مديرة المطعم أهانت أب وبنته عشان هدومهم القديمة من غير ما تعرف إنه صاحب المكان وجاي يكشف سنين من الظلم
مديرة المطعم
مديرة المطعم أهانت أب وبنته عشان هدومهم القديمة من غير ما تعرف إنه صاحب المكان وجاي يكشف سنين من الظلم
يا فندم حضرتك مش هينفع تدخل بالشكل ده. الزباين هتخاف وتمشي.
قالتها هالة وهي باصة له من فوق لتحت، وصوتها مليان احتقار، في مطعم فاخر في الزمالك، المطعم اللي كان معروف إن حتى الهدوء فيه ليه تمن.
برا
المطر كان بينزل بغزارة.
ونور العربيات منعكس على الأسفلت المبلول، والناس بتجري تحت المظلات.
قدام الباب كان واقف سليم العطار، راجل عنده 42 سنة، لابس بالطو أسود قديم لكنه نضيف، وجزمته باين عليها إنها مستعملة من سنين.
وكان شايل على كتفه بنته الصغيرة ليلى، عندها خمس سنين، نايمة وهي حضنة أرنوب لعبة قديم.
وفي إيده التانية
علبة تورتة بيضا صغيرة، ماسكها بحرص كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
قال بهدوء
أنا محتاج ترابيزة صغيرة بس.
بنتي تعبانة، ومش هنتأخر.
هالة بصتله باحتقار وقالت
المطعم كامل.
سليم بص ناحية الصالة.
كان فيه أكتر من أربع ترابيزات فاضيين.
قال بهدوء
بس أنا شايف ترابيزات فاضية.
شدت فكها وقالت
دي محجوزة.
وسكتت لحظة، قبل ما تكمل بابتسامة مستفزة
وبعدين إحنا بنحافظ على مستوى معين للمكان.
أكيد فاهم إن كل واحد ليه الأماكن اللي تناسبه.
بعض الزباين عملوا نفسهم مش سامعين.
والبعض التاني لف يتفرج، كأنهم بيتابعوا عرض.
على بعد كام خطوة
كانت منى، جرسونة عندها 29 سنة، واقفة شايلة صينية.
كانت شغالة شيفتين ورا بعض.
ورجليها خلاص مبقتش شايلة.
وفوق ده كله
الإيجار متأخر، وصاحب الشقة كل شوية يتصل يطالبها بالفلوس.
كانت عارفة هالة كويس.
عارفة إزاي بتخصم من بقشيش العاملين من غير سبب.
وإزاي بتهزق الطباخين.
وإزاي بتخلي أي موظف يعيط في الممر من كتر الإهانة.
لكن أول ما شافت ليلى وهي بتترعش من البرد في حضن أبوها
حست قلبها اتقبض.
قربت منهم وقالت بهدوء
لو تسمحي يا مدام
البنت شكلها تعبان جدًا.
ممكن أقعدهم على الترابيزة اللي جنب العمود.
سليم بص لها باستغراب وقال
شكرًا.
هالة لفت ناحيتها ببطء وقالت
إنتِ بتعملي إيه؟
قالت منى
بس بقعدهم.
الدنيا مطر برا.
هالة مسكت دراعها وشدتها بعيد عن الزباين.
وقالت من بين سنانها
لو قدمتلهم حتى كباية مية
إنتِ مفصولة النهارده.
وهحرمك من البقشيش.
وهخلي محدش يشغلك في أي مطعم محترم.
منى حسّت الخوف طلع لحد زورها.
افتكرت أوضتها الصغيرة.
والتلاجة الفاضية.
واتصالات صاحب البيت.
لكنها بصت تاني على ليلى
وقالت بثبات
اعملي اللي إنتِ عايزاه.
لكن أنا مش هرمي طفلة في المطر
عشان أحافظ على شكل المطعم.
عيني هالة وسعت من الغضب.
أما منى
فرجعت للصالة.
سخنت كباية لبن.
واشترت من فلوسها قطعة جاتوه زيادة.
ورتبت لهم أهدى ترابيزة في المكان.
وقالت بابتسامة
اتفضل يا فندم.
سليم قعد بنته برفق على الكرسي.
وكان واضح من طريقته إنه بيحبها حب الدنيا كلها.
ليلى فتحت عينيها بالعافية وقالت
بابا
هنغني لماما دلوقتي؟
الصالة كلها سكتت.
سليم مسح على شعرها وقال
لسه يا حبيبتي.
هنولع الشمعة بعد شوية.
جوا العلبة
كانت فيه تورتة فانيليا صغيرة.
وعليها شمعة واحدة بيضا.
ولا حد في المطعم كان يعرف
إن النهارده عيد ميلاد نجلاء
مرات سليم اللي توفت من سنين
وأم ليلى اللي البنت بقت بالعافية فاكرة ملامحها.
هالة رجعت وهي مولعة من الغضب.
وشاورت عليهم وقالت بصوت عالي
اطلعوا برا.
هو وبنته
وإنتِ كمان يا منى.
اقلعي المريلة.
إنتِ مفصولة.
وقبل ما أي حد ينطق
باب المطعم اتفتح.
ودخل تلات محامين، كل واحد شايل ملف أسود.
أكبرهم سنًا مشي مباشرة ناحية سليم.
وقف قدامه.
وطاطى راسه باحترام وقال
أستاذ سليم
جبنا كل المستندات.
وكشوف سرقة البقشيش
والتقارير المالية اللي حضرتك طلبتها.
في اللحظة دي
اللون اختفى من وش هالة.
يتبعووو
المحامين وقفوا في نص الصالة، وكل عين في المطعم بقت عليهم.
هالة حاولت تضحك وقالت بصوت مهزوز
أظن في سوء تفاهم...
لكن أكبر المحامين فتح الملف بهدوء، وقال
مفيش أي سوء تفاهم يا مدام هالة.
الأستاذ سليم كان متابع كل حاجة من شهور.
همهمات بدأت تعلى بين الزباين.
واحد من الجرسونات بص لزميله وقال بصوت واطي
يعني... هو مين ده؟
منى نفسها كانت واقفة مكانها، مش مستوعبة.
سليم فضل قاعد جنب بنته، بيعدل لها البطانية الصغيرة اللي كانت على رجلها، وكأنه مش مهتم بكل اللي بيحصل حواليه.
المحامي كمل
الأستاذ سليم رفض يعلن هويته من أول يوم.
وأصر يزور الفروع كشخص عادي.
علشان يشوف بنفسه الناس بتتعامل إزاي مع الزباين... وإزاي الموظفين بيتعاملوا مع بعض.
هالة شهقت وقالت بسرعة
أنا... أنا كنت بنفذ تعليمات الإدارة.
سليم رفع عينه لأول مرة وبصلها.
نظرة هادية...
لكنها كانت أقوى من أي صريخ.
قال
الإدارة؟
أنا الإدارة.
الصالة كلها اتجمدت.
حتى صوت المزيكا الهادية بقى كأنه اختفى.
واحد من الزباين همس
يعني... ده صاحب السلسلة؟
المحامي أخرج بطاقة تعريف، وحطها على الترابيزة قدام الجميع.
وفي ثانية...
اتبدلت نظرات الاحتقار بدهشة.
الجرسون اللي قبل كده رفض يبص لسليم، نزل عينه في الأرض.
أما هالة...
بدأت تتراجع خطوة ورا التانية.
لكن المفاجأة الحقيقية...
ما كانتش في هوية سليم.
المحامي فتح ملف تاني، وقال
وده تقرير آخر ستة شهور.
خصومات غير قانونية من مرتبات العاملين.
واختفاء بقشيش بمبالغ كبيرة.
وفواتير متعدلة.
وشكاوى عمرها ما وصلت للإدارة.
منى بصت للمحامي بعدم تصديق.
وقالت
إحنا كنا بنبعت شكاوى فعلًا...
ابتسم المحامي وقال
وصلتنا.
بس مش عن طريق الفرع.
لأن فيه حد كان بيخبيها.
كل الأنظار اتحولت لهالة.
عرق بارد بدأ ينزل من جبينها.
حاولت تتكلم...
لكن صوتها خرج متقطع.
أنا... أقدر أفسر...
سليم قاطعها بهدوء
لسه.
لسه دور الكلام مجاش.
في اللحظة دي...
ليلى شدت كم جاكيت أبوها برقة.
وقالت بصوت نعسان
بابا...
الشمعة هتسيح.
سليم بص للتورتة الصغيرة...
وللحظة، كل ملامحه القوية اختفت.
بقت مكانها نظرة مليانة حنين ووجع.
ابتسم لبنته وقال
معاكي حق يا قلب بابا.
ثم رفع رأسه ناحية الموجودين وقال بهدوء
قبل أي تحقيق...
في حاجة أهم
لازم تحصل الأول.
الجميع سكت...
حتى المحامين قفلوا الملفات.
وسليم مد إيده ناحية علبة التورتة...
وسط صمت غريب سيطر على المكان كله عم حسن خلع الكاب القديم من على راسه، ومسح قطرات المطر بإيده.
كان شعره كله أبيض.
لكن وقفته كانت مستقيمة، وفيها هيبة خلت كل الموجودين يبصوا له.
سليم شد له كرسي وقال
اتفضل اقعد يا عم حسن.
هالة بصت للرجل باستغراب، وبعد لحظة قالت
هو حضرتك تعرفه؟
سليم رد بهدوء
مش بس أعرفه.
ده أول مدير صالة اشتغل مع والدي لما المطعم اتفتح.
الهمس رجع يدور بين الزباين.
عم حسن ابتسم ابتسامة حزينة وقال
أبوك الله يرحمه كان يقول... الزبون يدخل المكان ضيف، ويخرج منه وهو حاسس إنه من أهل البيت.
عمره ما بص لحد من لبسه.
ولا من شكله.
ثم لف وشه ناحية هالة.
وقال
أنا استقلت من هنا من أربع سنين.
مش عشان المرتب.
عشان مقدرتش أشوف الناس وهي بتتهان.
هالة حاولت تقاطعه.
الكلام ده مش حقيقي...
لكن عم حسن رفع إيده وقال
اسكتي.
أنا ساكت من سنين... ودلوقتي جه وقت الكلام.
المحامي فتح صفحة جديدة في الملف.
وقال
شهادة الأستاذ حسن هتتسجل رسمي.
عم حسن أخد نفسًا عميقًا، وقال
أول مخالفة بدأت لما هالة منعت العاملين يقدموا خدمة لأي زبون شكله بسيط.
وقالت لهم اللي هدومه قديمة يخرج بأدب.
ولو حد خالف التعليمات... يتخصم منه.
منى نزلت دموعها.
وقالت
أنا كنت فاكرة إني الوحيدة اللي اعترضت.
عم حسن هز رأسه.
لا يا بنتي.
قبلك كان فيه ناس كتير.
لكن كلهم يا استقالوا... يا اتفصلوا.
وفجأة...
مدقق الحسابات رفع رأسه من قدام شاشة الجهاز.
وقال بنبرة جادة
أستاذ سليم...
لقيت حاجة غريبة.
كل الأنظار اتجهت له.
قال
في تحويلات مالية متكررة.
كل شهر.
لكن مش داخلة في حسابات المطعم.
هالة اتجمدت مكانها.
أما سليم...
فاكتفى إنه قال بهدوء شديد
كمل.
المدقق بلع ريقه وقال
المبالغ كبيرة...
وأسماء المستلمين موجودة.
ثم رفع عينه من على الشاشة، وقال
بس فيه اسم واحد... متكرر في كل التحويلات.
الصالة كلها حبست أنفاسها...
وسليم قال بهدوء
هات الملف.
المدقق مد إليه الأوراق ببطء...
وفي اللحظة اللي سليم فتح فيها أول صفحة...
تغيّرت ملامحه فجأة، لكنه ما قالش كلمة واحدة سليم فتح علبة التورتة برفق، وكأن اللي جواها كنز.
الشمعة الصغيرة كانت لسه ثابتة في
نصها.
طلع ولاعة من جيبه، وولعها.
الضوء الخافت انعكس على وش ليلى، فابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلوا.
قالت وهي بتفرك عينيها
هنغني لماما؟
ابتسم وقال
آه يا حبيبتي... زي كل سنة.
منى وقفت مكانها، وحست دموعها قربت تنزل.
أما باقي الزباين...
فبقوا ساكتين تمامًا.
سليم بدأ يغني بصوت هادي
سنة حلوة يا جميل...
وليلى كملت معاه وهي بتضحك
...سنة حلوة يا ماما.
ولما خلصوا...
غمضوا عينيهم ثانية.
سليم قال بصوت منخفض
الله يرحمك يا نجلاء... ويوعدنا بيكي في الجنة.
حتى هالة، رغم ارتباكها، نزلت عينها للأرض.
لكن اللحظة الإنسانية انتهت بسرعة...
لما واحد من المحامين قرب من سليم وهمس
الفريق وصل يا فندم.
بعد ثوانٍ...
دخل أربعة أشخاص ببدل رسمية.
واحد منهم كان مدير المراجعة الداخلية.
والتاني مسؤول الموارد البشرية.
والتالت مدقق حسابات مستقل.
أما الرابع...
فكان مسؤول الأمن الإداري.
أول ما شافتهم هالة، وشها اصفر.
قالت بتوتر
هو... هو كل الناس دي ليه؟
رد مدير المراجعة
علشان الجرد هيبدأ دلوقتي.
وبأمر مباشر.
هالة حاولت تتمالك نفسها.
الجرد يتأجل لبكرة... المطعم مليان زباين.
لكن سليم قال بهدوء
لا.
هيبدأ دلوقتي.
لأن الظلم عمره ما استأذن حد.
مدقق الحسابات فتح حقيبة جلد سوداء.
وطلع منها جهاز لوحي وملفات مختومة.
وقال
ممنوع أي موظف يغادر المكان قبل انتهاء المراجعة.
في اللحظة دي...
واحد من العاملين في الكاشير بدأ يتوتر بشكل واضح.
بص لهالة...
وهالة بادلته نفس النظرة.
النظرة ما استمرتش غير ثانيتين...
لكن سليم لاحظها.
قال للمحامي
سجل اسم الموظف ده.
الشاب ارتبك وقال بسرعة
أنا... أنا ماليش دعوة.
سليم رد بهدوء
لو مالكش دعوة... متخفش.
وقبل ما حد يرد...
جرس باب المطعم رن من جديد.
دخل رجل كبير في السن، لابس يونيفورم قديم ونضيف.
أول ما شاف سليم...
ابتسم وقال
الحمد لله إنك جيت بنفسك.
سليم قام من مكانه بسرعة، وسلم عليه بكل احترام.
الموجودين استغربوا...
إزاي صاحب المكان بيقف لرجل بسيط بالشكل ده؟
ابتسم سليم وقال
يا
عم حسن... وحشتني.
الرجل رد وهو بيبص حواليه بحزن
المكان اتغير يا ابني... مش هو اللي سبناه.
الصالة سكتت مرة تانية...
لأن واضح من نظرة سليم...
إن كلام عم حسن هيكشف أسرار أكبر بكتير من مجرد سرقة بقشيش سليم فضل يبص في الورقة ثواني.
ملامحه هديت أكتر...
وده كان مخيف لأي حد واقف في المكان.
قفل الملف براحة، وحطه على الترابيزة.
وقال للمحامي
هاتوا الملف رقم سبعة.
المحامي فتح حقيبة تانية، وطلع دوسيه أزرق مكتوب عليه
مراجعة داخلية سري.
هالة بصت للدوسيه، وإيديها بدأت ترتعش.
قالت بسرعة
حضرتك... أكيد في خطأ.
سليم رفع عينه ليها وقال
أنا لسه ما اتهمتش حد.
لكن الحقيقة هي اللي هتتكلم.
مدير المراجعة الداخلية قال
من شهرين، وصل للإدارة المركزية بلاغات إن بعض الموردين بيتحاسبوا على أسعار أعلى من المتفق عليها.
والفرق كان بيختفي.
ثم أخرج مجموعة فواتير.
لما راجعنا المستندات...
اكتشفنا إن التوقيعات كلها باسم واحد.
هالة صرخت
التوقيع ممكن يتزور!
رد المدقق بهدوء
وده اللي فكرنا فيه.
علشان كده عرضناها على خبير خطوط.
وأخرج تقريرًا مختومًا.
والنتيجة أكدت إن التوقيعات أصلية.
ساد الصمت.
أحد الطهاة، الذي كان يعمل في المطعم منذ سنوات، تمتم
يعني إحنا كنا بنتحاسب على كل جنيه... وفي ناس كانت بتلعب في آلاف؟
في تلك اللحظة...
اقترب فرد الأمن الإداري من الكاشير.
وقال له بهدوء
ممكن مفاتيح المكتب الإداري.
ارتبك الشاب وقال
المفاتيح... مع المديرة.
التفت الجميع إلى هالة.
ترددت لحظة...
ثم أخرجت سلسلة مفاتيح من جيبها وهي ترتجف.
أخذها فرد الأمن، واتجه إلى المكتب.
بعد دقائق...
عاد وهو يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
قال
لقيناه في الدرج السفلي، وكان مقفول.
نظر سليم إلى هالة وسأل
تحبي تفتحيه بنفسك؟
لم ترد.
ظل الصمت يملأ المكان.
ناولها المفتاح.
لكنها لم تمد يدها.
عندها قال سليم
افتحوه.
فتح فرد الأمن الصندوق ببطء...
وكل العيون كانت معلقة بما بداخله.
وفور ما ارتفع الغطاء...
تبادل المحامون النظرات.
وأخرج أحدهم ظرفًا بنيًا
سميكًا، مكتوبًا عليه بخط كبير
خاص... لا يُفتح إلا بحضور المالك.
سليم أخذ الظرف بين يديه...
ونظر إليه للحظات.
ثم بدأ يفتح الختم ببطء...
وفي اللحظة التي سحب فيها أول ورقة من داخله، تغيّر وجه أحد المحامين فجأة وقال
أستاذ سليم... دي مش مجرد مخالفة إدارية...سليم رفع عينه للمحامي، وقال بهدوء
قول اللي عندك.
المحامي أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
الورق ده يثبت إن فيه قرارات اتاخدت باسم الإدارة... من غير أي تفويض.
وفيه توقيعات مزورة على مخاطبات داخلية.
مدير الموارد البشرية مد إيده وأخذ أول ورقة.
وبعد ما قراها، اتسعت عينه وقال
دي قرارات فصل.
أكتر من سبعة عشر موظف اتفصلوا خلال آخر ثلاث سنين.
والسبب المكتوب في الملفات سوء سلوك.
منى شهقت.
وقالت
بس فيه ناس منهم كانوا محترمين جدًا!
رد عم حسن بحزن
أنا فاكرهم واحد واحد.
فيهم شاب رفض ياخد بقشيش من زبون بالقوة.
وفيهم ست كانت بتقسم أكلها مع عامل النظافة.
كل ذنبهم إنهم كانوا بيعترضوا على الغلط.
سليم أغلق الملف للحظة، ثم قال
هاتوا ملفاتهم.
المحامي رد
كلها موجودة.
وأرقام تليفونات أغلبهم لسه محفوظة.
سليم قال دون تردد
من بكرة الصبح...
كل واحد منهم يتواصل معاه.
اللي يحب يرجع شغله، يرجع بكل حقوقه.
منى حطت إيدها على فمها من شدة المفاجأة.
أما العمال...
فبدأت ملامح الأمل ترجع لوشوشهم لأول مرة.
في اللحظة دي، اقتربت ليلى من أبوها وهي ماسكة الأرنب اللعبة.
وقالت بصوت بريء
بابا...
هي الأبلة اللي جابتلي اللبن هتزعل؟
سليم ابتسم وربت على رأسها.
لا يا حبيبتي.
ثم نظر إلى منى وقال
الإنسانية عمرها ما كانت سبب للعقاب.
منى حاولت تتكلم، لكن دموعها سبقتها.
وفجأة...
رن هاتف أحد المحامين.
رد بسرعة، ثم تغيّر تعبير وجهه.
اقترب من سليم وقال بصوت منخفض
في شخص واقف بره.
بيقول إنه كان المحاسب السابق للفرع.
ومعاة شنطة مليانة مستندات.
وبيقول إنه مستني اليوم ده من سنين...
ثم أضاف وهو ينظر نحو الباب الزجاجي الذي ما زال المطر يهطل خلفه
وبيأكد إن اللي اتكشف لحد دلوقتي...
مجرد بداية اتجهت كل الأنظار ناحية الباب الزجاجي.
وراءه...
كان راجل في أواخر الخمسينات، واقف تحت المطر، ماسك شنطة جلد بنية قديمة بإيده الاتنين.
هدومه كانت مبلولة...
لكن واضح إنه مش فارق معاه.
المحامي خرج له بسرعة.
وبعد ثوانٍ...
دخل الراجل للمطعم.
وقف أول ما شاف سليم.
وقال باحترام
أنا سامي... المحاسب اللي اشتغل هنا قبل سبع سنين.
سليم مد إيده وسلم عليه.
أهلاً بيك.
سامي بص حواليه، وشاف هالة.
فسكت لحظة...
ثم قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
هالة صرخت
كذاب!
اترفت بسبب أخطائك!
سامي هز رأسه بهدوء.
أنا ما اترفدتش.
أنا قدمت استقالتي.
بعد ما رفضت أمضي على مستندات مش قانونية.
ثم رفع الشنطة الجلد وحطها على الترابيزة.
فتحها...
وطلع منها عشرات الملفات.
كل ملف عليه تاريخ.
وكل ورقة متقسمة بعناية.
مدقق الحسابات بدأ يقلب فيها بسرعة.
وفجأة قال
يا أستاذ سليم...
الراجل ده محتفظ بنسخة من كل حاجة.
سامي ابتسم ابتسامة بسيطة.
وقال
كنت حاسس إن الحقيقة هتحتاج دليل.
ثم أخرج دفتر صغير جدًا.
أوراقه مصفرة من الزمن.
وقال
الدفتر ده كنت بكتب فيه كل ملاحظة.
كل مرة كان حد يتظلم.
كل مرة كانت فلوس تختفي.
وكل مرة كنت أرفض أمضي.
فتح صفحة محددة.
وقال
اقرأ التاريخ ده.
سليم قرأ بصوت منخفض.
ثم رفع رأسه فجأة.
التاريخ...
كان نفس اليوم اللي توفيت فيه نجلاء، زوجته.
سامي قال بحزن
اليوم ده حضرتك غبت عن الفرع.
والكل كان عارف إنك في ظروف صعبة.
وفي نفس اليوم...
استغلوا غيابك.
ومن بعدها بدأ الفساد يكبر يوم بعد يوم.
سليم أغمض عينيه للحظة.
وأخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال
يعني كل اللي حصل...
كان لأن محدش راجعهم.
سامي هز رأسه.
كان فيه ناس شرفاء.
لكن كانوا بيتكسروا واحد ورا التاني.
في تلك اللحظة...
اقتربت ليلى من منى، ومدت لها قطعة الجاتوه اللي كانت منى اشترتها لها.
وقالت بابتسامة بريئة
خدي... دي ليكي.
منى انحنت لمستواها، وابتسمت رغم دموعها.
وقالت
دي بتاعتك يا حبيبتي.
ليلى هزت رأسها وقالت
بابا بيقول... اللي يعمل خير لازم نفرحه.
ابتسم كل من في الصالة.
حتى بعض الزبائن صفقوا دون شعور.
لكن التصفيق توقف...
لما فرد الأمن الإداري خرج من المكتب وهو ماسك جهاز تسجيل صغير.
وقال بصوت واضح
أستاذ سليم...
لقينا الجهاز ده مخبي ورا الخزنة.
ويبدو إنه عليه تسجيلات قديمة لاجتماعات الإدارة.
سليم نظر إلى
الجهاز، ثم إلى هالة.
أما هالة...
فأغمضت عينيها للحظة، وكأنها عرفت أن ما هو قادم سيكون أصعب بكثير مما مضى فرد الأمن حط جهاز التسجيل على الترابيزة بحرص.
كان جهازًا قديمًا، عليه آثار تراب خفيف، وكأنه متخبي من سنين.
مدقق الحسابات قال
نجربه؟
سليم هز رأسه.
شغّله.
ضغط فرد الأمن على زر التشغيل.
في البداية...
طلع صوت تشويش.
ثم بدأ صوت واضح يخرج من السماعة.
...أي حد يعترض على التعليمات يتكتب عنه تقرير...
الصالة كلها سكتت.
الصوت كان صوت هالة.
كملت التسجيل
...ولو حد سأل على البقشيش، قولوا إن الزباين ما سابوش حاجة...
منى حطت إيدها على بقها.
أنا فاكرة الاجتماع ده...
التسجيل كمل
...وأي شكوى للإدارة لازم تعدي عليّا الأول...
المحامي وقف التسجيل وقال
ده يفسر ليه الشكاوى كانت بتختفي.
لكن سليم قال بهدوء
كمّل.
رجع التسجيل يشتغل.
وفجأة...
طلع صوت شخص تاني.
صوت راجل.
لكن ما كانش واضح مين.
قال
...المهم محدش يعرف إن الأرقام اتغيرت...
هالة اتوترت جدًا.
وقالت بسرعة
الصوت ده مش معروف!
لكن سامي، المحاسب السابق، رد فورًا
أنا عارفه.
كل الناس بصت له.
قال
الصوت ده كنت بسمعه كل أسبوع.
بس صاحبه ما كانش بيظهر قدام الموظفين.
سليم عقد حاجبيه.
مين؟
سامي بلع ريقه وقال
كان بيجي بعد معاد القفل.
ويدخل المكتب مباشرة.
وأول ما يخرج...
كنا نلاقي تعليمات جديدة.
عم حسن قال باستغراب
طول عمري فاكر إن هالة هي صاحبة القرار.
سامي هز رأسه.
لأ.
هي كانت بتنّفذ...
لكن كان فيه حد أكبر منها بيوجه كل حاجة.
ساد صمت ثقيل.
هالة حاولت
تمسك الكرسي عشان توازن نفسها.
وقالت بصوت مرتجف
أنا... أنا...
لكن الكلمات وقفت في زورها.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف سليم.
بص للشاشة.
ثم وقف بهدوء.
قال للمحامي
المكالمة دي لازم أرد عليها.
خرج خطوتين بعيد عن الجميع.
ولما رد...
اتغيرت ملامحه.
قال باحترام
أيوه يا فندم... أنا في الفرع دلوقتي.
استمع لثوانٍ.
ثم رد
تمام... فهمت.
قفل المكالمة.
ورجع يبص للموجودين.
وقال بهدوء
واضح إن اللي كشفناه النهارده...
فتح ملفات في فروع تانية كمان.
ثم نظر إلى الجهاز مرة أخرى، وقال
لكن قبل ما نتحرك لأي مكان...
لازم نعرف صاحب الصوت ده.
وهنا...
طلب خبير الصوتيات من أحد المحامين أن يسلمه جهاز التسجيل، وقال
قد أحتاج دقائق قليلة فقط...
ولو توقعي صحيح...
الاسم اللي هيظهر هيغيّر القضية كلها خبير الصوتيات أخذ جهاز التسجيل بحذر، ووصل سماعات صغيرة بجهاز الكمبيوتر المحمول اللي كان معاه.
الصالة رجعت هادئة.
حتى العاملين وقفوا أماكنهم، مستنيين النتيجة.
مرت خمس دقايق...
وبعدين عشرة.
وأخيرًا، خبير الصوتيات شال السماعة، وقال
الصوت واضح بما يكفي.
سليم سأله
عرفت صاحبه؟
الخبير هز رأسه وقال
أقدر أحدد إن نفس الشخص موجود في أكتر من تسجيل.
لكن تحديد الاسم محتاج مقارنة بعينة صوت رسمية.
المحامي قال
يعني لسه مينفعش نتهم حد.
بالضبط.
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وده اللي أنا عايزه.
محدش هيتظلم... حتى لو هو اللي ظلم غيره.
الكلمة دي خلت أكتر من زبون يبصله بإعجاب.
أما هالة...
فكانت لأول مرة تبكي.
لكن سليم لم يلتفت إليها.
نظر إلى منى
وقال
منى.
ارتبكت وقالت
أفندم.
من النهارده، محدش هيعتبرك مفصولة.
وبعد انتهاء التحقيقات، هتستلمي كل مستحقاتك، بما فيها أي بقشيش أو خصومات اتاخدت منك بدون حق.
منى انهارت في البكاء.
وقالت
أنا ما كنتش مستنية غير كلمة إني عملت الصح.
ابتسم سليم وقال
وده أهم من أي مكافأة.
ثم التفت إلى جميع العاملين.
وقال بصوت سمعه كل من في المطعم
أي موظف عنده ورقة، أو رسالة، أو دليل، أو حتى شهادة...
بابي مفتوح.
والحقيقة مش هتخاف من النور.
في تلك اللحظة...
رفع أحد الطهاة يده بتردد.
وقال
أنا عندي مفتاح.
الجميع بص له باستغراب.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
وقال
قبل ما أسيب الشيفت الأسبوع اللي فات، لقيته واقع في المكتب.
ولما سألت عليه...
مدام هالة قالت سيبه معاك لحد ما تطلبه.
هالة رفعت رأسها فجأة.
وعلامات الذعر رجعت لوشها.
سليم مد يده للمفتاح.
مفتاح إيه؟
الطاهي رد
فيه مخزن صغير في آخر الممر.
عمرنا ما دخلناه.
وكان ممنوع حد يقرب منه.
نظر سليم إلى فرد الأمن.
وقال بهدوء
يلا...
نشوف المخزن ده فيه إيه.
وتحرك الجميع ناحية الممر الخلفي...
بينما بقيت هالة واقفة مكانها، لا تتحرك، وكأنها تعرف أن الباب الذي سيفتح بعد لحظات قد يكشف أسرارًا ظلت مخفية لسنوات سليم أخذ المفتاح من الطاهي، ومشى بخطوات ثابتة ناحية آخر الممر.
وصل لباب حديد صغير، عليه طبقة تراب، وكأنه ما اتفتحش من زمان.
لف المفتاح...
وساد صمت في المكان كله.
الباب اتفتح ببطء.
الجميع دخل خلفه.
المخزن ما كانش مليان فلوس ولا مجوهرات...
كان مليان صناديق ملفات.
كل
صندوق مكتوب عليه سنة.
وملفات موظفين.
وشكاوى.
وكشوف بقشيش.
وأوراق كان المفروض توصل للإدارة، لكنها اتخبّت هنا سنين.
مدقق الحسابات فتح أول صندوق، وبص لسليم وقال
كل الأدلة موجودة... ومترتبة.
ابتسم سليم ابتسامة حزينة وقال
الحقيقة كانت مستنية حد يفتح الباب بس.
خلال أسبوعين...
انتهت المراجعة الكاملة.
اترد لكل موظف حقه.
وصُرفت كل الخصومات اللي اتاخدت منهم بغير وجه حق.
واتصلت الإدارة بكل العاملين اللي اتفصلوا ظلم، وعرضت عليهم يرجعوا لو حابين.
أما هالة...
فاتخذت الشركة ضدها كل الإجراءات القانونية والإدارية، بعد ما ثبتت المخالفات بالأدلة، وتركت منصبها.
وسامي، المحاسب السابق...
اعتذرت له الشركة رسميًا، واتعرض عليه يرجع مستشارًا ماليًا، لكنه ابتسم وقال
يكفيني إن الحقيقة ظهرت.
أما عم حسن...
فوافق يرجع يومين في الأسبوع، يدرب الموظفين الجدد.
وكان أول درس يقوله لكل موظف جديد
الزبون مش بيتقاس بلبسه... بيتقاس بكرامته.
وفي أول يوم بعد إعادة تنظيم المطعم...
أصرت منى إنها تكون واقفة على الباب تستقبل الزباين.
دخل راجل بسيط، لابس جلابية قديمة، ومعاه ابنه.
ابتسمت منى وقالت بكل احترام
أهلًا وسهلًا... نورتوا المكان.
سليم كان واقف من بعيد، شاف الموقف وابتسم.
قرب من ليلى، اللي كانت ماسكة نفس الأرنب القديم.
سألها
إيه رأيك في المطعم دلوقتي؟
ضحكت وقالت
بقى شبه ماما...
استغرب وقال
إزاي؟
قالت وهي تبص للناس
ماما كانت بتقول... المكان الحلو هو اللي محدش يحس فيه إنه غريب.
ابتسم سليم، ورفع عينه للسقف وكأنه بيكلم نجلاء
وعدتك أحافظ على المكان... بس النهارده فهمت إن المكان مش الحيطان ولا الديكور.
المكان الحقيقي... هو الناس.
وانتهى اليوم، والمطعم كان مليان زباين.
لكن أكتر حاجة كانت مالية المكان...
الاحترام.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق