ورث مراتى كامله أماني سيد
ورث مراتى كامله أماني سيد
مراتي ورثت عن أبوها ورث يوزن دهب.. مبالغ وشقق وأراضي وعشان أحبرها تشترى شقة تانية عشان أعرف أتجوز وأوضب الشقة كلمت أمي وقولتلها تيجى باخواتى وتعيش معانا وتزهق مراتي لحد ما توافق تشترى شقة بعيد.
حاولت كتير أقنع مراتي نشترى شقة تانية وننقل فيها، لكن هى دايماً بترفض، المشكلة إنها فاهماني كويس وأذكى من إنها تفرط في قرش واحد. كل ما أفتح معاها موضوع إننا نشتري شقة جديدة وأوسع، تبصلي بنظرة كلها شك وتقولي: "الشقة دي ملكي ومكفيانا.. مش هطلع مليم من ورثي عشان أسهل عليك جوازة تانية!".
كانت عارفة.. حاسة إن في حياتي واحدة ثانية، وبدل ما تسيبلي المساحة، قفلت كل الأبواب. بس أنا ما استسلمتش. البنت اللي اخترتها وأميرتي الجديدة، أبوها حط شرط واحد مفيش فيه فصال: "عايز شقة تمليك باسمها، تضمن حقها وما ترميهاش في أي وقت".
وأنا؟ كل القرشين اللي حيلتي والمبلغ تحويش عمر حطيتهم في شبكة دهب وهدايا ألماظ للعروسة الجديدة.. خطوبة من ورا مراتي، وكله بالداري. عشان أكسر عنادها، كان لازم أستخدم خطة وأخايها هى اللى تجيب الشقة من نفسها.
كلمت أمي: "تعالي اقعدى معايا في البيت، البيت بيتك يا أمي.. وحشانا". وقولتلها على اللى فى نيتي وأنها تجيب اخواتى وأنى عايزها تزهق مراتي، وده طبعا كان أسهل حاجة على أمي تعملها. جت أمي ومعاها الأوامر والطلبات اللي ما بتخلصش.
كل يوم والتاني عزومة، أخواتي وعيالهم، حركة ودوشة وضغط عصبي مش بيهدى من الصبح. البيت اللي كان هادي بقى عبارة عن موالد ما بتنتهيش، والمقصود واحد: نخنقها. كنت بقعد أراقبها من بعيد وهى بتمسح العرق من وشها، شايلة الصواني وداخلة طالعة، وعيونها فيها طاقة غضب مكتومة بتغلي.
الخطة كانت ماشية صح: يا إما تزهق وتلم هدومها وتروح بيت أهلها وغضبانة، وساعتها الشقة تفضى وأتجوز فيها العروسة الجديدة.. يا إما ترفع الراية البيضا، وتفتح الخزنة، وتشتري الشقة التانية عشان تخلص من الكابوس ده!
لما كانت تطلب منى فلوس عشان العزايم والمصاريف كنت برفض أديها وأقولها أنت عارفة ظروفي طلعى من معاكي ماتبقيش بخيلة. كانت تقولى القرشين دول أنا عيناها للزمن، كنت أقولها ماحدش يعرف عمره. فضلنا كده لحد ما فى مرة اتفاجئت بأكبر صدمة فى حياتى ومكنتش أبدا أتوقعها.
رجعت البيت وأنا بحاول أجمع أفكاري، وإن الضغط ده مش جايب معاها نتيجة. دخلت لقيتها قاعدة على الكرسي وبتبصلى بكل ثبات، ومن غير ما ترفع صوتها ولا تظهر أي عصبية، سألتنى ببرود: "قولي الصراحة يا معلم.. هو أنت جايب أمك وأخواتك هنا العزايم والدوشة دي كلها ليه؟ مش عشان تضغط عليا وتهد حيلي لحد ما أزهق وأوافق أشتري الشقة الثانية من ورثي؟".
اتوترت لحظة، وعيوني زاغت فى الأوضة، بس بسرعة حاولت ألبس وش العزوة والرجولة وأبرر بكل بجاحة: "إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا بنت الحلال؟ هو أنا جايب ناس غريبة؟ دي أمي وأخواتي! إيه المشكلة يعنى لما أهلي يجوا يقعدوا معايا في بيتي ويتضايفوا؟ بدل ما تفرحي إن البيت عمران ونفتحه للأهل، جاية تحسبيها ضغط وكلام فاضي؟".
ابتسمت ابتسامة خفيفة كلها سخرية، وقربت مني خطوة واحدة، وبصيت فى عينيه بثبات يربكه: "أهلك على راسي من فوق.. بس العزايم اللي بالشيء الفلاني اللي بتطلب مني أدفعها من ورثي، والضغط العصبي اللي معمول عليا كل يوم، ملهوش غير معنى واحد.
بس عايزاك تتأكد من حاجة واحدة.. اللعبة دي مش هتجيب معايا نتيجة، وسؤالي ليك دلوقتى مش عن أهلك.. سؤالي عن العروسة الجديدة والشبكة الألماظ اللي جيبتها من ورايا، فاكر إن المولد ده كله هيغطى عليها؟".
الدم اتصفى من وشي، والضحكة الباهتة اتجمدت على شفايفي، وما بقيتش عارف أهرب بعيوني فين!
بلعت ريقي بصعوبة، والعرَق بدأ ينزل على أوراي. فتحت بوقي عشان أتلعثم وأطلع بأي كذبة، أقولها دي إشاعات، أو حد بيوقع بينا، بس هي ما إدتنيش حتى فرصة أتنفس. قطعت عليا الكلام بأسلوب أبرد من التلج، وقالتلي بجمود يخوف:
"وفر على نفسك كتر الكلام والمبررات الفارغة، أنا مش عبيطة، وعارفة كل حاجة بالتفاصيل.. بس أنت فاهم غلط، أنا مش الست اللي هتصرخ وتعيط وتقولك بالذمة والترجي طـ،،لـقـ،ـني وشوف عيالك، لأ.. طالما أنت اللي اخترت تبدأ الحرب دي بالطريقة الخسيسة دي، يبقى استحمل بقى وكملها للآخر!".
قربت مني خطوة واحدة، وصوبّت صباعها فى وشي بثبات يرعب: "قدامك يومين اتنين بس يا معلم.. لو الفيلم الهابط بتاع أمك وأخواتك ده مخلصش، ولو ما رحتش جبت الشبكة الدهب والألماظ اللي جبتها للعروسة ورجعتها تحت إيدي هنا.
. وقتها ما تلومش غير نفسك. وأديك عارفني كويس.. أنا لا بتاعت محاكم ولا قضايا ولا فـ،،ضـ،،ا،يـ،ـح فى المحاكم.. بس اللحظة اللي هتحرك فيها، هتدفعك ثمن كل حاجة عملتها غالي أوي، وما ترجعش تلومني على اللي هيحصل!".
سابتني واقف مسمار فى مكاني، ودخلت أوضتها وقَفَلت الباب بالراحة ومن غير ما ترقعه.. الهدوء ده كان يرعب أكتر من أي صريخ، واليومين بدأوا يتعدوا عليا من اللحظة دي!
قعدت أهدي فى نفسي وأقول: "دي بتخوفني ومش هتقدر تعمل حاجة، أخاطر بإيه يعنى؟ آخِرها هتزعل يومين وتلم هدومها وتروح لبيت أهلها وتريحني!"، وعملت نفسي مش فارق معايا الكلام، وكملت فى المولد بتاع العزايم والدوشة ولا كأن حاجة حصلت. وسبتها ورحت الشغل وجيت لقيت الوضع زي ما هو. سألتني فين الحاجة اللي قولتلك عليها، وقتها قولت مش هعمل حاجة وأعلى ما فى خيلك اركبية. لقيتها بصتلي بضحكة وقالتلي حاضر هركبه.
سبتها ودخلت نمت، وصحيت الصبح روحت الشغل، وأنا فى الشغل جالي تليفون وكانت الصدمة اللي حسستني أني عيل صغير قدامها ومش هعرف أخيط حق ولا باطل.
ورث مراتى 2
وأنا في الشغل لقيت أمي بتكلمني وهي بتعيط، صوتها كان عياط وكسرة نَفَس عمري ما سمعتهم منها قبل كده.— "الحقني يا ابني.. تعال شوف المهزلة اللي بقينا فيها! مراتك جابت أهلها كلهم.. أخواتها بعيالهم وأجوازهم، وعمتها وولاد عمتها، البيت بقى مليان ناس ما بنلحقش نعرف أساميهم حتى!أول ما دخلوا من الباب بتبصلي بابتسامة صفرا وتقولي قدامهم: (معلش يا حماتي، أهلي شرفونا ومفيش حد غريب.
.قومي أنتِ والبنات ورينا الهمة ونضفوا الصالة وعملوا الشاي والقهوة للضيوف، البيت بيتكوا برضه ولا إيه؟)!وقفتنا أنا وإخواتك البنات زي الخدامين ونحط الصواني ونشيل الزبالة وهما قاعدين حاطين رجل على رجل!
ومش بس كده يا ابني.. دي لما البقال والفرارجي جابوا أكل العزومة تحت البيت، طلعت ورايا الأوضة وسحبت شنطتي من على التسريحة قدام إخواتك، وأخدت كل الفلوس اللي كانت معايا وقالتلي بمنتهى البجاحة: (ابنك مخلص فلوسه ومأزم في الشغل، وميصحش فـ،،ضـ،،يـ،،حـ،،تـ،ـه تبقى على كل لسان قدام أهلي.. ينوبك ثواب أدفعي حق العزومة دي من معاكي لحد ما يفرجها ربنا!)تعال الحقنا يا ابني، دي بتموتنا بالبطيء وبتقفل كل باب في وشنا!"
قفلت السكة مع أمي والدموية كلها اتجمعت في رأسي. الدنيا دارت بيا والمكتب اللي قاعد فيه حسيت إنه بيضيق عليا. الكلام كان بيخبط في عقلي زي المطارق:أمي وأخواتي يخدموا أهلها؟ بفلوس أمي؟ وبكل الثبات ده؟سيبت كل اللي في إيدي وركبت عربيتي ورجعت البيت وأنا سايق على سرعة جنونية، عقلي بيطبخ ألف طريقة أرد بيها إهانتها لينا وأكسر غرورها ده للابد.
أول ما فتحت باب الشقة بالمفتاح، استقبلتني ريحة بخور هادية مع صوت ضحكات عاليه جاية من الصالة. البيت كان عبارة عن خليه نحل .. أخواتها وولادهم مالين المكان، وأمي وإخواتي البنات وافقين في جنب المطبخ، وشوشهم سودا من القهرة وممسوح بكرامتهم الأرض. وهي؟
كانت واقفة في وسط الصالة، لابسة أنضف ما عندها، متزوقة ومبتسمة بكل هدوء، أول ما شافتني داخل، ما اتوترتش ولا إتهزت.. بالعكس، قربت مني بمنتهى الترحيب وقالت بصوت عالي يسمع الكل:— "أهلاً يا معلم! خطوة عزيزة.. تعال شوف أهلي اللي جم يطمنوا علينا لما عرفوا إن أهلك عندنا من أسبوع ومونسيننا.. أصلهم قالوا عيب نسيب حماتك وإخواتك يشيلوا الشيلة لوحدهم!"
قربت منها ومسكت إيدها بجامد ووشوشتها بصوت واطي وأنا بأكل في نفسي:— "إيه الجنان اللي بتعمليه ده؟ أنتِ تجرأي تمدي إيدك على شنطة أمي وتنزلي كرامتها هي وإخواتي?"
بصتلي في عيني بجمود أبرد من التلج، وسحبت إيدها بالراحة من غير ما تشد، وقالتلي بنفس الصوت الواطي اللي ما يوصلش لحد غيري:— "كرامة أهلك؟ أنت اللي نزلت كرامتهم يوم ما جبتهم شغالات وعزومات عشان تضغط عليا اجوزك بورثى .
. أنا بس عزمت أهلي، وطلبت من ضيوفي المقيمين يقوموا بالواجب. مش أنت بتقول البيت بيتهم؟ يورونا بقى كرم البيت!والفلوس اللي أخدتها من أمك؟ دي جزء بسيط أوي من حق العزائم اللي أنت كلتها من ورثي للأسبوع اللي فات كله."
قربت أكتر وحطت صباعها على صدري وقالت بابتسامة يرعب منها أي راجل:— "المهلة فاضل فيها يوم واحد يا معلم..لو الشبكة الدهب والألماظ ما رجعتش في إيدي، ولو فيلم أمك وإخواتك ما ينتهيش حالا.. الحركة الجاية مش هتبقى في البيت، الحركة الجاية هتبقى في سوق شغل ورزقك.. وأديك عارف أنا أقدر أعمل إيه كويس لما أقرر أذل اللي فاكر نفسه أذكى مني."
وقفت في مكاني مش عارف أنطق حرف.. بصيت لأمي اللي مستنية مني كلمة أرد بيها كرامتها، وبصيت لأهلها اللي قاعدين يضحكوا ومش فاهمين حاجة، وبصيت ليها هي.. وعرفت ساعتها بس إن اللعبة دي كانت أكبر مني بكثير، وإني سلمت رقبتي لست مش بتهزر!
المهلة خلصت، وأنا طنشت وسوقت فيها العناد. كنت فاكرها كروت بتلعب بيها عشان تخوفني، وقولت في نفسي: "آخرهم هيقعدوا يوم ولا اتنين ويمشوا، والست مالهاش إلا بيتها وجوزها".
بس أنا ما كنتش فاهم إن المرة دي الحرب مش حرب كلام.. دي حرب تكسير عظام!الأسبوع ده مر عليا كأنه أطول أسبوع في حياتي. أهلها ما مشيوش.. بالعكس، دول استقروا وزادوا! كل يوم الصبح أصحى ألاقي الصالة مليانة، وطلبات العزومات ما بتخلصش. الفطور حمام وفطير مشلتت، والغدا ذبايح ولحوم وأشكال وألوان، والعشا مشويات وحلويات شرقية بالشيء الفلاني. وهي؟ كانت بتدير المولد ده بقمة الهدوء والذكاء.
كل ما الدليفري أو الجزار أو المحل يوصل تحت البيت، تخرجلي قدام الكبار بثبات وقدرة عجيبة، وتقول بصوت عالي وابتسامة راقية:— "الحقات وصلت يا معلم.. معلش اطلع ادفع الحساب عشان الراجل واقف تحت!"
ما كنتش أقدر أفتح بوقي أو أقول معاييش قدام قرايبها وإخواتها الكبار اللي قاعدين حاطين رجل على رجل. كنت ببلع الإهانة وأطلع المحفظة وأنا قلبي بيتعصر، وأدفع من الجنيهات اللي فاضلة معايا. أمي وإخواتي البنات بقوا زي اللقمة في الفك، مقهورين ومحريين في المطبخ من الصبح للليل بيخدموا ويغسلوا مواعين عزومات أكلها ناس جايين يكسروا عيننا.
كل ما أمي تحاول تتكلم أو تشتكي، تطلع هي بمنتهى البرود وتقولها قدام الكل: (معلش يا حماتي، البيت بيتك وأنتِ الكبيرة، ولا عايزه أهل جوزي يقولوا إنك مأثرة في واجب الضيافة؟).
يوم ورا يوم.. الفيزا اتسحبت لحد آخر مليم، التحويشة البسيطة اللي كانت في الشغل خلصت، والحساب في البنك بقى صفر!وصلت لمرحلة إني بقيت بلِف حولين نفسي عشان أجمع حق علبة السجاير أو أكل اليوم. بقيت بستلف من زمايلي في الشغل ومكسوف من نفسي، والديون بدأت تتراكم عليا. وفي اليوم السابع، دخلت البيت وأنا جايبي فاضي تماماً.. حافي ومكسور، مبقاش معايا مليم واحد، ولا حتى حق المواصلات لبكرة!
لقيت الصالة فضيت لأول مرة.. أهلها مشيوا بعد ما أكلوا الأخضر واليابس وخربوا بيتي، وأمي وإخواتي قاعدين في جنب زي القتلا، مش قادرين يرفعوا راسهم ولا ينطقوا بحرف من القهرة والتعب. خرجت هي من الأوضة، كانت لابسة ومتشيكة، وماسكة كوباية القهوة في إيدها. بصتلي من فوق لتحت، وشفايقها اترسمت عليها ابتسامة النصر اللي كنت خايف منها.
قربت مني وأنا واقف في وسط الصالة مش قادر أرفع عيني فيها، وحطت كوباية القهوة على الترابيزة وقالت بصوت هادي أبرد من التلج:— "إيه رأيك يا معلم؟ المولد عجبك؟ أديك جربت تدفع حق العزومات من جيبك لحد ما أفلست ومبقاش معاك مليم.. وده كان مجرد درس صغير عشان تفهم إن القرشين بتوعي مش هتاخد منهم مليم أصلًا، وإن اللعب معايا بالخسة آخره خراب بيتك أنت."
قربت أكتر وحطت إيدها في جيبها وطلعت ورقة، وحطتها في إيدي:— "الورقة دي فيها حساب كل العزومات والأكل اللي اتصرف الأسبوع ده من جيبك، بالإضافة للفلوس اللي أخدتها من أمك. وبكرة الصبح.. قدامك خيارين مالهمش تالت:يا إما تروح للعروسة الجديدة وأبوها، وترجع الشبكة الدهب والألماظ اللي جبتها بفلوس تحويشة عمرك وتلغي الجوازة دي خالص وتجيب الفلوس تحطها قدامي هنا.
. يا إما الورقة دي مع شوية تفاصيل تانية عن الشبكة والخطوبة اللي بالداري هتكون عند أبو العروسة الجديدة، وهعرفه إنك مفلس ومعكش حتى حق شقة تمليك ولا حيلتك مليم تسند بيه نفسك!"
سابتني واقف مسمار في مكاني ومشيت.. بصيت لأمي اللي بتبصلي بدموع وندم، وبصيت للورقة اللي في إيدي.. وعرفت إن العناد أكلني، وإني بقيت مفلس، مكسور، وتحت ضرس ست ما بترحمش!
. يا إما الورقة دي مع شوية تفاصيل تانية عن الشبكة والخطوبة اللي بالداري هتكون عند أبو العروسة الجديدة، وهعرفه إنك مفلس ومعكش حتى حق شقة تمليك ولا حيلتك مليم تسند بيه نفسك!"سابتني واقف مسمار في مكاني ومشيت.. بصيت لأمي اللي بتبصلي بدموع وندم، وبصيت للورقة اللي في إيدي.. وعرفت إن العناد أكلني، وإني بقيت مفلس، مكسور، وتحت ضرس ست ما بترحمش!
ورث مراتى ٣
أمانى السيد
مسكت الورقة في إيدي وأنا حاسس إن السقف بيقع على دماغي. بصيت لأمي وإخواتي اللي قاعدين زي القتلا في الصالة، شفت في عيونهم نظرة انكسار ورعب خلوني لأول مرة أحس بحجم القرف والندل اللي عملته. أمي اللي كنت مأمل إنها "تزهّق مراتك"، بقيت هي اللي مقهورة ومكسورة ومفلسة، والبيت اللي كنت فاكر إني هبقى فيه "السي السيد" وأفرض سيطرتي، بقيت فيه مجرد كومبارس أتعصر لحد ما أفلست!
ما نمتش ليلتها.. فضلت طول الليل أتقلب على السرير وأنا سامع صوت نفسي ورجفة قلبي. الفجر أذن، قمت لبست هدومي وأنا مش قادر أبص في مراية الشقة.. ولا قادر أبص في عين مراتك اللي كانت نايمة جوة بكل ثبات وهدوء يقتل. طلعت من البيت وهدومي شكلها مبهدل وعيوني زاغية. ركبت المواصلات وأنا بستلف حق التكت من صاحبي في الشغل بكسرة نفس عمر ما راجل يتمناها لنفسه.
وصلت بيت خطيبتي الجديدة.. أبوها فتحلي الباب، وبصلي باستغراب من منظري:— "خير يا معلم؟ مالك جاي في النجمة وكأنك هربان من طار؟"بلعت ريقي بالعافية، وحاولت أجمع أي كذبة صايعة، بس لساني اتلجلج، واللقمة والكرامة كانوا خلاص ممسوحين:— "يا حاج.. أنا جاي أستأذنك أخد الشبكة الدهب والألماظ كام يوم بس..
أصل في حتة أرض معروضة عليا لقطة ومحتاج السيولة دي للتعرية والعربون، وأول ما البيعة تخلص هرد الدهب وزيادة عليه طقم تاني لبنتك."أبوها بصل بحدية ونظرة شك، وخطيبتي طلعت من جوة ومسكت الشبكة وهي بتعيط ومش راضية تسيبها:— "يعني إيه يا معلم؟ الشبكة دي حقي! أنت بتاخدها مني بعد ما أعلنا وقرينا الفاتحة؟"كنت واقف قدامهم زي العيل الصغير، باصص في الأرض ومش قادر أرفع عيني.
. بين إني أصر على موقفي وآخد الشبكة بالذوق أو العافية، وبين إن مراتك تنفذ تهديدها وتيجي لحد البيت هنا تفضحني وتعرفهم إني شحات، ولا حيلتي شقة تمليك ولا معيا مليم أستر بيه بنتم!أخدت الشبكة والدهب بقلة قيمة، وسط نظرات قرف من أبوها، ودموع خطيبتي اللي حسيت إنها كانت بداية النهاية للفيلم الهابط اللي عشت فيه. سحبت نفسي ورجعت البيت.
. المشوار كله كنت حاسس إن الناس في الشارع شايفين خيبتي. فتحت باب الشقة بالمفتاح.. البيت كان هادي، أمي وإخواتي لموا هدومهم ومشوا من بدري بعد ما ذاقوا المر، والشقة فضيت عليا وعليها. كانت قاعد على سفرة المطبخ، بتشرب القهوة ومستنية. مشيت بخطوات تقيلة، وحطيت علبة الدهب والألماظ على الترابيزة قدامها.— "أدي الشبكة.. الدهب والألماظ كله أهو.. والخطوبة اتفضت خلاص."رفعت رأسها بالراحة، وبصت للعلبة، وبعدين بصتلي فوق وتحت ببرود يذبح.
ما اتنططتش ولا فرحت، بالعكس.. نظرتها كانت نظرة القاضي اللي حكم بالنفاذ. سحبت العلبة، فتحتها وأتأكدت إن كل قطعة موجودة، وقفت وقالتلي بصوت واطي ومفهوم:— "كده الحساب الأولاني اتقفل يا معلم.. الفلوس والدهب رجعوا مكانهم. لكن عشان تصليح اللي اتكسر جوة البيت ده؟ قدامك مشوار طويل أوي.. وأول خطوة فيه إنك تنسى فكرة الورث دي تماماً، وتبدأ تشتغل وتعرف يعني إيه راجل بيصرف على بيته بحلاله، مش بالنذالة والخسة!
"سابتني واقف مسمار في المطبخ، ودخلت أوضتها، وأنا بقيت واقف في بيت فاضي، مفلس، ومكسور العين.. وعرفت إن اللي يلعب مع ست أذكى منه، لازم يدفع الثمن غالي ومن كرامه قبل جيبه!عدت الأيام، والشقة بقت زي قبر مقفول عليا.. الهدوء اللي فيها كان أشد وأقسى من كل الدوشة والمواليد اللي عملتها أمي وإخواتي.
بقيت أدخل البيت زي الغريب، أمشي على أطراف صوابعي، خايف أعمل أي صوت أو أفتح بوقي بكلمة. هي ما كانتش بتتخانق، ولا بترفع صوتها، ولا حتى بتكشر في وشي.. كانت بتعاملني ببرود أبرد من التلج، تجيب الأكل وتحطه قدامي بسكوت، وتنضف البيت بسكوت، ولما أطلب حاجة ترد على قد الكلمة بالضبط، ومن غير ما عيونها تتقابل مع عيوني.
الكسرة اللي حسيتها قدام أبو خطيبتي القديمة والدهب اللي أخدته بقلة قيمة كانت لسه بتأكل في قلبي، بس القهرة الأكبر كانت إني حاسس إني صغرت قدام نفسي.. بقيت حاسس إني عيل ملوش كلمة ولا قيمة في بيته. في يوم، قعدت على الكنبة في الصالة بعد ما رجعت من الشغل مهدود، وكانت هي طالعة من المطبخ ومقاطعة السكة.
ناديت عليها بصوت واطي ومكسور:— "يا بنت الحلال.. لحد إمتى هنفضل عايشين كدا؟ أنا أهو سمعت الكلام، ورجعت الدهب والشبكة، ونهيت موضوع الجوازة التانية خالص، وأمي وإخواتي مشيوا وما بقاش حد يدخل بيتك.. مش كفاية بقى العقاب ده؟"وقفت مكانها، وبصتلي بنظرة طويلة، خالية تماماً من أي مشاعر.. لا فيها غضب، ولا فيها حزن، ولا حتى شفقة.
قربت خطوات هادية، وقفت قدامي وهي ساندة إيدها على سفرة الصالة، وقالت بنبرة حاسمة:— "عقاب؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده عقاب يا معلم؟ لأ أنت فاهم غلط.. أنا مش بعاقبك، أنا بس بقيت بتعامل معاك على قد حجمك الجديد عندي. أنت كنت فاكر إنك لما تسلّط عليا أهلك، وتخنقني في بيتي، وتستغفلني عشان تاخد ورثي تجوز بيه واحدة تانية.
. إن كلمة (حقك عليا) أو رجوع الشبكة هيمحوا القرف ده في يوم وليلة؟"سكتت لحظة، ونظرتها كانت بتخترقني زي السكين:— "البيت ده أنا اللي شيلته يوم ما أنت كنت بتفكر إزاي تكسرني.. والفلوس اللي أنت حطيتها في الشبكة والهدايا، لو كنت استثمرتها في بيتك وعيالك كان زمانك في مكان تاني. بس أنت اخترت الخسة، والست لما تجرحها في كرامتها وتستغفلها، بتموت جواها حاجة اسمها ثقة.
. والثقة دي لو أتعجنت بمليون جني مش بترجع."سحبت كرسي وقعدت قدامي، وحطت إيدها على الترابيزة:— "عايز العيشة ترجع؟ يبقى تبدأ من السفر.. تصرف على البيت من عرقك، وتقفل سيرة ورثي دي للأبد، ولا تحلم بقرش منه لو تموت.. وتعرف إنك لو فكرت مجرد تفكير تلعب من ورايا تاني، المرة الجاية مش هتبقى شبكة ولا عزومات.. المرة الجاية هتبقى ورقة طلاقك بيدك، وحق عيالك هتاخده بالقانون والقدم، وساعتها هسيبك للهوا.
"بلعت ريقي وأنا حاسس إن كل كبريائي اتبخر.. بصيت للأرض، وما لقيتش عندي رد واحد أدافع بيه عن نفسي.— "حاضر.. اللي تشوفيه يا بنت الحلال."سابتني وقامت، ودخلت الأوضة وقَفَلت الباب. قعدت لوحدي في الضلمة، بصيت لحيطان الشقة اللي كنت عايز أطفش منها، وللأيام اللي ضاعت في العناد والخطة الغبية.
. وعرفت إن الراجل لما بيخسر كرامته ونخوته عشان قرشين أو نزوة، بيفضل طول عمره يدفع الفاتورة، وممكن يعيش تحت سقف واحد مع ست.. بس يعيش في نظرها مجرد خيال مَآتة!مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايش في البيت زي "ضيف تقيل" مالوش أي كلمة. أروح الشغل الصبح وارجع بالليل، أدخل ألاقي الأكل محطوط بانتظام، والبيت متستف، ونضيف.
. بس كان ناقصه أهم حاجة: الروح. مكانش فيه بيني وبينها غير السلام وعليكم السلام، وكلام على قد المصاريف وأحوال الولاد. بقيت لما أعوز حاجة أستأذن، ولما أحب أفتح موضوع أتردد ألف مرة قبل ما أنطق. الكسرة اللي جويا مكانتش عشان الفلوس اللي ضاعت على الشبكة والألماظ، لكن عشان نظرة الاستصغار اللي بشوفها في عيونها كل ما تبصلي. وفي يوم، كنت قاعد في الصالة بالليل، وهي كانت بتمسح الترابيزة.
بصيت لها وجمعت كل شجاعتي عشان أكلمها:— "هو أنا هفضل عايش معاكي كده طول العمر؟ غريب في بيتي؟ مش كفاية يا بنت الحلال اللي حصل؟ أنا اتعلمت الدرس، ومبقتش عايز غير إننا نرجع زي الأول."سحبت الفوطة من إيدها، ووقفت بصتلي بجمود.. مفيش في عيونها أي أثر للزعل ولا للغل، كان فيه حاجة أصعب بكثير: موت المشاعر. قالتلي بصوت هادي يقطع القلب:— "ترجع إزاي يا معلم؟
هو اللي بيتكسر في كرامة الست ونخوة الراجل بينفع يتصلح؟ أنت ما كفلكش إنك راجل البيت ومسؤول عننا.. أنت حاطت عينك على ورثي، وجبت أمك وأخواتك يذلوني في بيتي، وكنت بتستغفلني عشان تجوز عليا بفلوسي! أنت فتحت باب من الخسة، والباب ده لما بيتفتح بياخد معاه كل حاجة حلوة."قربت خطوة وقالت بثبات:— "أنا قعدت معاك مش عشان بحبك ولا عشان مستنية تتغير..
أنا قعدت عشان عيالي ما يتربوش بعيد عن أبوهما، وعشان بيتي اللي تعبت فيه ما يتهدش. أنت عايش معايا أكلك وشربك وغسيلك بيتعملوا على أكمل وجه.. بس قلبك وثقتك وبصتي ليك كراجل أتسند عليه؟ دول ماتوا من اليوم اللي فكرت فيه تعمل عليا راجل بأهلك."سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:— "ورثي اللي كنت طمعان فيه؟ مش هتشوف منه مليم، وعايزه يفضل محطوط في البنك للزمن ولعيالي.
وأنت هتعيش تصرف على بيتك قرش ينطح قرش من عرقك.. تعيش راجل بجد، مش بتمثيلية."سابتني ومشيت ودخلت أوضتها، وأنا فضلت قاعد في مكاني مش عارف أرد..ساعتها بس فهمت إن أقصى عقاب ممكن تديه لك ست أذكى منك، مش إنها تتخانق معاك أو تطلب الطلاق.. العقاب الحقيقي إنها تسيبك عايش معاها تحت سقف واحد، بس تجردك من هيبتك وتخليك تشوف نفسك في الملاية كل يوم كـ "عيل صغير" خسر بيته وكرامته عشان نزوة وطمع!
ومرت الشهور.. وكانت أصعب شهور عدت عليا في حياتي. الهدوء القاتل اللي في البيت كان بيعصرني كل يوم، بس المرادي قررت إني ما أهربش ولا أعاند. استوعبت إن الطريق الوحيد عشان أرجع راجل في عين نفسي وفي عينها، هو إني أتحمل نتيجة أفعالي وأثبت لها إن الشدة والأزمة دي طلعت مني راجل جديد. بدأت أغير كل حاجة في حياتي من الساس للرأس.
نزلت شغلي بروح تانية خالص، بقيت أشتغل ورديتين وأسهر عشان أزود دخلي بحلال الله. بقيت أرجع البيت هدومي مبلولة عرق وتعب، وأحط المصاريف كلها في إيدها بالقرش، وأقولها بمنتهى الرضا:— "دي مصاريف البيت، والحمد لله ربنا بارك في القرشين بتوع النهاردة."ما بقتش أفتح سيرة الورث ولا الفلوس من قريب أو بعيد، بل بالعكس.
. بقيت أقولها: (فلوسك وورثك دول حقك وحق عيالك، شيليهم للزمن وأنا المسؤول عن كل لقمة بتدخل البيت ده).بدأت أصلح اللي أفسدته مع أهلي كمان؛ جمعت أمي وإخواتي، وقولتلهم بوضوح وشدة بس بأدب: (اللي حصل زمان كان غلطتي أنا، ومراتي على راسي وبيتي خط أحمر، ومحدش يتدخل بيني وبينها تاني).. وحطيت حدود واضحة للجميع عشان أحمي بيتي وكرامة مراتي اللي هانتها بسبب طمعي.
مع الوقت، كانت هي بتراقب التغير ده في صمت. شافت التعب في وشي، وشافت الإصرار في عيني على إنه ينصلح حالي، وشافت إني بقيت بحترمها وبحفظ غيبتها وبشيل بيتي وعيالي فوق كتفي بجد. التلج اللي كان على قلبها بدأ يدوب واحدة واحدة.. اللقمة بقت تنزل بابتسامة، والحديث اللي كان على قد الكلمة بقى يطول، والضحكة اللي غابت عن البيت سنين بدأت ترجع تدريجياً.
وفي ليلة، رجعت من الشغل مهدود الحيل بعد يوم طويل وتعبان. دخلت الشقة لقيت الهدوء هادي ورَايِق، والولاد نايمين، والأكل متغطي وسخن على السفره. خرجت هي من الأوضة، كانت جايبة لي كوباية شاي سخنة، وبصتلي بنفس النظرة الثابتة.. بس المرادي ما كانش فيها برود ولا قسوة، كان فيها دفا وتقدير. حطت الشاي قدامي، وقعدت قصادي، وقالتلي بصوت هادي يداوي كل الجروح اللي فاتت:— "تعبت النهاردة يا معلم.
. الله يقويك ويصلح حالك."رفعت رأسي وبصيت في عينها.. الكلمة دي كانت بالنسبة لي أحسن من كل كنوز الدنيا. ابتسمت وقالت بثقة:— "أنا شفت السعي والتعب اللي بقالك شهور عايش فيه، وشفت إنك اتغيرت بجد وعرفت قيمة بيتك.. الست يا معلم مش عايزه راجل معاه ملايين ولا عايزه تاخد حقه، الست محتاجة تحس إن اللي معاها راجل حقيقي، بيحميها وبيصونها وما بيستغفلهاش ولا يبيعها عشان نزوة.
أنت أثبت لي إنك اتعلمت الدرس، والصفحة القديمة دي أنا طويتها للكتف، والنهارده بنبدأ على نظافة."ساعتها حسيت إن جبل كان متشال من على صدري واتزاح. مسكت إيدها، ولأول مرة من زمان حسيت إن كرامتي ورجولتي رجعولي بجد.. مش بالفرض ولا بالسيطرة الكدابة، لكن بالمسؤولية والأمانة. عرفت ساعتها إن الدرس كان قاسي أوي، بس كان لازم أتعلمه: إن البيت ما بيتبنيش بالخسة ولا بالطمع، وإن الست الأصيلة الذكية لما تسامح بعد كسر، بتبني معاك بيت أمتن وأقوى من الأول ألف مرة.

تعليقات
إرسال تعليق