القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت وأنا في الشهر السابع من الحمل كامله

 سكريبت وأنا في الشهر السابع من الحمل كامله 




مني السيد 1

« حكايـات منـي السـيد »


وأنا في الشهر السابع من الحمل، اكتشفت إن أهل جوزي طلبوا خبير يقيم شقتنا عشان يجيبوا فلوس لأخته. حلف لي بأغلظ الأيمان إنه لسه ما وافقش على البيع… بس في نفس الليلة وصلني إيميل يثبت إن في حد عرض شقتنا كضمان لقرض من ورا ضهري.


— الخبير اللي هيعاين الشقة جاي بكرة الساعة عشرة الصبح.


حماتي، الحاجة كوثر، رمت الكلمة دي وهي بتصب الشاي، بكل برود وكأنها بتقول معاد دليفري السوبر ماركت.


حطيت الكوباية من إيدي وسألتها وأنا مذهولة: — خبير يعاين إيه بالظبط؟


سلفتي، أو أخت جوزي مريم، شالت عينها من على الموبايل وبصتلي بخبث. جوزي، طارق، وطى راسه في الأرض وما نطقش ولا كلمة.


— يعاين الشقة يا حبيبتي — كملت حماتي كلامها كأن الموضوع مفروغ منه — لازم نعرف تسوى لها كام ونطلع منها بقرشين قبل ما المحل يضيع من إيد مريم.


حسيت بضربة قوية في


بطني… ابني بيتحرك.

— محل إيه ده اللي يضيع؟


وهنا بقى انفجرت الحكاية كلها على الترابيزة. حصري على روايات و اقتباسات مريم، اللي لسه متطلقة قريب وقاعدة من غير شغل، قررت تفتح سنتر تجميل كبير في التجمع الخامس. ومحتاجة مش أقل من اتنين مليون جنيه عشان الخلو، والتوضيبات، والأجهزة. هي حيلتها ملاليم، وحمايا وحماتي هيساعدوها بمبلغ على قدهم. أما باقي المبلغ؟ فكان من رأيهم العبقري إنه يطلع من بيتي وعفشي وسقفي اللي ساترني!


مريم اتكلمت بلا مبالاة: — ما تقلقيش، الفلوس هترجع أول ما المشروع يشتغل، أنا مش بشحت منكم.


رديت بصدمة: — ومين اللي قرر أصلاً إن شقتنا معروضة للبيع أو الرهن؟


حمايا نفخ وقال بضيق: — طارق ابني راجل البيت، والشقة شقته برضه وله حق فيها!


لفيت لطارق وعيني بتطق شرار: — أنت كنت عارف بالكلام ده؟ — أمي… أمي كانت بتفاتحني في فكرة بس. — وسمحت ليهم يبعتوا


حد يقيم الشقة من غير ما تقولي؟! — أنا بس بسمع وبشوف الحلول مش أكتر يا ندى!

ساعتها فهمت إن التمثيلية دي مترتبة ومطبوخة على نار هادية من ورايا من زمان.


الشقة دي ما جتش بالساهل ولا نزلت علينا من السما. أنا قبل ما أتجوز كان عندي شقة استوديو صغيرة ورثاها عن والدي، بعتها وحطيت كل مليم طلع منها في مقدم الشقة الكبيرة اللي إحنا عايشين فيها في المعادي. وبعدها جه القسط، والتشطيب، والفرش… ولسنين طويلة كنت بدفع أكتر من نص الأقساط والمصاريف من مرتبي عشان طارق شغله ما كانش مستقر وبيتنقل من شركة لشركة.



بس طبعاً، على الترابيزة دي، ما فيش حد كان فاكر لي ولا جنيه من دول!


وقفت وقولت بحسم: — الشقة دي مش هتتباع، ومش موافقة.


حماتي ضحكت ضحكة صفرا وقالت: — والله نبقى نشوف بقى موافقتك دي هتلزمنا بإيه يا عروسة.


ما رضيتش أضيع طاقتي في كلام مالوش لازمة وقومت.


لما روحنا بيتنا،


طارق حاول يهديني ويلف ويدور: — ما حدش هيرميكي في الشارع يا ندى، حتى لو بيعنا، هنشتري شقة أصغر في مكان أهدى شوية. — وحسبت بقى هيتبقالنا إيه من تمنها بعد ما تدفع نصيب أختك؟ هنقعد في أوضة وصالة مثلاً؟!

سكت خالص وما عرفش يرد. وسكوته ده كان كفايلِي عشان أفهم كل حاجة.


وهو داخل ياخد شاور، دخلت أوضة المكتب أدور على فايل الأوراق المهمة… عقد الشقة، وتوكيل الشرا، وإيصالات الأقساط القديمة. الفايل ما كانش في مكانه! سألته من برة الحمام، رد بارتباك: — أكيد في درج من الأدراج، دوري بس كويس. حصري على روايـات و اقتبـاسـات بس ما كانش في أي حتة.


تاني يوم الصبح، أول ما طارق نزل الشغل، كلمت البنك اللي واخدين عن طريقه القرض العقاري وطلبت نسخ من أوراق الملف. موظفة خدمة العملاء سكتت شوية وهي بتراجع السيستم، وبعدين سألتني سؤال وقع قلبي في رجلي: — هو حضرتك عندك علم بالطلب المقدم


بخصوص رهن العقار كضمان تجاري؟ — رهن إيه؟! وضمان إيه؟!


الموظفة قالت بهدوء: — الشقة داخلة في تقييم مبدئي عشان تطلع كضمان لقرض تسهيلات ائتمانية لفتح نشاط تجاري… والمقدم الأساسي للقرض مش أستاذ طارق، دي الأستاذة مريم. — إزاي؟! دي ما تملكش فيها مسمار أصلاً! — بالظبط، وعشان كده الطلب واقف على استكمال الإمضاءات.


الموظفة بعتتلي صورة من الطلب على الإيميل عشان أتأكد بنفسي. فتحت الورقة، لقيت خانة موافقة الشركاء مكتوب فيها اسم طارق وتوقيعه، وتحتيه خانة فاضية فيها: اسمي أنا. وجنب اسمي كان مكتوب بالقلم الرصاص بخط إيد حمايا: “توقيع الزوجة يتم استيفاؤه لاحقاً، برجاء عدم إبلاغها حالياً بأن العقار قُدم كضمان لعدم إثارة المشاكل العائلية.”


الدنيا لفت بيا والدم غلي في عروقي. وقبل ما ألحق أرفع السماعة وأواجه طارق، جالي إيميل تاني من مكتب محاماة مشهور في وسط البلد عمري ما سمعت عنه. عنوان الإيميل: “تأكيد موعد التنازل الرسمي عن الحقوق في العقار السكني العائلي.”



فتحت المرفق وأنا إيديا بتترعش… لقيت صيغة إقرار وتنازل مسجل باسمي، بتاريخ يوم الاتنين


الجاي في الشهر العقاري، مكتوب فيه إني بحضر وبقر بكامل إرادتي بالتنازل عن حصتي لطارق!

وفي نفس اللحظة دي… سمعت صوت مفتاح الباب بيفتح. طارق رجع، بس ما كانش لوحده. حماتي كانت داخلة وراه وشها كله غل… وفي إيدها نفس الفايل اللي طارق حلف برب العزة إنه ما يعرفش مكانه.


الجزء الثاني:


وقفت مكاني متيبسة في نص الصالة، بطني البارزة بتترعش من ضربات قلبي اللي كانت مسموعة في وداني.


حماتي دخلت بكل جبروت، رمت الفايل على ترابيزة السفرة بصوت رزع هز البيت، وقالت لطارق بلهجة آمرة: — نادي على المحامي يجي يا طارق، البت ندى شكلها مش هتجيبها لبر وناوية تقف في وش مصلحة أختك.


طارق كان واقف باصص في الأرض، عامل زي العيل الصغير قدام أمه، مش قادر حتى يرفع عينه في عيني.


بصيت له وقولت بصوت بيترعش من القهر: — أنت خنتني يا طارق؟ بعتني أنا وابنك اللي لسه ما شافش الدنيا عشان ترضي مريم وأمك؟ بقالك قد إيه متفق معاهم يسرقوا شقتي وشقا عمري؟!


طارق اتكلم بتلعثم: — ندى… اسمعيني بس، والله الموضوع مش كده، هما قالوا


دي حركة شكلية عشان البنك يوافق… حماتي قاطعته بزعيق وهي بتقرب مني وبتشاور بصباعها في وشي: — شكلية إيه وبتاع إيه! الشقة دي تتسحب منها الفلوس يعني تتسحب، مريم ملهاش غير أخوها يقف جنبها، وأنتِ هنا كلك على بعضك غريبة عننا! اللي حطيتيه في الشقة دي حق قعدتك مع ابني السنين اللي فاتت، والورقة دي هتمضي عليها برضاكي أو غصب عنك، إحنا حاجزين معاد في الشهر العقاري وخلصنا خلاص!

حسيت بوجع فظيع بيعصر بطني… انقباضات مفاجئة خلتني أنحني وأمسك في ضهر الكرسي وأنا بنهج. طارق اتخض وجري عليا: — ندى! مالك؟! ندى ردي عليا!


حماتي لوت بوزها وقالت ببرود: — بتتدلع، سيبك منها، النسوان دي حركاتهم معروفة ساعة الجد عشان تهرب من الإمضا!


في اللحظة دي، القهرة اللي في قلبي اتحولت لقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده. زقيت إيد طارق عني بكل عزمي، ووقفت بضهري مفرود. مسكت موبايلي اللي كان في جيبي، ودوست على الشاشة، وشغلت تسجيل المكالمة اللي لسه مسجلاها حالا لكلام حماتي واعترافها الصريح بالاستيلاء على الشقة.



بصيت لطارق وقولتله


بصوت جامد زي الرصاص: — أنا سجلت كل كلمة أمك قالتها. والإيميلات اللي مبعوتة من البنك ومكتب المحامي بعتها في ثواني لمحامي عيلتي. والورقة اللي كاتبين فيها بخط الإيد إنكم تخبوا عليا عشان تزوروا توقيعي بعدين؟ الورقة دي كافية تحبسك أنت وأختك وأبوك بتهمة الشروع في النصب والتزوير وخيانة الأمانة.

وش حماتي بهت والدم هرب من ملامحها، وطارق مسك راسه برعب: — ندى! حبس إيه؟! أنتِ اتجننتي؟! إحنا عيلتك!


رديت عليه وأنا باخد شنطة إيدي وبفتح باب الشقة: — عيلتي ماتت من اللحظة اللي فكرتوا فيها تبيعوا السقف اللي هيستر ابني. قدامكم ربع ساعة الفايل ده يتحط مكانه، وتطلعوا برة الشقة دي، لأن البوليس والمحامي بتاعي في الطريق لهنا دلوقتي… وأنت يا طارق، ورقة طلاقي توصلي على بيت أهلي، وابنك… هتشوفه في المحاكم بس!


خرجت وقفلت الباب ورايا بصوت رج العمارة كلها، ونزلت على المستشفى وأنا حاطة إيدي على بطني، مش عشان أهرب، لأ… عشان أبدأ حرب قانونية مش هسيب فيها مليم واحد من حقي، ولا هسامح في ذرة قهر عيشوهالي في أكتر


وقت كنت محتاجة فيه للأمان. يتبـع


مني السيد 2


وقفت مكاني متيبسة في نص الصالة، بطني بتترعش من ضربات قلبي اللي بقت مسموعة في وداني كأنها طبول حرب.

حماتي، الحاجة كوثر، دخلت بكل جبروت، رمت الفايل الكحلي التقيل على ترابيزة السفرة بصوت رزع هز البيت كله، وقالت لطارق بلهجة آمرة مافيهاش ذرة حيا نادي على المحامي يجي يا طارق، البت ندى شكلها مش هتجيبها لبر وناوية تقف زي العظمة في الزور لمصلحة أختك.

طارق كان واقف وراها، باصص في الأرض زي التلميذ الخايب قدام الناظر، مش قادر حتى يرفع عينه ويحطها في عيني. الوش الهادي الوديع اللي عشت معاه سنين اتبخر، وما فضلش غير راجل سلّم عقله لأمه وباع بيته في سوق النخاسة عشان يرضي عيلته.

بصيت له وأنا ساندة بضهر إيدي على الحيطة، وصوتي طالع بيترعش من قهرة مدفونة أنت خنتني يا طارق؟ بتبعني أنا وابنك اللي في بطني عشان خاطر مشروع أختك الفاشل؟! ده شقا عمري! دي الشقة اللي حطيت فيها ورث أبويا وقرشي الأبيض للزمن! بقالكم قد إيه بتخططوا تسرقوني من ورا ضهري؟!

طارق اتهته بالكلام وهو بيفرك إيديه في بعض ندى اسمعيني بس، والله العظيم ما كنت هبيع دي مجرد حركة عشان نسهل القرض لمريم، وهي هتسد لما السنتر يقف على حيله حماتي قاطعته بزعيق وهي بتقرب مني وشها محتقن بالغل


تسهل إيه وبتاع إيه يا خويا! أنت هتتحايل عليها في شقتك وملكك؟! الشقة دي لازم تدخل الضمان والفلوس تطلع يعني تطلع! مريم دي لحمك ودمك، مالهاش غيرك بعد ما اطلقت، مش هنسيبها تدبل وتموت عشان خاطر الهانم عايزة تستأثر بيك وبالقرشين! وأنتِ يا بت بطلي دراما، اللي حطيتيه في الشقة دي زمان أهو حق قعدتك مع ابني معززة مكرمة، والورقة بتاعة التنازل دي هتمضيها في الشهر العقاري برضاكي أو غصب عنك، المعاد متسجل خلاص!

حسيت بوجع فظيع بيعصر بطني من تحت مغص مفاجئ وتقل كأن الجنين بيتلوى من الرعب. انحنيت غصب عني ومسكت في ضهر الكرسي وأنا باخد نفسي بالعافية ودموعي بتنزل ساخنة على خدي. طارق اتخض ومد إيده عليا بلهفة ندى! مالك في إيه؟! يا أمي كفاية بقى، البنت تعبانة في السابع!

حماتي شدته من كتفه لورا وقالت ببرود يقشعر له البدن سيبك منها دي بتتدلع وتمثل! النسوان دي حركاتهم معروفة ساعة الجد، بتموت في الشويتين دول عشان تهرب من الحقيقة، وريني ورقة البنك يا واد وخلصنا!

في اللحظة دي بالذات، الحزن والوجع اللي جوايا انطفوا، وحل محلهم جمر بيحرق. زقيت إيد طارق بعنف ووقفت بضهري مفرود رغم الوجع، طلعت الموبايل من جيبي ورفعته في وشهم. الشاشة كانت لسه بتعد والتسجيل شغال بوضوح بيعيد آخر دقيقة من تهديدات حماتي واعتراف طارق الصريح بالاتفاق من ورايا.

بصيت لطارق وقولت بصوت ناشف زي الحجر الإيميل اللي البنك بعتهولي؟ في إيد المحامي بتاعي. الورقة اللي حمايا كتب فيها بخط إيده تأجيل توقيعي عشان تضمنوا القرض بالتزوير؟ نسختها راحت للنيابة في بلاغ نصب وخيانة أمانة. والتسجيل العظيم ده اللي مامتك بتعترف فيه إنها جاية تجبرني أتنازل؟ هيكون حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتكم كلكم!

وش طارق قلب أصفر زي الليمونة، وحماتي عينيها وسعت برعب وهي بتبص للموبايل أنتِ أنتِ بتسجليلنا في بيتنا يا قليلة الأصل؟!

ضحكت بمرارة وقولت وأنا باخد شنطة إيدي وبتجه للباب ده مش بيتك، ده بيتي اللي دافعة تمنه دم قلب، وهتشوفوا أنا هعمل إيه بالقانون.

وقبل ما أفتح الباب، رن جرس البيت برنة طويلة متواصلة طارق بص على العين السحرية ورجع خطوتين لورا وركبه بتخبط في بعض ندى ده ده محامي البنك ومعاه اتنين شكلهم مباحث!

رنة الجرس التانية كانت أطول وأتقل، عاملة زي نقر الموت على الباب. صدى الرنين كان بيرن في حيطان الصالة وكأنه بيصحّي كل كابوس كنت خايفة منه.

طارق فضل متصلب مكانه قدام الباب، وشه مش بس أصفر، ده بقى شاحب ومخطوف زي الميتين، وريقه نشف لدرجة إنه بلعه بصوت مسموع في الصالة كلها. حماتي، الحاجة كوثر، اتنفضت من مكانها وجريت عليه زي العقربة، شدت دراعه بغل وهمست بصوت مسرسع خايف ومبحوح مباحث إيه وبنك إيه يا منيل على عينك؟! اوعى تفتح! اوعى تفتح لحد يا طارق! تلاقيها هي البت دي مأجرة لها بلطجية من الشارع عشان تلبسنا مصيبة وتخوفنا بيهم!

بصيت لهم وأنا برجع خطوة لورا، ساندة ضهري على الحيطة وإيدي التانية لسه متشبثة ببطني اللي الوجع فيها ما هداش ثانية واحدة. بس كمية الأدرينالين والحرقة اللي ضربت في عروقي خلتني أنسى التعب كله، واتمليت بقوة عمري ما تخيلت إنها عندي. ضحكت بوجع وقهرة وقلت بصوت بيجلجل في الصالة افتح يا طارق افتح للناس اللي واقفين برة بقالهم ربع ساعة، وري لأمك البلطجية اللي ببدل رسمية وكرفتات بيعملوا إيه في النصابين اللي بيمدوا إيدهم يزوروا أوراق رسمية ويسرقوا شقا الناس!

الباب خبط تلات خبطات جامدين ومتتاليين ورا بعض، جه من وراهم صوت جهوري حازم وناشف زي الصخر يا أستاذ طارق إبراهيم! افتح لو سمحت، الشؤون القانونية للبنك ومعانا قوة أمنية ومأمور ضبط قضائي، عدم فتح الباب هيعتبر مقاومة سلطات وتعطيل إجراءات رسمية وهيتحرر بيه محضر فوري بالكسر!

إيد طارق كانت بتترعش بطريقة هستيرية وركبه


بتخبط في بعضها وهو بيمد إيده على الكالون. حماتي حاولت تمسك إيده وتمنعه بكل عزمها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، بس هو زقها بضعف ورعب، وفتح الباب وهو شبه مشلول.

دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة كحلي مقلمة وشنطة جلد سودة تقيلة في إيده، ملامحه جامدة وصارمة ما فيهاش ريحة التهاون، ووراه دخل راجلين بلبس مدني بس هيبتهم وطريقة وقفتهم ونظراتهم الحادة ما تديش غير إنهم من مباحث الأموال العامة.

الراجل أبو بدلة وقف في نص الصالة وبص حواليه بنظرة فاحصة سريعة، عينه لقطت الفايل الكحلي التقيل المرمي بإهمال على ترابيزة السفرة، وبعدين بص لطارق وقال بنبرة رسمية تخلي الدم يجمد في العروق أستاذ طارق إبراهيم الدسوقي؟ طارق هز راسه بالعافية وهو ساند على الباب، وصوته مش طالع من زوره. أنا الأستاذ عصام عبد الرحمن، مدير الإدارة المركزية للشؤون القانونية بالبنك الرئيسي، ومعانا السادة الضباط من مباحث الأموال العامة بناءً على إخطار عاجل وشكوى تزوير واستغلال أصول مصرفية ورهن عقاري تحت بند الاحتيال المالي الممنهج.

حماتي هنا لسانها فلت، وما قدرتش تكتم طبعها ولا الغل اللي ساكن جواها، صرخت بصوت عالي وهي بتهز إيديها في الهوا بطريقة سوقية احتيال إيه ونصب إيه يا راجل أنت وهي؟ ! أنتوا اتجننتوا ولا إيه؟! داخلين تهجموا على شقة ناس محترمين وأولاد ناس؟! الشقة دي شقة ابني وعرقه، ومن حقه يضمن أخته بلحمه ودمه وفلوسه، والبت الغريبة دي ملهاش كلمة ولا تملك شروى نقير في البيت ده! اطلعوا برة بدل ما ألم عليكم أمة لا إله إلا الله في المعادي كلها وأفضحكم!

الأستاذ عصام حتى ما رمش، وما أداهاش أي اعتبار، كل اللي عمله إنه فتح شنطته الجلد ببرود قاتل، وطلع ملف أبيض مقوى وفرد أوراقه في وش طارق الست الوالدة توفر صوتها ومجهودها لتحقيقات النيابة العامة لو سمحت يا أستاذ طارق. الشكوى والبلاغ مش صادرين بس من مدام ندى، الشكوى صادرة من الإدارة المركزية للبنك نفسه بعد ما منظومة المراقبة والتدقيق الداخلي رصدت خروقات مالية كارثية في فرع التجمع الخامس من ساعتين بالظبط. أختك المصونة، الأستاذة مريم إبراهيم، بالتواطؤ مع مسؤول الائتمان بالفرع، قدمت ملف رهن رسمي للشقة دي عشان تسحب تسهيل ائتماني بقيمة اتنين مليون جنيه لتمويل سنتر تجميل!

طارق حسيت إنه هيدوخ ويقع من طوله، بس المحامي ما سكتش، كمل وهو بيقلب في الأوراق بصوت عالي والملف ده يا أستاذ مرفق بيه صورة ضوئية لتوكيل رسمي عام مخصص للتنازل عن العقارات منسوب صدوره للشهر العقاري باسم الزوجة، الأستاذة ندى عبد الرازق، ومعاه إقرار ضامن متضامن وشهادة مفردات مرتب مضروبة ومختومة بختم نسر مقلد لجهة عمل وهمية!

الكلمة نزلت عليا زي مية مغلية طشت في وشي توكيل رسمي باسمي؟! وشهادة مفردات مرتب متزورة؟! صرخت في وش طارق بكل طاقتي وقهرتي اللي كانت بتتحرق جوايا توكيل رسمي مزور باسمي يا طارق؟! ختم نسر مقلد وبتزور ورقي ومفردات مرتبي؟! وصلت بيكم الخسة والندالة لكده؟! تنصبوا وتزوروا في اسمي وشقايا عشان خاطر أختك وأنا شايلة ابنك في بطني وفي الشهر السابع؟! ده أنا اللي شيلتك يوم ما كنت قاعد في البيت من غير شغل! ده أنا اللي بعت ورث أبويا عشان أعمل لك بيت وكيان!

طارق رجع لورا يخبط في الكومودينو والدموع نزلت من عينه زي الشلال من فرط الرعب، صوته كان بيتقطع ولسانه بيتعقد والله العظيم تلاتة ما أعرف يا ندى! وحياة اللي في بطنك ما كنت أعرف حاجة عن التوكيل المزور ده! مريم مريم هي اللي قالت لي هتعمل تفويض داخلي مؤقت بالاتفاق مع صاحبها في البنك، وقالت لي دي حركة روتينية بيمشوها لحد ما إحنا نروح الشهر العقاري ونتفق معاكي بهدوء أقسم برب العزة ما كنت متخيل إنها وصلت بيها الجرأة تضرب توكيل رسمي كامل وتختم أوراق باسمك!

حماتي جريت عليه ووقفت قدامه تحميه بجسمها وزعقت فيا حتى لو عملت! حتى لو مريم اتصرفت! دي أخته وعرضه ولازم يقف في ضهرها! إيه يعني توكيل ولا ورقة، هي مريم كانت هتاكل الشقة في بطنها؟! ما هو مشروع وهيشتغل والفلوس هتترد للبنك! أنتِ اللي عينك صفرا وبتبصي للقرشين اللي حيلتها ومستخسرة تشوفي عيلتي مبسوطة ومستورة! طول عمرك لئيمة وغلاوية وعايزة تخربي على ابني وتاخدي الشقة لحسابك!

الضابط اللي كان واقف جنب الأستاذ عصام، راجل عريض بملامح حادة ورتبة مقدم، خطى خطوة واحدة لقدام، حط إيده على وسطه وصوته الرخيم قطع الزعيق في ثانية يا ست أنتِ، لولا سنك والظروف اللي البيت فيها، أنا كنت هطلب كلبشتك حالا بتهمة التستر الجنائي والاشتراك بالتحريض وإهانة موظفين أثناء تأدية وظيفتهم الرسمية! الأستاذة مريم، بنتك، مقبوض عليها بالفعل حالياً في قسم التجمع ومعاها موظف الائتمان، بعد ما اتمسكوا متلبسين وهما بيحاولوا يصرفوا الدفعة الأولى من الشيكات، واعترفت تفصيلياً على أخوها طارق وقالت إنه شريكها وموافق على كل الإجراءات وبخط إيده!

الصالة كلها سكتت، سكوت موحش ومرعب زي سكوت المقابر. حماتي عينيها وسعت بطريقة جنونية، حطت إيديها الاتنين على دماغها وشهقت شهقة طلعت من قاع روحها مريم بنتي في الحجز؟! مقبوض عليها؟! يا خرابي يا داهيتي السودة! بنتي الوحيدة



تتبهدل وتتكلبش زي المجرمين؟!

وفجأة، وش حماتي اتحول لوحش كاسر، عينيها احمرت من الغل والجنون وبصتلي وكأنها شايفة عدوتها اللدودة، هجمت عليا وهي مادة ضوافرها عايزة تهبش وشي وتخنقني أنتِ السبب! أنتِ الحية اللي دخلت بيتنا عشان تدمرنا! والله ما هسيبك تفلتي بيها، لا أنتِ ولا ابنك اللي فرحانة بيه ده هتشوفوا النور!

بس قبل ما ضوافرها تلمس طرف طرحتي، كان الضابط التاني وأمين الشرطة اتحركوا في ثانية، مسكوا دراعاتها ولفتوها ورا ضهرها بقوة وثبتوها على الحيطة. طارق انهار على الأرض تماماً، صرخ بأعلى صوته وهو بيضرب وشه بكفوفه يا أمي اخرسي بقى! هتودينا كلنا في داهية! ندى ندى أبوس إيدك، أبوس رجلك ورأسك وأبوس التراب اللي بتمشي عليه، اتنزلي عن الشق الجنائي! قولي للبنك وللنيابة إنه سوء تفاهم، مريم متطلقة وعيلة ومش حمل سجن وبهدلة تفتيش وعنابر، مستقبلها هيضيع وأنا هيتقبض عليا ومستقبلي كله هيتدمر في شغلي وهيتحبس أختي وأنا معاها!

بصيت لطارق وهو مرمي تحت رجلي على السيراميك الراجل اللي سلمته قلبي، اللي وثقت فيه وائتمنته على روحي وعلى ورث أبويا، كان باين قدامي دلوقتي ممسوح من أي كرامة، متجرد من أي نخوة أو رجولة. مجرد عيل خايب اتربى على الطمع والانصياع لأهله حتى لو هيدوس على مراته وابنه في بطنها بالجزم.

شديت ضهري لفوق رغم التقل الرهيب اللي في بطني، ومسحت عرق بارد كان بينزل على رقبتي، وبصيت للأستاذ عصام وقولتله بجمود كأن قلبي اتحول لحديد حضرة المحامي، الفايل الكحلي اللي على ترابيزة السفرة هناك ده، طارق سرقه من دولابي الصبح. جواه عقد الشقة الأصلي باسمي واسمه، وفيه كمان الورقة المكتوبة بخط إيد حمايا اللي بيكلفهم فيها بتأجيل توقيعي لحد ما يورطوني في الضمان ده إثبات دامغ على نية الخداع المبيتة والتآمر بين العيلة كلها.

الأستاذ عصام شاور لأمين الشرطة، وبمنتهى الحرص لبس جوانتي بلاستيك ومسك الفايل وحطه في حرز رسمي مع الشنطة، وبص للمقدم وقال تمام يا فندم، الأحراز جاهزة والواقعة كاملة الأركان.

حماتي قعدت تندب وتلطم على خدودها وهي متثبتة، صوت صريخها سمّع الجيران اللي بدأوا يتجمعوا ويبصوا من ورا أبواب الشقق في العمارة. وطارق زحف على ركبه لغاية ما وصل لطرف جلبابي، مسك فيه وهو بيتوسل بدموع هستيرية ندى، عشان خاطر ابننا عشان خاطر الواد اللي جاي في السكة ما يجيش يلقى أبوه رد سجون وعمته في السجن! هتنازل لك عن الشقة كلها بكرة الصبح، هروح معاكي الشهر العقاري وأكتب لك نصيبي بيع وشرا من غير مليم واحد، بس اسحبي البلاغ وطلعي مريم من المصيبة دي!

بصيت له بنظرة قرف واحتقار، وشديت هدومي من بين إيديه بقوة الشقة دي هترجع لي كاملة بحكم المحكمة وبالقانون وبفلوسي اللي دافعاها، مش بجميلة ولا تنازل منك يا طارق. وابنك ابنك اللي في بطني ده، عاره الوحيد إنه بيحمل جيناتك، بس عهد عليا هربيه على إنه ما يعرفش عنك ولا عن عيلتك الوسخة دي حاجة، لأن الحرام والنصب بيجري في دمكم زي المية في العروق!

التفتت للأستاذ عصام وللمقدم وقولت أنا جاهزة أروح النيابة فوراً أثبت أقوالي وأقدم التسجيلات الصوتية اللي بتثبت التهديد والتآمر.

المقدم بص لطارق بجمود وطلع الكلابشات اتفضل قوم اقف يا أستاذ على حيلك من غير شوشرة في العمارة عشان منظرك قدام الجيران، النيابة مستنياك على ذمة القضية مع أختك، والحاجة والدتك تتفضل تحصّلكم مع محامي عشان تطلب كفالة لبنتها لو ليها كفالة أصلاً.

صوت تكة الكلابشات وهي بتقفل على معاصم طارق كانت أعلى وأوضح صوت في الصالة صوت نهاية خمس سنين جواز مبنيين على الوهم.

طارق قام وراسه في الأرض، مكسور ومسحول، وحماتي قعدت تولول وتخبط في صدرها كأن الميت طالع من البيت. أنا لَفّيت ضهري، ومسكت شنطتي وخرجت من باب الشقة نزلت درجات السلم بالراحة، خطوة خطوة وكل خطوة كانت بتخلع حتة من روحي من التعب والوجع اللي بيفرتك عضمي، بس في نفس الوقت كنت حاسة بنشوة نصر وكرامة استرديتها بعد ما كانوا ناويين يرموني في الشارع على الحديدة.

أول ما وصلت بوابة العمارة وخرجت لشارع المعادي، الهوا الساقع خبط في وشي وفجأة، نزل عليا مغص رهيب عامل زي خنجر مسموم غرز في بطني وضهري في نفس اللحظة. صرخت صرخة مكتومة، ورجلي ما شالتنيش اتسندت على جذع شجرة في الشارع، وأنا شايفة بوكس الشرطة بيتحرك بسرعة وطارق وشه لازق في السلك الحديدي من ورا وعينه مليانة حسرة وندامة.

حطيت إيدي تحت بطني، حسيت بمية دافية بتغرق رجلي طلعت التليفون بإيدين بترتعش ومش شايفة الشاشة من كتر الدموع، وطلبت النجدة والإسعاف وأنا بنهج وروحي بتتسحب الحقوني أنا في شارع 9 في المعادي حامل في أول السابع والمية نزلت والولادة بدأت حالاً!

النهاية

نقلتني عربية الإسعاف على طوارئ مستشفى المعادي والولادة كانت خلاص بدأت قبل أوانها. في الليلة دي عشت أصعب ساعات في عمري، بين أجهزة المونيتور وبنج العمليات وصرخات الوجع، بس ربنا سترها وخرج ابني ياسين للدنيا في الشهر السابع، ضعيف ومحتاج حضانة، لكن فيه الروح وبيتنفس.

في نفس الوقت اللي كنت فيه في العمليات، كانت النيابة بتباشر التحقيق في قضية الاحتيال المصرفي الكبرى.

مريم، اللي كانت فاكرة السنتر هيتفتح على

قفايا، اعترفت بكل حاجة بعد ما اتزنقت في حبل التزوير، وحاولت تدبس أخوها وموظف البنك عشان تفلت بجلدها. طارق ما لقاش قدامه غير إنه يعترف بالتآمر ويقر إن الفكرة كلها كانت خطة أهله عشان يسيطروا على الشقة بعد ما عرفوا إن نصيبي فيها مدفوع كاش، وإنهم كانوا ناويين يخلوني أمضي على التنازل تحت الضغط العصبي بعد الولادة.

النيابة أمرت بحبس مريم وموظف البنك على ذمة القضية بتهم التزوير في محررات رسمية واستعمالها والشروع في النصب والاحتيال، وطارق اتحبس معاهم كشريك متضامن وخاين أمانة.

حماتي، الحاجة كوثر، حاولت تعمل المستحيل. لفت على المحامين تترجاهم يخرجوهم بكفالة، وجم زاروني في المستشفى، هي وحمايا، بس المرة دي كانوا داخلين برؤوس مطأطأة ودموع ذل. ركعوا تقريباً تحت رجل سريري عشان أتنازل.

بصيت لهم من فوق السرير، وجنبي صورة سونار ابني في الحضانة، وقولتلهم جملة واحدة اللي فكر يرمي ابن ابنه في الشارع ويسرق أمه وهي حامل، مالوش عندي غير القانون.

رفضت التنازل تماماً.

محامي عيلتي رفع دعوى استرداد حيازة وفك الشراكة، وبحكم من المحكمة وبالمستندات اللي كانت في الفايل الكحلي، أثبتنا إن تمن الشقة بالكامل كان من بيع شقتي القديمة ومرتبي، وخرج حكم نهائي بتثبيت ملكية الشقة ليا لوحدي وشطب اسم طارق من كل الأوراق الرسمية، بجانب حكم محكمة الأسرة بالطلاق للضرر وحرمانه من الحضانة مع إلزامه بالنفقة ومصاريف علاج ابنه.

بعد تمن شهور، المحكمة الاقتصادية أصدرت حكمها السجن المشدد تلات سنين لمريم ولموظف البنك، وسنة مع الشغل لطارق.

خرجت من باب المحكمة بعد النطق بالحكم، الشمس كانت طالعة وهوا المعادي بيرد الروح. شلت ياسين على إيدي بعد ما خرج من الحضانة وبقى زي البدر، وركبت عربيتي ورجعت لبيتي بيتي أنا، اللي بقى مكتوب باسمي لوحدي من الباب للسطوح، ومحدش يقدر يهدد سقفه ولا يسرق لقمة من بؤ ابني بعد النهاردة.

نهاية حكايات مني السيد


تعليقات

close