في العزومة العائلية
في العزومة العائلية
في العزومة العائلية اللي كانت بتتعمل مرة كل أسبوع، مرات أخو جوزي الكبير قالت فجأة يا نور، من الشهر ده، كل مرتبك تحوّليهولي وأنا أحفظهولك. مرتب محمود وفلوس ماما وبابا كلهم بقوا بيتحوّلوا لي، فاضل إنتِ بس. إيدي اللي كانت ماسكة الشوكة وقفت في نص الهوا. المقصود بماما وبابا كانوا حماتي وحمايا، أما محمود فكان جوزي اللي لسه متجوزاه من تلات شهور.
حطيت الشوكة على الترابيزة.
أنا كنت مستغربة ليه محمود ماحوّليش مرتبه الشهر ده، وكنت ناوية أسأله، طلع إنه حوّلهولك أصلًا.
حماتي أسرعت تبرر
مرات أخو جوزك شاطرة جدًا في إدارة الفلوس. إحنا كلنا أهل وناس واحدة، ولما الفلوس تبقى معاها بنبقى مطمنين. أحسن ما إنتِ تصرفيها على حاجات ملهاش لازمة.
بصيت لمحمود
إنت ليه ما اتفقتش معايا قبل ما تحوّل الفلوس؟
محمود كان لسه موطي راسه وبيأكل في الضلوع، لدرجة إن بُقه كله كان مليان زيت.
قال بمنتهى اللامبالاة
هنقعد نتفق على إيه؟ فلوس أهل البيت أصلًا المفروض تبقى في مكان واحد. مرات أخويا الكبير زي أمي، والفلوس طبيعي تبقى معاها!
بجد، كنت على وشك أضحك من كتر ما أنا متغاظة.
أنا شفت قبل كده أزواج بيسيبوا مرتباتهم لمراتهم.
وشفت كمان أمهات أزواج بيمسكوا فلوس البيت.
لكن إن الواحد يسلّم فلوسه كلها لمرات أخوه عشان هي اللي تمسكها؟
دي كانت أول مرة في حياتي أسمع حاجة زي دي.
1
قلت
طيب ما دام الفلوس كلها بقت مع مرات أخو جوزي، إحنا هنصرف منين؟
ردت عليّ مرات أخوه
كل شهر هدي لكل واحد مصروف. كل واحد تمنميت جنيه، يكفوا احتياجاته اليومية.
ضحكت بسخرية.
تمنميت جنيه؟ يا مرات أخو جوزي، إنتِ برضه عايشة معانا وعارفة الدنيا. تمنميت جنيه في الشهر يعملوا إيه؟
قالت وهي بتبصلي بضيق
وفّري شوية وهتلاقيهم يكفوا. يا نور، أنا مش عايزة أتكلم عنك، بس إنتِ فعلًا بتصرفي فلوس كتير
أوي.
حماتي دخلت في الكلام بسرعة
يا نور، حوّلي مرتبك لمرات أخو جوزك وخلاص. هي كده بتساعدك تكبّري فلوسك. إنتِ مش هتعملي حاجة وفلوسك هتزيد، المفروض تفرحي.
بصيت لمرات أخو جوزي وسألتها
طيب، وإيه طريقة الاستثمار اللي بتعمليها؟
ردت
يعني بنشتري صناديق استثمار، وأسهم وكده. يا ستي، حتى لو شرحتلك مش هتفهمي.
سألتها
يعني لو إحنا حطينا فلوسنا عندك، هتفتحي حساب باسم كل واحد فينا؟
ضحكت وقالت
هنفتح حسابات كتير ليه؟ حساب واحد باسم العيلة كلها يكفي. ولما نكسب، كلنا هنقسم الربح.
هزيت راسي.
آه، فهمت. يعني حضرتك عايزة تستخدمي فلوس كل العيلة في البورصة.
بس لو خسرنا؟
على حد علمي، سوق الأسهم اليومين دول مش أحسن حاجة.
ملامحها اتغيّرت فورًا، ووشها قلب.
كلامك ده مستفز جدًا! إيه اللي بتقوليه؟ أنا هاخد فلوس الناس وألعب بيها في البورصة؟
ماما وبابا شايفين إني شاطرة في إدارة الفلوس، وعايزينني أساعد العيلة كلها تكسب!
وبصتلي باحتقار وأضافت
يا نور، إنتِ مش بس بتصرفي فلوسك من غير حساب، ده إنتِ كمان ما عندكيش أي فكرة عن الإدارة المالية. فلوسك مش هتجيب فلوس غير لما تديهالي وأنا أديرها.
ابتسمت وقلت
نية حضرتك كويسة وأنا مقدّراها.
بس إحنا في بيتنا بنحب الاستثمار الآمن أكتر، ومتعودين نحط فلوسنا في البنك.
وبصيت لمحمود
محمود حوّلك كام لحد دلوقتي؟
ثم رجعت أبص لها
من فضلك حوّليهولي تاني.
محمود كان لسه موطي راسه وبيأكل، لكن أول ما سمعني بطلب فلوسه من مرات أخوه، رفع عينه وقال
تحوّليهالك ليه؟ ماما وبابا كمان حطوا فلوسهم عندها، إنتِ لسه مش واثقة فيها؟
ثم قال بمنتهى الثقة
أنا واثق فيها. ومرتبي يفضل معاها، وهي تديرهولي.
2
أخدت نفس عميق وقلت
تمام. من النهارده كل واحد فينا يدفع نص المصاريف.
وش حمايا اتغيّر في لحظة، وبصلي بعصبية
هو في زوج وزوجة بيقسّموا الفلوس بالشكل ده؟ يا نور، إنتِ عايزة تكمّلي حياتك مع جوزك ولا لأ؟
رديت بهدوء
طبعًا عايزة يا بابا.
بس لو أنا كمان سلّمت كل فلوسي لمرات أخو جوزي، وبقيت أعيش كل شهر بثمانميت جنيه، ساعتها حياتي فعلًا مش هتستمر.
محمود عايز يعيش بالطريقة دي، دي حاجة تخصه.
إنما أنا مش موافقة.
خلصت كلامي، مسكت شنطتي وقومت.
افتكرت إن عندي شوية شغل في الشركة، أنا همشي الأول.
أخو محمود الكبير، كريم، قال بسرعة
قبل ما تمشي، الحساب الأول.
قالها كأن دفع الحساب أصلًا حاجة مفروغ منها إني أنا اللي أعملها.
إحنا التلات عائلات كنا بنتجمع مرة كل أسبوع، وفي الغالب كنا بنتعشى بره.
وكل مرة كريم ومراته هما اللي يختاروا المطعم، وهما كمان اللي يطلبوا الأكل.
في البداية، كنا متفقين إن العيلتين التانيين يتناوبوا في دفع الحساب، عشان ماما وبابا مايدفعوش حاجة.
لكن في الحقيقة، كل مرة كان ييجي الدور عليهم، كانوا يعملوا نفسهم مش واخدين بالهم.
وأنا كنت بطبعي بكره الإحراج.
فكل ما أشوف الجرسون واقف مستني الحساب، كنت بتكسف وأطلع أدفع.
ومع الوقت، الموضوع اتحوّل لحاجة طبيعية جدًا، وكأن دفع الحساب بقى مسؤوليتي أنا.
بصيت لكريم وقلت
يا كريم، المرة دي الدور عليكم.
مرتب جوزي راح كله لمراتك، ولسه هتعملوا نفسكم مش واخدين بالكم وتخلوني أنا أدفع؟ ده كده استغلال زيادة عن اللزوم.
بعد ما قلتها، ما اهتمتش بملامحهم اللي اتغيّرت.
شلت شنطتي ومشيت.
رجعت البيت بالليل، ولقيت محمود قاعد في الريسبشن مستنيني، ووشه كان أزرق من الغضب.
أول ما دخلت، قال
نور! برن عليكي ما بترديش، ببعتلك رسايل وما بترديش. كل ده عشان مرات أخويا تساعدنا في إدارة فلوسنا؟ إنتِ مكبّرة الموضوع ليه؟
رديت
الموبايل فصل شحن، مش عاملة نفسي مش سامعاك.
ومشيت على طول ناحية أوضة النوم، كأني ما حصلش حاجة.
محمود لحقني وقال
وكمان الكلام اللي قلتيه النهارده عن إن كريم ومراته بيحبوا يستغلوا الناس؟ الكلام ده ضايقني جدًا.
إنتِ عارفة أنا قعدت هناك لوحدي قد إيه وأنا محرج؟
بصيت له وسألته
طيب هما دفعوا الحساب النهارده؟
سكت لحظة، وبعدين قال
أنا اللي دفعته.
كريم ومراته كانوا متضايقين، أعملهم إيه؟ أسيبهم هم اللي يدفعوا؟
ضحكت.
إنت مرتبك الشهر ده كله تمنميت جنيه بس.
والأكل النهارده لوحده كان على الأقل ستميت جنيه.
هتعمل إيه باقي الشهر؟ هتعيش من غير أكل؟
رد بكل بساطة
ما إنتِ موجودة.
بصيت له وقلت
أنا قلتلك من النهارده كل واحد فينا يدفع نص مصاريفه.
إنت تصرف من فلوسك وأنا أصرف من فلوسي.
يا محمود، أنا مش هدفعلك ولا جنيه واحد.
اتعصب وبصلي بغضب
نور! إحنا متجوزين! لازم تحاسبي جوزك على الفلوس بالشكل ده؟
بصيت له ببرود
إنت لسه فاكر إننا متجوزين؟
إنت كنت شفت قبل كده راجل متجوز يدي مرتبه كله لمرات أخوه؟
أنا أصلًا ما ضغطتش عليك إنك ترجع مرتبك، ودي في حد ذاتها حاجة كبيرة مني!
قال بعصبية
أنا حوّلت مرتبي لمرات أخويا عشان تستثمرهولنا.
لما نكسب بعد كده، مش الفلوس هتبقى بتاعتنا إحنا الاتنين؟
رفعت إيدي وقاطعته
استنى.
إنت عايز تحوّل مرتبك لهند؟ دي حاجة تخصك.
تكسب أو تخسر، دي مسؤوليتك لوحدك.
صرخ
تمام! من النهارده لو أنا كسبت فلوس، إنتِ ما تصرفيش منها!
أنا ما رديتش.
وصلت الموبايل بالشاحن.
وأول ما فتح، وصلتلي رسالة من البنك.
في اللحظة دي، جسمي كله عرق بارد.
فتحت الرسالة، وبصيت في المبلغ.
وبعدين رفعت عيني لمحمود
محمود… إنت سحبت ميتين ألف جنيه من فلوس شبكة جوازنا؟
3
رد بمنتهى الهدوء
أيوه. اديتهم لمرات أخويا.
حسيت إن أعصابي كلها انهارت.
محمود، إنت اتجننت؟!
حاولت أتماسك.
أخدت نفس عميق، وبعدها فتحت تسجيل الصوت في الموبايل.
وقلت له
هسألك مرة تانية، وعايزة إجابة واضحة.
الميتين ألف جنيه بتوع شبكة جوازنا راحوا فين؟
قال
مش قلتلك؟ اديتهم لمرات أخويا.
ماما وبابا كمان حوّلوا مدخراتهم كلها عندها.
وبصلي بتحدي
لما أنا
وماما وبابا نكسب مبلغ كبير، ساعتها ما تبقيش تبصي لفلوسنا وتحسديّنا!
ضغطت على التسجيل، وقلت
يعني إنت بتأكد إن الميتين ألف جنيه اتحوّلوا بالكامل على حساب هند؟
رد من غير تردد
أيوه، بأكد.
أنا بنفسي النهارده بعد الغدا روحت معاها البنك وخلصنا الإجراءات.
كنت متغاظة لدرجة إني مش قادرة أتكلم.
وبعد ثواني قلت
مرتبك أنا ممكن ما يكونش من حقي أديره.
لكن الميتين ألف جنيه بتوع الشبكة دول نصهم بتوعي.
إنت من حقك تعمل فيهم كده من غير ما ترجعلي؟
بصلي باستغراب وقال
يا ساتر! إنتِ بقيتي مادية أوي كده ليه؟
إحنا كلنا أهل وناس واحدة.
مرات أخويا بس بتساعدنا نستثمر الفلوس.
هو يعني هتسرقنا؟ أكيد هترجعلنا فلوسنا لما تكسب.
أنا ما رديتش عليه.
لكن في سري، حفظت كل الأدلة اللي قدامي.
وسجلت كلامه كله.
وبهدوء قلت
أتمنى فعلًا إنها تعرف ترجعهم.
الليلة دي ما نمتش خالص.
وتاني يوم الصبح، أول ما صحيت، دخلت المطبخ وطلعت كل اللبن واللانشون والعيش الموجودين في التلاجة.
حطيتهم كلهم في شنطة.
محمود صحى، ولما شافني، فرك عينيه وسأل
إنتِ بتاخدي الأكل ده كله ليه؟
قلت
الحاجات دي أنا اللي شاريها، هاخدها معايا الشركة وآكلها هناك.
بصلي باستنكار
نور، هو حتى الأكل لازم تعملي عليه مشكلة؟
رديت بمنتهى الحسم
أيوه.
من النهارده، هتغدى في كانتين الشركة.
وبالليل هتعشى بره.
أما أكلك التلات وجبات، إنت اللي تتصرف فيه.
زمان، أنا ومحمود كنا بنفطر الصبح غالبًا على عيش ولانشون وبيض مقلي.
والغدا بتاعه كنت بجهزه من بالليل، وأحطه في علبة الأكل عشان ياخده معاه الشغل.
وبالليل، أول ما أخلص شغلي، كنت بعدّي على السوق أجيب الخضار واللحمة وباقي الطلبات، وأرجع البيت أطبخ.
وكان محمود أول ما يدخل البيت يلاقي الأكل سخن، والشوربة جاهزة، وكل حاجة مستنياه.
زمان كنت زوجة مثالية بكل معنى الكلمة.
أما دلوقتي…
فأنا كل اللي عايزاه إني أبقى مجرد زميلة سكن، وأقوم بالحد الأدنى من واجبات زميلة السكن.
بص محمود في جيبه وقال
بس أنا معايا ميتين جنيه بس.
لو هآكل بره التلات وجبات كل يوم، الفلوس دي مش هتكفيني.
قلت وأنا باقفل الشنطة
لو مش مكفيين، شوفلك حل.
اتنهد وقال
طب سلفيني خمسمية جنيه الأول.
بصيت له
لأ.
شلت الشنطة ومشيت.
ومن أول لحظة لآخر لحظة، ما بصيتش لمحمود حتى مرة واحدة.
وقبل ميعاد انتهاء الشغل بالليل بشوية، محمود بعتلي رسالة…
…………..
يتبع…
قبل ميعاد انتهاء الشغل بالليل بشوية، محمود بعتلي رسالة.
فتحتها لقيته كاتب
نور، انزلي تحت الشركة. أنا مستنيكي.
قفلت الموبايل من غير ما أرد.
بعد دقيقتين بعت تاني
متخلينيش أطلعلك الشركة وأعمل مشكلة قدام زمايلك.
ابتسمت بسخرية.
زمان كنت بخاف من كلام الناس.
دلوقتي؟
مبقاش عندي حاجة أخسرها.
كتبتله
لو عندك حاجة مهمة قولها هنا.
الرد جه بسرعة
انزلي بس.
ما رديتش.
وبعد حوالي عشر دقايق، وأنا خارجة من الشركة، لقيته واقف قدام الباب.
كان متوتر جدًا، وأول ما شافني اتحرك ناحيتي.
إنتِ ليه بتعملي كده؟
بصيت له
بعمل إيه؟
بتسحبي نفسك من البيت، وبتاخدي الأكل، ومش بتديني فلوس، وكمان مش بتردي عليا.
إنت فاكر إن المشكلة في الأكل؟
سكت.
قلت
المشكلة إنك أخدت ميتين ألف جنيه من فلوسنا وحطيتهم عند مرات أخوك من غير ما حتى تستشيرني.
قلتلك هنكسبهم ونرجعهم.
ولو خسرناهم؟
مش هنخسر.
ضحكت.
إنت عارف إيه عن البورصة أصلًا؟
مرات أخويا فاهمة.
والدليل؟
سكت تاني.
قلت
فين حساب الاستثمار؟
عندها.
فين كشف الحساب؟
هي اللي ماسكاه.
فين العقد اللي يثبت إن الفلوس دي استثمار باسمك؟
محمود اتضايق
إنتِ بتستجوبيني؟
لا. أنا بحاول أعرف فلوسي راحت فين.
قرب مني وقال بصوت واطي
نور، متكبريش الموضوع. لو فضحتي الموضوع قدام العيلة، إنتِ اللي هتباني مادية وأنانية.
بصيت له للحظة.
وبعدين قلت
طيب، تعالى معايا.
رايحة فين؟
على البنك.
اتوتر.
دلوقتي؟
أيوه، دلوقتي.
البنك قفل.
بكرة الصبح.
سكت.
عرفت من سكوته إن في حاجة غلط.
لكن ما ضغطتش عليه.
قلت
بكرة الساعة تسعة الصبح، هكون في البنك.
وسبته ومشيت.
تاني يوم، وصلت البنك قبل الساعة تسعة بدقايق.
محمود وصل بعدي بدقايق.
لكن المفاجأة إنه ما جاش لوحده.
هند، مرات أخوه، كانت معاه.
أول ما شافتني قالت
يا نور، هو إنتِ لسه مصممة تعملي مشكلة؟
رديت
أنا مش بعمل مشكلة. أنا بس عايزة أشوف الفلوس اللي جوزي حوّلها.
ضحكت باستخفاف
الفلوس موجودة ومش هتضيع.
فين؟
في حساب استثماري.
باسم مين؟
سكتت.
بصيت لمحمود.
باسم مين؟
قال محمود
باسم هند.
هزيت راسي.
يعني الميتين ألف جنيه بتوعي اتحولوا لحساب باسم شخص تاني؟
هند ردت بسرعة
إحنا أهل! وبعدين أنا مش هاخد فلوسكم وأهرب يعني.
قلت
أنا ما اتهمتش حد بالهروب.
أنا بس بسأل سؤال بسيط.
ليه الفلوس مش في حساب باسم محمود؟
قالت بعصبية
عشان أنا اللي بدير الاستثمار.
وده معناه إن الحساب يبقى باسمي، مش باسم كل واحد.
ابتسمت.
تمام.
طلعت موبايلي.
ممكن أشوف عقد الاستثمار؟
هند مدّت إيدها
إنتِ مش صاحبة الحساب.
بس نص الفلوس بتاعتي.
محمود اتدخل
نور، كفاية.
بصيت له
كفاية إيه؟
أنا جوزك.
وأنا مراتك.
فلو فلوسنا مشتركة، يبقى من حقي أعرف هي فين.
موظف البنك كان واقف بعيد شوية وبيسمع الكلام.
هند بدأت تتوتر.
وفجأة قالت
خلاص، نرجعلك فلوسك.
بصيت لها باستغراب.
إزاي؟
هرجعلك نص المبلغ.
إمتى؟
خلال كام يوم.
ليه كام يوم؟
عشان الفلوس متحطوطة في استثمار.
يعني مش موجودة كاش؟
ما ردتش.
وهنا قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت
إنتِ استثمرتي الفلوس في إيه؟
سكتت.
أسهم؟
سكتت.
ولا صناديق؟
برضه ما ردتش.
بصيت لمحمود.
إنت كنت تعرف؟
قال
هند قالتلي إن الاستثمار محتاج وقت.
يعني إنت مش عارف الفلوس اتحطت في إيه؟
أنا واثق فيها.
ضحكت.
الثقة مش عقد.
وبعدين بصيت لهند
أنا عايزة كشف حساب كامل.
قالت
هجيبهولك.
إمتى؟
لما أرجع البيت.
لا.
طلعت موبايلي.
دلوقتي.
هند اتعصبت
إنتِ شكاكة بشكل مرضي!
وأنتِ عصبية بشكل مريب.
محمود شدني من إيدي
نور، يلا نمشي.
سحبت إيدي منه.
إنت امشي.
أنا هكمل الإجراءات لوحدي.
إنتِ مش هتعملي حاجة من ورايا.
بصيت له
مين اللي عمل حاجة من ورا التاني؟
سكت.
رجعت البيت لوحدي.
فتحت اللابتوب، ودخلت على حسابي البنكي.
وبدأت أراجع كل التحويلات.
مرتب محمود.
فلوس الشبكة.
حتى التحويلات الصغيرة اللي كانت بتتم من حسابه.
وبينما أنا بدور، لقيت حاجة غريبة.
فيه تحويل بمبلغ خمسين ألف جنيه اتعمل قبل الميتين ألف.
لكن المرة دي التحويل ماكانش لهند.
كان لشخص اسمه
رامي السيد.
اتجمدت مكاني.
مين رامي السيد؟
فتحت تفاصيل التحويل.
الوصف كان
دفعة استثمار.
اتصلت بمحمود.
ما ردش.
اتصلت تاني.
مفيش رد.
بعتله
مين رامي السيد؟
بعد أقل من دقيقة، الموبايل رن.
محمود.
رديت
مين رامي؟
سكت شوية.
نور، بلاش تدوري ورا حاجات مش هتفيدك.
يعني تعرفه.
آه.
مين؟
واحد شغال مع هند.
وليه حولتيله خمسين ألف؟
ده جزء من الاستثمار.
وهند قالت إن الفلوس كلها في حسابها.
سكت.
عرفت من سكوته إن المصيبة أكبر مما كنت متخيلة.
قلت
محمود، إنت حوّلت كام بالظبط؟
الميتين ألف.
قبلهم؟
إيه؟
الخمسين ألف اللي اتحولوا لرامي.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
دي فلوس كانت موجودة قبل الجواز.
ضحكت بمرارة.
قبل الجواز؟
أيوه.
يعني عندك فلوس تانية؟
نور، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
طيب فهمني.
سكت.
وبعدين قال
أنا لازم أقفل.
وقفل المكالمة.
قعدت قدام اللابتوب وأنا مش قادرة أستوعب.
جوازي بقاله تلات شهور بس.
وخلال التلات شهور دول، أنا كنت فاكرة إن محمود شخص بسيط، مرتبه محدود، ومصاريفه عادية.
لكن دلوقتي اكتشفت إن فيه حسابات وتحويلات أنا ما أعرفش عنها حاجة.
والأخطر…
إنه كان بيحوّل فلوس لناس أنا عمري ما سمعت عنهم.
فتحت سجل التحويلات تاني.
بدأت أراجع شهر ورا شهر.
وفجأة لقيت تحويلات متكررة لنفس الاسم.
رامي السيد.
كل مرة بمبلغ مختلف.
عشرة آلاف.
عشرين ألف.
خمسين ألف.
وبعدين ميت ألف.
إجمالي التحويلات كان رقمًا صادمًا.
أكتر من أربعمية ألف جنيه.
وقتها فهمت إن موضوع مرات أخوه مش بدأ النهارده.
كان موجود من قبل ما أنا حتى أعرف محمود.
لكن السؤال الحقيقي كان
ليه؟
وليه محمود مصر يحط كل فلوسه عند هند؟
وليه هند بتاخد فلوس العيلة كلها؟
وليه في شخص تالت اسمه رامي داخل في الموضوع؟
بالليل، محمود رجع البيت.
كان فاكر إني هفتح معاه خناقة.
لكنه اتفاجئ إني كنت قاعدة بهدوء.
حط مفاتيحه على الترابيزة.
إنتِ لسه صاحيه؟
مستنياك.
عايزة إيه؟
حطيت اللابتوب قدامه.
عايزة تفسير.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
إنتِ دخلتي على حسابي؟
ده حساب مشترك.
إنتِ ما كانش من حقك.
وأنت كان من حقك تحوّل فلوسي؟
سكت.
قلبت الشاشة ناحيته.
مين رامي السيد؟
محمود ما ردش.
وإيه علاقة هند بيه؟
ولا كلمة.
وإيه اللي حصل في الفلوس اللي اتحولت له؟
محمود قعد على
الكرسي.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال بصوت منخفض
نور… لو قلتلك الحقيقة، حياتنا كلها هتتغير.
رديت بهدوء
حياتنا اتغيرت بالفعل.
أنا بس لسه عايزة أعرف الحقيقة.
محمود غمض عينه.
وبعد ثواني قال
هند مش بتستثمر فلوس العيلة.
قلبي وقع.
أمال بتعمل إيه؟
رفع عينه وبصلي.
هي بتسد بيها ديون.
ديون مين؟
سكت.
وبعدين قال
ديون أخويا الكبير.
أنا اتصدمت.
كريم؟
هز راسه.
أيوه.
وإنتوا مخبيين ده عن ماما وبابا؟
ماما وبابا لو عرفوا، هيموتوا من الصدمة.
وعشان كده أخدتوا فلوسهم؟
كنا هنرجعها.
والمتين ألف بتوعنا؟
كنا هنرجعهم برضه.
صرخت
إنتوا كنتوا بتخططوا ترجعوا الفلوس إزاي؟
محمود سكت.
وبعدين قال جملة خلت الدم ينسحب من وشي
بعد ما نبيع الشقة.
بصيت له.
شقتنا؟
هز راسه.
الشقة اللي إحنا ساكنين فيها؟
أيوه.
وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد فلوس ضاعت.
كان فيه مخطط كامل.
وكان جوزي جزء منه.
والأسوأ من كل ده…
إنهم كانوا ناويين يبيعوا شقتنا من غير ما يقولولي.
لكن محمود ما كانش يعرف إني في اللحظة دي كنت بالفعل ماسكة موبايلي…
وبسجل كل كلمة قالها.
الجزء الأخير
فضلت باصة لمحمود كام ثانية، وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
يعني إنتوا كنتوا ناويين تبيعوا شقتنا؟
محمود وطّى عينه.
الشقة مش باسمك لوحدك.
ضحكت بمرارة.
بس باسمنا إحنا الاتنين.
وعشان كده لازم كنت أعرف.
كنتِ هتوافقي؟
طبعًا لأ.
أهو عشان كده ما قلناش.
الجملة دي كانت كفاية بالنسبة لي.
ما بقيتش محتاجة أسمع أي تبرير تاني.
قفلت تسجيل الصوت، وبعت نسخة لنفسي على الإيميل.
وبعدين قمت من مكاني.
محمود سألني
إنتِ رايحة فين؟
أنام.
بس إحنا لسه بنتكلم.
إحنا خلصنا كلام.
دخلت الأوضة وقفلت الباب.
الليلة دي ما نمتش.
لكن مش عشان كنت منهارة.
لأ.
كنت بفكر.
إزاي أحمي نفسي؟
وإزاي أرجّع فلوسي؟
وإزاي أخلي كل واحد فيهم يتحمل نتيجة اللي عمله؟
تاني يوم الصبح، خرجت من البيت بدري من غير ما أقول لمحمود رايحة فين.
أول مكان روحتله كان البنك.
شرحت للموظف إن فيه تحويلات مالية كبيرة تمت من حساب مشترك من غير موافقتي، وطلبت أعرف الإجراءات القانونية المتاحة لوقف أي تصرفات مستقبلية في الحساب.
وبعدها روحت لمحامي.
حكيتله كل حاجة من أول يوم اتقال فيه إن كل أفراد العيلة لازم يسلموا فلوسهم لهند.
وريته رسائل محمود.
وتسجيل اعترافه.
وكشوف التحويلات.
المحامي فضل ساكت وهو بيقلب في الأوراق.
وبعدين قال
إنتِ عندك موقف أقوى مما تتخيلي.
سألته
يعني أقدر أمنع بيع الشقة؟
قال
طالما الشقة مشتركة ومفيش موافقة منك على البيع، ما حدش يقدر يتصرف فيها بالشكل اللي هما عايزينه.
ارتحت لأول مرة من كام يوم.
وبعدين سألته
والفلوس؟
قال
دي محتاجة نعرف راحت فين بالضبط. ولو ثبت إن حد استخدمها في غرض غير اللي اتقالك عليه، الموضوع ممكن ياخد منحنى تاني تمامًا.
خرجت من عنده وأنا لأول مرة حاسة إني مش لوحدي.
في نفس اليوم بالليل، رجعت البيت.
محمود كان مستنيني.
إنتِ كنتِ فين؟
مشغولة.
بقالك يومين بتتصرفي بغرابة.
أنا؟
ضحكت.
الغريب إنك شايف تصرفاتي غريبة بعد كل اللي عملته.
قرب مني
نور، إحنا لازم نحل الموضوع بينا.
تمام.
هند قالت إنها هترجع الفلوس.
كلها؟
أيوه.
إمتى؟
قريب.
قريب دي إمتى؟
سكت.
قلت
أنا عايزة الفلوس خلال أسبوع.
نور…
أسبوع واحد.
ولو ما رجعتش؟
بصيت له بثبات
ساعتها كل واحد هيتحمل نتيجة اللي عمله.
بعد يومين، حصلت المفاجأة.
ماما محمود اتصلت بيا وهي منهارة.
نور، تعالي عندنا بسرعة.
في إيه؟
هند اختفت.
اتجمدت.
اختفت إزاي؟
مش بترد على حد، وفلوسنا كلها مش موجودة.
قفلت المكالمة وطلعت على بيتهم.
لقيت ماما محمود بتعيط، وبابا محمود ماسك راسه بإيده.
أما كريم، أخوه الكبير، فكان واقف في ركن الصالة ووشه أبيض.
بصيت له.
إيه اللي حصل؟
ما ردش.
محمود قال
هند سحبت جزء كبير من الفلوس من الحساب.
جزء كبير؟
كل الفلوس تقريبًا.
بصيت لكريم.
وفلوسنا؟
محمود قال
لسه مش عارفين.
في اللحظة دي، قلت
أنا عارفة.
الكل بصلي.
طلعت موبايلي.
هند مش هربت بالفلوس.
إنتِ بتقولي إيه؟
هي كانت بتسد ديون كريم.
كريم اتوتر.
ماما محمود بصتله
ديون؟
سكت.
صرخت فيه
كريم! إنت عليك ديون؟
فضل ساكت.
حمايا وقف فجأة
إنت عملت إيه؟
كريم انهار.
أنا… دخلت في مشروع وخسرت.
خسرت كام؟
ما ردش.
محمود قال
كتير.
صرخت حماتي
يعني إيه كتير؟
كريم غطى وشه بإيده.
حوالي سبعمية ألف.
البيت كله سكت.
ماما محمود وقعت على الكرسي.
سبعمية ألف؟!
بصيت لمحمود.
وده سبب التحويلات كلها؟
هز راسه.
أيوه.
والخمسين ألف اللي راحوا لرامي؟
سكت.
قلت
رامي كان صاحب المشروع؟
محمود قال
كان شريك كريم.
والفلوس اللي اتحولت له كانت عشان يسكت عن الخسارة.
هز راسه.
بدأت الصورة تكتمل.
العيلة كلها كانت بتغطي على كريم.
كل واحد كان بيحاول ينقذ أخوه.
وفي الآخر، قرروا يستخدموا فلوسي.
فلوسي أنا.
فتحت موبايلي وشغلت التسجيل.
صوت محمود ظهر واضح
كنا ناويين نبيع الشقة.
ماما محمود رفعت راسها فجأة.
إيه ده؟
محمود وشه اتغير.
نور…
لكن التسجيل كمل.
بعد ما نبيع الشقة.
الشقة اللي إحنا ساكنين فيها؟
أيوه.
حماتي بصت لمحمود بصدمة.
إنت كنت هتبيع شقتك من ورا مراتك؟
ما ردش.
بصيت لهم كلهم وقلت
أنا مش جاية أطلب منكم تعتذروا.
أنا جاية أقولكم إن كل واحد من النهارده هيتحمل نتيجة قراراته.
فلوسي اللي اتحولت لهند هرجعها.
والشقة مش هتتباع.
ومرتب محمود من الشهر الجاي مش هيدخل في أي حساب مشترك من غير موافقتي.
محمود قال
إنتِ عايزة تطلقي؟
بصيت له.
السؤال ده كان متأخر جدًا.
أيوه.
سكت البيت كله.
أنا مش هكمل مع راجل شايف إن من حقه ياخد فلوسي، ويخبي عليا ديونه، ويحاول يبيع بيتي من ورايا.
أنا فقدت الثقة فيك.
محمود قرب مني
نور، اديني فرصة.
رجعت خطوة.
أنا اديتك فرص كتير.
بس إنت ضيعتها كلها.
بعد أسبوع، قدمت طلب الطلاق.
وفي نفس الوقت، المحامي بدأ الإجراءات لاسترداد المبلغ.
هند ظهرت بعدها بيومين.
اتضح إنها ما كانتش هربانة.
كانت بتحاول تبيع عربية وبعض الممتلكات عشان تسد جزء من الديون.
لكنها كانت أخفت الحقيقة عن الجميع.
والأغرب؟
إنها هي اللي اعترفت بكل حاجة.
اعترفت إن كريم خسر مبلغ ضخم.
وإن محمود كان عارف.
وإنهم اتفقوا إن كل فرد في العيلة يحط فلوسه معاها عشان يجمعوا مبلغ كفاية يسددوا بيه الديون.
واعترفت كمان إنهم كانوا ناويين يبيعوا شقتي وشقة كريم بعد كده.
لكن الخطة انهارت أول ما أنا بدأت أسأل عن الفلوس.
بعد شهور من الإجراءات، قدرت أسترد جزء كبير من فلوسي.
والباقي اتعمل عليه اتفاق قانوني للسداد.
أما محمود…
فكان كل يوم يحاول يكلمني.
مرة يعتذر.
مرة يبعتلي ورد.
ومرة يطلب مني أرجعله.
لكن قلبي كان خلص.
في يوم، قابلته بالصدفة قدام مكتب المحامي.
وقف قدامي وقال
نور، أنا لسه بحبك.
بصيت له وابتسمت.
الحب لوحده مش كفاية.
الجواز محتاج أمان.
وأنا فقدت الأمان معاك.
قال
يعني مفيش أمل؟
هزيت راسي.
لأ.
وسبته ومشيت.
بعد سنة، حياتي كانت مختلفة تمامًا.
نقلت لشقة صغيرة باسمي.
رجعت أرتب حياتي من أول وجديد.
بقيت أراجع حساباتي بنفسي.
وما بقيتش أدي حد فرصة يقرر أنا أصرف فلوسي إزاي.
وفي يوم، وأنا قاعدة في كافيه، جالي إشعار من البنك.
آخر قسط من المبلغ اللي كان ناقصني اتحوّل لحسابي.
بصيت للرقم وابتسمت.
مش عشان الفلوس بس.
لكن عشان افتكرت اليوم اللي كانوا بيقولولي فيه
كل واحد تمنميت جنيه في الشهر كفاية.
افتكرت اليوم اللي جوزي قاللي
فلوس أهل البيت لازم تبقى عند مرات أخويا.
وافتكرت اليوم اللي حاولوا يقرروا يبيعوا بيتي من غير ما أعرف.
قفلت الموبايل.
وشربت قهوتي بهدوء.
وقلت لنفسي
الفلوس ممكن تتعوض.
لكن الثقة لما تضيع، مش كل الناس تستحق فرصة تانية.
ومن يومها، فهمت إن أسوأ حاجة ممكن يعملها الإنسان مش إنه يخسر فلوسه.
أسوأ حاجة إنه يخسر نفسه وهو بيحاول يحافظ على ناس عمرهم ما حاولوا يحافظوا عليه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق