سكريبت شكلها عادي كامله حكايات رومانى مكرم
شكلها عادي حكايات رومانى مكرم
أنا متجوز واحدة شكلها عادي… يعني مش وحشة، بس مش جميلة قوي.
بشوف بنات في الشارع بجمال عالي وببقى مبهور، ولما بدخل البيت بلاقي قدامي واحدة عادية خالص.
هي بصراحة طيبة ودمها خفيف وحنينة معايا، بس برضه أنا راجل وبحب أشوف الجمال قدامي والشكل الحلو. في الأول أنا اللي اخترتها وكنت مقتنع بيها، بس دلوقتي بقيت ندمان.
أنا متجوز “ريم” بقالنا أربع سنين.
لو حد شافها في الشارع، غالبًا مش هيلف يبص لها مرتين. ملامحها هادية، جسمها عادي، ولبسها بسيط جدًا لدرجة إن أمي كانت دايمًا تقول لي بنبرة فيها خنقة: “إنت كنت تقدر تتجوز أحلى من كده بمراحل يا كريم.”
ويمكن المشكلة إني كنت مقتنع بالعكس زمان.
لما اتعرفت على ريم، كنت شايفها مختلفة… بنت مريحة، صوتها واطي، بتضحك من قلبها، وعمرها ما عملت معايا مشكلة. كنت برجع من الشغل ألاقي الأكل جاهز، هدومي متكوية، والبيت ريحته نضيفة. كنت حاسس إني كسبت راحة البال.
بس مع الوقت… بدأت أبص بره.
كل يوم وأنا رايح الشغل، أشوف بنات جمالهم ملفت. شعر مصبوغ، ميكب متقن، جسم متناسق، ضحكة تشد. وأرجع البيت ألاقي ريم قاعدة على الكنبة ببيجامة قطن وشعرها مربوط بأي كلام وهي بتقولي: “جعان؟ أعملك شاي؟”
وبدأت أحس بإحساس قذر… إني مخنوق.
في الأول كنت بكتم الموضوع، وأقول لنفسي: “الجمال مش كل حاجة.”
لكن الحقيقة؟ كان فارق معايا جدًا.
لحد ما في يوم، وأنا قاعد مع صحابي في الكافيه، صاحبي حسام شاور على بنت داخلة وقال: “دي لو تبصلي بس أبيع عمري.”
ضحكنا كلنا. لكن بعدها بص لي فجأة وقال: “إنت يا كريم ظلمت نفسك بصراحة.”
سكت.
قال وهو بيشرب القهوة: “مراتك محترمة آه… بس إنت لسه صغير. المفروض تبقى مع واحدة لما تمشي معاها الناس تبصلك.”
الكلمة دخلت جوايا زي الس.كينة.
رجعت البيت يومها متضايق بشكل غريب. فتحت الباب، لقيت ريم جايبة أكلة بحبها، وعاملة مفاجأة عشان ذكرى جوازنا.
كانت لابسة فستان أزرق بسيط جدًا… بس أول حاجة فكرت فيها وأنا ببصلها: “هي ليه مش حلوة؟”
والفكرة دي… ماخرجتش من دماغي بعدها.
—
بعدها بأسابيع، بدأ يحصل تغيير جوايا.
بقيت أتجنب أبصلها وهي بتتكلم. أي خروجة معاها كنت بحس بإحراج غريب. ولو دخلنا مكان فيه ستات أجمل منها، أفضل ساكت ومتوتر.
ريم بدأت تاخد بالها.
في مرة وإحنا بنتعشى قالت بهدوء: “إنت مبقتش تشوفني صح؟”
رفعت عيني باستغراب: “يعني إيه؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة وقالت: “زمان كنت تبصلي كأني أحلى واحدة في الدنيا… دلوقتي حتى وإنت بتكلمني عينك بتكون في أي حتة غيري.”
اتوترت وقلت بعصبية: “إنتِ مكبرة المواضيع.”
سكتت… لكن عينيها كانت مليانة وجع.
ومن يومها، بدأت تحاول تتغير.
بقت تروح الجيم، تتعلم ميكب من الفيديوهات، تشتري هدوم جديدة، حتى شعرها غيرت لونه لأول مرة.
وأنا؟ ولا حاجة كانت بتكفيني.
لأن المشكلة مكانتش فيها… المشكلة إن عيني بقت مدمنة المقارنة.
—
وفي يوم قلب كل حاجة…
كنت في الشغل، والشركة جابت موظفة جديدة اسمها “لارا”.
أول ما دخلت المكتب، المكان كله سكت لحظة. كانت جميلة بشكل مبالغ فيه. ريحة برفانها تسبقها، وطريقتها في الكلام تخلي أي راجل ينتبه.
ومن أول أسبوع… بدأت تكلمني كتير.
مرة تضحك. مرة تلمس دراعي وهي بتشرح حاجة. مرة تقولي: “غريبة… واحد وسيم زيك متجوز بدري كده؟”
وقتها حسيت بحاجة رجعتني عشر سنين لورا. إحساس إني مرغوب.
بقيت أرجع البيت متأخر عشان أقعد معاها وقت أطول، أفتح إنستجرامها قبل النوم، وأقارن بينها وبين ريم بشكل مؤذي.
وفي ليلة… كنت واقف في المطبخ أشرب مية، لقيت ريم داخلة عليّ بهدوء.
كانت لابسة فستان جديد، وحاطة ميكب خفيف. واضح إنها حاولت تبقى حلوة عشاني.
بصت لي بتوتر وقالت: “إيه رأيك؟”
بصيت لها ثانيتين… ثم قلت ببرود: “عادي.”
الكلمة نزلت عليها كأنها صفعة. شافتها بعيني.
لكن اللي صدمني… إنها ما اتكلمتش.
فقط هزت رأسها، وابتسمت ابتسامة باهتة، ومشت.
وفي نفس الليلة… صحيت من النوم على صوت مكتوم.
قمت لقيتها قاعدة في الصالة لوحدها… بتعيط بصمت. أول مرة أشوفها بتنهار بالشكل ده.
لكن بدل ما أحس بالذنب… كنت حاسس بالضيق.
ضيق من نفسي، ومنها، ومن حياتي كلها.
—
بعد يومين، لارا قالت لي: “إيه رأيك نتعشى سوا بعد الشغل؟”
قلبي دق بعنف. عارف إن اللي بيحصل غلط… لكن جزء جوايا كان مستني اللحظة دي من زمان.
وافقت.
وفي المطعم، كانت قاعدة قدامي بشكل يخطف العين. كل الرجال يبصولها، وأنا حاسس بفخر غبي إنها معايا.
ضحكت وقالت: “مراتك أكيد جميلة جدًا عشان خلتك تتمسك بيها.”
سكت ثواني… ثم قلت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“الحقيقة؟… لا.”
لارا رفعت حاجبها بدهشة. وأنا لأول مرة… بدأت أحكي كل اللي جوايا.
لكن وأنا بتكلم… ماكنتش واخد بالي إن في شخص واقف بعيد عن طاولتنا… سامع كل كلمة.
والشخص ده… كان ريم!
بصيت ناحية المدخل ولقيت الصدمة اللي شلت تفكيري. اللي واقفة هناك كانت ريم؛ وقفت في مكانها زي التمثال، في إيدها كيس صغير فيه علبة دواء كنت ناسيها في البيت وكلمتها الصبح قلتلها: “تعبان ومحتاجها ضروري”. نزلت من البيت مخصوص، وجت ورايا الشركة، ولما عرفت إني خرجت مع “زميلة”، لارا وصفت لها المكان بحسن نية، فجت ورايا عشان تلحقني بالدواء.
عينيها كانت ثابتة عليا، مش مليانة دموع المرة دي، كانت مليانة “فراغ”؛ فراغ مرعب خلى جسمي يتنفض. لارا لفت وشها وشافتها، وابتسمت ببرود وسألتني: “مين دي يا كريم؟”
ماقدرتش أنطق. ريم قربت من الترابيزة بخطوات هادية جدًا، لدرجة إن صوت كعب جزمتها كان بيخبط في قلبي مش في الأرض. وصلت لحد عندي، حطت علبة الدواء قدامي على الترابيزة، وبصت لـ لارا وقالت بنبرة ثابتة وصوت واطي:
– “أنا مراته اللي ‘مش جميلة’.. اللي هو ندمان إنه اختارها.”
بصت لي ريم نظرة أخيرة، نظرة حد بيودع حد ميت، وقالت: “كلامك وجعني يا كريم، بس الوجع الحقيقي مش في شكلي.. الوجع في إني كنت فاكرة إني متجوزة راجل بيشوف بقلبه، مش واحد بيشوف بعين حسام ولارا.”
سابتنا ومشيت. قمت وراها زي المجنون، ناديت عليها في وسط المطعم والناس بتبص لنا، لكنها مارجعتش. ركبت تاكسي واختفت.
رجعت البيت وأنا حاسس بـ “قرف” من نفسي مش قادرة أوصفه. البيت اللي كان دايمًا ريحته “راحة بال” بقى ريحته “خوف”. دخلت الأوضة لقيتها بتلم هدومها في شنطة كبيرة.
قربت منها وأنا بحاول أمسك إيدها: “ريم.. أنا أسف، والله كان كلام لحظة طيش، أنا..”
زقت إيدي بهدوء وقالت: “إنت قلت الحقيقة يا كريم.. الحقيقة اللي إنت حاسس بيها. المشكلة مش في لارا، ولا في حسام، المشكلة إنك ‘شبعت’ من الستر والهدوء، فبدأت تدور على الزينة.”
قعدت على طرف السرير وقالت وهي بتبص للفراغ: “عارف يا كريم؟ أنا طول الـ 4 سنين كنت بشوفك أحلى راجل في الدنيا، رغم إن أصحابي كانوا بيقولوا لي إنك عادي جدًا. كنت بشوف تعبك في الشغل جمال، وحنيتك عليا وسامة.. بس النهاردة إنت كسرت المراية اللي كنت بشوفك فيها.”
قفلت الشنطة وقالت: “أنا هروح عند أهلي. مش عشان زعلانة، عشان محتاجة أفتكر شكلي الحقيقي بعيد عن عينك اللي مابقتش بتشوفني.”
خرجت ريم من البيت، ولأول مرة أحس إن الشقة واسعة زيادة عن اللزوم.. وباردة زيادة عن اللزوم.
تاني يوم في الشغل، دخلت لارا المكتب وهي بتضحك وبتقول: “إيه يا بطل؟ المدام عملت لك مشكلة؟ فكك.. دي نكدية أوي.”
بصيت لها.. ولأول مرة أشوفها “عادية”. الميكب اللي كان شاددني بقى شكله “قناع”، وطريقتها في الكلام بقت “تمثيل”. اكتشفت إن الجمال اللي من غير “روح” ده زي الورد البلاستيك.. منظره حلو بس ملوش ريحة.
مر أسبوع.. شهر.. وريم مابتتصلش.
بدأت أهمل في لبسي، أكلي بقى من الشارع، والبيت بقى كئيب ومكركب. بقيت أنزل الشارع أبص على الستات.. بس المرة دي كنت بدور على “ريم” وسطهم. كنت بدور على الضحكة اللي من القلب، على الصوت الواطي، على الحنية اللي كانت بتحوطني.
لحد ما في يوم، عرفت إن ريم قدمت على شغل في شركة تأمين كبيرة. روحت هناك وقفت بعيد عشان أشوفها بس من غير ما تحس.
خرجت من البوابة وهي ماشية مع زميلاتها. كانت لابسة لبس بسيط، وماسكة شنطتها بوقار. وفجأة شفت واحد زميلها قرب منها واداها ورقة وشكلهم بيضحكوا على حاجة في الشغل.
دمي غلي.. حسيت بنار في قلبي. وفي اللحظة دي فهمت إن “ريم” اللي كنت شايفها “عادية”، هي في نظر حد تاني “كنز” يتمنى بس تبتسم له.
روحت لها البيت بالليل، خبطت، فتحت لي وهي مستغربة.
وقفت قدامها وقلت بكسرة: “أنا كنت أعمى يا ريم.. الجمال اللي كنت بدور عليه بره كان قشرة، والجوهر اللي كان معايا في البيت أنا اللي طفيته بإيدي.”
ريم بصت لي وهزت راسها: “فات وقت الكلام ده يا كريم. أنا بدأت أحب نفسي من غيرك.. وبدأت أشوف إني جميلة فعلًا.”
لسه هرد، لقيت موبايلها رن، شافت الاسم وابتسمت ابتسامة حقيقية.. وقالت لي: “لازم أقفل، في حد مستني ردي.”
وقفت مكاني مذهول.. هل فعلًا ضاعت مني للأبد؟ ولا لسه في أمل؟
الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.. “في حد مستني ردي”.
حسيت إن الأرض بتلف بيا، والغيرة اللي كنت بسمع عنها في القصص نهشت قلبي بجد. بصيت لريم بنظرة رجاء، بس هي كانت ملامحها هادية جدًا، هدوء مرعب، كأنها أخيرًا لقت السلام اللي كانت محرومة منه معايا.
قفلت الباب في وشي بهدوء، وسابتني واقف قدام الشقة اللي كانت في يوم من الأيام “بيتنا”.
رجعت بيتي، أو خليني أقول “المكان اللي بنام فيه”، لأني مابقتش حاسس إنه بيت. دخلت المطبخ، فتحت التلاجة، لقيتها فاضية.. مفيش ريحة الأكل اللي كانت بتستقبلني، مفيش الترتيب اللي كنت باخده “حق مكتسب” ومن غير ما أشكرها عليه.
تاني يوم، قررت أواجه لارا في الشركة.
دخلت مكتبها، كانت قاعدة بتظبط الميكب بتاعها قدام المراية. بصيت لها وقلت بحدة: “إنتي كنتِ عارفة إن ريم جاية المطعم؟”
لارا ركنت الروج من إيدها وبصت لي ببرود وضحكة مستفزة: “ولو كنت عارفة؟ أنا عملت لك خدمة يا كريم.. خليتك تخلص من الحمل التقيل اللي كان على قلبك. مش إنت اللي قلت إنها مش جميلة؟ أنا بس سرعت عملية الفراق.”
بصيت لوشها اللي كنت مبهور بيه من شهر، ولقيت نفسي مش شايف فيه غير “قبح” داخلي غطى على كل الملامح. سيبتها وخرجت، وفي نفس اليوم قدمت استقالتي.. مابقتش طايق المكان، ولا طايق نفسي فيه.
بدأت أراقب ريم من بعيد، عارف إن ده غلط، بس كنت محتاج أفهم مين “الشخص” اللي مستني ردها.
بعد يومين، شفتها خارجة من الشغل، ووقفت قدام عربية مرسيدس سوداء. نزل منها شاب وسيم، باين عليه الرقي، سلم عليها بحرارة وفتح لها الباب. ريم ركبت معاه وهي بتضحك.. نفس الضحكة اللي كانت بتضحكها لي زمان وأنا راجع من الشغل تعبان.
النار اللي في قلبي اتحولت لرماد. قعدت على الرصيف مش قادر أصلب طولي.
“يعني فعلًا يا كريم؟ ريم اللي كنت مكسوف منها، في غيرك فخور إنه يفتح لها باب عربيته؟”
رحت لأمي، كنت محتاج أسمع أي كلمة تطمني. أول ما دخلت، أمي قالت لي بشماتة غريبة: “شفت؟ مش قلت لك ريم دي متلقش بيك؟ أهي أول ما سابتك لقت غيرك، دي تلاقيها كانت بتخطط لكده من زمان.”
بصيت لأمي بذهول وقلت لها: “إنتي اللي خربتي عقلي يا أمي.. إنتي اللي كنتِ دايمًا تحسسيني إنها قليلة، لحد ما صدقتك وعميت عن الجوهر اللي في إيدي. ريم كانت ست الستات، بس أنا اللي مكنتش راجل كفاية أحافظ عليها.”
خرجت من عند أمي وأنا واخد قرار. رحت لريم بيت أهلها للمرة المليون.
طلبت أقابل والدها. قعدت معاه، وقلت له: “عمي.. أنا غلطت، وغلطي كبير. بس أنا عايز فرصة واحدة أصلح اللي انكسر.”
والد ريم بص لي بأسى وقال: “يا كريم، الست لما بتنطفي في عين جوزها، بتدور على نورها في حتة تانية. وريم بدأت تنور من جديد.. الشخص اللي شفته معاها ده يبقى ‘الدكتور يحيى’، ابن عمها، وكان بيحبها من قبل ما إنت تظهر في حياتها، ولما عرف إنكم انفصلتوا، جه اتقدم لها رسمي.”
حسيت إن روحي بتتسحب مني. “وهي وافقت؟” سألت بصوت مخنوق.
والدها سكت لحظة وقال: “قالت لي هفكر.. بس الصراحة يا ابني، أنا أول مرة أشوف بنتي مرتاحة وبتحب شكلها في المراية من سنين.”
خرجت من عندهم وأنا بجر رجلي. مشيت في الشوارع اللي كنا بنتمشى فيها سوا. كنت بشوف البنات الجميلات اللي كنت بنبهر بيهم، وبقيت بستغرب.. “إزاي كنت شايف إن ده هو المهم؟”
الجمال فعلًا بيخلص مع أول تعامل، مع أول أزمة، مع أول لحظة نكد. لكن الروح، الحنية، السكن.. هما دول اللي بيدوموا.
بعد أسبوع، جالي رسالة من ريم: “كريم.. محتاجة أقابلك بكره في الكافيه اللي بدأت عنده النهاية.”
مانمتش طول الليل. لبست أحسن ما عندي، ورحت قبل المعاد بساعة.
ريم وصلت. كانت لابسة فستان أخضر هادي، وشكلها كان “منور” فعلاً، بس مش بسبب ميكب أو لبس، بسبب الثقة اللي في عينيها.
قعدت قدامي وقالت بهدوء: “يحيى طلب إيدي للجواز يا كريم.”
قلبي اتنفض، وقلت بسرعة: “ريم، أبوس إيدك، بلاش.. أنا عرفت قيمتك، أنا مستعد أعيش خدام تحت رجلك، بس ما تضيعيش مني.”
بصت لي ريم وقالت جملة خلتني أتجمد في مكاني:
“أنا مش هرد عليه يا كريم.. غير لما أسمع منك حاجة واحدة.”
بلعت ريقي وسألت: “حاجة إيه؟”
ريم ميلت بجسمها لقدام وقالت وعينيها في عيني: “لو لارا دلوقتي دخلت من الباب ده، وقالت لك إنها سابت كل حاجة وعايزاك.. وإني أنا قدامك أهو ‘ريم العادية’.. هتختار مين؟ بس جاوب بقلبك مش بخوفك من الوحدة.”
كنت لسه هرد، بس فجأة… لارا دخلت الكافيه فعلًا، وكانت جاية ناحية طاولتنا وهي بتبتسم بثقة وبتقول: “كريم.. وحشتني.”
لحظة دخول لارا خلت الهوا يهرب من المكان، كأنها كانت مراقبة الموقف ومستنية اللحظة اللي تظهر فيها عشان تثبت لنفسها -وليّ- إنها لسه مسيطرة. وقفت قدامنا بريحتها النفاذة وشكلها اللي كان بيبهرني، وبصت لريم بنظرة استعلاء وقالت: “كريم.. مش معقول لسه بتضيع وقتك في محاولات فاشلة؟ أنا سيبت الشغل وسيبت كل حاجة عشان نبتدي سوا، مش ده اللي كنت بتتمناه؟”
ريم فضلت قاعدة مكانها، ثابتة زي الجبل، عينها ما نزلتش من على عيني، كأنها بتختبر آخر ذرة رجولة وفهم جوايا. لارا مدت إيدها ولمست كتفي بدلال وقالت: “يلا بينا يا كريم.. سيبك من النكد ده وخلينا نعيش حياتنا.”
في اللحظة دي، شريط الـ 4 سنين مر قدام عيني. شفت ريم وهي سهرانة جنبي وأنا عيان، شفتها وهي بتضحك في وشي رغم إني راجع مكشر، شفت “الستر” اللي كان محوطني وضيعته بجري ورا “سراب”.
بصيت لـ لارا، ولقيتني بشيل إيدها من على كتفي بهدوء بس بحسم. قمت وقفت وبصيت لها في عينها وقلت: “إنتي فعلًا جميلة يا لارا.. بس جمالك ده زي اللوحة اللي في معرض، نتفرج عليها شوية ونتصور جنبها، لكن محدش يقدر يسكن فيها. الجمال اللي بجد هو اللي بيطبطب على القلب وقت الوجع، مش اللي بيزود الوجع عشان يرضي غروره.”
لارا وشها اتغير وبقى لونه أحمر من الغضب: “إنت بتبجح فيّ عشان خاطر دي؟”
قلت لها: “دي هي اللي علمتني يعني إيه بيت، وإنتي اللي علمتيني يعني إيه ضياع. اتفضلي يا لارا، مفيش مكان ليكي هنا ولا في حياتي.”
لارا مشت وهي بتشتم وبتخبط في الكراسي، والكافيه كله بقى يتفرج عليها وهي بتنهار بره، وبقى منظرها “وحش” رغم كل الجمال اللي حطاه.
قعدت مكاني تاني، بصيت لريم لقيت دموعها نزلت لأول مرة من بداية القعدة.
مديت إيدي مسكت إيدها، والمرة دي هي ماسحبتهاش. قلت لها: “ريم.. أنا مش بس بختارك، أنا بترجاكي تقبلي بيا تاني. أنا كنت محتاج أضيع عشان أعرف إنك إنتي الطريق. الدكتور يحيى أو غيره يقدروا يشوفوا جمالك، بس محدش فيهم اتوجع ببعدك زي ما أنا اتوجعت.”
ريم مسحت دموعها وقالت بصوت مهزوز: “كريم.. الوجع اللي عيشتهوني مش سهل يتمسح بكلمتين. أنا مشيت ورا قلبي مرة وضيعتني، ودلوقتي عقلي بيقول لي وافقي على يحيى لأنه هيصونك.”
قلت لها: “وعينك بتقول إيه يا ريم؟”
سكتت وبصت في الأرض، وبعدين قالت: “عيني لسه شايفة فيك الراجل اللي حلمت أعيش معاه العمر كله.. بس خايفة يا كريم. خايفة عينك تزوغ تاني لما الميكب بتاع لارا تانية يبهرك.”
قلت لها: “بعد اللي شوفته؟ والله يا ريم بقيت بشوف الستات كلهم ‘صور’، وإنتي الوحيدة اللي ‘حياة’.”
ريم قامت وقفت، وقالت: “أنا مش هديك رد دلوقتي. أنا محتاجة أسافر أسبوع لوحدي، أبعد عن ضغط يحيى وضغط ندمك. لو رجعت ولقيت نفسي لسه عايزة أكمل معاك، هكلمك.”
فات الأسبوع كأنه سنة. كنت بصحى وأنام وأنا ماسك الموبايل مستني رنة. رحت الشقة وبدأت أنضفها، فرشتها ورد، وجهزت كل حاجة كأننا لسه عرسان في أول يوم. كنت بحاول أصلح “البيت” عشان أثبت لها إني اتغيرت.
يوم الجمعة بالليل، الباب خبط.
جريت فتحت وأنا قلبي هيقف من الدق… لقيت ريم واقفة، بس المرة دي كانت شايلة شنطة هدومها.
بصت لي وقالت بابتسامة هادية: “يحيى اتصل بيا النهاردة الصبح يطلب الرد النهائي.”
قلبي سقط في رجلي وقلت بصوت بيترعش: “وقلتي له إيه؟”
ريم دخلت الشقة، حطت الشنطة في الأرض، وقالت: “قلت له إني لقيت الجمال اللي كنت بدور عليه في “بيتي” القديم.. بس بشرط واحد يا كريم.”
قلت لها بلهفة: “رقبتي ليكي.. قولي.”
ريم بصت لي بجدية وقالت: “لو في يوم حسيت إن عيني مابقتش مالية عينك، تطلقني فوراً ومن غير كلام.. أنا مش هعيش ‘تكملة عدد’ تاني.”
حضنتها بقوة وأنا بحلف لها إن ده مش هيحصل أبدًا.
قعدنا سوا، وبدأت تحكي لي عن أسبوعها، وأنا بحكي لها إني قد إيه كنت تايع. وفجأة، موبايلها رن تاني، شافت الرقم واتوترت.
قلت لها: “مين؟ يحيى؟”
قالت لي بخوف: “لا.. دي لارا، وبتبعت رسايل غريبة بتقول فيها إنها قدام باب الشقة دلوقتي ومعاها حاجة تخصني وتخصك!”
بصينا لبعض باستغراب، وفجأة سمعنا صوت خبط عنيف ومجنون على الباب…
فتحت الباب بحدة وأنا ناوي أنهي جنان لارا ده تماماً، لقيتها واقفة وشها شاحب، وعينيها فيها نظرة شماتة ممزوجة بكسرة. بصت لي وبصت لريم اللي كانت واقفة ورايا بخوف، وطلعت من شنطتها ظرف كبير ورمته في إيدي.
قالت بضحكة صفراء: “كنت فاكر إنك تقدر ترميني وتعيش حياتك وردي؟ الظرف ده فيه صور ومحادثات بيني وبينك من وقت ما كنا بنسهر ‘شغل’.. صور إنت ناسيها، وكلام إنت قلته في لحظات طيش عن ريم وعن حياتك المملة معاها.”
بصت لريم وقالت لها بنبرة مسمومة: “شوفي يا حبيبتي الراجل اللي راجعة له، شوفي كان بيقول عليكي إيه في غيابك، وشوفي كان بيوصف جمالي إزاي ويذم في ملامحك ‘العادية’.. لو قادرة تكملي بعد ما تشوفي القرف ده، يبقى إنتي فعلًا معندكيش كرامة.”
لارا مشت وهي حاسة إنها رمت قنبلة هتدمر البيت اللي لسه بيتبني. ريم مدت إيدها ببطء وسحبت الظرف من إيدي. وشها كان بيتحول من اللون الأبيض للأحمر، وإيدها كانت بتترعش.
فتحت الظرف.. وبدأت الصور والورق يقعوا على الأرض. شافت كلامي اللي كنت كاتبه في لحظة غباء، شفت وصفي لـ لارا إنها “امرأة الأحلام”، ووصف حياتي مع ريم إنها “سجن من الروتين والملل”.
ريم بصت لي، والدموع اللي في عينيها كانت المرة دي دموع “قرف”. رمت الورق في وشي وقالت بصوت مخنوق: “كنت عارفة إنك غلطت.. بس مكنتش متخيلة إنك كنت بتبعني بالرخيص كده يا كريم. إنت مكنتش بس بتخونني بعينك، إنت كنت بتشوه صورتي قدام واحدة غريبة عشان تتقرب منها!”
حاولت أتكلم، لساني كان مربوط. الكلام اللي في الورق كان حقيقي، كان طالع مني في وقت كنت فيه “مسخ” مش بني آدم. قلت لها بصوت باكي: “والله ده كان كلام شيطان، كنت بحاول أبهرها، كنت فاقد عقلي..”
قطعت كلامي بزعيق لأول مرة: “فقدت عقلك فدوست على كرامتي؟ وصفتني إني ‘عادية ولبسي قديم ودمي تقيل’؟ دي اللي كنت بتقول عليها حنينة وطيبة؟”
شالت شنطتها اللي لسه ما لحقتش تفتحها، وبصت للبيت اللي كنت لسه منضفه وفرشه ورد، وقالت بسخرية مريرة: “الورد ده ريحته بقت خانقة يا كريم. لارا كان عندها حق في حاجة واحدة.. إن الحقيقة مابتستخباش.”
خرجت ريم وهي بتجري على السلم، المرة دي مكنتش بتبكي بصمت، كانت بتصرخ بوجعها. ركبت عربيتها وطارت.
قعدت وسط الورق والصور المرمية في الصالة، كنت حاسس إني في كابوس. لارا دمرت آخر أمل ليّ، وأنا اللي اديتها الس.لاح ده بإيدي لما كنت فاكر إن الجمال الشكلي هو كل حاجة.
فضلت ليلتين مش بنام. ببعت رسايل لريم مابتتردش، بروح لأهلها بيطردوني. الدكتور يحيى عرف باللي حصل، وسمعت إنه راح لها وقال لها: “شوفتي الفرق بين اللي بيشوفك كنز، واللي كان بيشوفك عبء؟”
وفي اليوم الثالث، لقيت رسالة من رقم غريب، فتحتها لقيت صورة لريم وهي قاعدة في كافيه مع يحيى، والمرة دي كانت لابسة “دبلة” في إيدها اليمين. ومع الصورة رسالة من لارا مكتوب فيها: “مبروك.. أهو كل واحد لقى اللي شبهه.”
اتجننت.. نزلت الشارع زي المجنون، رحت لريم عند شغلها، وقفت قدام عربيتها ومنعتها تمشي.
نزلت من العربية وهي بتبص لي ببرود تامت، وقالت: “عايز إيه تاني يا كريم؟ مش كفاية اللي قريته؟”
قلت لها والدموع مغرقة وشي: “ريم.. الدبلة دي حقيقة؟”
رفعت إيدها وورتهالي وقالت: “يحيى عرف يداوي الوجع اللي إنت تسببت فيه. يحيى شاف الورق اللي لارا بعتهولي، وقالي: ‘لو هو مش شايف الجمال ده، يبقى هو اللي أعمى، وأنا مستعد أقضي عمري كله أثبتلك إنك أحلى ست في الدنيا’.”
قلت لها بصراخ: “بس إنتي مابتحبيهوش يا ريم! إنتي بتعملي كده عشان تنتقمي مني!”
ريم قربت مني، وبصت في عيني بقوة وقالت جملة هزت كياني:
“الانتقام إني أعيش سعيدة يا كريم.. ومع يحيى أنا بدأت أحس إني فعلًا ‘جميلة’.. مش عشان ملامحي، عشان هو خلاني أشوف نفسي صح. بكره جلستنا في المحكمة عشان نخلص كل حاجة.”
ريم مشت وسابتني واقف في نص الشارع، الناس بتبص لي بشفقة. حسيت إن الدنيا كلها بقت سودة. لارا ضيعتني، وأمي ضيعتني، وأنا ضيعت نفسي.
لكن وأنا راجع البيت، لقيت مكالمة من رقم لارا.. فتحت الخط وأنا ناوي أشتمها بأبشع الألفاظ، بس لقيت صوتها مرعوب وبتقول: “كريم.. الحقني.. أنا عملت حادثة كبيرة ومفيش حد راضي يقف جنبي، والشرطة هنا، وأنا.. أنا محتاجالك.”
وقفت مكاني.. هل أروح للي دمرت حياتي؟ ولا أسيبها تغرق زي ما غرقتني؟ ولا دي فرصة أخيرة عشان أفهم حاجة أنا لسه مش فاهمها؟
بصيت للموبايل في إيدي وصوت لارا الباكي في ودني، وفي اللحظة دي حسمت أمري. قفلت السكة في وشها من غير ولا كلمة. مش انتقامًا منها، لكن لأني أخيرًا فهمت إن “لارا” وأمثالها هما مجرد اختبار لضعفنا، وإني لو رحت لها هبقى لسه محبوس في نفس الدايرة الغلط.
رحت المحكمة في الميعاد. وقفت قدام ريم للمرة الأخيرة. كانت لابسة أسود وهادية جدًا. القاضي سألنا عن الرغبة في الصلح، بصيت لريم نظرة طويلة، نظرة وداع واعتذار عن كل لحظة خليتها تشك فيها في نفسها.
قلت للقاضي: “أنا موافق على الطلاق يا سيادة القاضي.. ريم تستحق حد يشوفها بقلبه، وأنا للأسف عرفت قيمة قلبي متأخر أوي.”
ريم بصت لي ولأول مرة شفت في عينيها “سامح”. وقعنا الورق، وخرجنا من القاعة أغراب زي ما بدأنا، بس بوجع أكبر بكتير.
مرت سنة كاملة..
حياتي اتغيرت تمامًا. سيبت الشغل القديم، وبعدت عن كل الناس اللي كانوا بيقيسوا الست بجمال ملامحها بس. بقيت عايش لوحدي، بصلح في نفسي اللي انكسر. عرفت إن “الندم” هو أقسى مدرسة ممكن الواحد يتعلم فيها، بس هي اللي بتصنع الرجال بجد.
في يوم، كنت ماشي في جنينة عامة، وشفت من بعيد “ريم”. كانت قاعدة على نجيله، وجنبها “يحيى”، وبينهم طفلة صغيرة عندها كام شهر. ريم كانت لابسة لبسها البسيط، وشعرها مربوط عادي، بس وشها كان فيه “نور” ماشوفتوش وهي معايا أبدًا.. نور الرضا، نور الست اللي حاسة إنها “ملكة” في عين جوزها.
وقفت بعيد، مابغرتش المرة دي، بل بالعكس، دعيت لها من كل قلبي بالسعادة. لأن ريم كانت الدرس اللي ربنا بعتهولي عشان أفهم الحكمة الحقيقية من الحياة.
*الحكمة من الحكاية*
الجمال يا صديقي مش “قشرة” بتتشاف بالعين، الجمال “سكن” بيتحس بالروح.
* **الجمال الشكلي:** زينة بتدبل مع الوقت، وبنتعود عليها بعد شهر، وبتتحول لشيء عادي.
* **جمال الروح:** هو اللي بيخلي البيت جنة، هو اللي بيخلي الأكل له طعم، وهو اللي بيخليك تسند ضهرك وإنت مطمن إن في “قلب” حارس لغيبتك قبل حضورك.
**نصيحة لكل راجل:**
إياك تكسر مراية ست كانت شايفة نفسها في عينك “جميلة”. لأنك لو طفيت النور اللي في عينيها، هتعيش بقية عمرك في ضلمة، والندم مش هيرجع لك الروح اللي إنت قتلتها بإيدك.
أحياناً بنجري ورا “السراب” اللي بيلمع بره، وبننسى إن “الكنز” الحقيقي هو اللي مستنينا في البيت بضحكة صافية وكوباية شاي وحب ملوش شروط.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق