القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كيد الحموات كامله حكـايات مني السيد حصري

 كيد الحموات كامله حكـايات مني السيد حصري




كيد الحموات كامله حكـايات مني السيد حصري



حماتي رنت عليا الصبح وصوتها طالع بنبرة الأمر اللي حافظاها كويس تعالي يلا يا فوزية عشان تطبخي وتجهزي الغدا بتاع خطوبة سلفك بكرة، شوفي هتطبخي إيه وتجهزي إيه من الليلة دي، الناس جاية بكرة على أكل نضيف ومش عايزين تقصير.

أنا بطبعي بحب أسهل الأمور وأوفر المجهود، فكرت فيها بعقلي وقلت أريحها وأريح نفسي بدل البهدلة ووقفة المطبخ بالساعات. رديت عليها بكل هدوء وذوق طيب يا ماما، إيه رأيك في فكرة تانية أسهل وأشيك؟ إحنا نجيب الفراخ ونوديها لمحل المشويات اللي على أول الشارع، يتبلها ويبيتها في التتبيلة وثاني يوم يشويها ويسلمهالنا سخنة على الفرازة. إحنا هنا بقى في البيت نعمل حلة رز بسمتي كبيرة، ونعمل السلطات والطحينة، ونجيب أطباق فويل شيك ونغلف لكل شخص نابه بطبق مقفول، حاجة تفتح النفس ومحدش يتمرمط.

ما لحقتش أكمل جملتي، لقيت البركان انفجر في وشي من ورا السماعة، وصوتها بقى يرن في ودني كأنه صفارة إنذار إنتي عايزة تفضحينا قدام نسايبنا؟! عايزة تأكلي ضيوفنا في أطباق فويل عشان كسلانة ومش عايزة تغسلي مواعين؟! عايزة تشوي الفراخ برة عشان ما تتعبيش نفسك؟! ده إيه العزوة والواجب المايع ده؟ أنا هجيب حد من الجيران يعمل لي كل حاجة، وخليكي



إنتي قاعدة في بيتك، مش عاوزين منك حاجة ولا عاوزين نشوف وشك أصلاً!

الخط قفل في وشي، والكلمات نزلت عليا زي الدبش. ردها أثر فيا وكسر خاطري جداً، حسيت إن نيتي الطيبة اتقلبت ضدي وإني بقيت في نظرهم الست المقصرة الكسلانة. فضلت أروح وأجي في الشقة، قلبي مش مطاوعني أسيبها زعلانة وتكبر الحكاية وتعمل مشكلة بيني وبين جوزي، قلت أشتري خاطري وأراضيها وأبين لها إني مش قصد وحش. لبست عبايتي وطرحتي ونزلت فوراً، روحت لها البيت وفتحت الباب بابتسامة مصطنعة وداريت إهانتي، ودخلت عليها المطبخ وقولت لها بصوت هادي ها يا ماما، أنا جيت أهو.. شوفي إنتي عايزة تعملي إيه وأنا هعملهولك بنفسي، إيه بس اللي يراضيكي وما تزعليش نفسك مني؟ أنا تحت أمرك.

بصتلي ببرود يقهر، ومطت شفتها وقالت بلامبالاة غريبة اسكتي مش الخطوبة اتأجلت؟ مش عاملين حاجة خلاص، أهل العروسة حصل عندهم ظرف وكل حاجة وقفت.

اتنحنحت ومقدرتش أقول حاجة، حسيت باكتئاب يخنق، قعدت ييجي نص ساعة كده أشرب كوباية مية بالعافية والجو مشحون ومحدش بينطق كلمة، قومت روحت شقتي لإننا ساكنين في عمارة تانية بعيد عنهم شوية.

تاني يوم جه واليوم كان ماشي طبيعي ومفيش أي حركة، وجوزي نزل من بعد العصر وقالي ورايا مشاوير وشغل برة. الليل

جه والساعة دقت اتناشر، وتليفونه مقفول أو مش بيرد، القلق بدأ ياكل في قلبي وقولت أكيد في حاجة حصلت. اتصلت بيه تاني على الساعة واحدة بالليل، وأخيراً فتح الخط.

لسه بقوله بصوت متوتر إنت فين واتاخرت كده ليه كالعادة وقلقتني عليك؟

قبل حتى ما يفتح بؤه، وداني لقطت صوت مزيكا دي جي بتهز المكان وراه، وزغاريد طالعة في الخلفية، وأصوات ناس بتصقف وبتغني بأعلى صوت، والهرج والمرج واصل لقلب التليفون! سكت ثانية مذهولة وقولتله وأنا بتنفض إنت فين بالضبط؟ الصوت ده إيه؟

رد عليا ببرود وكأنه بيقول حاجة عادية جداً أنا في خطوبة أخويا.. هيكون فين يعني؟

الدنيا لفت بيا وسقف الأوضة حسيت إنه بيقع فوق راسي، صوتي اتحبس في زوري بالعافية وقولتله خطوبة أخوك إزاي؟! ده مامتك قالتلي إمبارح إن الخطوبة اتأجلت ومفيش أي حاجة هتحصل!

ضحك ضحكة صفرا سريعة وصوته اتردد في ودني بكلمة واحدة قطعت أنفاسي، قبل ما يكمل كلام خلاني أتجمد في مكاني وأنا شايفة خيوط مؤامرة رخيصة اتنسجت ورا ضهري عشان يطردوني من عيلتهم للأبد...حصري على صفحة روايات و اقتباسات.

الفصل الثاني النار اللي تحت الرماد

الضحكة الصفرا اللي طلعت منه في التليفون كانت كفيلة تدبحني. كأنها سكينة تلمة بتنحر في كرامتي بالبطيء.

قالها ببرود يقصف العمر ضحكوا عليكي يا عبيطة.. أصل أمي قالت إنك مش وش نعمة ومش عاوزة تحضري وتعملي دوشة، فقرروا يعملوها على الضيق من غير دوشتك!

التليفون وقع من إيدي على السجادة، ماسمعتش هو قال إيه بعدها ولا حتى سمعت صوت الدي جي اللي كان قالع وداني. حسيت كأن وداني بتصفر صفير عالي ومكتوم، كأن في غارة طيارات نازلة فوق نفوخي. الدنيا اسودت لثواني، والأوكسجين اتسحب تماماً من الأوضة. قعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي، ركبي سايبة ومش شايلاني.

فضلت باصة في سقف الصالة، شريط السنين كلها بيجري قدام عيني في ثواني. هي دي حماتي؟ دي الست اللي كنت بصحي نفسي بدري عشان أعملها اللي هي عايزاه؟ دي اللي كنت بجري بيها على المستشفيات أول ما ضغطها يعلى وعيالها التانيين نايمين في العسل؟ دي اللي دخلت بيتها بنية بيضا وقلت هعتبرها أمي التانية؟

أمي؟! الأم متطعنش في الضهر بالشكل ده.. الأم متفضحش وتكسر خاطر وتخلي ابنها يكلم مراته بالنبرة الحقيرة دي!

الدموع نزلت من عيني مش دموع عادية، كانت دموع حامية زي مية النار، نازلة تحرق في خدي. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيخرج من بين ضلوعي. من حقي أزعل ولا لأ؟ كلمة أزعل دي كلمة هايفة ورخيصة أوي قصاد القهرة اللي كانت بتاكل في حشاي جوة!

 

القهرة بتقتل يا ناس، القهرة بتخلي الواحد يحس إنه ملوش تمن، كأنه كيس زبالة ركنوه على جنب بعد ما خلصوا مصلحتهم منه.

البيت كان ساكت وهادي هدوء يخوف، هدوء الموتى. قومت بالعافية، زحفت لحد الكنبة، وقعدت لامة رجليا في حضني وضامة مخدة على صدري وبعيط بصوت مكتوم عشان الجيران ميعرفوش بالمهزلة اللي أنا فيها. فكرت في كل كلمة قالتها لي في المطبخ لما روحت أراضيها اسكتي مش الخطوبة اتأجلت؟ مش عاملين حاجة خلاص.

كانت بتبص في عيني وبتكدب! بتكدب بمنتهى البجاحة والثبات الإنفعالي، لا رمش لها جفن ولا بان عليها ذرة تردد! يا جبروتك يا شيخة! عملتلك إيه لكل الغل ده؟ عشان قولت نشتري فراخ مشوية ومحدش يتعب وماتقفيش في السن ده توجعي ضهرك في المطبخ؟ ده أنا كنت بفرّغ عليكي التعب، ده أنا كنت خايفة عليكي وعلى نفسي من بهدلة عزومة فوق التلاتين نفر! بقى ده جزاتي؟ تقدمي الخير تلاقي الشر قاعد مستنيكي بكرباج؟

فضلت قاعدة على الحال ده لحد ما الفجر أذن. سمعت الأذان وهو بيقول الصلاة خير من النوم، قومت اتوضيت وأنا بتنفض. المية الساقعة نزلت على وشي لسعتني، بس مصحتش فيا إلا نار الغيظ. وقفت على سجادة الصلاة، وفضلت ساجدة وأنا بعيط وبشهق من قهرتي، مكنتش قادرة أقول غير كلمتين اتنين بس حسبي


الله ونعم الوكيل في كل من كسر بخاطري وذلني.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا أم أحمد.

سلمت من الصلاة وقعدت، جسمي كله كان مهدود ومش طايقة أكل ولا أشرب. ريقي نشف وبقى مر زي طعم الحنظل. فتحت التلاجة أطلع إزازة مية، معرفتش أبلع نقطة، لقمة العيش كانت تقف في زوري وكأنها حجارة.

على الساعة تمانية الصبح، لقيت الباب بيفتح بالمفتاح. دخل محمود جوزي، وشه متسخط من السهر، وريحته سجاير ودخان، ولابس قميصه الجديد اللي كنت كاوياه بإيدي الاتنين قبلها بيوم على أساس إنه خارج يقابل صحابه زي ما ضحك عليا!

دخل الصالة ببرود، بص عليا وأنا قاعدة بهدومي على الكنبة والعيون مورمة من العياط، محاولش حتى يطبطب عليا ولا يسألني مالك. رمى مفاتيحه على الترابيزة وقال بصوت خشن

إيه.. هتفضلي قاعدة عاملي فيها دور الضحية كدة كتير؟ ماتخلصينا بقى!

بصيت له ولساني مكنش طاوعني أنطق، قومت وقفت بالعافية وقولتله وأنا بصتي مسمرة في عينيه

ضحية؟ أنا عاملة دور الضحية يا محمود؟ إنت جاي من حفلة معمولة ورا ضهري، متفقة فيها أمك وأخوك وإنت معاهم عشان تداروا عليا وتطلعوني برة بيتكوا، وجاي تقول لي دور الضحية؟

رد وهو بيبص بعيد وبيخلع جزمته

انتي اللي جبتيه لنفسك! أمي قالت لك تعالي اطبخي، نزلتي عليها باقتراحاتك

السخيفة بتاعة أكل دليفري ومشويات وأطباق فويل! إنتي عاوزة تعرينا قدام أهل العروسة الجداد؟ الناس يقولوا واخدين ناس مش قادرة تطبخ للضيوف؟ أمي حسّت إنك بتقللي منها ومن ابنها التاني اللي هيخطب، وقالت لي مراتك كسلانة ومش وش واجب ومينفعش تحضر وتفرش وشها الخشب قدام الناس، وأنا صراحة وافقتها.. دي ليلة أخويا ومش عايز نكد!

الكلمات نزلت عليا أتقل من الصخر. صرخت فيه وأنا بنهار

نكد؟! أنا اللي نكد ولا الغل اللي ساكن قلوبكم؟ أنا كنت بريحها! قولت لها بدل ما نقف نطبخ لخمسين نفر، نجيب الأكل جاهز وشيك.. ده اللي زعلها؟! طب حتى لو زعلها يا مفتري، تروحوا تعملوا الخطوبة وتقولوا لي اتأجلت وتنزلوها أنتوا وتتبسطوا وترقصوا وتسبوني قاعدة هنا زي البيت الوقف مضحوكة عليا؟! بقى ده اللي ربنا قاله؟ ده حق العشرة؟

محمود قرب مني ورفع إصبعه في وشي بتهديد

صوتك ميعلاش يا ستي انتي، أمي خط أحمر، اللي تقوله هو اللي يمشي، وإذا كان على الخطوبة فاللي فات مات وخلاص خلصت ولبسوا الدبل وخلاص، كبري عقلك بقى وبلاش تشنجات نسوان، فزي اعمليلي لقمة آكلها عشان هموت من الجوع!

بصيت للراجل اللي عايشة معاه تحت سقف واحد بقالي ست سنين، حسيت إني مش عارفاه، كأنه غريب شحات دخل البيت بالغلط. راجل بايعني برخيص

أوي، مستخسر حتى يعتذر لي على كسرة نفسي. قولتله بهدوء تام، والهدوء ده كان علامة الموت اللي جوة روحي

أكل؟ معلش يا ابن الأصول، اطلبلك أكل في أطباق فويل من برة، أصل إيدي مش هتمسلك أكل بعد النهاردة.

دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح، وسمعته برة بيخبط على الباب وبيزعق ويشتم، سيبته يخبط لحد ما تعب ودخل نام في أوضة الأطفال.

النهار فضل ماشي ببطء رهيب، عقارب الساعة كانت بتتحرك وكأنها بتجر وراها جبال. التليفون بتاعي مكنش بيبطل رن، وكل رنة كانت بتعمل خضة في صدري. مسكت التليفون، لقيت شاشة الواتساب منورة، مين اللي باعت؟

سلايفي، ومراتات أعمامه، وبنات خالاته! فتحت الرسايل، ولقيت الطوفان اللي كان مستنيني. صور... صور وفيديوهات بتنزل على جروب العيلة!

الصورة الأولى حماتي واقفة في وسط الصالة بتاعتهم، لابسة العباية الحرير ومزينة وشها ومبتسمة ابتسامة نصر، حاضنة خطيبة ابنها التانية وبتبوسها في خدها وبتضحك للكاميرا!

الصورة التانية بوفيه كامل محطوط على ترابيزات السفرة، محاشي، وطواجن لحمة، وصواني بشاميل، ومقبلات، وأكل ملوش أول من آخر!

وتحت الصور تعليق من أخت جوزي الكبيرة مكتوب فيه تسلم إيدك يا قمر يا أم العريس، كتر خير طنط نادية جارتنا اللي وقفت وسندت وعملت الأكل كله بدال الناس الكسلانة

 

اللي ملهاش في الواجب! ست بميت راجل رفعت راسنا قدام نسايبنا!.

والأدهى من ده، لقيت فيديو مدته دقيقتين للعروسة وهي بترقص مع حماتي، وحماتي ماسكة المايك وبتقول بالبلدي ربنا يخليكي ليا يا بنتي، إنتي اللي هتدخلي العيلة وتبيضي وشنا، مش زي غيرك اللي عايزين ياكلونا في ورق زبالة!.

المعازيم كلهم ضحكوا في الفيديو وزغرطوا، ومحمود جوزي كان واقف ورا أمه بيصقف ووشه كله انشراح وفرحة، ولا كأن عنده زوجة في البيت سابها مقهورة ودموعها مش بتنشف!

الفيديو كان بمثابة القشة اللي قسمت ضهري، بس مش عشان تكسرني، عشان تولع جوايا نار غريبة عمري ما حسيتها قبل كدة.

النار دي طفت الحزن، وسابت مكانه غضب جامد، غضب عاقل وبارد.

أنا فوزية، اللي كل الناس تشهد بأصلي وذوقي وأدبي، يتعمل فيا كدة؟ يتعمل فيا استقصاد وتشهير قدام نسايب الغفلة والجيران والعيلة كلها؟ يخلوني مضحكة الجروبات والناس؟

فضلت أقرأ التعليقات ألف مبروك يا حبيبتي، بس فين فوزية مش باينة في الصور ليه؟ ترد حماتي في فويس


نوت بصوتها الأجش أصلها تعبانة شوية يا حبيبتي ومبتحبش الزحمة، إنتي عارفاها بقى مالهاش في تجمعات العيلة!

تعبانة ومبحبش الزحمة؟! يعني طلعتني كسلانة، وقليلة الذوق، ومعقدة، وكمان كدبت على الكل!

قومت من مكاني زي الممسوسة، وبصيت لنفسي في المراية. وشي شاحب، تحت عيني هالات سودا، وشعري منكوش، وشفافي نشفانة ومش قادرة أبلع الريق. بس عيني؟ عيني كانت بتلمع لمعة تانية خالص. لمحة مش لمحة واحدة مكسورة، دي لمحة واحدة مقررة تاخد حقها تالت ومتلت.

بقى كدة يا حماتي؟ ماشي.. ماشي يا ست الحبايب. إنتي اللي بدأتي الملعوب، بس أنا اللي هحط قواعد النهاية.

عدى اليومين اللي بعدهم في صمت مريب جوة شقتي. محمود كان بيطلع الصبح ويرجع بالليل يلاقي البيت ساكت، مفيش لا أكل ولا كلام، يدخل ينام وخلاص، مفكر إني استسلمت وخلاص الموضوع بلعته زي كل مرة وأني مكسورة الجناح. ميعرفش إن الهدوء ده مش استسلام، ده الهدوء اللي بيسبق طلقة المدفع.

في اليوم التالت، قررت أبدأ خطتي. لبست أشيك طقم

عندي، دريس كحلي هادي ومحترم، وظبطت حجابي وحطيت كحل خفيف يداري أثر الدموع، ورفعت راسي في المراية وقولت لنفسي الحق مبيجيش بالدموع، الحق بيتاخد بالقوة والذكاء.

نزلت وركبت تاكسي، ورحت على عمارة حماتي. العمارة اللي شهدت أكبر كدبة اتقالت في حقي.

طلعت السلالم خطوة خطوة، وكل خطوة كنت بحس قلبي بيدق فيها بقوة، بس المرة دي مكنش خوف، كان استعدا لمواجهة عمرها ما كانت هتتخيلها.

وصلت عند باب الشقة، وسمعت صوتها جوة بتزعق وبتتكلم في التليفون مع حد من قرايبها وبتحكي على حلاوة الخطوبة ومين جاب إيه ومين أكل إيه.

رفعت إيدي، ورنيت الجرس. رنة واحدة.. طويلة وواثقة.

الصوت سكت جوة، وسمعت صوت شبشبها بيقرب من الباب ببطء. فتحت الباب نص فتحة وهي بتقول مين؟، بس أول ما شافتني، وشها اتقلب لونه، وبانت الصدمة في ملامحها لثواني قبل ما تتدارك نفسها وتتصنع البرود التام.

فتحت الباب على آخره، وحطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة فيها تعالٍ وقسوة

خير يا فوزية؟ جاية ليه دلوقتي؟ إحنا

مش قولنا إنك ملكيش في دوشتنا ولا ليكي في تجمعاتنا؟ جاية تدوري على إيه بعد ما الخطوبة خلصت ونضفت؟

دخلت خطوتين لجوة وهي وسعت غصب عنها من طريقتي الهادية والواثقة، بصيت في عينيها مباشرة، من غير ما أهتز ولا شعرة، وقولت بصوت واطي بس كان طالع كأنه رصاص

أنا جاية أبارك يا حماتي.. جاية أبارك لسلفي العزيز وأمه الغالية على الخطوبة اللي اتأجلت!.. وجاية أقولك كلمتين مكنش ينفع يتقالوا في التليفون.

حماتي برقت عينيها، ومسكت مقبض الباب جامد، وقالت بصوت واطي ومليان غيظ

انتي جاية تعمليلي فيها نمرة ولا إيه؟ اتفضلي اطلعي برة بيتي، مش ناقصة وجع دماغ وشحاتة كرامة!

ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وطلعت تليفوني من شنطتي، وفتحت التسجيل الصوتي اللي كنت مخبياه، وقربته من ودنها.. الصوت اللي طلع من التليفون خلا وش حماتي يصفر تماماً، وتترعش شفايفها، وإيدها اللي كانت ماسكة الباب تسيب وتهبط جنبها في ثواني، كأنها شافت شبح واقف قدامها بيهدد إنه يهد البيت كله فوق نفوخها ويفركش الجوازة دي قبل ما تبدأ! يتبع


الفصل الثالث والأخير يوم الحساب ورد الاعتبار

الصوت اللي طلع من تليفوني مكنش أي صوت.. كان صوتها هي بذات نفسها، بس مش وهي بتكلمني، لأ.. ده كان تسجيل مكالمة قديمة جداً بينها وبين أختها الكبيرة، كانت بتفضفض فيها وتفرش ملاية العيلة كلها، وبتقول بلسانها على أهل العروسة الجديدة اللي خطبوها لسلفي كلام يوديها في ستين داهية!

كانت بتقول بنص العبارة وبصوتها الواضح زي الشمس أهل البت طماعين وجعانين، وإحنا مش هنكتب مؤخر كبير، وهنخليهم يمضوا على قايمة باللي جابوه بس، وإحنا مسيطرين على الواد، والبت بكره أدخلها الطاعة وأكسر عينها هي وأمها، ده إحنا واخدينهم بس عشان قرشين معاهم ومصلحة أبوها في الشهر العقاري تمشينا!

التسجيل ده كان عندي بالصدفة من شهور، يوم ما كانت قاعدة عندي وتليفونها علّق على خاصية تسجيل المكالمات التلقائي وبعتتلي ملفات بالغلط وقالتلي امسحي الهري ده يا فوزية مش فاهماه، وكنت نسياه على كارت الميموري لحد ما الشيطان فكرني بيه وسط ناري وغيظي!

حماتي لسانها اتبلع جوة حلقها، عينيها وسعت برعب حقيقي، وشها اللي كان أحمر ومزهزه اتقلب رماد، وإيدها اللي كانت في وسطها



نزلت بتترعش جنبها. حاولت تمد إيدها تخطف التليفون، بس كنت أسرع منها، رجعت خطوة لورا وحطيت التليفون في شنطتي وقفلت السوستة بمنتهى الهدوء والبرود.

إيه رأيك يا ماما؟ الصوت واضح ولا نقرب السماعة شوية؟ يا ترى بقى حماة سلفي، الست المستشارة أم العروسة اللي بيتها كله هيبة وقيمة، لو سمعت رأيك فيها وبنتها وطمعك فيهم قبل ما يكتبوا كتاب ولا حتى يدخلوا في الجد، تفتكري الخطوبة دي هتكمل لحد بكرة؟

حماتي بلعت ريقها بالعافية، كأن في شوكة واقفة في زورها، صوتها طلع مخنوق ومرعوب

انتي.. انتي بتسجليلي يا فوزية؟! انتي بتلعبي في الخباثة من ورانا؟ ده انتي حية رقطة صحيح!

ضحكت بضحكة صافية، ضحكة خلتها تحس إن الأرض بتهتز تحت رجليها

حية؟ أنا بقيت حية دلوقتي عشان اتعلمت أدافع عن نفسي في غابة الديابة اللي إنتوا عايشين فيها؟ إنتي نسيتي عملتك السودة؟ نسيتي لما دخلت عليكي هنا، رافعة راسي وبشتري خاطرك وبقولك أعملك إيه يراضيكي، بصيتي في عيني وكدبتي عليا وقولتيلي الخطوبة اتأجلت؟ نسيتي إنك جمعتي العيلة كلها ورا ضهري وخليتي المعازيم يتريقوا عليا وينزلوا فيديوهات يشتموني فيها ويقولوا بتاكل في

ورق زبالة؟ نسيتي إنك حرضتي ابنك عليا وجاي يهددني في بيتي ويتفرعن على قفايا؟ كل ده كنتي فاكراه هيعدي بالساهل؟ لا يا ست الكل.. اللي يفتكر إن الطيبة هبل وغفلة، لازم يفوق على صفعة توعيه!

حماتي اتسندت على الحيطة، حسيت إن رجليها مش شايلاها، وشها جاب ألوان الطيف، وقالت وهي بتنهج

انتي عاوزة إيه بالظبط؟ جاية تفركشي فرحة ابني؟ عاوزة تكسري قلبه وهو مصدق لقى بنت الحلال؟ حرام عليكي، ده ابني الغلبان، ملوش ذنب في خلافاتنا!

ابنك ملوش ذنب؟! وابنك التاني، محمود، اللي هو جوزي اللي دخلتوني في لعبة حقيرة وخليتوه يشمت فيا ويهيني، ده كان له ذنب؟ ولا أنا اللي ماليش ضهر ولا سند عندكم ومرمية في الشارع؟ بصي بقى يا حماتي، اسمعي الكلام اللي مفيش فيه رجعة، عشان لو حركة واحدة غلط اتعملت، الريكورد ده مش هيروح لأم العروسة بس، ده هينزل على جروب العيلة الكبير، الجروب اللي حطيتوا فيه صوركم وتريقتكم عليا، وهخلي العيلة كلها تعرف وشك الحقيقي!

حماتي دموعها نزلت من الخوف على مصلحة ابنها وفضيحتها، وقالت بصوت مكسور

عايزة إيه يا فوزية؟ اطلبي اللي انتي عايزاه بس امسحي البتاع ده من تليفونك، الله

يستر عليكي بلاش فضايح، إحنا نسايبنا ناس كبار ومش بتوع شوشرة!

قعدت على الصالون وحطيت رجل على رجل، وبصيت في الصالة اللي احتفلوا فيها امبارح، شفت باقي الزينة المفرقعة على الأرض، وريحة العطور الرخيصة لسه معلقة في الجو. قولت بصوت واثق وقاطع

طلباتي مفيش أسهل منها، بس هتتنفذ بالحرف، وقدام عيني.. أولاً رد اعتباري، مش بيني وبينك في الأوض المقفولة.. جروب العيلة اللي نزل فيه التشهير بيا وباسم وإني ماليش في الواجب ومبحبش الخير، ينزل فيه بوست اعتذار رسمي، بصوتك انتي، تقولي إنك انتي اللي غلطتي وإنك طلبتي مني طلب مش أصول وفهمتيني غلط، وإن فوزية أصل الأصول وعمرها ما قصرت!

حماتي برقت عينيها وقالت بنحيب

انتي عاوزة تنزلي قيمتي قدام سلايفك وبنات أختي؟ عايزاني أقول إني غلطت؟ دي رقبتي تطير ولا أعملها!

يبقى رقبة الخطوبة تطير يا ماما، والقرار ليكي، أنتي اللي بتختاري تكسري خطوبة ابنك وفرحته، ولا تنزلي مناخيرك اللي طايحة في الكل شوية وتعترفي بالحق؟

سكتت لحظة، والغيظ كان بياكل في وشها، بس شافت في عيني إصرار مفيش فيه هزار. هزت راسها باستسلام وقالت

ماشي.. وإيه كمان؟

ثانياً العزومة اللي جاية، عزومة رد الواجب لأهل العروسة، هتحصل في أكبر مطعم مشويات

 

في المنطقة، وعلى حسابك انتي ومحمود، ومش هقف في مطبخ ولا هغسل معلقة، وهكون أول الحاضرين بلابسة تليق بيا وبقيمتي، وهتعرفيهم بيا كأني ست الكل، ومفيش كلمة تتقال من تحت لتحت.. وثالثاً، وده الأهم ابنك محمود يتربى، يدخل بيتي ويعرف إن له زوجة كرامتها خط أحمر، وإن بيت أمه مش ملجأ لمعايرة مراته!

حماتي نزلت راسها في الأرض، مقدرتش تنطق كلمة اعتراض واحدة. حسيت براحة غريبة بتغسل قلبي، مش شماتة، بس إحساس إن كرامتي اللي داست عليها بجزمتها رجعت تلمع من تاني.

معاكي نص ساعة يا حماتي، تعملي الفويس نوت وتبعتبها على الجروب، وهستنى أشوفها هنا على شاشتي قبل ما أخطو عتبة الباب، والتسجيل ده هيفضل معايا كارت أمان، لو فكرتي بس في يوم من الأيام تلعبي لعبة تانية، هدوس على زرار الإرسال ومش هتردد ثانية واحدة!

حماتي مسكت تليفونها بإيد مرتعشة، وشغلت الواتساب، وبصوت باكي ومكتوم، سجلت الفويس.. قالت فيه كل كلمة طلبتها، وبرأتني قدام العيلة كلها، وقالت إن فوزية كانت


صاحبة الفكرة الصح وإنهم هما اللي اتسرعوا وسوء التفاهم جه منهم، وإنها بتعتذر لها قدام الكل عشان هي ست العارفين وأول واحدة تشيل البيت في الأزمات.

