ عادل، فهو الرجل الوحيد الذي يمكنه توجيهي لكيفية تقديم هذا الدليل إلى الجهات العليا في المحافظة دون أن يتسرب الخبر لشريف.
بينما كنا نسير في الشارع متوجهين إلى موقف السيارات، أضاءت شاشة هاتفي الشخصي. نظرت إلى الاسم، وكان قلبي سيسقط بين قدمي.. كان المتصل هو “شريف”.
توقفت في مكاني، وأشرت للبنات بالصمت التام. فتحت الخط وحاولت تصنيع صوت طبيعي وهادئ:
— “ألو.. أهلاً يا شريف.”
جاءني صوته عبر الهاتف، هادئاً، لكن النبرة كانت تحمل بروداً غريباً وجعلت شعر جسدي يقف:
— “أهلاً يا سمر.. أنا رحت البيت عندكم دلوقتي عشان أديكي حاجة نسيتوها، بس لقيت البيت ضلمة ومفيش حد. أنتِ والبنات فين في وقت زي ده؟ وبعدين.. لوجي كانت بتلعب في الأوضة اللي جوه عندي، وفي أمانة غالية عليا ضاعت من الأوضة دي.. تفتكري لوجي خدتها معاها وهي مش واخدة بالها؟”
جوزي راح يصطاد2
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بغصة جافة في حلقي كادت تخنقني. نظرتُ إلى بناتي الثلاث، كنّ يرتجفن من البرد ومن الخوف الذي رأينه في عيني. ضغطتُ على ذراع لوجي برفق لتلتزم الصمت التام، وأجبت شريف بنبرة حاولتُ جاهدة أن تكون عادية، بل وممزوجة ببعض التعب والضيق:
— “أهلاً يا شريف.. احنا خرجنا بسرعة لأن والدتي تعبت فجأة وأختي كلمتني عشان أروح لها المستشفى. أما بخصوص لوجي.. أمانة إيه اللي بتقول عليها؟ البنت مخدتش حاجة، دي كانت بتلعب مع أخواتها، وأنت عارف لوجي بتخاف تلمس حاجة مش بتاعتها. يمكن تكون وقعت منك هنا ولا هنا في الأوضة.”
ساد صمت ثقيل عبر الهاتف، صمت استمر لثوانٍ بدت لي كأنها دهر. كنت أسمع صوت أنفاسه المنتظمة والباردة، ثم قال بنبرة هادئة أشد رعباً من الصراخ:
— “آه.. المستشفى. ألف سلامة عليها يا سمر. بس غريبة.. أنا لسه مكلم ابن خالتك من ربع ساعة وقالي إن الكل تمام ومفيش حد تعبان. على العموم.. أنا واقف قدام باب بيتك المستني، والجو بدأ يمطر.. متتأخريش عشان الموضوع اللي ضاع مني ده ميتأجل الصبح، ولازم يتصلح الليلة.”
أقفل الخط في وجهي دون أن ينتظر رداَ.
البرودة سرت في أطراف جسدي كله. شريف كشف كذبتي، وهو الآن يقف أمام باب بيتي، وربما بدأ يتحرك للبحث عني بعد أن تأكد أنني هربت. لم يعد هناك وقت للذهاب إلى الأستاذ عادل المحامي، فبيته في أول البلدة وشريف قد يلمح سيارتي في أي لحظة.
التفتُّ خلفي ووجدت تاكسي يمر في الشارع، أشرت له بسرعة، وركبنا أنا والبنات. أمليت على السائق عنواناً لم يخطر ببال شريف أبداً.. المستودع القديم!
نعم، المستودع الذي ظهر في الصورة. فكرت سريعاً: شريف يعلم أنني خائفة وسأبحث عن الأمان أو الشرطة، فلن يتوقع أبداً أن أذهب إلى مسرح جريمته. والأهم من ذلك، أنني كنت بحاجة إلى دليل مادي أقوى يربط الصورة بالمكان قبل أن يتحرك شريف ويخفي كل شيء لو شعر بالخطر.
وصلنا إلى أطراف البلدة حيث المنطقة الصناعية المهجورة. كانت الشوارع مظلمة تماماً والمطر ينهمر بغزارة، مما أضفى على المكان وحشة مرعبة. طلب من السائق أن ينتظرني على بعد مسافة قصيرة، وأخذت البنات من أيديهن ومشيت بين الأزقة الضيقة المليئة بالوحل حتى وصلنا إلى المستودع.
الباب الحديدي الكبير كان مغلقاً بجنزير وقفل صدئ، لكن من الواضح أنه كان يُفتح باستمرار لأن الجنزير لم يكن عليه غبار. بحثت حول المكان حتى وجدت نافذة زجاجية مكسورة في الخلف، دفعتُ لوجي بعناية لتمر من خلالها وتفتح لي الباب الصغير الجانبي من الداخل.
دخلنا المستودع. الرائحة بالداخل كانت مزيجاً من الرطوبة، التراب، ورائحة غريبة تشبه الزيت المحروق. أخرجت هاتفي وأشعلت الكشاف، وبدأت أتحرك بحذر والبنات يتشبثن بعباءتي.
بدأت أطابق زوايا المكان بالصورة المخزنة في عهدي من موبايل شريف. مشيت حتى وصلت إلى منتصف المستودع.. وهناك تعثرت قدمي بشيء ما.
وجهت ضوء الكشاف لأسفل، وكدت أصرخ من الصدمة.
كان الكرسي الخشبي نفسه! الكرسي الذي كان جمال مقيداً عليه في الصورة. كان ملقى على جانبه، وإحدى أرجله مكسورة. اقتربت بركب مرتجفة ورفعت الكرسي، وعلى مسنده الظهر، كانت هناك بقع داكنة جافة.. دماء جمال التي جفت منذ سنة كاملة.
ولم يكن هذا كل شيء.. على الأرض بجانب الكرسي، لمح شيء يلمع تحت التراب. جثوت على ركبتي وبدأت أحفر بأصافري حتى أخرجته. كانت “دبلة” الفضة الخاصة بزوجي جمال، ومحفور عليها من الداخل اسمي “سمر”. جمال لم يكن يخلع هذه الدبلة من يده أبداً، ويبدو أنها سقطت منه أثناء مقاومته لشريف.
دموعي سقطت على الدبلة وأنا أضمها إلى صدري. في تلك اللحظة، سمعت صوت حركة بالخارج.. صوت سيارة تقترب ببطء، ثم توقفت تماماً أمام المستودع.
انطفأت مصابيح السيارة، وتحول المكان إلى ظلام دامس، باستثناء ضوء خافت بدأ يقترب من الباب الرئيسي، ومعه صوت خطوات حذاء ثقيل يعرفه قلبي جيداً.. خطوات شريف.
أنفاسي تصاعدت في صدري وجفت تماماً. سحبتُ البنات بسرعة البرق خلف كتل خشبية ضخمة وصناديق معدنية قديمة كانت مرصوصة في زاوية معتمة من المستودع. وضعتُ يدي على فم ابنتي الصغيرة لمنعها من البكاء أو إخراج أي صوت، وضغطتُ بجسدي فوقهن وكأنني أحاول إخفاءهن داخل جدار المستودع.
صوت الجنزير الحديدي على الباب الرئيسي بدأ يقعقع بعنف، يليه صوت المفتاح وهو يدور في القفل الثقيل. صرير الباب الحديدي وهو يُفتح ببطء كان يمزق سكون المكان كأنه سكين.
دخل شريف. ضوء كشافه القوي كان يقطع الظلام مثل سيف، يتحرك يميناً ويساراً، يمسح الأرضية، الصناديق، والأسقف المتهالكة. سمعتُ صوته الرخيم يتردد في أرجاء المستودع، نبرته لم تعد هادئة كما كانت في الهاتف، بل كانت مشحونة بحدّة قاتلة:
— “أنا عارف إنك هنا يا سمر.. وعارف إن التاكسي نزلك هنا. برافو عليكي، تفكير ذكي.. مكنتش فاكر إن عقلك هيجيبك للمكان ده بالذات. بس اللعبة خلصت خلاص.”
كان يتقدم ببطء، وخطوات حذائه الثقيل تقترب من منتصف المستودع.. حيث الكرسي الخشبي المقلوب والأرض المحفورة التي تركتُ فيها أثراً قبل دقائق. توقفت خطواته فجأة. وجّه ضوء كشافه إلى الأرض، ورأى بالتأكيد علامات أقدامنا في التراب، وعرف أننا على بُعد خطوات منه.
ضحك ضحكة قصيرة جافة، رنت في أذني كأنه كابوس:
— “لقيتي الدبلة صح؟ وجمال.. وحشك جمال؟ أخويا الغبي اللي كان فاكر إن الدنيا بتمشي بالنية الطيبة. كان فاكر إن لما يكتشف إنني سحبت الفلوس من وراه وهيشتري الأرض لنفسي، إني هسيبه يروح يبلغ الشرطة ويضيع مستقبلي ومستقبل عيالي.. كان لازم يختفي يا سمر. الموت كان الحل الوحيد عشان أعيش أنا.”
في تلك اللحظة، اهتزت ابنتي الصغيرة من الخوف وكادت تتعثر في قطعة حديد خلفنا، مما أصدر صوتاً خفيفاً جداً.
توقف شريف عن الكلام تماماً. تحرك ضوء الكشاف فوراً نحو الزاوية التي نختبئ فيها. بدأ يمشى باتجاهنا بخطوات سريعة ونية واضحة في إنهاء كل شيء الليلة. كنت أسمع دقات قلبي تكاد تخرج من صدري، وأدركتُ أن الاختباء لم يعد مجدياً، وأنه إذا وصل إلينا هنا، فلن يرحم أحداً منا.
نظرتُ حولي بسرعة، لمحتُ لوحاً خشبياً طويلاً ومثبتاً فوق براميل معدنية بجانبنا. بدون تفكير، وبقوة نابعة من غريزة الأمومة والخوف على بناتي، دفعتُ البرميل بكل ما أوتيت من عزم.
سقط البرميل الحديدي الضخم بضجة هائلة، وتدحرج ليصطدم ببراميل أخرى، مما أحدث جلبة وفوضى عارمة قطعت الصمت وأربكت شريف تماماً. تراجع خطوة للخلف وهو يوجه كشافه نحو مصدر الصوت، وفي تلك الأجزاء من الثانية، صرختُ في البنات:
— “اجروا على الباب!! اجروااا!”
خرجنا من خلف الصناديق نركض بأقصى سرعة نحو الباب الجانبي الصغير الذي تركناه موارباً. لمحنا شريف، وجرى خلفنا وهو يصرخ بغضب جنوني: “مش هتمشوا من هنا عايشين!”
اندفعنا عبر الباب إلى الخارج، والمطر الشديد كان يضرب وجوهنا والوحل يعيق حركتنا. لم نلتفت وراءنا، ركضنا باتجاه الشارع الرئيسي حيث تركتُ سائق التاكسي. لكن الصدمة كانت بانتظارنا.. الشارع كان خالياً تماماً، والسائق، يبدو أنه شعر بالخوف من ظلمة المكان ووحشته، فتركنا ورحل!
تسمرتُ في مكاني للحظة واليأس يطبق على أنفاسي، وبناتي يصرخن ويبكين متمسكات بملابسي. التفتُّ خلفي لأرى ظلال شريف وهو يخرج من باب المستودع، ممسكاً بقطعة حديدية بيده، ويسير نحونا بسرعة وعيناه تلمعان بشر مطلق تحت ضوء كشاف الموبايل.
كنا محاصرين في طريق مقطوع، يحيط بنا الظلام والمطر، والقاتل يقف بيننا وبين النجاة.
جوزي راح يصطاد3
نظرتُ يميناً ويساراً والوحل يغوص فيه حذائي، وبناتي يصرخن بصوت مكتوم تحت المطر الغزير الذي كان يغسل دموعنا. شريف كان يتقدم بخطوات واسعة، والقطعة الحديدية في يده تلمع مع كل ومضة برق تقطع السماء. المسافة بيننا وبينه كانت تتقلص برعب، ولم يعد أمامنا مفر سوى التراجع نحو عمق المنطقة الصناعية المهجورة، حيث المصانع القديمة والظلام الدامس.
سحبتُ البنات وجرينا باتجاه ممر ضيق يقع بين مستودعين مهجورين. كان الممر مليئاً بالخردة وصناديق الحديد الصدئة، وهو ما أعاق حركتنا، لكنه في نفس الوقت أعاق شريف الذي كان يلاحقنا وهو يسب ويشتم بغضب أعمى.
صرختُ في لوجي وأنا أركض:
— “لوجي.. خدي أخواتك واستخبي ورا الخزان الكبير ده.. ومحدش فيكم يخرج مهما حصل!”
دفعتهم خلف خزان مياه حديدي قديم وضخم، والتفتُّ أنا لأواجه شريف. كنت أعلم أنني لو استمررت في الركض معهن، فسيقضي علينا جميعاً بمجرد أن يمسك بنا. كان يجب أن أشتت انتباهه بعيداً عن البنات، حتى لو كان الثمن حياتي.
وقفتُ في منتصف الممر المظلم، أتنفس بصعوبة والمطر يغرق وجهي، ورفعتُ الموبايل القديم في يدي لأجعله يراه تحت ضوء البرق، وصرختُ فيه:
— “شريف! الموبايل معايا.. والصورة والرسائل اللي فيه اتبعتت خلاص لأختي وللمحامي! لو حصلنا حاجة، السر كله هيكبر والبلد كلها هتعرف إنك قتلت أخوك عشان الفلوس!”
كانت كذبة خطيرة، لكنها كانت ورقتي الأخيرة لأجعله يتوقف.
توقف شريف بالفعل على بُعد خطوات مني. أنفاسه كانت تخرج كالدخان في الجو البارد، ووجهه المبلل بالمطر بدا كأنه وجه شيطان. نظر إلى الموبايل في يدي، ثم ضحك ضحكة هستيرية عالية تداخلت مع صوت الرعد:
— “تبعتيها لمين يا سمر؟ الموبايل ده ملوش خط أصلاً ومفيش فيه شبكة من سنين! بتغفليني؟ أنتِ فكراني غبي؟”
قبل أن أستوعب رد فعله، اندفع نحوي بسرعة رهيبة ورفع القطعة الحديدية ليضربني بها. غريزة البقاء جعلتني أنحني بسرعة، لتمر الحديدة فوق رأسي وتصطدم بالجدار الأسمنتي خلفي، محدثة شرارات قوية وصوتاً مرعباً.
وقعتُ على الأرض من قوة اندفاعي، وطار الموبايل القديم من يدي ليسقط وسط الوحل على بُعد مترين. زحفتُ بسرعة لألتقطه، لكن شريف كان أسرع؛ وضع حذاءه الثقيل فوق يدي بقسوة جعلتني أصرخ من شدة الألم.
انحنى شريف، وجذبني من شعري بقوة ليرفع وجهي تجاهه، وقال بنبرة مليئة بالغل والتشفي:
— “كنت عايز الموضوع يخلص من سنة يا سمر.. كنت عايزك تعيشي وتربي البنات وأنا من بعيد لبعيد أضمن إن مفيش خيط يوصل لي. لكن غباءك وغباء بنتك هو اللي جابكم لحد هنا. دلوقتي.. هتلحقي جمال، والناس كلها هتقول إن الست المسكينة من كتر حزنها على جوزها، عقها خف وأخدت بناتها ورمت نفسها في البحيرة في ليلة مطرة زي دي!”
في تلك اللحظة المرعبة، وأنا أشعر بالأنفاس الأخيرة تقترب، لمح عيني شريف شيئاً يتحرك خلفه.
لم تكن لوجي قد اختبأت كما طلبتُ منها.. كانت تقف خلف شريف مباشرة، ممسكة بماسورة حديدية رفيعة وجدتها في الخردة، وبكل ما تملك من قوة طفولية ودموع تملأ عينيها، ضربت شريف على ركبته من الخلف.
شريف صرخ من الألم والسرعة، واختل توازنه ليفلت شعري ويسقط على ركبة واحدة في الوحل.
استغللتُ الفرصة فوراً، ودفعتُه بكل ثقلي ليسقط بالكامل على الأرض، وجريتُ نحو لوجي وأمسكت يدها، وسحبنا أختيها الصغيرتين اللتين كانتا تبكيان برعب، وركضنا بأقصى سرعة خارج الممر الضيق نحو الشارع العمومي، والوقت كان يداهمنا لأن شريف بدأ يستعيد توازنه ويقوم من الأرض وهو يزأر كالوحش الجريح.
بمجرد وصولنا لحافة الشارع المظلم، لمحتُ أضواء سيارة قادمة من بعيد بسرعة كبيرة، كشافاتها القوية شقت المطر والظلام. وقفتُ في منتصف الطريق وأنا ألوح بيديّ بجنون والصراخ يملأ حنجرتي: “الحقوناااا.. امسكوا قاااتل!”
السيارة فرملت بعنف وصدر من إطاراتها صوت حفيف حاد على الأسفلت المبلل، وتوقفت على بُعد إنشات قليلة مني.
انفتح باب السيارة بسرعة، وخرج منها رجل لم أكن أتوقع رؤيته أبداً في هذا المكان وفي هذا الوقت!
انفتح باب السيارة بعنف، وخرج منها الأستاذ عادل المحامي ومعه شابان من أقارب جمال!
كان الأستاذ عادل ممسكاً بهاتفه، وملامح القلق والجدية تكسو وجهه. بمجرد أن رآني بناتي ملقاة في وسط الطريق تحت المطر والوحل يغطيني، صرخ في الشابين:
— “امسكوا شريف بسرعة! هو هنا!”
الشابان اندفعا فوراً نحو الممر المظلم الذي خرجنا منه، حيث كان شريف يترنح محاولاً النهوض واللحاق بنا، والحديد في يده. لكن بمجرد أن رأى الإضاءة ورأى أقارب جمال الأقوياء يركضون نحوه، أدرك أن اللعبة انتهت تماماً. حاول الالتفاف والهرب من المخارج الخلفية للمنطقة الصناعية وسط الظلام والمطر.
ارتميتُ على الأرض وأنا أتنفس بصعوبة، وضممتُ بناتي الثلاث إلى صدري ونحن نبكي جميعاً بكاءً هستيرياً. اقترب الأستاذ عادل منا بسرعة، ونزل على ركبتيه وهو يحاول تهدئتي ويغطي البنات بعباءته، وقال بصوت يرتجف من الصدمة:
— “الحمد لله إنكم بخير يا سمر.. الحمد لله إنني لحقتكم.”
سألته وأنا أرتجف والدموع تعمي عيني:
— “أستاذ عادل.. أنت جيت هنا إزاي؟ عرفت مكاني منين؟”
أخرج الأستاذ عادل هاتفه وأراني الشاشة؛ كانت هناك رسالة نصية قصيرة وصلت إليه قبل نصف ساعة من رقمي أنا! مكتوب فيها عنوان المستودع القديم بوضوح وجملة واحدة: *”شريف قتل جمال.. احنا في المستودع والحقونا.”*
نظرتُ إلى لوجي بنظرة ذهول، فابتسمت البنت من بين دموعها وقالت بصوت متقطع:
— “أنا اللي بعتها يا ماما.. لما كنتِ بتتكلمي مع عمو شريف في التاكسي وكنتِ خايفة، سحبت تليفونك من الشنطة بالراحة وبعت الرسالة دي لعمو عادل عشان كنت عارفة إننا رايحين المستودع اللي في الصورة.”
ضممتُ لوجي لصدري وقبلت رأسها وأنا لا أصدق أن ذكاء هذه الطفلة وشجاعتها هما ما أنقذ حياتنا الليلة.
خلال دقائق، دوت سرائن شرطة النجدة في المكان بعد أن كان الأستاذ عادل قد أبلغهم وهو في الطريق. شقت الأضواء الحمراء والزرقاء ظلام المنطقة الصناعية، وحاصرت القوات المداخل كلها. لم يمر وقت طويل حتى خرج الشابان مع الضباط وهم يقتادون شريف مكبلاً بالحديد، وجهه كان مليئاً بالوحل، وعيناه تملأهما نظرات الغل والهزيمة، ولم يستطع حتى أن ينظر في عيني.
تقدمتُ نحو ضابط المباحث وأنا أرتجف، وفتحتُ حقيبتي. أخرجتُ منها جاكيت جمال، الموبايل القديم الذي يحتوي على صورة الجريمة والرسالة الممسوحة، والأهم من ذلك.. دبلة جمال الفضية التي حفرت بها الأرض قبل قليل.
سلمتُ الأدلة للضابط وقلت بغصّة مريرة:
— “ده دليل قتل جوزي جمال.. جمال م ماتش في عاصفة، شريف قتله هنا في المستودع ده من سنة كاملة عشان يسرق فلوسه.”
نظر الضابط إلى الهاتف والصورة، ثم نظر إلى شريف وقال بحسم:
— “أهلاً بيك يا شريف.. القضية اللي اتقفلت من سنة، هتتفتح الليلة، بس المرة دي بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.”
تم اقتيادنا جميعاً إلى مديرية الأمن لتقديم الإفادة الرسمية، وتأمين البنات. طوال الطريق، كنت أضغط بيدي على دبلة جمال وأنا أشعر بغصة الفراق، ولكن لأول مرة منذ سنة، شعرت بنوع من الراحة.. الحقيقة ظهرت، ودم جمال لن يضيع هباءً.
ولكن، بقيت هناك خطوة أخيرة.. ففي مركز الشرطة، وأثناء التحقيق ومواجهة شريف بالدليل القاطع، انهار تماماً وبدأ يعترف بكل شيء، لكنه قال جملة واحدة جعلت المحقق يقف، وجعلت قلبي يقف للمرة الألف في هذه الليلة الطويلة..
قال شريف وهو يبكي بهستيريا ويوجه إصبعه المرتعش نحوي:
— “أنا مقتلتوش لوحدي! جمال لسه عايش.. جمال محبوس في السرداب اللي تحت بيت أمي القديم!”
ساد صمت قاتل في غطاء التحقيق. شعرتُ فجأة بأن الجدران تدور بي، ولم أعد أسمع سوى طنين حاد في أذني. أستاذ عادل المحامي وقف من صدمته، وضابط المباحث انحنى فوق مكتبه وصرخ في شريف:
— “أنت بتقول إيه؟! انطق وقول الحقيقة، الصورة اللي في الموبايل دي إيه؟!”
انهار شريف بالبكاء التام واعترف بكل شيء:
— “الصورة دي كانت ليلة الأحد فعلاً.. ضربته عشان يوقع على تنازل عن الأرض وعن الفلوس، وكان مغمى عليه. كنت ناوي أقتله، بس لما جيت أنفذ خفت.. خفت من حبل المشنقة. نقلته في وسط الليل لبيت أمي القديم المهجور في الفيوم، وحبسته في السرداب اللي تحت الأرض. بقالي سنة كاملة بروح هناك كل كام يوم في السر، أرمي له أكل وشرب عشان يفضل عايش، وأنا مطمن إن الكل فاكر إنه غرق في البحيرة والموضوع اتقفل!”
لم أنتظر سماع بقية الاعتراف. صرختُ في الضابط والدموع تملأ عيني:
— “أرجوك يا فندم.. جوزي بيموت بقاله سنة تحت الأرض.. أرجوك الحقوه!”
خلال دقائق، تحركت قوة مكبرة من الشرطة، وسيارات الإسعاف، وأصررتُ على الركوب معهم رغم توسلات الأستاذ عادل بأن أبقى مع البنات. تركتُ بناتي في أمان مع شقيقة جمال الأخرى التي جاءت مسرعة، وانطلقت السيارة تنهب الأرض نهباً نحو الملاذ الأخير لجمال.
وصلنا إلى البيت القديم مع خيوط الفجر الأولى. اقتحم الضباط المكان، وتوجهوا مباشرة نحو المطعم القديم خلف المطبخ، حيث أشار شريف إلى باب خشب سري مغطى بالسجاد والأتربة.
رفع الجنود الباب، وهبطنا السلالم الضيقة المؤدية إلى السرداب المظلم. رائحة الرطوبة كانت خانقة، ومع أول ضوء من كشافات الشرطة، لمحته..
كان هناك، مستلقياً على فراش مهترئ في زاوية الغرفة الضيقة. جسده كان نحيلاً للغاية، ولحيته طويلة وبيضاء، وملامحه شاحبة كالموتى. بمجرد أن رأى الضوء، غطى عينيه بيديه المرتعشتين وهو يئن بضعف.
— “جمال! جمال!”
صرختُ بـ أعلى صوتي وارتميتُ فوقه وأنا أحتضنه وأبكي بحرقة لم أذقها في حياتي.
نظر إليّ بعينين متعبتين، غائرتين، لكن بريق الحب والحياة عاد إليهما في ثانية واحدة. همس بصوت مبحوح كأنه يأتي من بئر عميق:
— “سمر.. أنتِ جيتي؟ أنا كنت عارف إنك مش هتصدقي إني غِـرقت.. كنت عارف إنك هتدوري عليا.”
حمله رجال الإسعاف بسرعة ونقلوه إلى المستشفى. الأطباء أكدوا أنه يعاني من سوء تغذية حاد ونقص شديد في الفيتامينات، لكن بنيته القوية وتحمله جعلاه ينجو من هذا الكابوس طوال عام كامل.
بعد مرور أسابيع، عاد جمال إلى بيتنا، وعادت الروح إلينا وإلى بناته الثلاث اللواتي لم يتركن أحضانه لعدة أيام. شريف نال جزاءه، وصدر ضده حكم بالسجن المؤبد لارتكابه جرائم الخطف، والتعذيب، والسرقة بالإكراه.
في ليلة هادئة، كنا نجلس جميعاً في غرفة المعيشة، وجمال يمسك يد لوجي ويقبلها بعمق وهو يشكرها على شجاعتها التي أنقذت العائلة كلها. نظرتُ إلى دبلته الفضية التي عادت تزين إصبعه، ونظرتُ إلى بناتي وزوجي، وحمدتُ الله في سري.. لأنني لم أستسلم لـ كلام الناس، ولأن صوت قلبي كان على حق دائماً.


تعليقات
إرسال تعليق