القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت إهـانـة عـلنـي كاملة حكـايات مني السيد حصري

 سكريبت إهـانـة عـلنـي كاملة حكـايات مني السيد حصري



سكريبت إهـانـة عـلنـي كاملة حكـايات مني السيد حصري

 

سِكرتيرة جوزي مكانش بقالها شهرين اتنين شغالة معاه، واتجرأت توقف كروتي وتقولي في وشي: «أنا اللي هحدد تصرفي كام قرش بعد كدة». مش بس كدة، دي خلت اتنين غفرا يعاملوني زي الحرامية قدام الناس كلها في عز النهار. محبكتش معيطة ولا علّيت صوتي؛ طلبت فتح دفاتر وتحقيق كامل، وبعد كام ساعة، ظهرت ملايين ومعاها ورقة واحدة كانت كفيلة تدفنهم هما الاتنين بالحيا.


الجزء الأول


— «مكانك وماتتحركيش! الكارت اللي بتحاسبي بيه صاحب حسابه مبلّغ إنه مسروق وموقوف!»


فرد الأمن بتاع سوق العبور كان مكلبشني وراميني على الأرض المبلولة جنب فرشة السمك، دراعي ملوي ورا ضهري وريحة الزفارة علقت في هدومي. وعلى بُعد خطوتين، كان جمبري چامبو لسه شرياه بحوالي خمس تلاف جنيه بيتحرك جوة الكيس المقفول اللي اتقطع واترمى على الأرض.


الناس والزباين اتلموا في ثواني:


— «تلاقيها سارقاه، الناس مابقاش فيها ضمير.»


— «شكلها ميقولش إنها تصرف المبالغ دي أصلاً!»


— «حد يطلب النجدة يا جدعان!»


حاولت أقوم وأعدل نفسي، راح الغفير ضاغط على كتفي بغباء وقال: «انكتمي مكانك!»


في اللحظة دي، الموبايل رن في شنطتي.


بالعافية طلعت الموبايل بإيدي التانية وفتحت السبيكر عشان ألحق أرد.


صوت "چيهان" طلع من الناحية التانية، بارد ومستفز:


— «أهلاً يا مدام مريم.. أنا اللي وقفتلك الكارت ده بنفسي.

»


لثانية افتكرت إني سمعت غلط من الدوشة.


چيهان دي كانت السكرتيرة ومديرة مكتب جوزي، "شريف الدمنهوري"، ومكملتش شهرين شغالين سوا في "مجموعة شركات المنشاوي".


— «نعم يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟»


ضحكت ضحكة صفرا وقالت:


— «شريف باشا طالع عينه ليل ونهار عشان يشيل الشغل وينجح الشركة، وحضرتك نازلة تبعزقي الآلاف على جمبري وفسفور؟ مش شايفة إنك أولى تراعي جوزك وتوفري شوية؟»


الناس اللي واقفة حواليا كانت سامعة كل كلمة بتتقال في المكالمة.


كملت بنبرة كأنها ولية أمري:


— «من هنا ورايح، أنا اللي همسك وأراقب مصاريفك بالورقة والقلم. ليكي خمسة وعشرين ألف جنيه في الشهر لمصاريف البيت كله، وأي جنيه زيادة هيكون بإذن مني شخصياً.»


حسيت بدمي بيفور، ووشي شايط نار.


مش من الكسوف.. ده كان غِل وغضب يعمي.


رجعت قالت:


— «رجّعي الجمبري اللي اشترتيه ده، واطبخي ليكي حلة عدس ولا شوية بيض مسلوق يقضوا الغرض. أنا مش قادرة أفهم واحدة قاعدة في البيت مبتعملش حاجة محتاجة تاكل أكل غالي ليه يعني!»


بصلي فرد الأمن بقرف واشمئزاز:


— «طلعتي بتاكلي وتشربي من شقى الراجل وعايشة في الدور كمان؟»


غمضت عيني لحظة عشان متهورش.


چيهان كانت فاكرة إن شريف هو اللي شايلني وهو اللي فاتح عليا بيوت.


اللي مكانتش تعرفه، إن الفيلا اللي عايشين فيها في التجمع الخامس مكتوبة باسمي ومسجلة شهر عقاري بفلوسي.


العربية المرسيدس اللي كان بيتشيك بيها قدام رجال الأعمال والشركاء دي كانت هدية أبويا الله يرحمه ليا.


و"مجموعة شركات المنشاوي" اللي جوزي عايش في دور رئيس مجلس إدارتها، دي شركة عيلتي، ملك الوقف والحسابات البنكية بتوع ورث أهلي بالكامل.


شريف مكنش باني الإمبراطورية دي من الصفر ولا حيلته قرش صاغ.


كان ماضي على قايمة وتنازلات وشروط قبل الجواز تخليه ميملكش فيها طوبة.


شريف دخل عيلتنا على فيض الكريم، مكنش معاه يشتري شقة ولا حتى يقعد في إيجار جديد.


أنا اللي نفضت عنه التراب ووقفته على حيله وعملت له اسم وكيان.


مردتش عليها ولا بررت لأي حد من الرجرجة اللي واقفين.


كل اللي قلته بهدوء يقرص:


— «اسمعي يا چيهان.. أتمنى من قلبي ميكونش ده بأمر من شريف. عشان لو كان بعلمه، فإنتو الاتنين دخلتوا في سكة هتندموا عليها ليوم الدين.»


وقفلت السكة.


تلات دقايق بالظبط، وكان مدير السوق نفسه واصل، وجاي معاه اتنين من كبار مستشاري عيلتي القانونيين.


فرد الأمن وشه جاب ألوان وشفايفه رجفت أول ما شافهم بيكلموني بالاحترام ده.


قوموني، ووثقوا الواقعة، وركبت عربيتي بهدوء.


وهناك، أستاذ "عادل الباشا" المحامي مد إيده وداني دوسيه مقفول:


— «يا ست هانم، الموضوع مش مجرد كارت وقف ولا خناقة ستات.»


چيهان كانت موقّفة كروتي التلاتة، ومغيّرة أرقام الحسابات السرية للبيت، ولاغية اشتراكات الصيانة، وخصمت نص مرتب الست الغلبانة اللي بتساعدنا في البيت وشغالة معانا من سنين.


حتى مصاريف مدرسة "ياسين" ابني، اللي عنده أربع سنين، في المدرسة الإنترناشونال وقفتها.


وعلى كل حركة وتوقيع، كانت نفس الملاحظة مكتوبة رسمي:


«بناءً على تعليمات الإدارة العليا: ترشيد وحوكمة المصاريف العائلية.»


قلت للسواق بلهجة حاسمة:


— «اطلع بيا على البيت.»


بس لما وصلت التجمع ووقفت قدام باب الفيلا، كان الكود السري اتغير وبصمة إيدي اتمسحت من على الباب.


طلبت "عم إبراهيم"، السواق اللي كان شغال مع أبويا زمان ومصدر ثقتي الوحيد.


صوته طلع واطي ومبحوح كأنه خايف حد يسمعه:


— «مدام مريم.. أرجوكي، متجيش وماتدخليش هنا دلوقتي.»


بطني اتقبضت، وحسيت بنغزة وحشة في قلبي.


— «في إيه يا عم إبراهيم؟ انطق!»


— «الست چيهان جت النهاردة ومعاها كام واحد بعربيات نقل.. فضّوا مكتبك، ولموا هدومك وحاجتك في كراتين وركنوها، وقالت للكل هنا إنها هي اللي هتدير البيت وأملاكه بعد كدة بأمر الباشا.

»


اتسمرت مكاني ومبقتش قادرة أتنفس.


بس اللي قاله بعد كدة، نزل عليا زي الصاعقة:


— «ده غير إنها بعتت حد ياخد ياسين من المدرسة.»



 

الدنيا لفت بيا والشارع ضاق:


— «خادوه على فين؟! ابني فين يا عم إبراهيم؟!»


— «حطوه في حضانة تانية على قدهم، ومحدش راضي ينطق قايلين للمستأجرين دي تعليمات شريف بيه.»


اتصلت بشريف فوراً على رقمه الخاص، وكان الخط بيجمع.. وفجأة، چيهان هي اللي ردت:


— «هو إنتي تاني؟ مابتزهقيش؟»


— «ابني فين يا فاجرة؟! ياسين فين؟!»


— «الولد كويس وزي الفل، نقلناه لمكان بسيط وهادي جنب مقر الشركة عشان المصاريف العبيطة دي ملهاش لزمة.»


— «هاتيلي شريف على التليفون حالاً!»


— «عنده اجتماع ومفاضيلكوش.»


— «بقولك هاتيلي جوزي بدل ما أهدها على دماغكم!»


سكتت ثانيتين كدة بخبث، وقالتلي ببرود:


— «كل اللي بيتعمل ده بأوامر خطية منه هو، يا مريم هانم.. شوفي بقى إنتي هتعملي إيه.»


وقفلت السكة في وشي.


الليلة دي، مرجعتش بيتي.


قعدت في أوتيل، وطلبت عادل المحامي:


— «عادل.. افتح دفاتر شريف وچيهان، حساباتهم، السجلات التجارية، التحويلات، الشقق، السفريات، كل عقد اتكتب في غيابي.. مش عايزة فتفوتة تعدي من تحت إيدك.»


— «أروح لحد فين في الحفر يا فندم؟»


بصيت من إزاز الأوتيل على النيل اللي كان لونه أسود زي قلوبهم:


— «لحد آخر قرار.. اغرق فيهم لحد ما تجيبلي قرارهم.»


ست سنين.. ست سنين كاملة كنت فاكرة إني نقّيت الراجل الصح وبنيت معاه راجل يعتمد عليه.


أنا عرفت شريف لما كان لسه دكتور امتياز متمرمط، في مستشفى حكومي في أرياف المنوفية؛ كان بيساعد الغلابة ويكشف بلاش على اللي ميعندوش ويمشي على رجليه بين الكفور عشان يشوف عيان.


يوم ما صَارحته بحقيقة عيلتي وفلوسي، بص في عيني وقال:


— «أنا ممعيش ورث ولا دهب أقدملك بيه مهور، يا مريم.

. بس عهدي ليكي، رقبتي سدادة وهشيلك في عيني لآخر يوم في عمري.»


صدقته.


واتجوزته.


ودخّلته شركتنا وسلّمته الإدارة.


أبويا فتحله الباب على البحري، وأنا سلّمته المفاتيح.


ولسنين، كان مسكّن عيشتنا وعامل فيها الملاك الطاهر المخلص.


لحد ما دخلت چيهان حياته.. والنعمة بدأت تعمي عينه.


قبل ما أنام بدقايق، موبايلي رن؛ كان عادل المحامي.


— «مريم هانم.. محتاج تمهليني تمانية وأربعين ساعة بالظبط.»


قبضت على التليفون لحد ما عروق إيدي ظهرت:


— «معاك التمانية وأربعين ساعة.. ومش عايزة غلطة.»


مكانتش لسه في حساباتي إن الـ 48 ساعة دول مش بس هيهدوا جواز ست سنين على دماغ شريف.. دول هيكشفوا إن اللي حصلي في سوق العبور مكنش إلا قشرة لبير خيانة وسرقة وساخة أكبر بكتير مما يتخيله أي عقل.


الجزء الثاني


التمانية وأربعين ساعة عدّوا عليا كأنهم تمانين سنة حَبْس انفرادي. النوم مكنش بيعرف طريقي، وكل ما أغمض عيني، أفتكر شريف وهو لابس البالطو الأبيض القديم في طوارئ المنوفية، وشه المجهد وضحكته اللي كانت بتهوّن عليا الدنيا.. إزاي نفس الوش ده يتحول لملامح تعبان لِدغته سم وخراب بيوت؟


الساعة دقت تمانية الصبح بالظبط، الباب بتاع جناح الأوتيل خبط. قمت من مكاني زي الملسوعة وفتحت، كان عادل المحامي واقف، عينيه حمرا من السهر، وفي إيده شنطة جلد سودة منفوخة أوراق ودوسيهات، ووراه داخل اتنين مهندسين أمن معلومات ومحاسب قانوني من بتوع الحسابات المعقدة اللي والدي كان بيعتمد عليهم في الصفقات التقيلة.


عادل دخل وقفل الباب وراه بالترباس، رزع الشنطة على التربيزة وقال بنبرة ناشفة تقطع الشك: — «مريم هانم.. اللي شريف بيه كان ناوي عليه مكنش مجرد كارت يتوقف ولا شوية سيطرة وخلاص.. الراجل كان بيقبرك بالحيا، وقريب أوي كان زمانك في الشارع حرفياً بمليمين ملهمش تالت.»


قعدت وحطيت إيدي على دماغي اللي كانت هتنفجر: — «فهّمني يا عادل، جيب من الآخر، وابني فين؟ لقيتوا ياسين؟»


— «ياسين الحمد لله رجالتنا محاوطين الحضانة اللي حطوه فيها من برة، متقلقيش، هو في أمان وتحت عينينا ومش هيلحقوا يلمسوا منه شعرة.

الأهم بقى.. الكارثة اللي ورا الستار.»


عادل فتح الدوسيه وطلع منه شوية أوراق بنكية مختومة بشعار بنوك برا مصر: — «شريف من سبع شهور فاتوا، وبمساعدة چيهان دي، فتح شركات "أوف شور" وهمية باسمها وباسم ناس تانية من قرايبها في السواحل. كان بينقل أصول وسندات من أرباح مجموعة المنشاوي لحسابات مقفولة برة، الرقم اللي خرج لحد دلوقتي معدي المية وخمسين مليون جنيه كاش.»


شهقت والصدمة شلت لساني، لكن عادل كمّل وهو بيبصلي بحدة: — «ده الهيّن يا مدام.. المصيبة الأكبر هنا.»


رمى قدامي ورقة طبية مدموغة بختم نسر وممضية من دكاترة مخ وأعصاب كبار. مسكت الورقة وإيدي بترتعش.. كان تقرير طبي مفبرك، طالع بتاريخ الشهر اللي فات، بيثبت إني بعاني من هلاوس سمعية وبصرية وانفصام حاد في الشخصية ومبقتش مؤهلة عقلياً لإدارة أي ممتلكات أو حضانة أطفال!


— «الورقة دي كانت ناقصة بس إمضاء لجنة طبية حكومية كان شريف مرتب مع دكتور صاحبه يخلصها بعد بكرة، وبناءً عليها، كان هيرفع قضية حجر رسمي عليكي، ياخد وصاية كاملة على ياسين، وبصفته الوصي، يبيع ويشتري في كل مليم سابهولك أبوكي، ويرميكي في مصحة نفسية خاصة مقفولة من غير ما حد يعرفلك طريق!

»


الدم جف في عروقي، حسيت ببرودة تلج نزلت على صدري. ده مش مجرد راجل طمع وخان، ده شيطان متربي على إيدي، كان بيحفرلي حفرة وناوي يدفنّي فيها وأنا صاحية عشان يروّق الجو ليه وللسنيورة بتاعته.


مسحت دمعة كانت هتنزل من عيني قبل ما تلمس خدي، ووقفت بضهري مفرود: — «والعقود والتوكيلات؟ موقفها إيه قانوناً؟»


المحاسب القانوني ابتسم ابتسامة صفرا ومد إيده بورقة تانية: — «هنا بقى تظهر حفرة الجهل اللي وقعوا فيها.. شريف بيه وجيهان هانم من غبائهم واستعجالهم، استعملوا توكيل عام قديم كان اتلغى بموجب وصية والدك الأخيرة المسجلة في الشهر العقاري. يعني كل قرش اتحول، وكل ورقة اتوقعت، وكل كارت اتلغى.. دي تهمة جنائية واضحة توديهم ورا الشمس؛ تزوير في أوراق رسمية، واستيلاء على أموال قاصر، وخيانة أمانة ترقّي لجناية أموال عامة.»


بصيت لعادل في عينيه وقلت بصوت هادي يرعب: — «النهاردة كان في اجتماع مجلس إدارة في مقر الشركة عشان يمرروا الميزانية الجديدة، صح؟»


عادل هز راسه: — «الساعة اتناشر الظهر بالظبط، وناويين يعلنوا تعيين چيهان في منصب العضو المنتدب.»


بصيت في الساعة.. كانت تسعة ونص.


— «حلو أوي.. جهزولي العربيات، وهاتوا قوة التنفيذ ورجالتي بتوع الحراسة القدامى.

شريف وچيهان فاكرين إن اللعبة خلصت.. النهاردة هوريهم اللعب على أصوله بيبدأ إزاي، ومن على أرضي أنا.» يتبع 



الجزء الثالث والأخير

الساعة كانت داخلة على حداشر ونص لما العربيات اتحركت من قدام الأوتيل. موكب كامل من أربع عربيات دفع رباعي سودا، يتقدمهم عربية الباشا المحامي، وفي العربيات اللي ورانا كان قاعد رجالة والدي اللي مربيهم على إيده؛ حرس قدام من أيام ما كان الحاج عبد الحميد المنشاوي يدخل أي مصلحة تتهزله الشوارع. الرجالة دول مكانوش بياكلوا عيش من شريف ولا كانوا معترفين بيه أصلاً، وكانوا مستنيين بس إشارة واحدة عشان يوروه حجمه الحقيقي.

كنت قاعدة في الكنبة اللي ورا، لابسة طقم أسود كلاسيك، رافعة شعري لفوق، وحاطة نضارة شمس مغطية نص وشي، بس النار اللي كانت بتغلي جوايا كانت كفيلة تحرق بلد. على يميني كان عادل المحامي عمال يراجع المحاضر وأوامر الضبط القضائي وأوراق التمكين الصادرة من النيابة المستعجلة، وعلى شمالي كان نايم ياسين في حضني، بعد ما رجالتنا راحوا الحضانة وجابوه في أقل من عشرين دقيقة من غير شوشرة. كان نايم بريء، مش داري إن أبوه اللي من صلبه كان ناوي يحرمه من أمه ويرميه في الدنيا عشان شوية ورق بنكنوت وشوية مياصة من واحدة ملهاش أصل.

ملست على شعر ياسين وبُسته في جبينه، وقلت للسواق بنبرة قطعت حبل الصمت في العربية نزّل ابني مع الدادة في فيلا خالتي في الزمالك، ورجالتنا يفضلوا محاوطين البيت دبانة متعديش من جنبهم.. وبعدها اطلع بيا فوراً على البرج الإداري في التجمع.


أمرك يا مريم هانم، رقابنا سدادة.

وصلنا البرج الإداري بتاع مجموعة شركات المنشاوي الساعة كانت اتناشر إلا خمسة بالظبط. البرج ده بالذات، أبويا بناه طوبة طوبة وسماه باسم العيلة، وكان فخر المجموعة كلها. أول ما العربيات وقفت قدام البوابة الرئيسية، أفراد الأمن بتوع البوابة اتلخبطوا، وكانوا جايين يجروا يمنعوا العربيات تركن في المكان المخصص لأعضاء مجلس الإدارة، بس أول ما نزلت ورجالة والدي نزلوا قبلي وفتحوا الباب، رئيس الحرس القديم في الشركة ضربلي تعظيم سلام وصوته رج المكان حمد الله على السلامة يا ست هانم! الشركة نورت.

بصيتله وهزيت راسي بهدوء الله يسلمك يا عم رجب.. جهزلي مفاتيح المصاعد الخاصة بالدور الأخير، ومش عايزة نملة تخرج من مبنى الشركة ولا تليفون يترفع من على مكاتب الدور ده لحد ما أخلص شغلي فوق.

من العين دي قبل العين دي يا بنت الأصول، الأوامر اتنفذت خلاص والمبنى كله مقفول من تحت.

ركبنا الأسانسير الخاص اللي بيطلع دايركت للدور التلاتين، دور مجلس الإدارة والقاعات المقفولة. الأسانسير كان طالع بهدوء ناعم، وكل ما كان بيعدي دور، كنت بحس بضربات قلبي بتهدى وبتتحول لبرود تلج مخيف. خلاص.. زمن الصدمة والوجع والدموع خلص في جناح الأوتيل، دلوقتي وقت الحساب، والحساب مع مريم المنشاوي بيكون كاش ومفيهوش فصال ولا تقسيط.

الباب اتفتح برنة هادية.

الصالة الكبيرة قدام قاعة الاجتماعات كانت هادية، الموظفين الصغيرين أول ما شافوني تنحوا والورق وقع من إيد السكرتارية على الأرض، الهمهمات اشتغلت مدام مريم هنا؟ إزاي دي؟ مش قالوا مريضة وممنوعة من الظهور؟.. مشيت بخطوات واثقة، كعبي كان بيخبط في الرخام بصوت منتظم زي دقات ساعة الإعدام.


وصلت قدام باب قاعة الاجتماعات الرئيسية؛ باب خشب أرو تقيل عليه لوحة نحاس مكتوب عليها قاعة الحاج عبد الحميد المنشاوي. وقفت ثانية، شيلت النضارة السودا وحطيتها في شنطتي، وبصيت لاتنين من الحرس اللي ورايا وشاورتلهم براسي افتحوا.

الحرس زقوا الدلفتين الكبار بضخامة وبقوة عملت صوت ارتطام هز القاعة كلها.

المشهد جوة كان لوحة مرسومة بالخسة والغرور..

تربيزة الاجتماعات البيضاوية الضخمة كان قاعد عليها كبار المساهمين ومديرين القطاعات، وفي صدر القاعة، على الكرسي الجلد الفخم بتاع والدي، كان قاعد شريف الدمنهوري. كان لابس بدلة كحلي غالية أوي، من الماركات اللي عمري ما شفته يحلم يلمسها زمان، حاطط رجل على رجل ومبتسم ابتسامة المنتصر، وجنبه مباشرة كانت واقفة چيهان، لابسة فستان أحمر فاقع لا يليق بشركة ولا باجتماع محترم، وماسكة في إيدها ليزر بريزنتيشن وعمالة تشاور على الشاشة الكبيرة وهي بتقول بمياصة وبكده، بناءً على تفويض الإدارة وحوكمة الميزانية، هننقل الأصول التشغيلية للكيان الجديد اللي هيتولى إدارته.

..

صوتها اتقطع في زورها.

الكلام وقف في حلقها وعينيها برقت زي اللي شافت عفريت طلع من قلب الأرض.

القاعة كلها اتلفتت ناحية الباب في فزع. وشوش أعضاء المجلس اتغيرت، والناس اللي كانت عارفة تاريخ العيلة اتعدلوا فوراً في قعدتهم وكأن تيار كهربا مسك في ضهرهم.

شريف وشه اتخطف، والدم هرب من ملامحه في لحظة، الكوباية اللي كانت في إيده اتهزت ونقطة ماية وقعت على بدلته النضيفة. وقف على حيله بارتباك وهو بيسند على التربيزة، صوته طلع مخنوق ومكسور م.. مريم؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ إزاي خرجتي وجيتي بالشكل ده؟

ابتسمت ابتسامة هادية وباردة جداً، ودخلت بخطوات متمهلة، وعادل المحامي برجالته دخلوا ورايا وقفوا زي السد المنيع ورا ضهري. سحبت كرسي من على جنب، قعدت وحطيت رجل على رجل، وبصيت لشريف من فوق لتحت بقرف بتفاجئ يا شريف؟ ولا كنت فاكر إني لسه مرمية على أرضية سوق العبور متكلبشة ومستنية إذن سيادتك عشان أشتري غدا ابني؟

چيهان حاولت تلم الدور

وتسترجع قناع الجبروت، عدلت شعرها وقالت بصوت بتفتعل فيه القوة والتبجح مدام مريم، إنتي بتقتحمي اجتماع رسمي لمجلس الإدارة


 

بدون أي صفة قانونية! المكان هنا مش للدراما العائلية، اطلعي برة بهدوء قبل ما أطلب الأمن يرميكي برة الشركة كلها!

بصيتلها من طرف عيني، ومردتش عليها أصلاً.. كأنها حتة دبانة بتزن في الهوا. وجهت كلامي لأعضاء المجلس والمديرين اللي قاعدين مبلملين صباح الخير يا سادة. معلش قطعت عليكم مسرحية توزيع التورتة، بس صاحبة التورتة وصاحبة الفرن وصاحبة المبنى كله وصلت، ولازم نحط النقط على الحروف عشان العمي يشوف.

شريف حاول يمسك نفسه، ونفخ صدره ورفع صوته محاولاً يفرض هيبته الميتة مريم! الزمي حدودك! أنا هنا رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للشركة دي بقرار وتوكيل رسمي! إنتي بقيتي مريضة وتصرفاتك مش متزنة ومكانك مش هنا، الدكتور المشرف على حالتك كاتب تقرير رسمي بإنك محتاجة رعاية خاصة، ومتخلينيش أضطر أطلع المستندات دي قدام المجلس وأحرجك أكتر من كده!

ضحكت.. ضحكة رنت في سقف القاعة كله، ضحكة خلت چيهان ترجع خطوة لورا بخوف مريب.

مستندات إيه يا روح أمك؟ قلتها بالبلدي الصريح اللي عمرهم ما سمعوه مني، الكلمة نزلت على وش شريف زي القلم، وشه احمر وبقى زي الطماطم المعصورة.

شاورت لعادل بإيدي عادل.. افتح الدوسيهات ووزع النسخ على السادة المحترمين أعضاء المجلس، ووريهم الدكاترة اللي جوزي المحترم متفق معاهم يشهدوا زور ويبيعوا ضميرهم عشان ياخد قِرشين تحت الترابيزة.


عادل اتحرك بسرعة ورزع نسخ من التقارير والمحاضر قدام كل عضو مجلس إدارة، وفتح المايك وقال بصوت جهوري بناءً على البلاغ رقم 482 لسنة 2026، والمقدم للنائب العام ونيابة الأموال العامة العليا، تم اليوم فجرًا التحقيق مع الدكتور المسؤول عن إصدار التقرير الطبي المزور المنسوب لمستشفى المخ والأعصاب، واعترف تفصيلياً باستلامه رشوة مالية قدرها مليون جنيه نقداً من المدعوة چيهان عبد الحميد، وبتحريض مباشر من المدعو شريف الدمنهوري، بغرض استصدار قرار حجر غير قانوني على وريثة مجموعة المنشاوي الوحيدة!

أعضاء المجلس مسكوا الورق وأصوات الشهقات والهمهمات علت في القاعة تزوير ورشوة؟! وحجر على بنت الحاج عبد الحميد؟ ده جنان رسمي! إيه الوساخة دي يا شريف بيه؟ هو ده الشغل اللي كنت بتعرضه علينا؟

شريف عرق وبقى بينهج، وبص لچيهان بنظرة رعب، وهي وشها اصفر وبقت بتتلفت حواليها زي الفار المحبوس في مصيدة. چيهان زعقت بصوت طالع من قعر بير كدب! كله افترا! أنا ممعاييش مليم من الكلام ده، شريف هو اللي كان بيطلب مني أوقع على كل حاجة وهو اللي كان بيحوّل الفلوس!

شريف صرخ فيها زي المجنون اخرسي يا فاجرة! إنتي اللي وسوستيلي وخططتي لكل حاجة وقولتيلي الشركة دي من حقنا وإحنا اللي مشغلينها وهي واحدة جاهلة ملهاش لازمة!

أنا؟! ده إنت اللي كنت بتبوس إيدي عشان أزوّر التوقيعات على حسابات بنوك دبي وسويسرا! ده إنت اللي كتبتلي الشقة بتاعة زايد والعربية البي إم باسمي عشان أسكت ومابلغش عنك!

وقفت براحة، وسقفتلهم بإيدي الاتنين ببرود تام الله.. الله على الأصول والجدعنة!

لحقتوا تبيعوا بعض في دقيقتين؟ فين الحب والوفاء والإخلاص اللي كنتوا بتخططوا بيه في مكاتبكم المقفولة؟

قربت من التربيزة، ورميت قدام شريف الملف التاني اللي كان حارق قلبي ومستنية اللحظة دي بالذات عشان أرميه في وشه الورقة دي بقى يا دكتور شريف.. تخصك إنت لوحدك. التوكيل العام اللي استخدمته وسحبت بيه مية وخمسين مليون جنيه لحساباتك برة.. فاكره؟ نسيت وأبويا بيموت إنه خلاك تمضي على إلغاء التوكيل ده في الشهر العقاري بحضور اتنين شهود؟ نسيت إنك كنت ماضي على إقرار ذمة مالية وتنازل عن أي حق في إدارة المجموعة لو حصل أي تجاوز؟ إنت مش بس مزور وخاين عيش وملح.. إنت حرامي، وسارق أموال قاصر، وخاين أمانة هيتحكم عليك فيها بجناية مش جنحة، وهتقضي باقي عمرك في ليمان طرة لابس البدلة الزرقا اللي تليق بمقامك!


شريف ركبه خارت، ومبقاش قادر يقف على رجليه، قعد على الكرسي كأنه جثة، وشه كان شاحب كأنه ميت من تلات أيام. بصلي بعينين مكسورة، وبدا يتكلم بنبرة شحاتة مقززة مريم.. حبيبتي.. اسمعيني بس.. أنا اتعميت، الشيطان شاطر والبت دي هي اللي دخلت بيننا ولعبت في دماغي.. افتكريلي أي حاجة حلوة، افتكري ست سنين عشناهم سوا، افتكري ياسين ابننا.. عشان خاطر ياسين ارحميني ومتفضحنيش، إحنا نستر على بعض والفلوس كلها هترجع بالقرش وصاغ والله العظيم هرجعلك كل مليم!

بصيتله بعينين مفيهمش ذرة رحمة ولا شفقة. الوجع اللي كان في قلبي اتحول لحجر صوان. مسكت صورة لياسين كانت معايا في الشنطة وبصيتله بيها ابنك؟ دلوقتي افتكرت إن عندك ابن؟ يوم ما بعت البت دي تاخده من مدرسته وترميه في أي داهية عشان توفر مصاريفه، كنت فاكر ابنك؟ يوم ما خليت الغفرا يرموني على الأرض في سوق العبور ويمسحوا بيا البلاط قدام الناس وكنت قاعد تضحك على قهرتي في التليفون، كنت فاكر العشرة وست سنين الجواز؟ إنت مدفعتش في ياسين ده ولا في البيت ده مليم أحمر، أنا اللي سترتك، وأنا اللي عملتلك قيمة، وخليتك تلبس بدل وتتكلم في صفقات.. ويوم ما فكرت تستقوى، استقويت على اللي عملتك؟

الباب اتفتح تاني، ودخل ظابط مباحث ومعه اتنين أمناء شرطة بكلابشات حديد تلمع في إيديهم.


الظابط قرب من عادل وأخد منه أذونات النيابة، وبص لشريف وچيهان

 

وقال بصوت حاسم ورسمي أستاذ شريف الدمنهوري، آنسة چيهان عبد الحميد.. صادر ضدكم أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم الاستيلاء على أموال عامة وخاصة، التزوير في محررات رسمية، والتحريض على الرشوة، وتكوين تشكيل عصابي لغسيل الأموال. اتفضلوا معانا من غير شوشرة.

چيهان أول ما شافت الكلبشات انهارت، قعدت تصوت وتلطم على وشها زي النسوان في الحارة أنا ماليش دعوة يا باشا! هو اللي ضحك عليا وقالي هنتجوز ونسافر برة ونعيش في باريس! هو اللي ورطني، والله العظيم هو اللي خد كل حاجة!

الأمين مسكها من دراعها وكلبش إيدها ورا ضهرها بقوة وهي بتصرخ وتتف على شريف. أما شريف، فكان ماشي زي الخروف المدبوح، رجليه كانت بتجر في الأرض ومش قادر يرفع عينه في أي بني آدم من اللي كانوا واقفين. وقبل ما يخرج من باب القاعة، وقّفته بكلمة واحدة شريف.

وقف مكانه وبصلي بآخر أمل إنه يلاقي في عيني نظرة رجوع.


قلتله بهدوء تام وبابتسامة شفت فيها روحي بترجعلي الورقة بتاعة طلاقي هتجيلك على السجن مع إعلان الحجر على كل حساباتك وسحب جنسيتك من كل الميزات اللي خدتها من عيلتي. ومن هنا ورايح.. مش هتلاقي حتى مليم تشتري بيه شوية العدس والبيض المسلوق اللي چيهان كانت بتقولي أطبخهم. البس بقى يا دكتور، السجن للجدعان وإنت لا كنت جدع ولا تعرف يعني إيه رجولة.

الظابط زقه وخرج بيهم وسط نظرات الاحتقار من الموظفين اللي كانوا متجمعين في الطرقة برة بيتفرجوا على نهايتهم السودة. الفضايح كانت بجلاجل، والموبايلات كانت بتصور اللحظة اللي رئيس الشركة المزيف بيخرج فيها مكلبش ومطاطي راسه في الأرض.

رجعت قعدت على كرسي والدي في صدر القاعة. اتنفست نفس طويل، حسيت كأن جبل كان كابس على صدري وانزاح. بصيت لأعضاء المجلس اللي كانوا مستنيين أي كلمة مني برهبة واحترام يا سادة.. المسرحية الهزلية خلصت. من اللحظة دي، أنا اللي بتولى منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمجموعة المنشاوي. كل القرارات اللي اتخذت في الشهرين اللي فاتوا ملغية وكأنها لم تكن.

مرتبات الموظفين اللي اتخصم منها هترجع الضعف، وكل عقد اتوقع مشبوه هيتحول للشؤون القانونية فوراً. عندنا شغل كتير متأخر، والشركة دي هترجع زي ما الحاج عبد الحميد سابها وأحسن.. يلا كل واحد على شغله.

الكل قاموا وقفوا وسقفوا، وخرجوا من القاعة بنشاط واحترام عمرهم ما أظهروه لشريف في عزه.

نزلت من المبنى، وركبت عربيتي وطلعت على فيلا الزمالك. أول ما دخلت، لقيت ياسين بيجري عليا وفاتح دراعاته مامي! وحشتيني أوي!

شيلته وحضنته بكل قوتي، دفنت وشي في رقبته وشميت ريحته اللي ردت فيا الروح.

بكيت لأول مرة من يومين، بس مكانتش دموع قهرة.. دي كانت دموع نصر وتطهير.

عدت الأيام والشهور بسرعة، والتحقيقات خدت مجراها الطبيعي في المحاكم. شريف وچيهان اتحكم عليهم بأحكام مشددة؛ سبع سنين سجن مشدد لشريف مع رد كل المبالغ والغرامات اللي بلعت كل مليم كان حيلته هو وعيلته، وخمس سنين لچيهان مع الشغل والنفاذ. شريف رجع لنقطة الصفر، لا.. رجع لتحت الصفر، مكسور ومفضوح ومجرد من كل صفة وكل مال، في زنزانة ضيقة مفيهاش غير حيطان باردة تذكره كل ليلة بالنعمة اللي رفسها برجليه.

وأنا؟ أنا رجعت لبيتي في التجمع، بيتي اللي اتطهر من دنسهم. فتحت شبابيكه للشمس والهوا النضيف، وغيرت كل ركن كان بيفكرني بيهم. مجموعة المنشاوي كبرت وبقت أضعاف ما كانت، وياسين كبر وبقى راجل بيتعلم يعني إيه أصل ويعني إيه شبع، لأن اللي عينه جعانة، لو ملك خزائن الأرض كلها، هيفضل برضه جعان وهيموت في قاع الفقر والندامة.

 

تعليقات