جوزي رماني من فوق جبل حكايات انجى الخطيب
جوزي رماني من فوق جبل حكايات انجى الخطيب
جوزي رماني من فوق جبل وأنا في الشهر التاسع، عشان يقبض خمسين مليون جنيه تأمين على حياتي، وبعدها وقف في جنازتي جنب عشيقته وهو عامل نفسه أرمل مكسور… بس فريد كان عامل غلطة واحدة قاتلة. لا أنا ولا ابني اللي لسه في بطني كنا جوه التابوت ده، وبينما هو كان بيمثل دور الزوج المكلوم، كنت أنا بالفعل بحضر للرجوع من الموت.
لحد النهارده، فاكرة اللحظة اللي إيد فريد خبطت في ضهري.
من كام ثانية بس، كنت واقفة على حافة جبل في سانت كاترين، وسط البرد والهواء الشديد، وبترجاه يرجعني البيت.
“فريد، والنبي خلينا ننزل… أنا تعبانة والجو خطر.”
لكن بدل ما يمد إيده يساعدني، ابتسم.
ابتسامة عمرها ما هتطلع من دماغي.
“إنتِ وابنك مش هتتعذبوا كتير.”
وفجأة، زقني.
“فرييييد!”
صرخت وأنا بحاول أمسك في أي حاجة، لكن الجزمة زحلقت على الصخور المبلولة، وجسمي وقع من على حافة الجبل.
ما حسيتش غير بخبطة جامدة في جنبي ورجلي، وألم رهيب انفجر في جسمي كله. اتدحرجت لحد ما وقعت على حتة صخرية ضيقة تحت الجبل.
أول حاجة عملتها، إني حطيت إيديا الاتنين على بطني.
“يا رب… يا رب خليه كويس.”
كنت بحاول أتنفس، والدموع نازلة من غير ما أحس.
“حبيبي… لو سامعني، دوس عليا بس.”
الهوا كان بيخبط في وشي، والبرد داخل في عضمى، وهدومي كلها اتبلت من المطر والثلج الخفيف اللي كان نازل على الجبل.
كنت فاكرة إن فريد ممكن يكون اتخض، أو إنه هيتصل بالإسعاف.
لكن بعد دقائق، سمعت صوت خطوات فوق.
وصوت ست.
صوت خلاني أتجمد أكتر من البرد.
سلمى.
سكرتيرته التنفيذية، اللي كان دايمًا بيقول عليها مجرد زميلة شغل.
“هي ماتت؟” سألت بصوت متوتر.
وسمعت فريد بيضحك ضحكة هادية.
“بعد خمسين مليون جنيه؟ لازم تكون ماتت.”
حطيت إيدي على بقي عشان أكتم شهقتي.
في اللحظة دي، كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
الرحلة الرومانسية اللي أصر عليها فجأة.
إصراره إننا نطلع الجبل رغم تحذيرات الطقس.
رفضه إننا نجيب دليل أو حد يمشي معانا.
ووثيقة التأمين الكبيرة اللي فضل يضغط عليا من شهور عشان أزود قيمتها وأخليه المستفيد الوحيد.
أنا كنت فاكرة إنه بيأمن مستقبل ابنه.
لكن الحقيقة كانت أبشع بكتير.
جوزي كان جايب مراته الحامل للجبل عشان يقتلها.
صوت خطواتهم بدأ يبعد.
استنيت أسمع فريد بيتصل بالإسعاف، أو بيطلب النجدة.
لكن مفيش حاجة حصلت.
سابوني هناك.
سابوني أموت من البرد، وهم متأكدين إن الجبل هيكمل اللي بدأه فريد.
عدى وقت طويل وأنا بين الوعي والإغماء.
كل ما عيني تقفل، كنت بحط إيدي على بطني وأنا مرعوبة.
أكتر حاجة كانت بتخوفني إني أصحى وألاقي ابني سكت.
كنت بدعي بصوت واطي:
“يا رب… مش هو. مش ابني.”
وفجأة…
حسيت بحاجة بتتحرك.
ركلة.
ركلة صغيرة، بس كانت بالنسبالي أقوى من أي معجزة.
فتحت عيني وأنا بعيط.
“إنت لسه هنا؟”
حطيت إيدي على بطني وضحكت وسط دموعي.
“خلاص يا حبيبي… ماما هتعيش عشانا إحنا الاتنين.”
جمعت كل قوتي، وفضلت أقاوم النوم والبرد والألم.
لحد ما فجأة، نور قوي بدأ يتحرك فوق الجبل.
وبعده صوت مروحية بيقطع السما.
صوت ما كنتش مصدقة إني هسمعه.
بعد دقائق، نزل واحد من رجال الإنقاذ بحبل من فوق.
“مدام! اسمعيني، خليكي معانا!”
مسكته بكل قوتي.
“جوزي… هو اللي عمل فيا كده.”
بصلي بدهشة.
“جوزك؟”
هزيت راسي وأنا بحاول أتكلم.
“أرجوك… ما تقولوش إني عايشة.”
قبل ما يرد، جهاز اللاسلكي اللي معاه أصدر صوت.
“المركز بيبلغ إن الزوج وصل قبل شوية وقدم بلاغ إن زوجته اتوفت في حادث سقوط.”
حسيت الدم اتسحب من وشي.
فريد ما كانش مستني حد يلاقي جثتي.
هو كان بدأ بالفعل يكتب قصة موتي.
كان عايز الناس تصدق إني وقعت لوحدي.
كان عايز يقبض الفلوس.
وكان عايز يتجوز سلمى ويبدأ حياته الجديدة.
قفلت عيني للحظة.
وفي اللحظة دي، أخدت أول قرار في حياتي الجديدة.
“خليه يصدق إني مت.”
المنقذ بصلي باستغراب.
لكن أنا كنت عارفة أنا بعمل إيه.
فريد كان عايز جنازة.
وأنا هديهاله.
جنازة يودع فيها زوجته، ويقف جنب عشيقته، ويعيط قدام الناس وهو فاكر إن خمسين مليون جنيه اشتروا له مستقبل جديد.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إن الست اللي هو حاول يقتلها كانت لسه عايشة.
وإنها مش هترجع لنفس البيت كزوجة مكسورة.
أنا هرجعله وأنا أقوى.
هرجعله وأنا عارفة كل أسراره.
وهخليه يكتشف بنفسه إن الست اللي دفنها بإيده…
رجعت من الموت عشان تدفن حياته هو.
المنقذ بصلها بدهشة، عينيه كانت بتتراوح بين ملامحها النازفة وبين اللاسلكي اللي في إيده. كانت لحظة صمت مرعبة، صوت مروحة الطيارة فوقينا كان بياكل كل السكون اللي في الجبل.
“يا فندم أنتي بينك وبين الموت خطوة! أنتي بتنزفي والولادة شكلها بدأت!” المنقذ قالها بصوت فيه ذهول وهو بيحاول يربط الحزام حولين جسمي عشان يرفعني.
مسكت في إيده بضغط أخير من صوابعي اللي كانت متلجة، وعيني جت في عينيه بكل القوة اللي فاضلة جوايا:
“لو أعلنت إني عايشة… فريد هيخلص عليا أنا وابني في أول مستشفى هدخلها. فريد مش بيشتغل لوحده… ومحدش هيحميني غير موتي.”
وفجأة، صوت اللاسلكي اتفتحت فيه القناة المركزية تاني، وجيه منه صوت ظابط بيسأل:
“نقيب هشام… هل فيه أي أثر للضحية؟ الزوج موجود معانا في القسم، انهار تماماً وبيطالبنا نوقف البحث بسبب سوء الأحوال الجوية… وبيقول إن مفيش أمل تكون عايشة.”
النقيب هشام بصلي. المطر كان بينزل على وشه، وشاف التوسل الحاد في عيني… توسل أم مش بتدافع عن حياتها، بتدافع عن حظ ابنها في الدنيا. أخد نفس عميق، وحط إيده على اللاسلكي.
“المركز… رؤية معدومة. اتجاه الريح خطر. لقينا بقايا متعلقات ملطخة بالدم على صخرة مفتتة… المؤشرات تؤكد سقوط الجثة في الهاوية وسحبها مع السيل. التقرير المبدئي: لا يوجد نجاة.”
في اللحظة دي، حسيت بقلبي بيدق كأنه طبول حرب. العملية بدأت.
رفعوني للطيارة، والوجع كان بياكل أحشائي. الوجع ما كانش بس وجع الكدمات والكسور، ده كان وجع طلق الولادة اللي بدأ ينهش في جسمي بلا رحمة. بعد ساعات مش فاكرة منها غير المشرط والأضواء البيضا وصوت أجهزة القلب، فتحت عيني في أوضة ضيقة، ريحتها مطهرات وصوت جهاز التنفس الصناعي بيهمُس جنب ودني.
جنبي، كان فيه سرير صغير… وجمبه، النقيب هشام واقف وشبه متكتف، باصصلي بنظرة غموض.
“مبروك… ولد. بس وضعك الصحي حرج، وحجم الدم اللي فقدتيه كان هيقتلك.”
حطيت إيدي على بطني… الفراغ المفاجئ كان مرعب، بس الصوت القريب اللي طلع من السرير الصغير رد فيا الروح. ابني… بيتنفس.
“وفريد؟” سألته بصوت مبشح ومبحوح.
هشام شغل شاشة التليفزيون الصغيرة اللي في زاوية الأوضة على القناة الإخبارية.
المذيعة كانت بتتكلم بصوت درامي: “وفاة زوجة رجل الأعمال الشاب فريد التامي في حادث أليم أثناء رحلة في سانت كاترين… والزوج يظهر في حالة انهيار تام أثناء مراسم الجنازة…”
الكاميرا اتنقلت للمقابر.
فريد كان واقف، لابس نضارة شمس سودا، بيستند على كتف سلمى اللي كانت بتعيط بتمثيل متقن. فريد كان بيغطي وشه بمنديل، يظهر للناس إنه بيبكي… بس أنا، أنا حافظة تفاصيل وش جوزي. اللوية الخفيفة في طرف شفته، الهزة البسيطة في كتفه… فريد ما كانش بيبكي. فريد كان بيحاول يداري ابتسامة النصر.
وفجأة، الكاميرا قربت من التابوت المقفول وهو بينزل في القبر… التابوت اللي فيه أوزان عشان يوهموا الكل إن الجثة جواها، لأن حادث السقوط ما سابش منها حاجة قابلة للاسترداد حسب كلامهم.
ضحكت بصوت واطي، ضحكة مكسورة مليانة غل.
هشام قرب مني وقال بجدية شديدة: “أنا طوعتك وخاطرت بشغلي وحياتي عشان حسيت إنك مظلومة… بس إنتِ فاهمة إنتِ داخلة على إيه؟ فريد بكره الصبح هيستلم الخمسين مليون جنيه من شركة التأمين، وقبل ما الأسبوع يخلص، هيكون صفى كل حساباتك وباع الشقة والشركة.”
بصيت له بكل الهدوء اللي في الدنيا، وهزيت راسي بالنفي:
“فريد مش هيستلم قرش واحد يا هشام…”
“إزاي؟ التقرير الرسمي صدر بوفاتك!”
ابتسمت وأنا بمد إيدي المرتعشة وبشيل ابني لأول مرة بين إيديا، وبحط شفتي على راسه المتدفاية بالغطا الأبيض.
“عشان فريد لما زقني من على الجبل… كان فاكر إنه بيمحي الشاهد الوحيد على جريمته. بس هو ما يعرفش إن قبل ما نسافر بساعتين بس، أنا اكتشفت السر اللي هو بقاله سنتين بيحاول يدفنه… السر اللي لو اتعرف، الخمسين مليون جنيه دول مش بس مش هيشوفهم… دول هيكونوا السبب في إن فريد يترمي في حتة ألعن بكتير من القبر اللي هو حفرُهولي بنفسه.”
هشام بلع ريقه بذهول: “سر إيه؟”
بصيت لشاشة التليفزيون، وعلى صورة فريد وهو بيسلم على الناس في الجنازة، وقولت بصوت أبرد من ثلج سانت كاترين:
“السر اللي هيخليه يترجاني أرحمه… واللعبة، يلا يا هشام، يلا نبتديها.”
عدت تلات أيام. تلات أيام وأنا محبوسة في شقة مستخبية في أطراف القاهرة، أعد الثواني وأنا بتفرج على فريد وهو بيمارس حياته كأنه بطل في فيلم سينما. هشام جابلي أجهزة وتليفونات غير مسجلة، وقدر بفضله وبفضل علاقاته يضمنلي الأمان للوقت الحالي.
ابني كان بينام في حضني، بيتنفس بانتظام، وأنا كل ما أبص لملامحه الصغيرة، نار الانتقام جوايا كانت بتزيد مش بتقل. فريد كان فاكر إن القصة خلصت تحت صخور سانت كاترين… بس هو ما كانش عارف إن الرواية الحقيقية يادوبك ابتدت.
اليوم الرابع كان معاد المقابلة الحاسمة. فريد رايح لمقر شركة التأمين عشان يستلم الشيك الأكبر في حياته: خمسين مليون جنيه.
كان لابس بدلته السودا الفخمة، وداخل بثقة يهد بيها جبال، وسالمة ماشية جنبه كأنها السكرتيرة المخلصة اللي بتسانده في محنته. دخل مكتب مدير شركة التأمين، وقعد بثبات، وحط التقرير الطبي وشهادة الوفاة المزورة على المكتب.
“أنا مقدر حزنك يا فريد بيه…” مدير الشركة قالها وهو بيقلب في الأوراق، “لكن المعاملة جاهزة للشيك… فاضل بس إمضاء أخير منك على التقرير النهائى.”
فريد ابتسم ابتسامة مكتومة، مسك القلم الفخم بتاعه، وكان لسه هيحط التوقيع اللي فاكر إنه هيغير حياته للأبد…
وفجأة، تليفونه الشخصي رن.
نغمة مميزة… نغمة ما بتشتغلش غير لما يجيله اتصال أو رسالة من رقمي أنا شخصياً. النغمة اللي كنا عاملينها لبعض من أيام ما كنا بنحب بعض.
إيد فريد اتجمدت فوق الورقة. وشه اتخطف تماماً.
بص للشاشة بسرعة… الرقم اللي بيتصل بيه كان رقَمي.
سالمة لمحت الاسم على الشاشة ورجعت لورا وهي بتبلع ريقها برعب: “فريد… ده… ده تليفون فريدة؟! إزاي؟!”
فريد حاول يسيطر على أعصابه قدام مدير الشركة اللي كان باصص ليهم باستغراب شديد. كنسل المكالمة وهو إيده بترتعش، وضحك ضحكة صفرا باهتة: “أسف يا فندم… خطأ في الشبكة.”
رجّع القلم للورقة عشان يوقع… بس قبل ما السن يلمس الورق بأجزاء من الثانية، جتله رسالة صوتية على الواتساب من نفس الرقم.
فريد ما قدرش يمسك نفسه. رفع التليفون لودنه وهو حاسس إن قلبه هيقف من الخوف.
الصوت اللي طلع في الرسالة ما كانش صوتی… ولا كان صوت حد حي.
كان صوت خطوات على صخور مبلولة… صوت هوا شديد وبيصفر… وبعدها صوت صرختي وأنا بقع، يتبعها ضحكة فريد نفسه الجريمة اللي قالها فوق الجبل: “بعد خمسين مليون جنيه؟ لازم تكون ماتت.”
والرسالة اتختمت بصوت واطي ومبشوح… صوتي أنا وهو بيهمس في ودنه كأني واقفة وراه بالضبط:
“التوقيع ده هيوديك السجن مش البنك يا فريد… افتح الخزنة اللي في بيتك دلوقتي، وشوف أنا سيبتلك إيه مكان وثيقة التأمين الأصلية.”
القلم وقع من إيد فريد على السجادة. الشفايف اللي كانت رايحة تبتسم للفلوس اتجمدت، والدم اتسحب كلياً من وشه.
بص لمدير الشركة، وقام وقف مرة واحدة وهو بيلهث ومش قادر ياخد نفسه: “أنا… أنا لازم أمشي دلوقتي!”
طلع يجري من الشركة وسالمة وراه مش فاهمة حاجة وبيصرخ فيها عشان تسكت. وصل فيلته زي المجنون، دخل يجري على مكتبه السرّي وهو بيقلب الكراسي والتحف، فتح الخزنة الحديدية بالرقم السري وأصابعه المرتعشة بتغلط مرتين من الرعب…
ولما باب الخزنة اتفتح…
فريد صرخ صرخة رجّت البيت كله، ورجع لورا لحد ما وقع على الأرض من الصدمة والذهول.
اللي كان جوه الخزنة ما كانش وثيقة التأمين… ولا كان مجرد ورق تهديد عادي.
كانت حاجة ألعن بكتير… حاجة كشفتله إن الست اللي زقها من فوق الجبل، مش بس عايشة… دي كانت جوه أفكاره وبيته، ومسكت الخيط اللي هيشنقه وهيجرده من كل حاجة بيملكها!
جوه الخزنة… ما كانش فيه أي أوراق تأمين.
كان فيه علبة صفيح صغيرة مفتوحة، جواها سوار بلاستيك أزرق من بتوع المستشفيات، مكتوب عليه بخط اليد: “مولود فريدة عبد الجواد – ذكر – حديث الولادة”. وجنبه… فلاشة سودا، وورقة واحدة مطوية.
سلمى دخلت جري الأوضة وهي بتلهث، وشها أصفر زي الليمونة: “فريد! في إيه؟! صرخت ليه؟ ورسالة إيه اللي جاتلك من شركة التأمين؟!”
فريد رفع إيده المرتعشة، مسك السوار الأزرق، وبصلها بعيون مرعوبة كأنه شاف عفريت: “التابوت… التابوت كان فاضي يا سلمى… التابوت كان فاضي!”
سلمى رجعت خطوة لورا وهي مش فاهمة: “فاضي إزاي؟! إحنا حضرنا الجنازة! الناس شالت التابوت ودفنوه!”
“كانوا حاطين فيه أوزان يا غبية!” فريد صرخ بصوت هيستيري وهو بيضرب المكتب بإيده: “عايشة! ولدت وعايشة! والولد معاها!!”
قبل ما سلمى ترد، شاشة الكومبيوتر اللي على المكتب نورت لوحدها. صوت رنة اتصال فيديو اتفتح من غير ما حد يلمس الكيبورد.
فريد اتسمر مكانه.
على الشاشة… ظهرت أوضة إضاءتها خافتة، وكانت فيه ست قاعدة على كرسي هزاز، شايلة بين إيديها طفل صغير ملفوف في بطانية بيضا. الست رفعت راسها للكاميرا… كانت أنا.
ملامحي كانت تعبانة، وشي فيه جروح بسيطة من صخور الجبل، بس عيني كانت فيها نظرة برود تجمد الدم في العروق.
“مساء الخير يا فريد…” قولت بصوت هادي وناعم، “ومساء الخير يا سلمى… حبيت أباركلكوا على الجنازة، كانت ذوقها عالي أوي، المظلات السودا والورود كانت لايقة على القتلة.”
فريد قرب من الشاشة وهو بيترعش، صوته طلع مخنوق: “فريدة… أنتِ… أنتِ إزاي؟ السقوط ده محدش يعيش منه! الجبل كان ارتفاعه…”
كتفت ابني أكتر في حضني وابتسمت ابتسامة خفيفة: “الجبل ما قتلنيش يا فريد… لأن ربنا كان كاتب لابنك يعيش. بس أنت عارف إيه اللي هيقتلك بجد؟ الورقة اللي جنبك في الخزنة… افتحها.”
فريد مسك الورقة المطوية بإيد بتترعش، فتحها ببطء… وكانت عبارة عن كشف حساب بنكي سري في السويد باسم سلمى، فيه تحويلات بمليارات المشبوهة، والاسم اللي ماضي على التفويض… كان إمضاء فريد نفسه، بس بتاريخ قديم جداً.
وش فريد بص لسالمة بذهول ورعب: “إيه ده؟! الأوراق دي جاتلك منين؟! وسلمى… أنتِ…”
سلمى برقت عينيها بصدمة وهزت رأسها بنفي هيستيري: “والله ما أعرف حاجة يا فريد! أنا عمري ما فتحت حساب في السويد! والله ما أعرف!”
ضحكت بصوت خفيف من الشاشة: “سيبك منها يا فريد… سلمى مجرد بيدق غبي في اللعبة. أنت فاكر إنك لما زقيتني من فوق الجبل عشان الخمسين مليون بتوع التأمين، كنت بتعمل أذكى جريمة؟ أنت نسيت إنك من سنتين قتلت شريكك القديم ودققت حفرته بإيدك؟ ونسيت إن الحساب ده هو الحساب اللي كنت بتهرب فيه فلوس العصابة الدولية اللي أنت شغال معاها؟”
فريد رجع لورا لحد ما خبط في الحيطة، العرق نازل على وشه زي المطر: “أنتِ… أنتِ عرفتي الحساب ده منين؟ الأوراق دي كانت في المطبوعات السرية لـ…”
“من اللابتوب بتاعك يا حبيبي…” قاطعت كلامه بصوت حاد، “الرحلة اللي طلعتها معايا سانت كاترين؟ أنت كنت فاكر إنك مستفرد بيا… بس أنا كنت عارفة نيتك قبلها بأسبوع. بدلت كل أوراقك السرية، وحطيت أصل مستندات الجريمة القديمة في إيد النائب العام بنفسي… النهاردة الصبح.”
وفجأة… صوت سرينات البوليس بدأت تظهر من بعيد. أضواء أحمر وأزرق بدأت تضرب في زجاج شباك الفيلا من بره. صوت ميكروفون قوي صدى في الشارع: “فريد التامي! الفيلا محاصرة! اخرج وإيدك فوق راسك!”
فريد بص للشباك بذهول، وبعدين بص للشاشة وهو بيبكي من الرعب والغيظ: “عملتي إيه يا فريدة؟! عملتي إيه?!”
قربت وشي للشاشة، وقولتله بكل ثبات: “البوليس بره مش جاي يقبض عليك عشان قتلتني يا فريد… البوليس جاي يقبض عليك بتهمة الخيانة وغسيل الأموال وقتل شريكك. بس الخبر الحلو؟ إن البوليس مش هو بس اللي واقف بره…”
فريد اتجمد: “يعني إيه؟”
“يعني الناس بتوع العصابة الدولية اللي أنت سرقتهم ولبست التهمة لسالمة… واقفين عند الباب الخلفي للفيلا ومستنيينك تطلع عشان يصفوا حسابهم معاك بالطريقة بتاعتهم. قدامك أختيارين يا فريد… تطلع للبوليس وتلبس البدلة الحمرا… أو تخرج من الباب الخلفي وتقابل صحابك.”
قفلت السكة في وشه… والشاشة اسودت.
فريد وقف في نص الأوضة، بين صريخ سلمى، وسرينات البوليس من قدام، وصوت خطوات تقيلة ومسلحة بتبدأ تكسر الباب الخلفي للفيلا…
سلمى بدأت تصرخ زي المجنونة، مسكت الفازة الكريستال وكسرتها على زجاج المكتب وهي بتبص لفريد برعب وغل: “انت دمرتني! انت ضحكت عليا وقلتلي إن كل حاجة متأمنة! أنا مش هروح السجن معاك يا فريد!”
فريد ما ردش عليها، زقها بكل قوته وقعها على السجادة، وهجم على اللوحة الخشبية اللي ورا المكتب. زقها بجنوب إيديه المرتعشة، ليظهر وراها باب حديدي صغير.. الممر السري اللي بيفوت تحت الفيلا بيوصل لغرفة الصيانة المهجورة اللي ورا السور الخارجي. الممر اللي كان فاكر إن مفيش مخلوق في الدنيا يعرف بوجوده غيره.
صوت تكسير الباب الخلفي للفيلا بقى مرعب، وصوت ضرب نار حي بدأ يرن في الصالة ويهز الحيطان. العصابة دخلت، والبوليس بيقتحم من الباب القدامي.
فريد فتح الباب الحديد، اتسحب جواه، ورزعه في وش سلمى اللي كانت بتزحف وراه وبتبكي عشان ياخدها معاه. قفل المزلاج الداخلي، وسابها للمجهول.
في الظلمة الكاحلة جوه النفق، كان بيلهث وصدره بيعلو ويهبط بصوت طالع زي الفحيح. ريحة التراب والرطوبة كانت بتخنقه، بس غريزة البقاء كانت بتحركه. كان بيجري في الممر المظلم، إيديه بتخبط في الحيطان المبلولة، وعقله شغال زي الموازين: “أنا هطلع من النفق.. معايا جواز سفر مزور في العربية اللي مركونة ورا السور.. هسافر فوراً، والفلوس اللي في الحسابات التانية تكفيني أعيش ملك.. فريدة مش هتكسب.. أنا فريد التامي مش هقع!”
بعد دقائق كانت أطول من السنين، وصل لنهاية النفق.
مسك السلم الحديد المصدّي، طلع عليه بحذر، وزق الغطا الصاج بتاع غرفة الصيانة.
الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشه. المكان كان ضلمة كحل، ومفيش غير صوت الريح وهدير سيرينات البوليس البعيدة من الناحية التانية من الفيلا.
فريد اتنفس بعمق، وابتسامة هيستيرية بدأت تترسم على وشه وهو بيمسح العرق من جبهته. حط إيده على السور عشان ينط الشارع…
وفجأة…
نور كشاف أبيض حاد اتفتح في وشه مرة واحدة!
فريد حجب النور بإيده وهو بيبرق بعينيه بذهول وصدمة: “مين هنا?!”
من وسط الظلمة، ورا الكشاف القوي، طلع صوت نفَس هادي… صوت ولاعة بتتفتح، ودخان سجارة بدأ يتصاعد في الهواء.
راجل كان قاعد على كرسي خشب قديم، لابس معطف أسود طويل، وحاطط رجل على رجل بكل برود. الراجل نزل الكشاف ببطء ليتكشف وشه تحت إضاءة الليل الخافته.
فريد ركبه اتخبطت في بعضها، وشفايفه اتجمدت، والدم اتسحب من وشه كأن ملك الموت واقف قدامه.
الراجل اللي واقف قدامه… ما كانش ظابط بوليس، ولا كان من العصابة.
كان شريكه القديم… الراجل اللي فريد قتله بإيده من سنتين ودفنه في الصحرا عشان يستولى على شركته!
الراجل حط السجارة في بقه، ابتسم ابتسامة ميت طالع من القبر، وقال بصوت حاد يبعث القشعريرة:
“تأخرت ليه يا فريد؟.. فريدة بلغتني إنك هتخرج من الباب ده بالضبط من ربع ساعة.. الشاي برِد يا صاحب العمر.”
فريد اتجمد مكانُه، ركبه انحنت وسقط على الأرض الرطبة، عينيه مبرقة وهو بيشاور بإيد بتترعش من الصدمة: “طارق؟! أنت… أنت عايش؟! إزاي؟! أنا دفنتك بإيدي.. أنا صبيت عليك خرسانة في الموقع القديم!”
طارق رمى السجارة على الأرض وداس عليها بجزمته ببطء شديد، وابتسم ابتسامة باهتة مرعبة: “الخرسانة بتداري الجثث يا فريد.. بس مش بتداري الروح لما ترجع تتنفس. أنت دفنت الشكارة اللي كان فيها هدومي ودمي، بس نسيت إن أنا اللي بنيت المكان ده.. وعارف النفق اللي يخرجني قبل ما السقف يتقفل عليا.”
فريد كان بيلهث، صوته طالع مكسور، وصوت الرصاص جوه الفيلا بدأ يهدى مع صريخ سلمى اللي بقا بعيد، وسيرينات البوليس بدأت تقرب أكتر وأكتر. بص لطارق برعب هيستيري: “فريدة… فريدة هي اللي جابتك هنا؟”
طارق قرب منه، وطى لمستواه ومسكه من ياقة بدلته بضغطة صوابع حديدية: “فريدة ما جابتنيش هنا يا فريد.. فريدة هي اللي عالجتني وسفرتني بره مصر من سنتين لما أنت حاولت تخلص مني. فريدة هي اللي كانت بتدير كل خطوة في حياتك من ورا ضهرك، وأنت فاكر نفسك الثعلب اللي بيلعب بالكل.”
فريد صرخ وهو بينفض إيد طارق برعب: “مستحيل! لو هي كانت عارفة كل ده ومخططة له.. ليه طلعت معايا سانت كاترين؟! ليه سابتني أزقها من فوق الجبل؟! دي كانت هتموت هي وابني!!”
طارق ضحك ضحكة مجنونة، ضحكة صداها هز الشارع المهجور: “عشان أنت غبي! أنت فاكر إنك زقيتها بأرادتك؟ فريدة هي اللي جرجرتك للمكان اللي هي عايزاه.. هي اللي اختارت الزاوية والصخرة اللي تقع عليها! السقوط ما كانش جريمة أنت اخترعتها.. السقوط كان الشرط الوحيد اللي يخليك تعلن وفاتها رسمياً، وتنفذ الوصية السريّة اللي سابها أبوك قبل ما يموت!”
فريد عيونه وسعت، والدم اتسحب من وشه تماماً: “وصية؟! وصية إيه؟! أبويا ما سابش وصايا!”
طارق طلع من جيب معطفه جهاز تحكم صغير، وداس على زرار..
فجأة، أضواء عربية فان سوداء زجاجها أسود فاميه كانت مركونة في الظلمة اتفتحت مرة واحدة، ونورها القوي ضرب في وش فريد.
الباب الجانبي للعربية اتفتح ببطء شديد..
طارق بص لفريد ونظرة الضحك اختفت من وشه، وحلت مكانها نظرة كره أبرد من الثلج: “أبوك ساب وصية مقفولة بشرط واحد يا فريد… إنك لو حاولت تقتل مراتك أو ابنك عشان الفلوس، الملكية كلها تتنقل فوراً وللأبد… للشخص اللي طالع من العربية ده.”
فريد بَرّق، وركبُه خبطت في بعضها وهو بيشوف شخص نازل من العربية ببطء، حاطط إيده في جيبه، ولابس خاتم الفضة الشهير اللي فريد حافظه أكتر من اسمه…
فريد صرخ صرخة مرعبة وهو بيرجع لورا على ركبه: “لا… لا مستحيل!! أنت ميت من عشر سنين!! أنت مين؟!”
الرجل اتنقل خطوة كمان تحت النور الكاشف.. جزمته الجلد كانت بتعمل صوت خبطات ثقيلة ورزينة على صخور الشارع الضيق. رفع إيده اللي فيها الخاتم الفضة الفخم، وشال النضارة السودا ببطء شديد.
فريد فتح بؤه على آخره، صوته طلع كأنه حشرجة طالعة من جثة: “أبـويا؟! أنت… أنت مامتّش في حريق المزرعة من عشر سنين؟! إزاي?!”
فؤاد التامي بصل لابنه بنظرة قرف وخيبة أمل، كأنه بيبص لحشرة: “الحريق اللي أنت ولّعت فيه بنفسك يا فريد؟ عشان تجري على المحامي وتطالب بالورث وأنت عندك عشرين سنة؟.. لا يا ابن فؤاد، أنا مامتّش. أنا من اليوم ده اختفيت، وعشت في الضلمة أراقب العقرب اللي أنا ربّيته في بيتي.”
فريد كان بيزحف لورا على الأرض زي المجنون، النفق المظلم وراه والشارع قدامه مقفول، العرق كان بيغرق وشه وبيحرق عينيه: “لا.. مستحيل! أنت.. أنت وفريدة وطارق.. أنتوا كنتوا عارفين؟! أنتوا عملتوا عليا تمثيلية?!”
فؤاد قرب منه ببطء، وعكازه الخشب ضرب الأرض ضربة واحدة هزت الشارع: “فريدة ما كانتش مجرد بنت غلبانة أنت قابلتها في الشغل وحبيت تستغلها يا فريد.. فريدة هي الوريثة الوحيدة لأكبر شريك ليا، الست اللي أنت فاكر إنك زقيتها من فوق جبل سانت كاترين، كانت طالعة الجبل وهي عارفة إنك هتزقها! كانت لابسة صديري حماية خاص تحت هدومها، وكان معاها فريق إنقاذ مأجّره أنا وطارق واقفين تحت الصخرة بفرق أمتار من قبل ما أنت توصل أساساً!”
فريد برّق بعينيه، الصدمة كانت أكبر من قدرة عقله على الاستيعاب. شفايفه بقت بترتعش وهو بيفتكر اللحظة اللي زق فيها فريدة، والابتسامة اللي ابتسمها فوق الجبل.. “أنتوا… أنتوا خليتوني أعمل الجريمة بنفسي?!”
“بالظبط…”
الصوت ده ما كانش صوت فؤاد ولا طارق.
الصوت جيه من سماعة عربية الفان السودا.. صوت النقيب هشام وهو بيخرج من العربية، ومبتسم ابتسامة النصر، وماسك تليفونه على وضع السبيكر.
وصوت فريدة رد عبر المكالمة، صوت أبرد من ثلج سانت كاترين، بس فيه نبرة شفقة حادة: “عشان الجريمة دي يا فريد… هي الحجة القانونية الوحيدة اللي كانت فاضلة عشان تتلغي كل التوكيلات، وتتحول المليارات والخمسين مليون جنيه وكل عقارات عيلة التامي باسم ابني أنا.. الطفل اللي أنت حاولت تقتله وهو في بطني.”
فريد صرخ صرخة هيستيرية هزت المنطقة كلها، وجِه يجري على أبوه عشان يمسك فيه زي الغريق، بس طارق مسكه من ياقته ولوى دراعه ورا ضهره، ورزعه على عربية البوليس اللي كانت لسه واصلة الشارع وبتضرب أضواءها الحمرة والزرقا على وشه.
النقيب هشام قرب منه، وحط الكلبشات الحديدية في إيدين فريد المرتعشة، وطبّق عليها بقوة وهو بيلف وشه للحيطة.
فريد وهو مزقوق على العربية، كان بيعيط ويضحك في نفس اللحظة زي المجنون، باصص لأبوه ولطارق وهشام وهو مش مصدق إن خمسين مليون جنيه وجريمة سانت كاترين… كانت مجرد الفخ الأخير اللي اتنصبله بعناية من عشر سنين!
هشام قرب التليفون من ودن فريد، وفريدة همست بكلماتها الأخيرة قبل ما تقفل السكة للأبد: “الجنازة خلصت يا فريد… جه دورك أنت بقى تنزل القبر.”
العربية بدأت تتحرك ببطء.. فريد كان محبوس في الكنبة الخلفية ورا الشبكة الحديد، الدموع ناشفة على وشه كأنها ملح، وهو باصص من الشباك المظلل على أبوه وطارق وهما واقفين تحت نور الكشاف وبيختفوا تدريجياً في الظلمة.
العربية طلعت على الطريق الرئيسي، بس بعد كام دقيقة.. فريد لاحظ حاجة غريبة جداً.
سيرينات البوليس اللي كانت بتضرب اتطفت مرة واحدة. الأضواء الحمرا والزرقا على سقف العربية اختفت. ومفيش أي عربية بوليس تانية كانت ماشية وراهم أو قدامهم.
فريد مسك الشبكة الحديد بإيديه المرتعشة وصوته طالع مبشوح ومكسور: “هشام بيه.. إحنا رايحين على قسم إيه؟ مديرية أمن القاهرة ولا التجمع؟”
النقيب هشام ما ردش.. كان باصص في الطريق قدامه بكل هدوء ومسجل سيجارة بين صوابعه.
فريد بدأ يتوتر أكتر لما شاف العربية بتنعطف يمين فجأة في طريق صحراوي مظلم، بعيد تماماً عن العمران وعن طريق النيابة المحفوظ.
“هشام! أنت بتلف ليه؟ الطريق ده مش طريق النيابة! أنت رايح فين?!”
هشام رفع إيده ببطء.. شال الكاب العسكري ورماه على الكرسي اللي جنبه. حط إيده على وشه ومسحه ببرود، وبعدين تبسّم ابتسامة في المراية المكسورة.. ابتسامة مفيهاش أي رتبة ولا أي قانون.
“مين قالك إني ظابط يا فريد؟”
فريد اتسمر مكانه، العرق رجع يشر من جبهته بغزارة: “يعني إيه؟ الكلبشات.. اللاسلكي.. البدلة?!”
“كلها مجرد ديكور رخيص يا حبيبي.. زيها زي التابوت المتروس أوزان اللي أنت دفنته، وزي المسرحية اللي أنت شربتها.”
فريد صرخ بصوت هيستيري وهو بيلطم على الشباك: “أمال أنت مين؟! وفريدة… فريدة فين?!”
هشام حط السيجارة في بقه وولعها بالولاعة، ودخانها مالا عربية البوليس المزيفة: “فريدة فاكرة إنها أذكى واحدة في المخرجين.. فاكرة إنها استخدمتني عشان تنتقم منك وتسترد المليارات باسم ابنها.. بس فريدة من كتر الغل والعمى، نسيت تسأل نفسها سؤال بديهي جداً.”
فريد بلع ريقه بعنف وعينيه مبرقة: “سؤال إيه؟”
“منين جيه فريق الإنقاذ بالمروحية الخاصة تحت صخرة سانت كاترين في قلب المطر والثلج ده كله خلال دقايق بس من سقوطها؟ إزاي طيارة إنقاذ توصل للمكان ده بالسرعة دي وفي الجو ده؟”
فريد برّق بعينيه، الشك والمرعب بدأوا ينهشوا عقله: “أنت… أنت مش تبع البوليس.. أنت تبع…”
“المنقذ اللي نزل بالحبل يا فريد.. ما كانش جاي ينقذها منك. ده كان جاي يستلمها هي وابنك… لحساب المنظمة اللي أنت سرقت منها الفلوس من سنتين. فريدة كانت بالنسبة لنا مجرد الطعم اللي هنكسر بيه كبرياءك ونخليك تطلع المستندات والوصية السرية من الخزنة.”
في نفس اللحظة.. في فيلا فخمة ومؤمنة في منطقة معزولة.
فريدة كانت قاعدة على كرسي خشب فخم، شايلة ابنها اللي نايم في حضنها بسلام. كانت باصة للمستندات والتوكيلات اللي في إيدها، وحاسة إن الكابوس اللي عاشته فوق الجبل أخيراً انتهى وأن الحق رجع لصحابه.
وفجأة.. التليفون السري اللي هشام كان مديهولها رن.
فريدة رفعت التليفون لودنها، وقالت بنبرة ارتياح: “هشام؟ طمّني.. فريد اتسلم للنيابة؟”
جيه من الناحية التانية صوت مش صوت هشام خالص.. صوت عميق، هادي، وفيه نبرة فخامة تخوف أبرد من ثلج سانت كاترين:
“مساء الخير يا مدام فريدة… برافو. حقيقي أداء سينمائي هايل. قمتِ بدور الزوجة الضحية اللي رجعت تنتقم على أكمل وجه.”
فريدة اتجمدت مكانها، الدم اتسحب من وشها بالكامل، وقامت وقفت وهي بتضم ابنها لصدورها بكل قوتها: “أنت مين؟! فين هشام؟!”
الراجل ضحك بصوت خفيف يبعث القشعريرة في العظام: “هشام بيعمل واجبه.. وبينقل جوزك للمكان اللي المفروض يتقابل فيه معاكم أنتم الاتنين. أنتِ فاكرة إنك أنتِ اللي أدرتي اللعبة يا فريدة؟ لا يا حبيبتي.. أنتِ بس نفذتي الفصل الأول اللي إحنا كتبناهولك خطوة بخطوة. افتحي الشباك اللي جنبك وبصي تحت.”
فريدة مشيت بإيدين بترتعش ناحية الشباك الكريستال.. وبصت للجنينة اللي تحت الفيلا.
كانت مليانة رجالة بأطقم سودا، ماسكين أجهزة لاسلكي ومحاصرين الفيلا من كل الاتجاهات.. وعلى رقبة كل واحد فيهم، وشم غريب لجمجمة فضية!
الراجل كمل كلامه على التليفون بثبات حاد: “المليارات اللي استرديتيها من فريد.. والوصية اللي خدتيها من أبوه.. كلها أصلًا بتاعتنا إحنا وفريد كان مجرد حرامي غبي شغّال عندنا. ودلوقتي.. جه الوقت اللي نتسلم فيه أملاكنا.. ونقفل الملف ده بالكامل.”
فريدة بصت لابنها، وحست بالفيلا كلها بتهتز تحت رجليها، لما سمعت صوت خطوات تقيلة متعددة بتبدأ تطلع على سلم الفيلا الخارجي…
الخطوات كانت بتهز السلم الخشب، صوت صلب ومحسوب كأنه مارش إعدام.
فريدة اتراجعت للورا لحد ما ضهرها خبط في الحيطة الرخام، ضمّت ابنها لصدورها بضغط هيستيري، وعينيها بتتحرك في الأوضة زي الفريسة المحبوسة في المصيدة.
وفجأة… الباب الاتكسر بنصفين!
رجالة مدججين بالسلاح دخلوا الأوضة في ثواني، انتشروا في الزوايا كأنهم ظلال سودا، ووراهم دخل هشام… وهو بيجر فريد من قفاه.
فريد كان وشه متغرق دم، بدلته مقطعة، ومضروب لحد ما بقى مش قادر يقف على رجليه. هشام رمى فريد على السجادة تحت رجلين فريدة، ورجع لورا ووقف انتباه.
فريد رفع راسه بالعافية، عينه المفتوحة بصعوبة جت في عين فريدة، وصوته طلع مكسور كأنه فحيح أفعى بتموت: “فريدة… الحقيني… دول… دول مش بوليس…”
وقبل ما فريدة فرد على كلامه، دخل الراجل.
راجل في الخمسينات من عمره، شعره أبيض كالثلج، لابس بدلة كلاسيكية أنيقة جداً، وماسك في إيده عصا أبنوس رأسها ذهب على شكل جمجمة. دخوله الأوضة فرض سكون مرعب، حتى صريخ فريد اتخرس تماماً.
وقف في نص الأوضة، بص لفريدة ونظرة عينيه كانت فاضية تماماً من أي رحمة، وقال بصوت هادي ورزين: “مساء الخير يا مدام فريدة… بعتذر عن الأسلوب الهجومي، بس الوقت فلوس… والفلوس اللي إحنا بتتكلم عنها ما بتحبش الانتظار.”
فريدة كانت بتتنفس بصعوبة، صوت جهاز المونيتور بتاع قلبها اللي في دماغها كان بيصرخ: “أنت مين؟ وعايز إيه؟! والقصة دي كلها كانت عشان إيه?!”
الراجل ابتسم ابتسامة باردة، وقعد على الكرسي الجلد اللي قدامها: “أنا اسيمي عزت النمري… رئيس المؤسسة اللي جوزك المغفل حاول يسرقها. وأنتِ سألتي سؤال مهم جداً… القصة دي كلها كانت ليه؟”
لف عصايته الأبنوس وبص لفريد بقمة القرف: “القصة بدأت لما فريد سرق أرقام الحسابات السرية، بس اكتشف إن الحسابات دي مقفولة بشرط حماية بيولوجي وقانوني معقد جداً في سويسرا… الحسابات مش بتتفك غير بصمة DNA لوريث حي من سلالة ‘التامي’ يولد بعد حادثة اعتداء مثبتة رسمياً.”
فريدة عيونها وسعت بالكامل، والدم اتجمد في عروقها وهي بتسمع الكلام.
عزت كمل بكل برود: “أيوه يا فريدة… رحلة سانت كاترين ما كانتش فكرة فريد! إحنا اللي زرعنا الفكرة في عقله الغبي.. إحنا اللي وجهناه يزقك من فوق الجبل.. وإحنا اللي كنا مستنيينك تحت بالمروحية والطاقم الطبي عشان نضمن إنك تعيشي، وتولدي، ويطلع للدنيا الطفل اللي مع المليارات دي!”
فريد صرخ من على الأرض بذهول ورعب: “أنا… أنا كنت مجرد لعبة؟! أنتوا استغلتوني عشان أعمل الجريمة?!”
عزت ما بصلوش حتى، طلع من جيب بدلته جهاز إلكتروني صغير جداً، شكله زي المشرط ومرتبط بشاشة صغيرة، وقام وقف وقرب من فريدة: “ودلوقتي يا مدام فريدة… اللعبة انتهت. محتاجين قطرة دم واحدة من كعب رجل الطفل ده على الماسح الضوئي، عشان التوكيل النهائي للـ 50 مليون جنيه والمليارات المشبوهة يتحول رسمياً لحساب المؤسسة… وبعدها، نوعدك إن موتك أنتِ وجوزك هيكون غير مؤلم إطلاقاً.”
فريدة اتراجعت خطوة، غطت طفلها بجسمها وصصرخت: “على جثتي! مش هخليك تلمس شعرة منه!”
عزت أدى إشارة بعينيه.. اثنين من الرجالة المسلحين هجموا على فريدة، كتفوها من إيديها وقيدوا حركتها تماماً بالرغم من استماتتها وصريخها الهيستيري.
عزت مسك رجل الطفل الصغير ببطء، وجاب سن المشرط، وداس بصلابة على جلده النعم…
نقطة دم حمرا نزلت على الشاشة الرقمية للجهاز.
الجهاز بدأ يمسح بصمة ה-DNA… ضوء ليزر أحمر ضرب في نقطة الدم، وصوت صفارة ميكانيكية بدأ يشتغل: Scanning… Processing DNA…
عزت كان باصص للشاشة بابتسامة نصر، وفريد على الأرض كان بيتنفس برعب مستني نهايته، وفريدة كانت بتصرخ وتبكي.
وفجأة… الجهاز أطلع صوت صفارة حادة ومرعبة!
الشاشة نورت باللون الأحمر القاني، وظهرت عليها كلمة واحدة باللغة الإنجليزية بخط عريض: [ACCESS DENIED – DNA MISMATCH]
سكون خيم على الأوضة.
عزت اتجمد مكانه، الابتسامة اختفت من وشه كأنها ما كانتش موجودة، وبص للشاشة بدهشة شلت تفكيره.
فريد برّق عينيه بصدمة وصصرخ من على الأرض: “إيه؟! عدم تطابق؟! الولد مش ابني يا فريدة?! أنتِ خنتيني?!”
عزت مسك فريدة من شعرها بغضب جحيمي وصوت هز جدران الفيلا: “إيه المهزلة دي؟! الدم ده مش مطابق لسلالة التامي!! فين الولد الحقيقي يا فريدة?!”
في اللحظة دي… الدموع اللي كانت في عينين فريدة اختفت تماماً.
رفعت رأسها وبصت لعزت النمري في عينيه مباشرة… وابتسمت.
ابتسامة سودا، مرعبة، مليانة غل وذكاء أبرد من ثلج سانت كاترين، وقالت بصوت هادي جداً هز كيان كل اللي في الأوضة:
“أنت فاكر إن الست اللي اتزقت من فوق الجبل، وعاشت المعجزة دي كلها… هتديكوا ابنها بالبساطة دي يا عزت بيه؟”
عزت بلع ريقه بعصبية: “يعني إيه?!”
فريدة قربت وشها منه وهمست في ودنه: “الطفل اللي في حضني ده… طفل يتيم خدته من المأوى الصبح بمساعدة هاني.. ابنك الحقيقي يا فريد؟ ابني الحقيقي في مكان ما يعلمهوش غير شخص واحد بس في مصر كلها…”
سكتت للحظة، وبصت للشباك لما سمعت صوت طيارة هليكوبتر ثانية صوت محركاتها بيقرب جداً فوق الفيلا، وكشافاتها العملاقة بدأت تضرب على أوشاش رجالة عزت بره…
كملت كلامها بصوت حاد كالمشرط: “… شخص لو سمعت اسمه دلوقتي يا عزت… هتعرف إن المنظمة بتاعتك كلها اتباعت لحساب الحكومة من ساعتين فاتوا!”
صوت الزجاج المكسور كان زي الانفجار!
قنابل الصوت والضوء اتحدفت من السقف والشباك في نفس اللحظة، نور أبيض حارق مع صوت مكتوم هز الفيلا وطير عزت ورجالته على الأرض وهما ماسكين ودانهم وعينيهم بتنزف دموع.
“عمليات خاصة! ارمي السلاح!! ارمي السلاح أنت وهو!!”
أصوات الصراخ والضرب المتبادل بره كانت بتنتهي في ثواني معدودة. رجالة القوات الخاصة بدريساتهم السودا وأقنعتهم المصفحة اقتحموا الأوضة من الشباك ومن باب الصالة، ثبتوا كل نقطة في المكان في لمحة عين. اللي يرفع إيده بيتكتف، واللي بيحاول يمسك سلاحه بياخد الرصاصة في رجله.
عزت النمري كان مرمي على الأرض، النظارة اتكسرت، والعصا الأبنوس اتحدفت بعيد. مسكوه اثنين من رجال الضبطية ورزوعوه على ركبه.
ومن وسط الدخان اللي مالي الأوضة… دخل راجل بطول فارع، لابس بالطو كحلي فخم، شعره شايب بوقار، وعينيه أهدى من المحيط.
عزت رفع راسه بصعوبة، ولما شاف وشه، شفايفه اتجمدت والدم اتسحب من جسمه بالكامل: “اللواء… اللواء جلال؟!”
اللواء جلال قرب بثبات، وقف قدام عزت وقعد على طرف الطاولة، طلع علبة السجاير بتاعته وولع سيجارة بهدوء شديد: “سنتين يا عزت… سنتين وأنا سايبك تصرح وتمرح، وتعمل فيها المايسترو اللي بيلعب بالكل. كنت فاكر إنك بتستغل فريد وفريدة؟ أنت كنت المظلمة اللي إحنا مستنيينها تقفل القضية للإنتربول بالكامل.”
فريد كان بيزحف على الأرض زي السحلية، عينيه مبرقة وشهابه طالع: “حضرة الظابط! أنا مجبر! أنا عزت وهشام هددوني! فريدة مراتي.. فريدة قولي لهم!”
فريدة بصت لفريد اللي تحت رجليها.. نظرة خالية تماماً من أي كره، ونظرة ألعن من الكره: العدم.
جلال بص لفريدة، وابتسملها بنبرة احترام حقيقية: “حمد الله على السلامة يا مدام فريدة… الخطة مشيت بالحرف زي ما اتفقتِ معايا من لحظة ما خرجتِ من المستشفى في سانت كاترين.”
فريد صرخ بصوت هيستيري وهو مش قادر يستوعب: “أنتِ… أنتِ اللي سلمتيهم؟! أنتِ اللي خططتي لكل ده؟!”
فريدة قربت من فريد، وطت لمستواه، وهمست في ودنه بكلمات كانت أبرد من الثلج اللي وقفت عليه فوق الجبل: “أنا لما وقعت من فوق الجبل يا فريد… ما وقعتش كزوجة مكسورة. أنا وقعت كشاهدة على قذارتك. كنت فاكر إن الـ 50 مليون جنيه هيشترولك حياة جديدة مع سلمى؟ الـ 50 مليون دول هما اللي اشترولك المشنقة. وابنك… ابني الحقيقي في أمان، مع ناس هيعلموه يعني إيه راجل، مش يعني إيه خاين بيبع مراته عشان شويه ورق.”
هشام، وعزت، وفريد… كلهم اتكلبشوا وانسحبوا ورا بعض زي أشباح مكسورة. فريد وهو بيتسحب كان بيبكي ويصرخ باسم فريدة، بيترجاها تبصله بصة واحدة، بس فريدة ما دورتش وشها ناحيته ولا لثانية واحدة.
بعد ساعتين…
على مشارف القاهرة، والشمس بتبدأ تطلع وترمي ألوانها الدافية على السما.
كانت فريدة واقفة قدام مستشفى عسكري راقي. باب العربية المرسيدس السودا اتفتح، ونزلت منه طبيبة لفت وشها وابتسمت لفريدة، وكانت شايلة بين إيديها طفل صغير ملفوف في بطانية كحلي دافية.
فريدة مشيت ناحيتها بخطوات ثابتة، قلبيها كان بيدق بسرعة مش من الخوف… من الحنية.
مسكت ابنها الحقيقي لأول مرة بين إيديها في النور.. بصت لملامحه الهادية وهو نايم بسلام، وشفايفها ابتسمت ابتسامة صافية بعد رحلة عذاب وطريق طويل من الانتقام.
حطت شفتها على راسه، وهمستله والبرد بيمشي من تحت رجليها للأبد:
“خلاص يا حبيبي… الموت فات، والظلم اندفن، وماما رجعت عشان تبدأ معاك الدنيا من جديد.”
بصت للسما اللي بتنور مع أذان الفجر… ولفت ضهرها للمكالمات والشرطة والماضي كله، ومشيت بثبات في طريقها الجديد، بعد ما قفلت أبواب الجحيم وراها… ودفنت اللي حاولوا يدفنوها.
تمت
حكايات انجى الخطيب

تعليقات
إرسال تعليق