شفت الرسالة بتنزل على الجروب، وشفت الردود بتبدأ تنهال بذهول واستغراب، بس محدش قدر ينطق بكلمة لإن صاحبة البيت هي اللي اتكلمت.

قومت وقفت، عدلت دريسي وطرحتي، وبصيت لها بابتسامة خفيفة وقولت

عن إذنك يا ماما.. ألف مبروك خطوبة سلفي، عقبال ما نرد الواجب في الفرح بالطريقة اللي تليق بينا.

خرجت من العمارة والهوا البارد كان بيخبط في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس بجد. روحت شقتي، دخلت وقفلت الباب، وكنت مستنية الجولة التانية.. جولة محمود.

على العصر، دخل محمود البيت، وشه كان مخطوف، والتليفون في إيده باصص فيه ومش مصدق الرسالة اللي أمه نزلتها على الجروب. دخل عليا الأوضة ولقاني قاعدة بكتابي، رايقة وهادية تماماً وكأن مفيش حاجة حصلت.

وقف مكانه، وبلع ريقه، وقال بصوت واطي ومتردد

انتي.. انتي

عملتي إيه في أمي يا فوزية؟ أمي نزلت الرسالة دي إزاي؟ إنتي روحتيلها؟

قومت وقفت وقربت منه لحد ما بقت عيني في عينه، وقولتله بنبرة حازمة

عملت اللي المفروض كنت انت تعمله كرجل البيت.. رجعت كرامتي اللي بعتوها في سوق النخاسة برخيص. أنا مأذتش حد، أنا بس وريت كل واحد حجمه الحقيقي. وإنت يا محمود.. لو مش قادر تكون راجل يحميني ويصون غيبتي ويقف في وش الغلط حتى لو من أمه، يبقى كل واحد يروح لحاله بالمعروف، بيتك اهو وكرامتي معايا، اختار انت عايز تكمل حياتك مع ست ليها هيبة، ولا عايز ترجع لحضن أمك تسمع كلامها وتخرب بيتك بإيدك؟

محمود اتصدم، كان متعود مني على الخنوع والسكوت والعياط في الأركان، مكنش متخيل إن القطة المغمضة بقى عندها مخالب تقدر تقلب الموازين. حس بغلطته وشاف إن الموضوع كان ممكن يوصل لخراب كامل وفضيحة لأهله كلهم، قرب مني ونزل راسه وقال بصوت مكسور

حقك عليا يا فوزية.. أنا غلطت، شيطان ودخل بينا، وأمي هي اللي سخنتني، بس أنتي مراتي وأم بيتي

وكرامتك من كرامتي، أوعدك الكلام ده مش هيتكرر تاني أبداً، ولا مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمسك بكلمة بعد النهاردة.

بصيت له وعرفت إن الضربة كانت كافية تعلمه درس عمره ما هينساه. مكنتش عايزة أهدم بيتي، بس كنت عايزة أبنيه على أساس سليم، أساس مفيش فيه حد يدوس على التاني.

ومرت الأيام، وجت عزومة أهل العروسة الرسمية، اتعزمت في أفخم مطعم زي ما اتفقت مع حماتي، دخلت وأنا رافعة راسي، لابسة ومظبطة، وحماتي كانت بتقوم تقعد معايا وتبتسم في وشي ابتسامات كلها خوف واحترام، والعروسة وأهلها اتعاملوا معايا بكل تقدير لإنهم شافوا الست الكبيرة بنفسها بتعملي ألف حساب.

اتعلمت من التجربة دي درس مش هنساه عمري كله إن الطيبة والجدعنة نعم من عند ربنا، بس لو استعملتهم مع ناس قلوبهم مليانة غل وقلة أصل، هيبقوا هما الحبل اللي هيشنقوك بيه. الحق مبيجيش بالدموع ولا بالضعف والشكوى، الحق بيتاخد بالثبات والعقل، واللي يخاف على كرامته لازم يخلي الناس تعرف إن للصبر حدود، وإن اللي يزرع شر، لازم يدوق من نفس الكاس لحد آخر قطرة.


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close