سكريبت جوزي بعتلي كاملة منى السيد
سكريبت جوزي بعتلي كاملة منى السيد
جوزي بعتلي أنا وحماتي زيارة نروح بيها نعمل عمرة، ومن يوم ما عرفت الخبر وأنا مش مصدقة نفسي من الفرحة. كنت بحلم بالعمرة من سنين، وكل ما الموضوع يتفتح قدامي يحصل ظرف ونأجل، لكن المرة دي جوزي فاجأني وقاللي جهزي نفسك إنتِ وماما أنا حجزتلكم.
فضلت أعيط من الفرحة، وحماتي كانت مبسوطة هي كمان، وقعدنا نجهز حاجتنا وندعي ربنا يتقبل مننا.
وفعلًا سافرنا، وكانت أيام جميلة، وكل واحدة فينا رجعت وهي شايلة معاها ذكريات كتير وهدايا لأهلها وقرايبها.
وقبل ما ننزل من السعودية، جوزي كان مجهز لنا هدايا عشان لما نرجع نستقبل الناس. حصري على صفحة روايات و اقتباسات… اشترى كرتونة كبيرة تمر مغلف، وعبوات مية زمزم، وسبح، وسواك، وقاللي
دي تتوزع على الناس اللي هييجوا يباركولكم، خدي بالك منها.
حكايات_مني_السيد
كنت مبسوطة جدًا، وخصوصًا إني كنت متخيلة منظر الناس وهي داخلة علينا، وأنا بقدم لكل واحد هدية بسيطة من هدايا العمرة. وصلنا مصر، وأول ما دخلنا البيت، حماتي بدأت ترتب حاجتها. وبمنتهى الهدوء، أخدت كرتونة التمر وحطتها عندها، وبعدها لمّت جزء من السبح والسواك، وقالت
أنا هخلي الحاجات دي عندي لحد ما نشوف هنعمل فيها إيه.
مكنتش واخدة بالي من حاجة، فقلت لها حاضر يا ماما.
لكن تاني يوم بدأت الزيارات. واحدة تيجي تسلم، وواحد يبارك، وقرايب وجيران يدخلوا البيت فرحانين برجوعنا من العمرة. كنت محرجة جدًا إني أقعد قدامهم من غير ما أقدم لهم حاجة.
نزلت لحماتي وقلت لها يا ماما، هاتيلي شوية من التمر والسبح والسواك عشان أوزعهم على الناس اللي جاية تسلم عليا.
بصتلي بمنتهى الهدوء وقالت لأ.
افتكرتها بتهزر، فضحكت وقلت لأ ليه يا ماما؟ ما جوزي جايبهم عشان يتوزعوا.
ردت أنا هوزعهم بطريقتي.
اتصدمت و قلت لها طب ما نقسمهم بينا، إنتِ تاخدي جزء وأنا أخد جزء.
قالت لأ، أنا النص مش هيكفيني.
اتصلت بجوزي وحكيتله اللي حصل، فقاللي خدي نص الحاجات وسيبي لماما النص.
وفعلًا كلمها قدامي وقالها يا ماما اديها نص التمر والسبح والسواك.
لكن ردها كان صريح لأ يا ابني، النص مش هيكفيني.
جوزي سكت لحظة، وبعدها قاللي خلاص لما أنزل هجيبلك غيرهم.
قفلت وأنا متضايقة، لكن قلت لنفسي خلاص مش مستاهلة.
بعدها بساعات، حماتي وحمايا نزلوا للدكتور، وقبل ما تخرج حماتي دخلت شقتها وقفلت الباب، لكنها كالعادة سابت المفتاح في الباب.
وقتها بصيت ناحية شقتها وفكرت في الناس اللي لسه هتيجي.
نزلت بهدوء. دخلت شقتها، ولقيت قدامي كرتونة التمر، وجنبها السبح والسواك، وعبوات مية زمزم.
وقفت لحظة طويلة. كنت عارفة إن اللي هعمله ممكن يقلب البيت كله لكن في الآخر أخدت الكرتونة وكل هدايا العمرة اللي جوزي كان جايبها للتوزيع وطلعت.
ولما حماتي رجعت وشافت اللي حصل، صوتها علي جدًا
إنتِ نازلة تسرقيني؟!
رديت عليها أسرقك إيه يا ماما؟ دي حاجات جوزي جايبها عشان نوزعها، وأنا أولى بحاجة أوزعها على ضيوفي، ولما جوزي ينزل يجيب لحضرتك غيرها.
مسكت التليفون واتصلت بجوزي. وبعد ثواني، موبايلي رن.
جوزي…. رديت، فسمعته بيقول بعصبية
إنتِ عملتي إيه مع أمي؟! امشي عند قرايبك حالًا لحسن هنزلك من البيت!
بصيت للكرتونة قدامي، وقلتله أنا مش ماشية واللي إنتوا عاوزينه اعملوه.
قفلت المكالمة… لكن اللي معرفتوش وقتها
إن حماتي ما كانتش بتتمسك بالهدايا عشان التمر ولا السبح ولا السواك….كان عندها سبب تاني خالص
والسبب ده كان متعلق بحاجة جوزي نفسه كان مخبيها عني.
وبعد أقل من ساعةسمعت خبط عنيف على باب شقتي.
ولما فتحت الباب اتجمدت مكاني لما شفت مين واقف قدامي، وإيه اللي كان ماسكه في إيده ووو!!!!
حكايات_مني_السيد
لما فتحت الباب، مكنتش قادرة أستوعب المشهد اللي قدامي. اتسمرت في مكاني، وعينيا كانت مبرقة برهول وذهول مش قادرة أوصفه. كان واقف قدامي جوزي نفسه! بشحمه ولحمه، ووشه شاحب زي الأموات، وعينيه طايرة من القلق والغضب في نفس الوقت. جوزي اللي المفروض إنه في السعودية، اللي لسه قافل معايا السكة من أقل من ساعة، واقف أدام عيني على عتبة الشقة، ولابس هدوم سفر ومبهدل، وفي إيده شنطة جلد سودا صغيرة، ماسكها بكل قوته وعروق إيده ناطرة كأنه خايف حد يخطفها منه.
أنا لساني اتشل تمامًا. حسيت إن ريقي نشف، ومبقاش طالع مني ولا حرف. كنت ببص له وراسي بتلف، وعقلي عمال يضرب أخماس في أسداس إزاي ده هنا؟ سافر إمتى ونزل إمتى؟ وليه بيكلمني على التليفون كأنه هناك؟ وقبل ما أنطق حتى بكلمة، زقني جوه الشقة بكل عنف ودخل، وقفل الباب برجله وراه وتربسه، ووقف ساند ضهره على الخشب وهو بينهج كأنه كان بيجري في سباق، وأنفاسه عالية وسريعة تخلع القلب.
بصلي بنظرة كلها لوم وخوف وغل، وقال بصوت مكتوم وهو بيجز على سنانه فين الكرتونة؟ وديتي كرتونة التمر فين يا منار؟ انطقي عملتي فيها إيه؟ فتحتيها ولا لسه مقفولة؟
كنت لسه واقفة زي الصنم، مصدومة من وجوده أصلاً، ومش فاهمة ليه كل الرعب ده على شوية تمر وسواك. سألته بصوت بيرتعش عمران؟ أنت جيت إمتى؟ إزاي واقف هنا وأنت لسه قافل معايا؟ وفين شنطك؟ وإيه اللي جابك بالشكل ده؟
صاح في وشي وهو بيهزني من كتافي بغل، والشنطة السودا لسه متعلقة في دراعه التاني مش وقت أسئلتك الغبية دي خالص دلوقتي! جاوبي على سؤالي الكرتونة فين؟ حد مد إيده عليها؟ فرقتي منها حاجة؟ شوفتي
اللي جواها؟
رجعت خطوة لورا وأنا مرعوبة من شكله. عمره في حياته ما اتعامل معايا بالطريقة دي ولا شفته بالحالة دي من التوتر والجنون. شاورت بإيدي المرتعشة على ركن الصالة جنب ترابيزة السفرة، وقلتله أهي هناك أهي في الركن، ملمستهاش والله غير لما طلعتها، ومحدش جه لسه كنت مستنية الناس تيجي عشان أفتحها وأوزع منها.
أول ما عينه وقعت على الكرتونة، حسيت إنه اتنفس الصعداء، كأن روحه ردت فيه فجأة، لكن في نفس الوقت فضل التوتر مسيطر عليه تمامًا. جرى عليها زي المجنون، قعد على ركبه في الأرض، وبدأ يتفحص اللزق والسلوتيب اللي مقفول بيه الكرتونة بدقة مريبة، بيمشي صوابعه على الحواف ويتأكد إن مفيش شق في الكرتون ولا السلوتيب متفكك من أي حتة.
في اللحظة دي، سمعت صوت دبة رجلين طالعة على السلم بسرعة، وبعد ثواني الباب بتاع الشقة بدأ يترزع عليه بإيدين بتخبط بعنف، وصوت حماتي بيجلجل في العمارة افتح يا عمران! افتح يا ابني قبل ما تفضحنا، افتح وشوف المصيبة اللي مراتك كانت هتودينا فيها!
عمران قام مفزوع، وفتح الباب بسرعة وسحب أمه لجوه وقفل تاني بالترباس. حماتي دخلت وهي بتنهج، طرحتها معوجة ووشها أحمر من كتر الانفعال، وبصتلي بكره وغيظ عمري ما شفتهم في عيونها طول السنين اللي فاتت، وقالت لابنها بصوت بيهز الشقة شوفت؟ شوفت الغبية عملت إيه؟ نزلت شقتي واستغفلتني وسرقت الحاجة من ورا ضهري! لو كانت فتحت الكرتونة قدام حد من الناس ولا الجيران، كانت هتبقى سيرتنا على كل لسان وفضحتنا في المنطقة كلها!
أنا هنا حسيت إن عقلي هيفوت مني. وقفت في نص الصالة، بصيت لعمران وبصيت لحماتي، وصرخت فيهم هو في إيه بالظبط؟ أنتوا اتجننتوا؟ فضيحة إيه وتمر إيه وسرقة إيه؟ أنا نزلت أخدت حق جوزي جابه عشان نوزعه في عمرتنا! إيه الجريمة في شوية بلح وسواك ومية زمزم؟ وليه أنت نازل من المطار مستخبي كده من غير ما تقولي إنك نازل مصر أصلاً؟ فهّموني في إيه بدل ما ألم عليكم الناس وأسيب البيت ده وأمشي!
حماتي ردت عليا باستهزاء تلمي مين يا أم لسان طويل؟ ده أنتي لو شوفتي البلاوي اللي كنتي هتوزعيها على الناس، كنتي حطيتي راسك في الطين ومرفعتيهاش ليوم الدين!
عمران قاطعها بزعيق بس يا ماما، اسكتي خالص! مش وقته الكلام ده، إحنا لازم نتصرف دلوقتي وقبل الصبح. بصلي عمران وعينيه كلها شرار وقال أنتي متعرفيش أنتي هببتي إيه بحركتك دي. أنتي مش بس بوظتي اتفاق كبير، أنتي كنتي هتودينا ورا الشمس كلنا! الكرتونة دي مكنش المفروض تطلع من شقة أمي خالص، ولا كان ليكي دعوة بيها!
قلتله وأنا بصرخ بدموع القهر ولما هي مكنش ليا دعوة بيها، بعتهالنا مع بعض ليه؟ وقولتلي دي هدايا العمرة ليه؟ ليه عملتني مغفلة وخلتني أروح وأجي وأنا فرحانة بزيارة بيت ربنا، وفي الآخر طالع بتخبي عني وبتعاملني كأني غريبة ولا عدوتك؟ هو التمر ده فيه إيه بالظبط؟ فيه دهب متهرب ولا فيه مصيبة؟ انطق يا عمران!
قربت من الكرتونة ووطيت عشان أفتحها بإيدي وأشوف بنفسي إيه الحكاية، لكن عمران لمح حركتي فجأة، وهجم عليا زي الأسد، شدني من دراعي بقسوة لدرجة حسيت إن عضم كتفي هيتخلع، ورزعني على الكنبة وقال بصوت جهوري إياكي تلمسيها! قولتلك إياكي تلمسيها!
في اللحظة دي، حسيت برعب حقيقي مش من المجهول وبس، ده من جوزي اللي عشت معاه سنين وما كنتش أعرف إنه ممكن يكون بالوحشية دي. قعدت على الكنبة وأنا بعيط وبنهج، وببص لحماتي اللي كانت واقفة تبص لابنها بتشفي، وبتقوله ما تفتح يا بني الشنطة اللي في إيدك دي كمان، ووريها الباقي وريها الهنا اللي هي كانت هضيعه من إيدينا عشان شوية تفاهة وتمر توزعه على حتة جيران ميسووش قرش صاغ!
عمران بص لأمه بعتاب وخوف، وقالها يا ماما اهدي شوية، أنتي مش فاهمة إحنا لسه في خطر قد إيه. الراجل اللي اسمه ممدوح رن عليا أول ما حطيت رجلي في مصر، وقالي إنه جاي يستلم الأمانة من هنا بعد ساعتين بالكتير. ولو جه ولقى الكرتونة فيها علبة ناقصة ولا حتى سلوتيب مقطوع، هنروح في داهية ومش هيرحمنا.
الاسم وقع على ودني زي الصاعقة ممدوح؟ ممدوح ده مين؟ مفيش حد في عيلتنا ولا في قرايبنا بالاسم ده، ولا حتى في صحاب عمران اللي أعرفهم طول فترة شغله هنا أو في الغربة. مسحت دموعي بإيدي، وقومت وقفت تاني، وحاولت أكون أهدى عشان أفهم المصيبة اللي بتدبر حواليا، وقلتله بصوت واطي ومبحوح عمران مين ممدوح ده؟ ومين الراجل اللي جاي ياخد كرتونة تمر في نص الليل؟ ولو دي أمانة لراجل غريب، ليه كنت قايلي إنها لينا ولضيوفنا؟ ليه دخلتني في اللعبة دي وأنا لسه راجعة من أطهر مكان في الأرض؟ انطق يا ابن الناس وقولي الحقيقة، بدل ما أفتح الشباك ده وأصرخ بعلو صوتي وأفضح الدنيا!
عمران اتوتر أكتر لما هددته بالصراخ، وحماتي اتخضت وقالت يا بت اسكتي ربنا يخرس لسانك! هتودي بيتك في داهية!
عمران أخد نفس عميق، ورمى الشنطة الجلد السودا على الترابيزة قدامي. الشنطة كانت تقيلة وليها رنة غريبة لما نزلت على الخشب. قعد عمران على
الكرسي وحط راسه بين إيديه، وقال بنبرة مكسورة أول مرة أسمعها منه أنا مكنتش عايزك تدخلي في الحوار ده يا منار، بس غباءك وطمعك في شوية هدايا هو اللي وصلك للمرحلة دي.
طمعي؟! قلتها بحرقة أنا طماعة عشان عايزة أضيف الناس اللي جاية تباركلنا بعمرتنا؟! أنا طماعة يا عمران؟!
قال وهو باصص في الأرض الكرتونة دي مفيهاش تمر عادي ولا السبح دي سبح عادية. أنتي فاكرة إني حجزتلك أنتي وأمي العمرة دي عشان سواد عيونك فجأة؟ فاكرة إن الفلوس دي كانت من مدخراتي اللي بتسألي عليها كل شهر؟
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة، قلبي اتقبض وبصيتله بذهول قصدك إيه؟ فهمني متسيبش كلامك ملغز كده! حصري على صفحة روايات و اقتباسات
رفع راسه وبصلي، وكانت عيونه حمرا زي الدم أنا كان عليا ديون مكسورة في السعودية بمئات الآلاف، ديون شغل وخسارة في تجارة دخلت فيها وخسرت كل مليم وكنت مهدد بالسجن هناك ومكنتش هعرف أرجع مصر أبداً. ممدوح ده واحد من الناس اللي شغالين في نقل الأمانات والأوراق والحاجات الحساسة بين مصر والخليج عرض عليا يسدد كل ديوني، ويرجعني مصر مكرم، ويديني كمان قرشين حلوين نعيش بيهم ونجيب الشقة التمليك اللي كنتي بتحلمي بيها بس بشرط واحد.
سكت عمران وبلع ريقه بصعوبة، وحماتي كملت مكانه بصوت واطي وبكل برود الشرط إنه يستغل زيارتكم لبيت ربنا قال إن الستات الكبار والزوجات اللي راجعين من العمرة بحاجاتهم وهداياهم مبيقفوش كتير في التفتيش، ومحدش بيشك في كراتين التمر المقفولة ومية زمزم المغلفة.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا، ورجليا مبقتش شيلاني. قعدت على أقرب كرسي وأنا بحط إيدي على قلبي اللي كان بيدق بسرعة جنونية استغليتوني؟ خليتوني ستارة لحاجة ممنوعة؟ هربتوا إيه في الكرتونة دي يا عمران؟! هربت إيه في حاجات العمرة؟! مخدرات؟ دهب؟ انطق يا مجرم هربت إيه؟!
عمران انتفض وقال بسرعة وبلهفة كأنه بيبرأ نفسه لأ والله العظيم مش مخدرات! ولا عمر درهم حرام يدخل بيتي بالطريقة دي! ولا دهب حتى الكرتونة دي جواها أوراق وعقود وسندات أراضي، ومخطوطات أثرية صغيرة وألماس خام بتاع عيلة كبيرة، حاجات متهربة لحساب ناس تقيلة وممدوح ده الوسيط بتاعهم هنا. ممدوح هو اللي صمم إن كرتونة التمر تتفرغ من النص وتتحط الحاجة في قوالب متغلفة كأنها عجوة ومقفولة ليزر بحيث لو عديتي على أجهزة المطار متظهرش غير إنها كتل عضوية زي البلح بالظبط! وكل علبة مرسوم عليها علامة معينة أنا بس وماما اللي عارفينها!
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة وموطية راسها، وسألتها وأنتي أنتي كنتي عارفة؟ كنتي عارفة إن ابنك بيشيلنا مصيبة زي دي؟ كنتي عارفة وساكتة وبتصلي في الحرم وتدعي ربنا وأنتي شايلة معاكي أمانة مسروقة ولا متهربة؟!
حماتي بصتلي بصلابة وقالت من غير ما يطرف ليها جفن كنت بنقذ ابني من السجن والغربة يا هانم! ابني كان هيضيع، كان هيتحبس في بلد غريب ومكناش هنعرف نطلعه! وبعدين أنتي مالك أنتي باللي شايلينه؟ ما أنتي سافرتي واتفسحتي واعتمرتي وجيتي عروسة أهوه، وكان المفروض تحطي لسانك جوه بقك وتاخدي هديتك وتسكتي! لكن أنتي عينك فارغة، شوفتي كرتونة التمر اتجننتي وعايزة تاخديها كلها لنفسك وتفرقيها على حبايبك!
الدم غلى في عروقي لدرجة إني مكنتش حاسة بنفسي. وقفت وزعقت فيها أنا عيني فارغة يا ولية يا خرفة؟! أنا اللي مكنتش أعرف إني كنت هروح ورا الشمس في المطار وأتكلبش قدام الناس كلها؟ لو كان اتفتشت الكرتونة دي في صالة الوصول، مين اللي كان هيتسحب على الحجز؟ مين اللي كان الكرتونة طالعة باسمها في الوزن؟ مش أنا اللي شنطي كانت مشحونة عليها الحاجة دي كلها باسمي؟! أنتوا ضحيتوا بيا عشان تنقذوا نفسكم!
عمران مسك إيدي وحاول يهديني لا يا منار، والله العظيم كنت مرتب كل حاجة، ومكنش فيه أي خطر عليكي، أنا كنت متابع خطوة بخطوة مع ناس جوه المطار وخلصتكم في دقايق، وماما مكنتش هتاخد الكرتونة عندها غير عشان تسلمها لممدوح الصبح ونخلص من الكابوس ده وناخد نسبتنا! لكن أنتي بحركتك دي لخبطتي الخطة كلها، وخلتينا على أعصابنا! حصري على صفحة روايات و اقتباسات
ضحكت بهستيريا، دموعي بتنزل وأنا بضحك من كتر البشاعة نسبتكم؟ يعني أنتوا كمان واخدين تمن سكوتكم وتمن التوصيلة دي؟ والشنطة اللي في إيدك دي إيه؟ دي بقية الأمانة؟
عمران بص للشنطة وقال دي فيها بقية الورق اللي كان معايا في شنطتي الشخصية، ممدوح اتفق معايا إنه هيجي يستلم كل حاجة مع بعض ويديني نصيبي كاش مية ألف دولار، عشان أبدأ بيهم على نضافة هنا ونسيب الفقر والبهدلة دي للأبد.
بصيت للكرتونة، وبصيت للشنطة السودا، وبصيت لجوزي اللي عشت معاه على الحلوة والمرة، واكتشفت في لحظة واحدة إني مكنتش اعرفه أصلاً. الإنسان اللي ائتمنته على عمري كان مستعد يضحي بيا ويخليني ألبس قضية تهريب جناية تدمر مستقبلي وتفضح أهلي، كل ده عشان يخرج من ديونه ويقبض تمن صفقة مشبوهة.
قلتله ببرود مفاجئ بعد ما العاصفة هديت جوايا وممدوح ده هيجي إمتى؟
عمران بص في ساعته بتوتر كمان نص ساعة ممدوح قال إنه هيقف بالعربية تحت العمارة، وأنا هنزله بالشنطة والكرتونة، ويخلص كل حاجة في دقايق ويمشي. عشان كده بقولك ادخلي
أوضتك دلوقتي يا منار، ومتخرجيش منها لحد ما نخلص الموضوع ده، وبعدها نقعد ونتكلم ونتصالح وهديكي اللي أنتي عايزاه كله.
حماتي شالت الكرتونة وبدأت تسحبها ناحية الباب وهي بتقول يلا يا عمران، خلينا ننزل الحاجة دي عندي تحت في الشقة عشان نسلمهاله من هناك، ومنطلعش الراجل على السلم ولا حد من الجيران يشوفه.
عمران مد إيده عشان ياخد الشنطة السودا من على الترابيزة، لكن في الثانية دي بالظبط سمعنا صوت سارينة عربيات شرطة جاية من بعيد في الشارع، وصوت الكلاكسات بره العمارة بدأ يعلى فجأة.
عمران اتخشب مكانه، وحماتي وقعت الكرتونة من إيدها على الأرض، والكرتونة اتهبدت هبدة خلت طرفها يتفتح، وظهرت منه لفافات بلاستيك سودا متبطنة بفويل فضي غريب، مفيش فيها ولا ريحة للتمر!
عمران وشه بقى أبيض زي اللوح، وبص من ورا ستارة البلكونة بخوف ورعب، ورجع خطوة لورا وهو بيترعش كله عربيات شرطة وواقفين تحت البيت ممدوح سلمني؟ ولا مين اللي بلغ؟
بصلي عمران بنظرة جنون وشك، وقرب مني وهو بيزعق بهيستيريا أنتي كلمتي مين لما خرجتي من شقة أمي؟! كلمتي مين يا منار انطقي؟!
وقبل ما أرد عليه بكلمة واحدة، اتقطع النور فجأة عن الشقة وعن العمارة كلها، وساد ظلام دامس مفيش فيه غير صوت خبط قوي جداً على باب مدخل العمارة تحت، وصوت خطوات تقيلة طالعة السلم جري كأنها كتيبة بتقتحم المكان!
يتبع
جوزي بعتلي ٢ – منى السيد
النور اتقطع، والضلمة طبقت على المكان زي الكابوس. الصالة بقت كحل، ومفيش فيها غير بصيص نور أزرق وأحمر بيضرب من ورا شباك البلكونة… نور سارينات البوليس اللي قالبه الشارع تحت.
عمران كان واقف يتنفس بصوت عالي كأنه بيغرق، وحماتي قعدت في الأرض جنب الكرتونة المفتوحة، تلطم على خدودها بصوت مكتوم: “يا مصيبتك السودة يا جملات… يا خراب بيتك يا ابني! البوليس جه وراكم… البوليس جه ياكل عيشنا وشبابك هيضيع في السجون!”
عمران مسك في دراعي في الضلمة، وضوافر صوابعه غرزت في لحمي وهو بيهزني بجنون: “انطقي يا منار! كلمتي مين؟ اتصلتي بأخوكي ولا بأمك؟ قولتيلهم إننا متخانقين؟ حد فيهم بلغ؟ انطقي قبل ما البيت يتهد فوق نفوخنا!”
زقيته بكل قوتي وبكل الغل اللي اتجمع في قلبي منه ومن أمه، وصرخت فيه وأنا بتعثر في السجادة: “ابعد إيدك القذرة دي عني! أنا مكلمتش مخلوق! أنا كنت لسه بحاول أفهم البلاوي اللي أنتوا راميني فيها! أنت اللي مجرم وجايب وراك مصايب الدنيا كلها وجاي تلصمها فيا وفي أهلي!”
في اللحظة دي، صوت الخبط على باب الشقة اتهبد هبدة واحدة، خلت حلق الباب الخشب يطقطق: “افتح يا عمران! افتح المباحث!”
الكلمة نزلت على ودن عمران زي رصاصة، رجع لورا واتخبط في ترابيزة السفرة، والشنطة السودا وقعت من إيده على الأرض. حماتي زحفت على ركبها، وحاولت تزق الكرتونة المتبهدلة تحت الترابيزة وهي بتنهنه: “استخبى يا عمران… ادخل البلكونة نط على السطوح… اهرب يا ضنايا وأنا هقولهم معرفش حاجة!”
عمران كان مشلول، وشه تحت ومفيش فيه دم، بيبص للباب اللي بيترزع، ويبص للبلكونة، ومفيش أي مفر؛ إحنا في الدور الرابع، ومفيش سطوح يتنط عليه من البلكونة، وتحت في الشارع كلابشات ورجالة واقفين سادين الحارة كلها.
الرزع زاد، وصوت كسر كالون الباب طرقع في الضلمة: “اكسر يا ابني!” ثانية واحدة، والباب اتفتح على مصراعيه بضربة رجل عنيفة، والضلمة اتفرتكت بفلاشات كشافات قوية جداً عمّت عينينا.
“اثبت مكانك أنت وهو! ولا حركة!”
دخل تلات أفراد بملابس مدنية، وفي إيديهم سلاح ميري، ووراهم اتنين عساكر شايلين كشافات طوارئ ضربت في نص الصالة، وخلفهم دخل راجل أربعيني، لابس بدلة كحلي وقميص رمادي، ملامحه هادية جداً وباردة زي التلج، ماسك في إيده سيجارة مولعة. بص في الشقة كلها بهدوء، عينه وقعت على عمران اللي متسمر ورافع إيديه الاتنين في الهوا، وبعدين بص لحماتي اللي مكومة في الأرض على ركبها، وأخيراً بصلي أنا وأنا ساندة على حيطة الممر، بنهج وبمسح دموع الرعب من على وشي.
الظابط شاور للعساكر: “كلبش الاتنين دول، واقفلوا كل المداخل.”
عمران بصوته اللي رايح، حاول ينطق: “يا باشا… يا باشا في سوء تفاهم… أنا لسه نازل من المطار حالا ومعملتش حاجة!”
الظابط قرب منه بابتسامة سخرية خفيفة، ونزل الكشاف على الكرتونة اللي اتفتحت وظهرت منها قوالب الفويل الفضي، ووطى أخد قالب منهم وشمه، وبعدين بص لعمران وقال بنبرة هادية ترعب أكتر من الزعيق: “سوء تفاهم برضه يا عمران؟ كرتونة التمر العجوة اللي متبهدلة ألماس خام وسندات شركات منهوبة من جدة، وشنطة الأوراق المسروقة اللي جنبك دي، كل ده سوء تفاهم؟ ده أنت غلبان أوي بقى.”
حماتي صرخت: “ابني ميعرفش حاجة يا بيه! الست دي… مراته هي اللي جابت الكرتونة! هي اللي كانت طمعانة فيها ومخبيها عندها في الشقة، والله ما لينا دعوة بيها!”
أنا سمعت كلامها، وبصيتلها بذهول مش قادرة أصدقه. الست اللي كانت من كام ساعة بتدعي في الكعبة، مستعدة تلبسني مصيبة عمرها وتضيع حياتي كلها في ثانية، عشان بس تبري ابنها المجرم! بصيت للظابط ولساني كان هيتفلت، بس الظابط رفع إيده لحماتي وقالها بقرف: “اخرسي يا ولية، بدل ما تاخدي تهمة تستر وتضليل كمان فوق نصيبك. أنتي فاكرانا نايمين على ودانا؟ إحنا راصدين تليفون ممدوح من تلات شهور، وعارفين كل مكالمة دارت بينه وبين ابنك من ساعة ما اتفقوا على الصفقة دي هناك لحد ما ركبتوا الطيارة.”
الظابط التفت ناحية الباب، وقال بصوت عالي: “هات ممدوح يا ابني من البوكس تحت!”
بعد دقيقتين، طلع عسكري ساحب راجل متكلبش، لابس قميص مقطع، وشه وارم ومتبهدل، أول ما عمران شافه، صرخ فيه: “ممدوح! أنت اللي أرشدت عني؟ أنت اللي بعتني يا واطي؟”
ممدوح تف على الأرض وقال بحدة وغل: “أنا مبعتش حد يا روح أمك! البوليس كان كابس عليا تحت العمارة أول ما ركنت عربيتي، تليفوني كان متراقب من الأصل، وأنت بغبائك لما اتصلت بيا وقولتلي إن الكرتونة طلعت الشقة فوق فضحت الدنيا وسهلت عليهم يمسكونا متلبسين في ثانية!”
الظابط شاور للعساكر يخرسوه، وبعدين التفت ليا أنا. قرب خطوتين، وبص لملامحي الشاحبة ولطرحتي اللي كانت على راسي، وسألني بصوت أهدى بكتير من اللي كلم بيهم
عمران: “أنتي اسمك منار؟”
هزيت راسي وأنا برتعش، ودموعي بتنزل شلال: “أيوه يا فندم… أنا منار.”
سألني: “كنتي عارفة حاجة عن اللي جوه الكرتونة دي؟”
قبل ما أرد، حماتي صرخت تاني: “عارفة يا بيه، دي سارقاها مني عشان…”
الظابط بصلها بحدة خلتها تبلع لسانها ومترفعش عينها من الأرض، ورجع بصلي وقالي: “اتكلمي يا منار، قولي الحقيقة كاملة.”
مسحت دموعي بإيدي اللي بتترعش، وحكيتله كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، حكيتله عن السفرية، وعن فرحتي بالعمرة، وعن الهدايا اللي عمران قالنا نوزعها على الناس اللي تباركلنا، وعن خناقتي مع حماتي الصبح لما رفضت تديني نص الكرتونة أفرق منها على ضيوفي، ولما نزلت أخدتها عشان أوزع على الناس وأنا فاكراها تمر وسبح بجد، لحد ما عمران دخل الشقة من أقل من ساعة بالشنطة السودا وكشفلي الحقيقة المقرفة دي كلها.
الظابط كان بيسمع وهو بيهز راسه بتركيز، وفي الآخر قال للشاويش اللي واقف جنبه: “افتح التسجيل يا ابني بتاع مكالمة منار وعمران الصبح.”
الشاويش طلع تليفون وشغل مكالمة متسجلة، كان صوتي وأنا بعيط وبقول لعمران: “يا عمران كلم مامتك تديني نص التمر والسبح عشان الناس اللي جاية تبارك”، وصوت عمران وهو بيقولي: “سيبيها لماما وخلاص ولما أنزل هبقى أجبلك غيرها.”
الظابط قفل التسجيل، وبص لعمران وقال: “تسجيلات الرقابة واضحة ومثبتة إن الزوجة مكنش عندها أدنى فكرة عن محتوى الشحنة، ولا كانت طرف في أي اتفاق بينك وبين شبكة التهريب. لكن أنتوا استغليتوها واستغليتوا سفرها كستارة عشان تعدوا بيها من الجمارك، ودي لوحدها جريمة تانية هتتحاسبوا عليها.”
عمران قعد على الأرض، حط راسه بين ركبه وفضل ييعيط وينتحب زي الأطفال: “يا باشا أنا اتورطت… كان عليا ديون هتخليني أتسجن هناك ومكنتش شايف قدامي حل تاني، أبوس إيدك يا باشا ضيعت نفسي وضيعت بيتي!”
حماتي بدأت تصرخ وتستعطف الظابط: “يا بيه ارحمه عشان خاطري، ده ابني الوحيد، خودني مكانه وسيبه هو يعيش!”
الظابط مردش على أي حد فيهم، وشاور للعساكر: “شيلوا المضبوطات دي كلها بحرز رسمي، وحطوا الكلبشات في إيد الاتنين وخدوهم على النيابة فوراً.”
العساكر سحبوا عمران وحماتي وطلعوهم بره الشقة، وعمران بيبصلي بكسرة وندم، وكان بيترجاني بنظراته إني أسامحه أو أقف جنبه، بس أنا وقفت مكاني زي الصخر، عيني مفيهاش أي شفقة ولا ذرة تعاطف لإنسان كان مستعد يرميني في نار جهنم عشان ينقذ رقبته من غلطاته.
الظابط وقف قدامي دقيقة قبل ما يمشي، قالي: “أنتي يا منار هتيجي بكرة الصبح سرايا النيابة تدلي بأقوالك كشاهدة إثبات في القضية، وتقدري تجيبي معاكي محامي من طرف أهلك عشان الإجراءات، متقلقيش، حقك وسمعتك برة اللعبة دي تماماً والتسجيلات كلها في صالحك.”
قلتله بصوت مهدود: “شكراً يا فندم… ربنا يظهر الحق.”
خرجوا كلهم، والباب اتسد وراهم، وفضل حس السارينات يبعد شوية بشوية من الشارع لحد ما ساد الهدوء التام في البيت، ورجع النور ييجي فجأة، لينور الصالة الفاضية المكركبة.
قعدت على الأرض في نفس المكان اللي كانت مرمية فيه الكرتونة. بصيت حواليا على الشقة اللي ياما حلمت إني أفرشها وأعيش فيها مستورة ومبسوطة مع الراجل اللي اختاره قلبي. بصيت على بقايا سبحة مقطوعة خرزها مفرط في الأرض، وعلى إزازة مية زمزم صغيرة كانت مرمية جنب الحيطة. مديت إيدي ومسكت إزازة المية، فتحتها وشربت منها بوق، وحسيت بميتها بتنزل تبل ريقي الناشف وتطفي النار اللي في صدري.
رفعت عيني للسقف ودعيت ربنا من كل قلبي: “الحمد لله يا رب… الحمد لله إنك كشفتهم قبل ما أوزع البلاوي دي بإيدي وألبس مصيبتهم… الحمد لله إنك نجيتني من مكرهم.”
قومت من مكاني، دخلت أوضتي، طلعت شنطة هدومي الكبيرة اللي كنت لسه جاية بيها من السفر، ومفتحتهاش، حطيت فيها كل حاجة تخصني من دهب وأوراق وشهادات وهدوم. مسبتش فتلة واحدة في البيت ده تفكرني بيهم.
مسكت تليفوني، واتصلت بأخويا الكبير. أول ما سمع صوته قولتله: “تعالالي يا أحمد دلوقتي حالا بعربيتك عند بيت عمران… متسألش عن حاجة غير لما تيجي، عشان تاخدني ومش راجعة البيت ده تاني أبداً.”
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية، وكنت واقفة قدام مبنى النيابة وبابا وأخويا واقفين في ضهري زي الجبل. دخلت قدام وكيل النيابة، وقولت كل اللي حصل بمنتهى الأمانة والوضوح، وأثبتوا رسمي في المحضر إني ضحية استغلال ومكنش ليا أي علم بشيء، وخرجت من باب النيابة وأنا رافعة راسي، حرة ونضيفة زي ما دخلت حياتهم بالظبط.
عمران وحماتي وشبكة التهريب كلها اتحالوا لمحاكمة عاجلة، والقضايا كانت تقيلة ومفيهاش فكاك. أما أنا، فرفعت قضية طلاق للضرر، وخدت كل حقوقي القانونية، وسبت ورايا صفحة سودة كنت فاكراها حياة، وعرفت إن ستر ربنا عليا في كرتونة التمر دي كان أعظم هدية رجعت بيها من عند بيت ربنا… ستر نجاني من قاع مظلم كان هيدفن شبابي للأبد. النهاية

تعليقات
إرسال تعليق