القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت عزومه كامله حكايات رومانى مكرم 




عزومه كامله حكايات رومانى مكرم 


من اول اسبوع زواج وحماتى كل يوم تعزم اهلها مره اختها واولادها ومره اخوها واولاده وقرايبها من العيله وتخلينى انا اعمل كل اصناف الاكل وفى يوم انا عزمة بابا وماما لقيت حماتى اتخانقت معايا ومعاهم وطردتهم من البييت!!!!


 


من أول أسبوع في جوازي… وأنا واقفة في المطبخ بالساعات، وأنا لسه عروسة ما لحقتش أتهنى ولا أفرح ببيتي.


البيت عندنا كبير، وحماتي بتحب العزومات جدًا… يمكن أكتر من اللازم. من تاني يوم جواز تقريبًا، وهي تدخل عليّ المطبخ وتقول لي بصوتها العالي “النهارده أختي وجوزها جايبين عيالهم وجايين يباركو… اعملي محشي وكفتة وبشاميل.”


واليوم اللي بعده: “قرايبنا من البلد جايين يهنونا… حضري فراخ وبطاطس وحلويات.”


وأنا… عروسة جديدة، مكسوفة ومش فاهمة حاجة، أقول: حاضر.


رغم إن التعب والوقفة الطويلة والتنظيف كانوا بيصلبوا ضهري، وكنت لسه بحاول أتعود على الحياة الجديدة، لكن كنت بسكت عشان خاطر جوزي… وعشان البيت يفضل هادي وما أتعملش من أولها مشكلة.


كنت بشتغل طول اليوم:


أقطع… وأطبخ… وأغسل… وأرتب.


والكل يقعد على السفرة يضحك ويهزر ويقولوا: “تسلم إيد العروسة!”


وأنا أحيانًا ما بلحقش حتى أقعد آكل معاهم من كتر التعب.


لكن عمري ما اشتكيت، وقلت بكرة يهدوا والضغط يخف.


لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه أعزم أهلي… بعد أول شهر جواز. بابا وماما وأخويا ومراته.


بقالهم شهور ماجوش البيت، وكل مرة كانوا يقولوا:


— “إحنا مش عايزين نتعبك يا بنتي، أنتي لسه عروسة ومش عايزين نثقل عليكِ.”


لكن المرة دي أصريت.


قلت لنفسي:



صحيت من بدري جدًا.


حضرت أحلى أكل قدرت عليه:


محشي… ملوخية… فراخ محمرة… سلطة… وشوربة…


وحتى عملت صينية حلو بيحبوها عشان بابا.


المطبخ كان مليان ريحة الأكل… وقلبي مليان فرحة.


كنت حاسة إن اليوم ده هيبقى مختلف، وإن جوزي وحماتي هيفرحوا بوجود أهلي زي ما بنفرح بأهلهم.


وقبل ما يجوا بحوالي ساعة…


حماتي دخلت المطبخ، وبصت للأكل بنظرة غريبة وقالت ببرود:


— “هو في حد قالك تعزمي حد النهارده؟”


اتلخبطت وقلت بهدوء واحترام:


— “دول أهلي يا ماما… أول مرة يزوروني من يوم الفرح، وأنا اللي عزمتهم.”


سكتت لحظة… بوزت وشها ومشيت من غير ولا كلمة.


أول ما رن الجرس، فتحت… لقيت بابا واقف بابتسامته الهادية، وماما شايلة علبة حلويات كبيرة، وأخويا بيضحك وهو بيقول:


— “إيه يا عروسة؟ عاملة وليمة!”


حضنتهم بفرحة كبيرة… كأني ما شوفتهمش من سنين.


دخلوا وقعدوا في الصالة، لكن الجو كان مشحون من أول دقيقة. حماتي سلمت بطرف مناخيرها، وقعدت حاطة رجل على رجل.


قعدنا على السفرة علشان ناكل… وفي البداية حاولت ألطف الجو.


لكن بعد أول كمتين…


حماتي حطت المعلقة على الطبق بصوت عالي يرن في الصالة وقالت قدام الكل:


— “بصراحة… البيت ده مش فندق… وكل شوية حد داخل طالع علينا!”


اتجمدت ماما في مكانها، واللقمة وقفت في حلقي.


بابا رفع عينه ليها بهدوء شديد… وقال بكل كبرياء:


— “إحنا جينا بدعوة بنتنا… ولو وجودنا مضايق حضرتك، إحنا نقدر نمشي فوراً.”


ردت حماتي بعصبية وسواد:


— “أيوه… الأفضل تمشوا!”


حسيت إن قلبي اتخلع من مكانه… وأنا واقفة بين أهلي وحماتي مش عارفة أستوعب البجاحة.


ماما قامت بسرعة والدموع في عينها وقالت بصوت مكسور:


— “يلا يا جماعة… ما يصحش نفضل هنا.”


بابا بصلي نظرة عمرها ما هتروح من بالي… نظرة كلها وجع وحزن على بنته العروسة اللي اتهانت قدامه.


وأخويا مسك إيد بابا وقال قبل ما يخرج بحدة:


— “إحنا مش هنرجع البيت ده تاني… وأنتي يا بنتي، بيت أباكي مفتوح لكِ في أي وقت لو فكرتي ترجعي لكرامتك.”


الباب اتقفل…


وسكت البيت كله.


وقفت في نص الصالة… والدموع بتنزل مني زي المطر، وجسمي كله بيترعش.


لكن الصدمة الأكبر حصلت بعدها بدقايق…


جوزي دخل البيت، ولما شافني بكي وعرف اللي حصل من أمه…


#الكانب__رومانى__مكرم__


قال جملة خلت الدنيا تلف بيا ونزلت عليا زي الصاعقة:


— “بصراحة… أمي عندها حق، أنتي المفروض تستأذنيها الأول قبل ما تدخلي حد بيتها!”


وقتها حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي… وإن الجوازة دي كانت أكبر غلطة في حياتي.


لكن اللي ماكنتش اعرفه…


إن اللي حصل ده كان بس البداية.


لأن في نفس الليلة…


وأنا بدخل المطبخ عشان ألم الأطباق اللي أهلي ما لحقوش ياكلوا منها…


سمعت حماتي بتتكلم في التليفون وبتقول جملة خلت دمي يتجمد في عروقي…


سمعت حماتي تتكلم في التليفون بصوت واطي، بس حاد وواضح، كانت بتكلم أختها وتقول لها بضحكة كلها شماتة وسواد: “خلاص يا أختي، قطعت رجلهم من البيت.. هي فاكرة نفسها ست البيت وهتعزم على كيفها؟ أنا من أول يوم حاطة عيني عليها ومربياها، وخليتها خدامة تحت رجلي ورجل عيالك.. واليوم ده كان لازم يحصل عشان تفهم حجمها وتعرف إن البيت ده بيتي أنا، وما لهاش فيه غير كلمة حاضر وروح وتعالى.. وجوزها في جيبي، كلمة مني توديه وكلمة تجيبه!”


الكلمات نزلت عليا زي النهش في قلبي، الوجع كان أشد ألف مرة من إهانة أهلي.. حسيت إن السقف بيقع عليا، والدموع اللي كانت بتنزل بسخونية انقلبت لجمود ورعب من الواقع اللي لقيت نفسي فيه. أنا مش مجرد عروسة اتظلمت، أنا اتدبست في فخ، اتجوزت راجل ملوش شخصية ولا كلمة، وبيت كل جدرانه مبنية على الاستغلال والكسرة.


لميت الأطباق بإيدين بتترعش، والأكل اللي تعبت فيه طول الصبح عشان أفرّح بيه بابا وماما، كان لسه زي ما هو.. محطوط عليه حسرتي وقهرتي. ودخلت أوديتي وأنا حاسة إن جسمي متكتف. جوزي كان قاعد على السرير بيمسك تليفونه بنشاط وكأن مفيش حاجة حصلت، وكأن أهلي ما اتهانوش وتطردوا برة البيت.


أول ما دخلت، بص لي ببرود وقال: “أنتِ لسه بتعيطي؟ قفلي على الموضوع ده بقى وخلي ليلتنا تعدي.. وأمي لما بتقول كلمة لازم تسمعيها، البيت ده له كبار، وما ينفعش تتصرفي من دماغك.”


وقفت قدامه والدموع متحجرة في عيني، وقلت له بصوت مكسور بس مليان حسرة: “كبار؟ هو الكرم والواجب بقى للغرباء وأهلك أنت بس؟ أهلي اللي بقالهم شهور ما شافونيش، واللي وجعوا قلبهم وما رضيوش يثقلوا علينا، أول ما يجوا يتم التعامل معاهم كده؟ يطردوا من اللقمة؟ وأنت جاي بكل بساطة تقول لي أمك عندها حق؟ أنت فين موقفك؟ فين كرامة مرتك وكرامة أهلك اللي استأمنوك عليا؟”


قام وقف وجاب وشو قصادي، وبدل ما يطيب خاطري أو يحس بقلبي اللي ينزف، صرخ في وشي وقال: “أنتِ هتعلّي صوتك عليا ولا إيه؟ أمي خط أحمر! كلمة ثانية وهتصل بوالدك أخليه ييجي ياخدك، وما ترجعيش هنا تاني إلا لما تتعلمي الأدب وتعرفي الأصول!”


في اللحظة دي، اتكسرت أخر قشة كنت ماسكة فيها. عرفت إن الجوازة دي ما فيهاش أمان، وإن الراجل ده مش حماية ولا سند، ده مجرد أداة في إيد أمه بتتحكم فيه زي العروسة المارينيت. سكتّ.. وما ردتش بكلمة واحدة. أخدت جنب في الأوضة، ونمت بدموعي للمرة الألف من ساعة ما دخلت البيت ده.


تاني يوم الصبح، صحيت على صوت التخبيط العالي على باب الأوضة. حماتي بتزعق بصوتها الرنان: “قومي يا عروسة! أختي وعيالها جايين بعد ساعتين، قومي شوفي المطبخ ورتبي البيت، ومفيش وقت للكسل والدلع ده!”


خرجت من الأوضة وأنا حاسة بتقل في جسمي، بس المرة دي ما كانش فيا حيل أقول “حاضر” ولا حيل أقاوم. بصيت لها وقلت بصوت هادي ومجهد: “أنا تعبانة يا ماما.. مش هقدر أقف في المطبخ النهار ده.”


عينيها وسعت من الصدمة، وزعقت أكتر: “نعم؟ تعبانة إيه ودلع إيه؟ أنتِ فاكرة نفسك فين؟ ده بيتي والكلمة كلمتي! لما أقول قومي تعملي أكل للضيوف يبقى تقومي ورجلك فوق رقبتك! ولا فاكرة إنك لما تزعلي وتعملي لي فيها مكسورة الخاطر هسيبك براحتك؟”


جوزي خرج من الحمام، ولما شاف الموقف، بدل ما يهدّي أمه أو يراعي إني مريضة، بص لي بنظرة قسوة وقال: “في إيه يا هانم؟ من أولها كده هتبدأي تعاندي وتعملي مشاكل؟ قومي شوفي أمي عايزة إيه وبلاش شغل الجنان ده!”


الموقف كان أشد من طاقة أي بني آدم. وقفت في نص الصالة، وشفت المطبخ اللي قضيت فيه أحلى أيام شغفي وأنا بعجن وبطبخ بحب، بقى بالنسبة لي سجني ومشنقتي. دخلت المطبخ وأنا حاسة بإن كرامتي بتتداس كل ثانية بفضل سكوتي. بدأت أطبخ وأنا جسمي كله بيترعش من القهر. عملت الأكل وأنا مش حاسة بطعمه، والدموع بتنزل على الخضار والمحشي اللي بحضره.


على الضهر، البيت اتملى بأهل حماتي.. اختها وعيالها وقرايبها من البلد. دخلوا وهي بتستقبلهم بالأحضان والضحكات العالية، وقعدوا يتسامروا ويضحكوا. وأنا جوة المطبخ، زي الخدامة تماماً، بأكل وبغسل وبمسح. ولا حد منهم يكلف نفسه يسألني: “أنتِ عاملة إيه؟” أو حتى يساعدني بكباية مية.


وبعد ما خلصوا الأكل، خرجت ألم الصحون. سمعت أخت حماتي بتقول لها بصوت واطي: “والله يا أختي العروسة دي مطيعة وشغالة كويسة، بس شكلها زعلانة ومبوزة ليه كده؟”


ردت حماتي بصوت عالي وبكل قسوة عشان أسمعها: “سبيكي منها يا أختي، دي حركات بنات اليومين دول، فاكرة نفسها جاية تتستت وهي حتة بت لا راحت ولا جارت، وما حيلتهاش حاجة.. أنا اللي أعمل لها قيمة وأنا اللي أكسر مناخيرها عشان تعرف إن الله حق!”


الكلمات دي كانت بمثابة الرصاصة اللي قتلت أخر أمل جواه.. حسيت إن الدم غلى في عروقي. طقطق جواه شيء، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، حسيت إن السكوت لم يعد أدباً، بل جُبناً وخيانة لنفسي ولأهلي اللي اتربيت على كرامتهم.


جمعت الأطباق كلها، وأنا إيدي بتتنفض.. ودخلت المطبخ. قفلت الباب عليا. وقفت قدام المراية الصغيرة اللي متعلقة في المطبخ، وبصيت لوشي.. الشحوب، الهالات السودة تحت عيني، والكسرة اللي في ملامحي.. قلت لنفسي: “أنتِ مش دي.. أنتِ بنت فلان اللي اتربت على العز والكرامة، ومفيش بني آدم على وش الأرض له الحق إنه يكسرك بالشكل ده.”


مسكت تليفوني، واتصلت بأخويا. الموبايل رن مرتين ورده كان دافي بس حزين: “أيوة يا حبيبتي.. أنتِ كويسة؟”


أول ما سمعت صوته، مسكت دموعي بجدية وقوة ما كنتش أعرف إنها عندي وقلت له: “يا أخويا.. تعالى اطلب لي تاكسي وتعالى خذني.. أنا قادرة أرجع لكرامتي زي ما قلت لي بالظبط.”


أخويا ما ترددش ثانية واحدة، وقال لي بصرامة وفخر: “مسافة السكة يا بنتي.. حضري شنطتك، وما تخافيش من حد.”


قفلت معاه، ودخلت الأوضة. لميت هدومي بسرعة في الشنطة.. جوزي دخل عليا فجأة، ولما شاف الشنطة مفتوحة والهدوم جواها، عيونه وسعت من الذهول وقال بحدّة: “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟ أنتِ بتلمي هدومك؟ رايحة فين من غير إذني؟”


بصيت له بثبات لم يعهده مني أبداً، وقلت له بكل برود: “رايحة المكان اللي فيه كرامتي.. المكان اللي أهلي بيحترموني فيه، وما حدش بيطرد فيه ضيوفي ولا بيعاملني كأني خدامة.”


زعق بصوت عالي: “أنتِ فاكرة الخروج من هنا بالساهل؟ أنتِ لو مشيتي النهار ده، مش هترجعي البيت ده تاني! أمي هتقفل الباب في وشك والأصول بتقول…”


قاطعته بقوة وصوت ثابت هز الأوضة: “الأصول؟ أنت تتكلم عن الأصول؟ الأصول دي اللي أنت وأمك دهستوها تحت رجليكم لما طردتم بابا وماما من البيت! الأصول دي اللي نسيتها لما سبت أمك تهين مرتك قدام الناس وتخليها خدامة لعيال أختها! أنت مش راجل يتحامي فيه يا فلان.. أنت مجرد ضل لأمك!”


الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة، وشها احمر وزاد غضبه، ورفع إيده وضرّب على الطاولة بغل: “أنتِ بتشتمني في بيتي؟ والله لأعرفك مقامك!”


في اللحظة دي، سمعنا صوت الجرس بيرن بحدة وقوة.. خرجت من الأوضة وأنا شايالة شنطتي، وجوزي ورايا بيزعق وبيحاول يمسك الشنطة مني. حماتي وقفت في نص الصالة، وأهلها كلهم بيبصوا بذهول واندهاش.


حماتي صرخت: “إيه المهزلة دي؟ أنتِ رايحة فين بالشنطة دي يا بت؟ فاكرة نفسك بتهددينا؟”


فتحت باب الشقة، ولقيت اخويا واقف برة.. طوله وشهامته مالية المكان، وعيونه مليانة غضب وكبرياء. أول ما شافني شايلة الشنطة وجوزي بيشدها، قرب خطوة واحدة بس وجسمه حائل بيني وبينهم.


أخويا بص لجوزي بصة صلبة وقال بصوت هز العمارة كلها: “سيب الشنطة يا فلان.. أختي مش خدامة عند حد، والبيت ده خلاص مالوش أمان ولا قيمة عندنا.”


حماتي وقفت وزعقت بكل بجاحة: “خديها يا أخويا ويا رب ما ترجع!! دي بت قليلة الأصل وما بتفهمش في الأصول، وعايزة تمشي البيت على مزاجها!”


أخويا بص لها بابتسامة سخرية وقرف، وقال لها بثبات يهد الجبال: “الأصل إحنا اللي بنعلموه للناس يا هانم.. وإحنا لما جينا نناسبكم، افتكرنا إننا بنناسب رجال، بس للأسف اكتشفنا إن البيت ده ملوش غير كبير واحد، والكبير ده مش راجل!”


جوزي اتملا غل وجري عايز يحجم مع أخويا، بس أخويا مسكه من إيده بقوة وثبته مكانه وقال له بصوت واطي ومخيف: “لو فكرت تلمس شعر منها، أو تطلع صوتك عليا، هتدفع الثمن غالي أوي.. أختي راجعة بيتها مرفوعة الرأس، وأنت وأمك هتفضلوا في غلكوا ده لحين ما القانون والأصول تحاسبكم.”


أخد مني الشنطة، ومسك إيدي بحنان وقوة، ونزلنا على السلم وهما واقفين في ذهول وصدمة، حماتي بتصرخ وجوزي واقف زي الصنم مش عارف يتصرف ولا ياخد موقف.


نزلت الشارع، والتنفس بدأ يرجع لي.. حسيت إن الهواء اللي بدخله صدري نقي، كأني كنت محبوسة في المظلمة وطلعت للنور. ركبنا العربية مع أخويا، وطول الطريق كان ماسك إيدي ويقول لي: “ما تعيطيش يا حبيبتي.. أنتِ بنتنا وعزوتنا، والبيت اللي يقل منك ومن أهلك ما يلزمناش منه قشرة بصلة.”


وصلنا البيت.. أول ما فتحت الباب، لقيت بابا وماما قاعدين في الصالة. أمي أول ما شافتني، قامت وجريت عليا، حضنتني وقعدت تبكي بحرقة.. وبابا قام بوقار وشوفت في عينيه دمعة محبوسة، بس نظرة الفخر كانت باينة في ملامحه.


بابا أخدني في حضنه وقال لي بصوت دافي هز كياني: ” نورتِ بيتك يا بنتي.. حقك علينا إننا حطيناكي في المكان ده، بس وحياة دموعك وكرامتك اللي اتهانت، ما هنسيب حقك، واليوم ده بداية لنهاية الظلم ده كله.”


قعدت وسطهم، وحسيت بالأمان اللي افتقدته من أول يوم جواز.. بس جوايا كان في نار عايشة، نار الظلم والغدر. كنت عارفة إن الموضوع مش هيخلص هنا، وإن حماتي وجوزي مش هيسكتوا.. وفعلاً، ما عدتش غير ساعات قليلة جداً على وصولي بيت أهلي، لحد ما رن تليفون بابا..


وكان المتصل هو جوزي.. بس المرة دي ما كانش بيعتذر ولا بيلطف الجو.. كان بيتكلم بصوت مليان تهديد ووعيد، وبيقول لبابا كلمة غيرت كل مجرى الأحداث وفجرت مفاجأة ما كانتش على البال ولا على الخاطر…


عزومه حكايات رومانى مكرم 2


بابا فتح السبيكر وهدى صوته تماماً، وكان ثباته ينقط هيبة وسط السكون اللي ساد الصالة. صوت جوزي كان طالع من التليفون مخنوق بالغل والعصبية، وقال بنبرة مليانة تهديد: “بقولك إيه يا حاج.. بنتك خرجت من بيتي من غير إذن، وكسرت كلامي وكلام أمي قدام قرايبنا.. وإنت فاكر إنك بكده بتلوي دراعي؟ بنتك لو مالمتش نفسها ورجعت البيت خلال 24 ساعة وجات باست إيد أمي واعتذرت لها قدام العيلة كلها، هعتبرها طالق.. ومش بس كده، مؤخرها وقيتمها ينسوها خالص، وأنا مسجل عليها إيصالات أمانة بالدهب والمؤخر، ويا تصفي حسابها بالمعروف يا هسجنها!”


أمي صرخت وحطت إيدها على قلبها، وأنا الدم اتجمد في عروقي وأنا بفتكر يوم كتب الكتاب لما هو وأمه أصروا إني أوقع على ورقة فاضية بحجة إنها إجراء روتيني لخزنة الدهب والشبكة، وأنا من سذاجتي وحسيت إنهم أهلي وقتها وقعت وأنا مغمية العينين!



بابا بصلي بنظرة ثبات وثقة، وما اترعشتش منه نبرة واحدة، رد عليه ببرود يفرس: “خلصت كلامك يا فلان؟ القوانين والألاعيب دي بلها واشرب ميتها.. وبنتي مش هترجع لك لو السماء انطبقت على الأرض. والورقة اللي بتطبل بيها دي هتبدلها بأيام سودة عليك وعلى اللي زقتك تعمل كده.. سلام يا ابن الأصول.”


بابا قفل السكة في وشه بثبات، والبيت كله بقى في حالة استنفار. أخويا قام وقفت وقال بصوت رجولي حاسم: “والله ما هسيبه، أنا نازل له البيت دلوقتي هعرفه يعني إيه يهدد بنت أصول!”


بابا مسك أخويا من كتفه وقعده مكانه وقال له بصرامة: “اقعد يا ابني.. الحق ما يجيش بالدراع والبلطجة، الحق ييجي بالقانون والدماغ الشغالة. هما فاكرين إننا ناس طيبين وهنترعب من تهديدهم، بس هما يجهلوا إحنا مين لما حد ييجي على شرفنا وكرامتنا.”


ثاني يوم الصبح، بابا وأخويا أخدوني وروحنا للمحامي. المحامي لما سمع القصة وشاف التفاصيل، قال بثقة: “موضوع الورقة اللي على بياض ده لعب أطفال، هنعمل إثبات حالة وتلبيس تهمة خيانة أمانة واستغلال حسن نية، بس الأهم من ده كله.. إحنا مش هنلعب في المحاكم بس، إحنا هنضربهم في المكان اللي بيوجعهم!”


المحامي اتفق معانا على خطة، وأول خطوة فيها كانت رفع قضايا تمكين من شقة الزوجية، ونفقة، واسترداد كافة القائمة والشبكة بالقانون. وفي نفس اليوم، حماتي بدأت حربها القذرة في المنطقة.. راحت لكل الجيران والقرايب وتقول إن أنا اللي سبت البيت عشان مش عايزة أخدم أهل جوزي، وإنني سرقت دهبها ومشيت!


الكلام كان بيوصلني وبيحرق دمي، بس بابا كان يقول لي دايماً: “السباب أداة الضعيف يا بنتي.. سيبيهم ينبحوا لحد ما الفأس تقع في الرأس.”


وبعد أسبوعين بس من القضية، نزلت أول صفعة على وشهم. المحكمة أصدرت قرار تمكين للمطلقة/الزوجة من شقة الزوجية بالكامل لأنها بيت الزوجية المستقل، وجات قوة من الشرطة عشان تنفذ القرار وتسلمني الشقة وتخرج منها حماتي وجوزي!


اليوم ده كان مشهود في الشارع كله.. عربية الشرطة وقفت قدام العمارة، والمحضر طلع ونادى على جوزي وحماتي. حماتي نزلت الشارع وهي بتصرخ وبتلطم على وشها وتستغيث بالجيران: “يلحقونا يا ناس! البت الطماعة جايبة الشرطة تطردني من بيت ابني! يا فضحتي بين الناس!”


الشارع كله اتجمع، وجوزي كان واقف وشو أصفر وزي الفراخ المبلولة مش عارف يتكلم قدام الظابط. الظابط بص لحماتي بصرامة وقال لها: “يا هانم القرار واضح وصريح، الشقة دي بيت زوجية مستقل والزوجة ليها حق التمكين، اتفضلي لمي حاجتك الشخصية واخرجي بالمعروف بلاش مشاكل وخروج بالقوة!”


ناس كتير من الجيران اللي كانت حماتي بتضحك عليهم بالباطل، عرفوا الحقيقة لما شافوا أوراق المحكمة وتصميم بابا على أخذ حقي بالقانون. حماتي اضطرت تلم هدومها وتخرج من الشقة هي وابنها مكسورين العين، والناس كلها بتبص لهم بنظرات القرف والشامتة، بعد ما كانت بتتباهى أمام العيلة كلها إنها ست البيت الناهية الآمرة.


استلمت الشقة، ودخلت أنا وبابا وأخويا والمحضر.. البيت اللي قضيت فيه أيام كابوسية وأنا بمسح وأطبخ تحت إهاناتهم، بقى تحت إيدي بالقانون. بس الانتقام ما وقفش هنا..


جوزي لما لقى نفسه اترجم واتطرد من الشقة، وسمعته بقت في الطين، بدأ يتجنن. أمه كانت بتزن في ودنه طول الليل والنهار: “وريهم يا فلان! ارفص القضية، اسجنها بالورقة!”


وفعلاً، بعد بضعة أيام، تفاجأنا إن جوزي رفع القضية بالورقة اللي على بياض، وادعى إنني استلفت منه مبلغ مالي ضخم ورفضت أردّه!


المحامي بتاعنا كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر. في جلسة المحكمة، المحامي قدم أدلة قاطعة، وطلب تحويل الورقة للطب الشرعي لإثبات إن التوقيع صادر في تاريخ قادم ومختلف تماماً عن كتابة متن الورقة، وإن الصلب انكتب بخط إيد جوزي بعد التوقيع بسنة كاملة!


وفي يوم النطق بالحكم.. القاضي بعد ما شاف تقرير الطب الشرعي اللي أثبت إن الورقة مزورة وتم استغلالها بنية خيانة الأمانة، أصدر حكماً هز كيانهم كلهم:


براءة الزوجة من التهمة المنسوبة إليها، وتحويل الزوج (جوزي) للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال تحرير على بياض وخيانة الأمانة!


الحكم نزل عليه زي الصاعقة.. جوزي تلقى الخيانة من أمه اللي زقته على السكة دي، ولقى نفسه مهدد بالسجن الفعلي وسمعته انتهت تماماً!


في نفس الليلة اللي صدر فيها الحكم، رن تليفون بابا تاني.. بس المرة دي ما كانش جوزي اللي بيتكلم.. المرة دي كانت حماتي بنفسها!


صوتها كان رايح، بتعيط وتتوسل وتشهق بكسرة ما شفتهاش في حياتي، وقالت لبابا بصوت ذليل: “الحقني يا حاج.. ارجوك يا أبو فلان، ابنك هيروح في داهية ويتسجن! أنا جاية لحد بيتكوا النهار ده أبوس إيدك وإيد بنتك.. سامحونا، البيت بيتكوا، وبنتك تشيلني على رأسها وتأمر وتنهى، بس بلاش تسجنوا ابني!”


بابا بصلي، وأنا بصيت له ونار قلبي بدأت تهدى بس الكرامة كانت لسه فوق كل شيء.. بابا رد عليها بصوت جاف وثابت: “اللي عملتيه في بنتي وفينا ما يغفروش بكاء، ابنك دهس كرامتنا وساق فيها، ودلوقتي بيحصد اللي زرعتيه فيه.. لو عايزة تتكلمي، تيجي بكرة قدام العيلة كلها اللي اتهانا قدامهم!”


تاني يوم، البيت عندنا اتملى.. أخت حماتي، وأخوها اللي كانوا بيجوا ياكلوا المحشي والمفتول وأنا خدامة عندهم، حضروا كلهم وكانوا قاعدين ساكتين ومكسورين العين.


ودخلت حماتي.. الست اللي كانت بتدخل المطبخ تزعق وتطرد أهلي بقلب أسود، دخلت مطأطأة الرأس، دموعها على خدها، وجوزي ماشي وراها زي الخيال، وشو بالأرض مش قادر يرفع عينه في عين بابا ولا أخويا.


حماتي قربت من بابا وماما وهي بتترجى، وقالت قدام الكل: “أنا آسفة يا حاج.. أنا اللي بنيت البيت ده على غلط، وأنا اللي قسيت على بنتك وظلمتها وجيت على كرامتكم.. حقكم على راسي من فوق، وابني غلطان ومستعد يعمل أي حاجة ترضيكم بس بلاش حبسه!”


الصمت ساد القاعة كلها.. والعيون كلها اتجهت ناحيتي.. كان الكل مستني قراري أنا.. هل هقبل الاعتذار وأرجع له وأكسر عينهم برجوعي كست البيت الأولى والأخيرة؟ ولا الاستمرار في القضايا وسجنه وإنهائها للابد؟


وقفت في نص الصالة، وبصيت لجوزي اللي كان واقف مستني كلمتي عشان تنقذه من السجن، وبصيت لحماتي اللي كانت منتظرة طوق النجاة.. وقبل ما أقول الكلمة الأخيرة اللي هتحدد مصير الكل، التليفون رن برقم غريب، ولما أخويا رد، ملامح وشوه اتغيرت تماماً وكشف سر ثاني حماتي كانت مخبياه عن الكل…


أخويا حط التليفون على أذنه، ومع كل ثانية كانت ملامحه بتتغير من الدهشة للغضب الصارم، والعيون كلها في الصالة اتسمرت عليه. قفل المكالمة وبص لحماتي ونظرته كانت عبارة عن سهم مسموم قطّع كل أوهام المسكنة اللي كانت عايشة فيها.


أخويا قرب خطوات بثبات وسأل بصوت جهوري هز أركان الصالة: “يا ترى يا هانم.. ويا ترى يا سي العريس.. أختك اللي في البلد اللي بتقولي إنها عيانة وبتبعتيلها كل شهر الفلوس والمصاريف، تطلع مين بالضبط؟ والتليفون اللي جالي دلوقتي من مستشفى التحاليل والولادة في القاهرة بيطلب إثبات نسب مولود جديد لزوجك الفاضل… يطلع إيه؟”


الجمود حلّ على القاعة زي صاعقة نزلّت على الرؤوس. حماتي وشها اتخطف وبقى لون الصبورة، وشفايفها بدأت تترعش وهي بتبص لبنها بذهول صامت. وجوزي؟ جوزي حط إيده على وشه وما قدرش يرفع عينيه، وكأنه انكمش على نفسه وأصبح أصغر من كف الإيد.


أنا وقفت مصدومة.. حسيت إن الأرض بتلف بيا. اتاري العزومات، والتعب، والوقفة في المطبخ، والفلوس اللي كانت بتتشفط من جيب جوزي بحجة مساعدة أخته أو قرايبه، كانت رايحة لمصاريف زوجة ثانية! اتجوزها عليا في السر قبل ما يخطبني أو مع أول أيام جوازنا، وكانت حماتي هي الساتر والعقل المدبر لكل الخطوات دي! كانت بتخليني خدامة في البيت عشان توفر وقت وفلوس لست ثانية هي واختيارها، وكانت عايزة تكسر مناخيري وتطرد أهلي عشان أتحول لمجرد آلة طبخ وتنظيف مالهاش أي حقوق أو طلبات!


ماما صرخت من البكاء والحرقة: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكم! ده أنتم شياطين على هيئة بني آدمين!”


بابا وقف بوقار وأشار بيده لماما وأخويا عشان يهدوا. بص لحماتي ولجوزي ونبرته كانت أبرد من الثلج وأشد قسوة من أي ضربة: “كنت فاكر إنكم ناس طماعين وقساة القلوب بس.. لكن تطلعوا خاينين وأصحاب ألاعيب قذرة بالشكل ده؟ ده أنتم مش بس ضيعتم ابنكم، ده أنتم ردمتم عليه بالحيا.”


حماتي ركعت تقريباً على الركب وحاولت تمسك إيد بابا وهي بتشهق: “والله يا حاج كانت غلطة! البنت دي من البلد وأهلها ضغطوا عليه وهو ما كانش عايزها، وأنا اللي أجبرته يكتب عليها عشان صلة الرحم.. والله بنتك هي الست الوحيدة اللي في قلبه، أرجوك بلاش تفضحونا وبلاش تنازل القضية يروح علينا!”


جوزي قرب مني ودموعه نازلة بصوت مخنوق: “يا فلانة.. سامحيني، أمي هي اللي غصبت عليا وأنا كنت أضعف من إني أقف قدامها.. والله ما حبيت غيرك، وما كنتش عايز الأيام توصل بينا لهنا! أنا مستعد أطلقها دلوقتي قدامك وأرمي كل حاجة تحت رجليكي، بس أنقذيني من السجن وما تضيعيش مستقبلي!”


بصيت له بقرف والشمئزاز مالك كل جوارحي. الصورة وضحت تماماً؛ الراجل ده مش بس ضعيف الشخصية، ده خاين ومنافق وبدون نادمة حقيقية، كل دموعه وتوسلاته كانت عشان خايف من البدلة الزرقاء والسجن اللي بقى على بعد خطوة واحدة منه بعد قضية التزوير.


مسحت دموعي اللي كانت بتنزل، وبصيت في عيونه بثبات وقوة عمرهم ما شافوها فيا قبل كده. قلت له بصوت هادي وواضح يرن في أذن كل اللي قاعدين: “تطلقها أو تخليها.. ده موضوع ما يخصنيش في حاجة. أنت بالنسبة لي انتهيت من اللحظة اللي سمحت فيها لأمك تطرد بابا وماما من بيتك.. والنهار ده أنت مش بس صغرت في نظري، أنت اتعدمت من الوجود.”


التفت لبابا وقلت له: “يا بابا.. أنا مش هتنازل عن حقي القانوني في أي قضية. اللي يزور ورق عشان يسجن بنتك، واللي يخون الأمانة ويستغل حسني نيتي، مكان الطبيعي هو السجن. والشرع والقانون هيجيبوا لي كل قرش وكل حتة دهب وكل حق لي ولأهلي.”


حماتي لما سمعت الكلمات دي، تحولت مسكنتها لصرخات غل وجنون، وقامت واقفة وهي بتشاور عليا بإيدها وتزعق: “أنتِ فاكرة نفسك مين؟ والله ما هنسيبك! وهنرفع عليكي قضايا ونطلعك من الشقة وهنخلي حياتك سوداء!”


أخويا مسكها من كتفها بالمعروف ووجهها ناحية الباب وقال بحدة: “اتفضلي برة أنتِ وابنك الخاين والمزيف! الكلام بيننا هيكون في المحاكم وفي جلسات التنفيذ.. الشارع قدامكم!”


خرجوا من البيت مكسورين، مطرودين، والفضفضة والفضايح بدأت تنتشر في العيلة والمنطقة زي النار في الهشيم. أهل حماتي اللي كانوا بيحضروا عزومتي ويستغلوني، بقوا يهربوا منها ومن التواجد معاها بعد ما عرفوا إن ابنها مهدد بالسجن بتهمة التزوير وخيانة الأمانة وإن فضيحة الجوازة الثانية بقت على كل لسان.


مرت الأيام، والمحامي بتاعنا كمل في الإجراءات بسرعة الصاروخ. تم صدور حكم نهائي بالحبس مع الشغل لجوزي في قضية التزوير، وصدر أمر ضبط وإحضار له بعد ما حاول يستخبى في البلد عند قرايبه. وفي نفس الوقت، المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقي الشرعية من مؤخر، ونفقة متعة، ونفقة عدة، واسترداد كافة محتويات القائمة بالكامل.


في اليوم اللي الشرطة قبضت فيه على جوزي وهو مستخبي في بيت خالته بالبلد، حماتي جالتها جلطة خفيفة ونقلت المستشفى من كثرة الصدمة والشماتة اللي طالتها من كل القرايب والجيران اللي كانت بتبص عليهم بتتفاخر بعزوماتها وجبروتها.


رجعت شقتي.. الشقة اللي كانت سجن لي، أخدت منها كل حاجتي وممتلكاتي وذهبي المذكور في القائمة بمساعدة الشرطة والقانون، وسبت الجدران فاضية زي ما استلموها.


قعدت مع بابا وماما في بيتنا الدافئ، وأنا حاسة إن الكابوس انتهى، بس كان فاضل خطوة واحدة أخيرية.. خطوة المواجهة الأخيرة في السجن لما طلب جوزي إنه يشوفني لأخر مرة قبل ما يتنقل لسجن العمومي لتنفيذ العقوبة، وادعى إن عنده سر خطير يخص شرف أمه وعيلته عايز يقوله لي أنا بالذات…


 

عزومه حكايات رومانى مكرم 3


وقفت قدام باب مبنى المأمورية، الشارع كان زحمة والأصوات دوشة حواليا، بس جواه كان في هدوء صلب، هدوء الست اللي مرت بالنار وخرجت منها ذهب خالص ما بيحترقش. بابا وأخويا كانوا واقفين جنبي، بابا بصلي بحنان وقال: “أنتِ مش مجبرة تدخلي يا بنتي، لو مش عايزة تشوفيه إحنا نمشي حالاً.”


بصيت لبابا وابتسمت ابتسامة هادية وقلت له: “لا يا بابا.. أنا هدخل. مش عشان أسمع منه سر، بس عشان يشوفني وأنا واقفة على رجلي، ويفهم إن الكسرة اللي أرادها ليا ولأهلي رجعت في قلبه هو.”



دخلت الأوضة المخصصة للزيارات، الجدران كانت باردة وريحة المكان تقيلة. بعد دقائق، الباب اتفتح ودخلوه.. كان محاط بالكلبشات، هدومه دبلانة، وشو أصفر وهالات سودة غويطة تحت عينيه، شعره اللي كان دايماً بيهتم بيه وشايف نفسه بيه بقى منكوش ومطفي. أول ما شافني، عينيه دمعت والخطوة اتجمدت في رجله.


قعد على الكرسي المقابل ليا، وبدأت إيديه المكلبشة تترعش وهو بيحاول يحطها على الترابيزة. بصلي بنظرة رجاء واستعطاف وقالي بصوت مبشوح: “شكراً إنك جيتي يا فلانة.. أنا ما كنتش متوقع إنك توافقي تشوفيني بعد كل اللي حصل.”


رديت عليه ببرود وجمود، وحطيت إيدي في إيد بعض وقلت: “أنا جيت عشان أسمع السر اللي قلت للضابط إنك لازم تقولهولي قبل ما تترحل.. انطق يا فلان، وقتي مش ملكك.”


وطى رأسه في الأرض، ودموعه نزلت على الترابيزة، وقال بنبرة مليانة حسرة وندم: “أنا اتدمرت يا فلانة.. أمي ضيعتني، رميتني في النار وسابتني أتحرق لوحدي. أول ما المقبوض عليا حصل، ودخلت حجز التخشيبة، هي ما جتش حتى تزورني ولا جابت لي محامي نظيف! كل اللي فارق معاها إنها تلم قرشين من ورانا وتأمن نفسها.”


سكت لحظة وكأنه بيحاول يجمع أنفاسه، وبعدها كمل بصوت واطي ومخيف: “أنتِ فاكرة الست اللي جوزوهالي في السر؟ الست دي ما كانتش قريبتا ولا حاجة زي ما أمي فهمتك وفهمت العيلة.. الست دي تبقى بنت عم أمي، وأمي كانت مديونة لأبوها بمبلغ كبير جداً من أيام جواز أختي الكبيرة، ومبلغ ثاني أخدته منها عشان تعمل بيه تجارة وخسرت! لما ما قدرتوش تسددوا الفلوس، طمعوا في الشقة وفي فلوسي، وأمي اتفقت معاهم إنها تجوزني بنتها عشان تسقط الديون، واستغلت إنك عروسة جديدة ومكسوفة عشان تطفشك وتخلي الشقة ليها ولعيلتها الجديدة!”


بصيت له بذهول.. السواد اللي كان في البيت ده كان أعمق وأقذر مما أتخيل! حماتي ما كانتش بس ست متسلطة وبتحب العزومات، دي كانت شاطرة في المتاجرة بابنها وبحياتي وبمشاعري عشان تغطي على أطماعها وفشلها المالي!


كمل وهو بيصرخ بصوت مكتوم: “أمي هي اللي كتبت صلب الورقة اللي على بياض! هي اللي أصرت عليا أرفع القضية وأزور التوقيع! كانت بتقولي: دي بت غلبانة وأهلها هيترعبوا من السجن وهيسلموك كل حاجة وتتنازل عن المؤخر والشقة! أنا مشيت وراها زي العمى، وصرت أداة في إيدها لحد ما لبستني في حيطة سد! هي دلوقتي واخدة الفلوس اللي فاضلة وراحت عاشت عند أختها، وسايباني هنا أعفن في السجن3 سنين!”



قمت وقفت، ونفضت عبايتي بثبات وقلت له: “أنت فاكر إن الكلام ده هيغير حاجة؟ أنت مش مجني عليه يا فلان.. أنت جاني. أنت اللي وافقت تكون أداة، أنت اللي سمحت لأمك تطرد بابا وماما، وأنت اللي اتمادت في التزوير وخيانة الأمانة. أمك زرعت الشوك، وأنت حصدته بإيديك. والست اللي اتجوزتها في السر، والديون، والسجن.. دي عقوبة ربنا ليك في الدنيا قبل الآخرة.”


مسك طرف الترابيزة وصرخ بالدموع: “ارجوكي يا فلانة! سامحيني! اطلبي من أباكي يتنازل عن قضية النفقة والتمكين، أنا كده هطلع من السجن على الشارع ماليش أي حاجة! أمي ضحكت عليا وأنا بقيت على الحديدة!”



بصيت له بابتسامة نصر صغيرة وقوية وقلت له: “حق أهلي وكرامتهم ما بيتباعوش ولا بيتشتروا. الشقة أخدتها بالقانون، والقائمة والدهب استرديتهم، والطلاق أخدته برقعة رقبتك.. وأنت هتقضي سنتك وثلاث سنينك في السجن بتفكر في اللحظة اللي طردت فيها أهلي من بيتك. سلام يا فلان.”


لفيت ظهري ومشيّت بخطوات واثقة، وصوته وهو بينادي عليا وبيعيط بيتردد في الأوضة، بس الباب الحديد اتسد ورايا وحجب صوته للأبد.


خرجت الشارع، والشمس كانت ساطعة ودافية. بابا وأخويا استقبلوني بالأحضان، بابا مسك إيدي وقالي: “خلصت يا بنتي؟”


قلت له مرفوعة الرأس: “خلصت يا بابا.. والصفحة السودة دي انطوت للأبد.”


مرت الشهور.. ورجعت لحياتي ولنفسي. بدأت أطور من شغلي، وفتحت مشروعي الخاص في الطبخ والحلويات من البيت، بس المرة دي بحب وبشغف ولناس يقدروا تعبي، والمشروع كبر وبقى لي اسم وسمعة ممتازة.


أما حماتي؟ فبعد ما ابنها اتسجن والفضائح لفت المنطقة والعيلة كلها، أهل زوجته الثانية استولوا على الفلوس اللي كانت معاها بحجة ديونهم القديمة، وطردوها من بيتهم. أصبحت بتلف على قرايبها تدور على لقمة ومأوى، والكل بقوا يتهربوا منها ومن عزوماتها اللي كانت بتتبهر بيها، بعد ما عرفوا إنها كانت بتطعمهم من عرق وقهر عروسة مظلومة.


وفي يوم، وأنا قاعدة في شغلي الجديد ومبسوطة بوسط أهلي، رن جرس الباب.. فتحت، ولقيت شخص ما كنتش متوقعة إني هشوفه تاني أبداً واقف قدامي، ومحمل بمفاجأة جديدة هتغير كل الخطط اللي كنت فاكرة إنها استقرت…


وقفت قصاد الباب ودمي جمد في عروقي لثواني. الشخص اللي كان واقف قدامي ما كانش حد غير أخت حماتي.. الست اللي كانت بتيجي مع عيالها كل أسبوع تقعد وتأكل المحشي والبشاميل وأنا واقفة على رجلي في المطبخ بالساعات، الست اللي سمعت أختها بتهينني وتطرد أهلي وكانت بتضحك وتهزر وكأن مفيش بني آدمة بتتكسر قدامها!


بس المرة دي، ما كانتش الست الهانم المتألقة اللي بتدخل تتأمر. كانت واقفة ولابسة عباية دبلانة، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد يبين إن الأيام دارت عليها وجمعت كل حساباتها. وكانت ماسكة في إيدها شنطة سوداء كبيرة، وجنبها بنت صغيرة غلبانة باين عليها الخوف والكسرة.


بصيت لها بجمود ورفعت حتة من حسبي وأنا ماسكة الباب بثبات وقلت ببرود: “خير يا هانم؟ جاية ليه وبيتكوا اللي هناك أظن اتقفل بالضبة والمفتاح، ومفيش هنا محشي ولا كفتة ولا حد يخدمكم.”


الست أول ما سمعت كلماتي، عينيها اتملت دموع، ونزلت على إيدها تحاول تمسك إيدي وهي بتشهق بصوت مكسور: “يا بنتي سامحيني.. وحياة أغلى ما عندك اسمعيني بس خمس دقائق! أنا مش جاية أطلب منك أكل ولا جاية أدافع عن أختي.. أنا جاية أنقذ رقبتي من ذنب كبير، وجاية أرد لك حاجة أختي كانت مخبياها عنك وعن الدنيا كلها!”


بابا وأخويا سمعوا الصوت وخرجوا وقفوا ورايا. أخويا أول ما شافها، خطى لقدام وقال بحدة: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنتِ وأختك ما سبتوش فينا حتة سليمة، اتفضلي امشي من هنا بدل ما أطلب لك الشرطة!”


الست بكت بحرقة وقالت لبابا: “يا حاج فلان.. وحياة ربنا أنا مظلومة في الحكاية دي وشربت من نفس الكأس! أختي المفترية دي ما سابتش حد ما أذتوش. هي بعد ما ابنها اتسجن، راحت عاشت عندي في البيت، وبدل ما تتعدل، بدأت تعمل معايا ومع عيالي نفس اللي كانت بتعمله مع بنتك! كانت عايزة تمشي البيت على مزاجها وتسرق مصاريفنا، ولما وقفت في وشها، طردتني من بيتي واستولت على فلوس التجارة اللي كانت بيني وبين جوزي المرحوم!”


وقفنا كلنا بنسمع بذهول من حجم السواد اللي جوة الست دي! أختها اللي كانت بتساندها وتيجي تحضر العزومات، بقت هي الضحية الجديدة لجبروتها وطمعها.


كملت أخت حماتي وهي بتفتح الشنطة السوداء المربوطة بإحكام: “أختي لما سابت شقتك قبل ما تتمكنوا منها، راحت لمستودع قديم تحت العمارة، وكانت مخبية فيه صندوق خشبي مقفول. أنا شفتها وهي بفتحه بالليل وبتقلب في أوراق وشهادات ذهب وحاجات غريبة. ولما اتخانقت معاها وطردتني، استغليت إنها برة وفتحت الصندوق وركبت التاكسي وجيت لك هنا فوراً.. الصندوق ده فيه حقك وحق ناس ثانية أختي كانت نصبت عليهم من سنين!”


فتحت الشنطة وطلعت صندوق خشبي قديم عليه قفل مكسور، وحطته على الترابيزة قدام بابا. بابا قرب بهدوء، وفتح الصندوق، وبدأ يقلب في الأوراق اللي جواها.. وفجأة، عيون بابا وسعت، وشه يتغير، ورجعت إيده لوراء وهو بيقرأ ورقة معينة بصوت مكسور ومذهول!


الورقة كانت عقد بيع ابتدائي ومسجل لقطعة أرض كبيرة ومبنى في البلد باسم أم جوزي (حماتي)، والأرض دي كانت ملك لأبويا أنا من أثر من 15 سنة! بابا كان بايع الأرض دي لتاجر زمان والتاجر ده نصب عليه واختفى بالفلوس، اتاري التاجر ده ما كانش غير أخو حماتي الشقيق! وهما اتأمروا مع بعض وسرقوا شقى عمر بابا، وحماتي هي اللي كانت كاتبة الأرض باسمها ومخبية العقود طول السنين دي!


يعني الجوازة دي كلها من أولها لآخرها ما كانتش صدفة! حماتي وجوزي لما عرفوا إنني بنت فلان، أصروا على الجوازة عشان يكسروا عين بابا، وعشان يضمنوا إن بابا ما يتدورش على حقه في الأرض أو يشك فيهم، ولما شافوا إنني ممكن أعرف أو أطلب بحق أهلي، قرروا يطفشوني ويطردوا أهلي عشان أخرج بكرامتي المكسورة وأسيب كل حاجة ورايا!


أنا وقفت مش قادرة أستوعب البجاحة والغل.. البيت اللي كنت بظن إنني دخلته بعقد جواز شرعي، كان عبارة عن شبكة عصابية خططت لسرقة شقى بابا وكسرة نفسي ونفس أهلي!


أخويا مسك الأوراق وإيديه بتترعش من الغضب وقال: “يعني الأرض اللي ندبت صحة بابا عشانها وفضلنا طول عمرنا بنسدد في ديونها، كانت تحت إيد الست دي؟!”


أخت حماتي هزت رأسها بالبكاء وقالت: “أيوه يا ابني.. هي وأخوها عملوا الحركة دي زمان، وعاشوا من خير الأرض دي، وكانت دايماً تتباها قدامنا إنها كسبت الحرب ضد أباكم وقدرت تكسر عينكم وتستغل بنتكم خدامة عندها بدال الفلوس اللي كانت فاكرة إنها حقها!”


بابا قعد على الكرسي، وحط إيده على قلبه. جريت عليه وأنا بدمع وقلت: “بابا.. ارجوك أهدي، حقك رجع، ربنا ما بيسبش حد مظلوم!”


بابا رفع رأسه ونظرته اتغيرت تماماً.. المرة دي ما كانش فيها حزن ولا كسرة، كان فيها جمر شعلة انتصار وعدالة. بص لأخويا وقال له بنبرة حاسمة هزت البيت: “اتصل بالمحامي فوراً يا ابني.. الأوراق دي مش بس بترجع لنا أرضنا وشقانا، دي توديها وتودي أخوها السجن جنب ابنها المزور! ربنا جابهم تحت رجلين بنتي لحد بيتها!”


أخت حماتي قالت بتوسل: “أنا اديتكم الصندوق عشان خايفة من ربنا، وعشان تبعدوا شرها عني وعن بنتي.. أرجوكم ما تدخلونيش في المشاكل.”



في نفس الليلة، المحامي بتاعنا أخد الأوراق والعقود، ورفع قضية تزوير واستيلاء على ممتلكات بالنصب والاحتيال ضد حماتي وأخوها. وصدر أمر استدعاء عاجل من النيابة ضبط وإحضار لحماتي وأخوها اللي كانوا فاكرين إن سرهم اندفن من سنين.


لما الشرطة راحت تفتش البيت القديم وتقبض على حماتي، لقوها قاعدة وسط الأوهام بتزعق وتصرخ، وأول ما شافت المحضر ومعه أمر القبض بتهمة سرقة الأرض وتزوير عقود بابا، جتلها حالة انهيار عصبي وصارعت عشان تهرب، بس الكلبشات اتقفلت في إيدها زي ما اتقفلت في إيد ابنها من قبل!



اتسحبت حماتي قدام الشارع كله، الجيران اللي كانت بتتباهى قدامهم بالعزومات والأصل والنسب، شافوها وهي متسلسلة بتهمة النصب والسرقة. الشارع كله كان بيبص لها بقرف وشماتة، والكل كان بيكرر جملة واحدة: “دعوة العروسة المظلومة جابت أجلهم جميعاً!”


وبعد أسبوع واحد من حبس حماتي على ذمة القضية، وتحويل الأرض رسمياً لبابا بقوة القانون.. وقفت قدام مرايتي في أودتي. بصيت لنفسي وشوفت ست ثانية خالص.. مش العروسة المكسوفة اللي كانت بتقول “حاضر” وهي بتغسل الصحون والدموع في عينها. شوفت ست قوية، أخذت حقها وحق أهلها، وكسرت كل إيد امتدت ليها بالإهانة.


لكن الأحداث ما وقفتش هنا.. لأن في الليلة اللي سبقت جلسة المحاكمة الكبرى اللي تجمع حماتي وابنها وأخوها في قفص الاتهام الأخير، جالي جواب متقفل من جوة السجن، مكتوب بخط إيد جوزي، وبيكشف المفاجأة الأكبر والأخيرة اللي هتغير حياتي للابد…


مسكت الجواب بإيدين ثابته، ما فيهمش نقطة رشة ولا خوف. فتحت الظرف الخفيف، وخرجت منه ورقة دبلانة ومكرمشة، مكتوبة بخط إيد جوزي اللي كان بيترعش وهو بينقش الحروف جوة زنزانته.


كان كاتب:


“إلى فلانة.. الست الوحيدة اللي ظلمتها ودمرت حياتي لما بعتها عشان أوهام أمي. أنا بكتب لك الجواب ده وأنا خلاص بعاني سكرات الموت بالبطيء جوة السجن. أنا عرفت إن أمي وخالي اتكتب عليهم الحبس في قضية سرقة أرض أباكي.. وعرفت إن ربنا أخد حقك مننا واحد واحد وبأبشع طريقة. أنا مش بطلب منك تسامحيني، لأن الذنب اللي عملته فيكي وفي أهلك ما يغتفرش.. بس بكتب لك عشان أريح ضميري من أخر سر كان مكسور جواه.”


“السر يا فلانة.. إن العزومات اللي كانت أمي بتجبرك تعمليها من أول أسبوع جواز، ما كانتش عزومات لله ولا محبة في القرايب.. أمي كانت متفقة مع العيلة كلها على إنهم يضغطوا عليكي ويستهلكوا صحتك وفلوس أباكي اللي كانت بتاخدها مني، عشان نطفشك ونخليكي تطلبي الطلاق بنفسك وتتنازلي عن كل حقوقك وذهبتك وقائمتك! هما كانوا فاكرين إنك بنت غلبانة ومكسورة الجناح وهتهربي وتسيبيلنا الجمل بما حمل.. بس هما جهلوا إن وراكي راجل زي أباكي وأخوكي، وجهلوا إن ربنا ما بيسيبش حق مظلوم.”


“أنا تنازلت رسمياً عن أي دعوى أو ورقة، وبعت لك مع المحامي ورقة إبراء ذمة شاملة، وبقر فيها إنك أخدتي كل حقوقك وزيادة.. وأمي خلاص أخدت جزاها وبقت معزولة عن الدنيا كلها. سامحيني لو قدرتي.. ولو ما قدرتِيش، فحقك في رقبتي ليوم الدين.”


نزلت الورقة على الترابيزة.. وبصيت للأفق من شباك أودتي. ما حسيتش بغل، ولا حسيت بشماتة.. حسيت ببرودة ونقاء عجيب بيغسل قلبي. العدالة الإلهية لما بتتدخل، بتمحي كل أثر للوجع والكسرة.


جه يوم المحاكمة الكبرى.. الجلسة اللي جمعت حماتي، وابنها، وأخوها النساب في قفص اتهام واحد.


وقفت أنا وبابا وأخويا في قاعة المحكمة المليانة بالناس والأهالي. القفص اتفتح، ودخلوا الثلاثة..


حماتي كانت ماشية بصعوبة، كبرت عشر سنين في بضعة أسابيع، شعرها شاب، وشها انكمش، وعينيها زي الشمع المطفي. أخوها كان مطأطأ رأسة في الأرض من الخزي والفضائح اللي لاحقته في البلد. وجوزي كان واقف في زاوية القفص، لابس بدلة السجن، وعينيه مثبتة عليا بنظرة حسرة وألم ما توصفش.


أول ما عيون حماتي جت في عيني، حاولت تخبي وشها بإيدها، المتبجحة اللي كانت بتصرخ وتطرد أهلي من اللقمة وتطالبني أكون خدامة، بقت مش قادرة ترفع عينها في عين العروسة اللي أرادت تكسرها!


القاضي اعتلى الخشبة، وهدأت القاعة تماماً. وبعد استعراض الأدلة، والتقرير الطبي الشرعي للتزوير، وعقود الأرض المسروقة المثبتة بالأوراق الرسمية، صرخ صوت القاضي بالحق ليجلجل في القاعة:


“حكمت المحكمة حضورياً:”


أولاً: بحبس المتهم الأول (الجوز) بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة التزوير وخيانة الأمانة.


ثانياً: بحبس المتهمة الثانية (الحماة) والمتهم الثالث (أخوها) بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، مع إلزامهم برد قطعة الأرض وكافة المستحقات المالية والتعويض المادي المناسب لحق المجني عليه (بابا).


صوت الشاكوش نزل على الطاولة زي السيف اللي قطع أخر خيط من الكابوس!


حماتي صرخت ووقعت على الأرض أغشي عليها جوة القفص، وجوزي حط إيده على وشه وقعد يبكي بحرقة، والأمن سحبهم جميعاً للخارج وسط نظرات الاحتقار والشماتة من كل اللي حضروا الجلسة.


خرجنا من باب المحكمة.. الشارع كان دافي، والهواء نقي وبيشرح الصدر.


بابا أخدني في حضنه، ودمعة فرح ونصر نزلت من عينيه وهو بيبوس رأسي ويقولي: “رفعني رأسنا يا بنتي.. وحقك وحق شقايا رجع لحد عندنا بالميللي.”


أخويا مسك إيدي وقال بابتسامة صلبة: “بيتك وعزوتك مفتوحين لك طول العمر يا عروسة.. وأي إيد تفكر تمس شعرة منك، نقطعوها قبل ما تلمسك.”


النهار ده.. وبعد مرور سنتين كاملين على الأحداث دي:


مشروعي الخاص بالطبخ والحلويات كبر وبقى شركة صغيرة ليها اسمها وسمعتها، وبقيت بشتغل بشغفي وحبي، وبكسب بعرق جبيني وكرامتي.


حماتي وابنها أخدوا جزاءهم القانوني والإلهي، والعيلة اللي كانت بتستغلني وتتغذى على قهرتي تشتت وأصبحت أضحوكة المنطقة والبلد.


رجعت لبيتي وأهلي نفس العروسة العزيزة الغالية، بس بقلب أصلب، وعقل أوعى، وروح عارفة قيمة نفسها كويس. تعلمت إن السكوت على الإهانة مش أدب.. ده خيانة للذات، وإن البيت اللي ما يترحبش فيه بأهلك وكرامتك، يتهدم فوق رؤوس أصحابه ولا إنك تعيشي فيه مكسورة.


وقفت قدام مرايتي، ابتسمت لنفسي ابتسامة صافية وقوية، وحطيت إيدي على قلبي وقلت: “الحمد لله الذي أبدلني بعد الخوف أماناً، وبعد الكسرة عزاً ونشراً.”


وتنطوي الصفحة السودة.. لتفتح حياة جديدة ملهاش سقف غير السماء والكرامة!




أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close