سكريبت فرح سِلْفي الصغير كامله حكـايات مني السيد

فرح سِلْفي الصغير كامله حكـايات مني السيد
فرح سِلْفي الصغير كان بكرة، ويوم الحنة كان البيت مقلوب حرفيًا.
أخو جوزي كان عجل جاموسي، وجايب طباخ مخصوص، وكميات أكل تكفي جيش، ووجبات متجهزة، وساقع وحلويات، والبيت كله زغاريد وهيصة وناس رايحة وناس جاية.
ومن قبل الفجر وإحنا كلنا نازلين نخدم جنب الطباخ.
من ساعة ما نزلت وأنا ما قعدتش دقيقة.
أقطع، وأغسل، وأرتب، وأشيل، وأدخل وأطلع، وكل شوية حد يناديني
هاتِ دي يا بنتي.
حطي دي هنا.
ساعدي الطباخ.
وكنت بعمل كل ده وأنا بقول لنفسي
معلش… دي فرحة أخو جوزي، والفرحة تستاهل.
لحد ما خلصنا تقريبًا، والأكل بدأ يتقدم للمعازيم.
ساعتها افتكرت بناتي اللي فوق.
البنات كانوا من الصبح محرجين ينزلوا وسط الزحمة، وأنا عارفة إنهم جعانين.
روحت جبت صينية، وحطيت فيها عشر وجبات، وكام زجاجة ساقع، وقلت أطلعهم فوق ونقعد ناكل سوا.
لسه هطلع السلم، لقيت أخت جوزي بتقول
استني… من فضلك، ما تطلعيش حاجة فوق.
وقفت وبصيتلها باستغراب
ليه؟
قالت
ينزلوا ياكلوا تحت.
قولتلها
البنات محرجة تنزل، وأنا هاكل معاهم فوق.
ردت بمنتهى الحسم
لا.
قولتلها
يعني إيه لا؟
بصت للصينية وقالت
وغيرك يبصلك… مينفعش.
وقفت ثواني مش عارفة أرد.
يعني أنا من الفجر بخدم في فرحة أخوها، ولما حبيت آخد أكل لعيالي بقت المشكلة إني أطلع فوق؟
بصيتلها وقلت
تمام.
ومديتلها الصينية
شيلي كده.
خدتها مني.
ابتسمت ابتسامة باردة وقلت
شكرًا.
وطلعت فوق بإيدي فاضية.
أول ما دخلت، البنات جريوا عليا
ماما، الأكل فين؟
قولتلهم
هعملكم حاجة هنا.
دخلت المطبخ، ولقيت مفيش حاجة تقريبًا.
عملتلهم مكرونة، وقعدت آكل معاهم بالعافية.
واللي وجعني أكتر من الجوع إن محدش سأل علينا.
ولا حد خبط على الباب.
ولا حد قال لنا حتى أكلتوا؟
فضلنا كده لحد المغرب.
وفجأة جوزي اتصل
إنتِ فين؟ مش شايفك تحت.
حكيتله اللي حصل.
أول ما خلصت، صوته اتغير
إيه؟ هي منعتك تطلعي الأكل؟
وبعدها بدقايق لقيته طالع لنا شايل أكل كتير.
حطه قدامي وقال
كلي.
قولتله
خلاص… ماليش نفس.
قال وهو متضايق
إنتِ ما غلطتيش في حاجة. كلي وبلاش تزعلي نفسك.
بس أنا كنت خلاص، الغل واكل قلبي.
طول الليل وأنا بلف في ، مش عارفة أنام. كل ما أفتكر جملتها وغيرك يبصلك… مينفعش، أحس إن في حاجة غلط.
حتى الصبح، ماكانش ليا نفس أحط كحل في عيني.
لكن عشان خاطر جوزي، استعوضت ربنا وقلت
هروح الفرح وخلاص.
لبست أحسن ما عندي، وظبطت بناتي، ونزلت القاعة وأنا رافعة راسي.
بس يا ريتني ما روحت…
مع أول دقيقة لدخول العريس والعروسة على الكوشة، النور طفى، والموسيقى بقت بترج القاعة.
وفجأة…
صرخة هستيرية شقت المكان كله!
ناس بدأت تجري
وتصرخ، وكراسي اتقلبت، وأطفال عيطت، والكل بيدور على باب يهرب منه.
وفجأة النور ضرب في نص الصالة.
وقفت متسمرة مكاني…
الدم نشف في عروقي من هول المنظر.
الكارثة دخلت علينا الفرح.
المعازيم سابوا الكوشة وجروا في الشوارع، والعروسة كانت بتصرخ، وسِلْفي الصغير أول ما شاف اللي حصل…
وقع من طوله ومغمى عليه.
وأنا واقفة ماسكة إيد بناتي، مش قادرة أتحرك ولا حتى أصرخ.
لأن في اللحظة دي، افتكرت يوم الحنة…
وافتكرت أخت جوزي وهي بتمنعني أطلع الأكل فوق.
وساعتها فهمت إن اللي حصل يوم الحنة…
ماكانش مجرد موقف سخيف.
كان وراه سر… وسر خطير جدًا، ظهر قدام عيني في ليلة الفرح.
الفصل الثاني
النور اللي ضرب فجأة في نص الصالة ماكانش نور عادي، كان كشاف أبيض ساطع مسلط على باب القاعة الرئيسي، والصوت اللي شق المكان ما طلعش من واحدة من المعازيم، ده كان صريخ ست شايلة على إيدها عيل صغير ملفوف في بطانية بيضا متبهدلة، وجنبها راجلين شكلهم غريب، هدومهم بسيطة ودخلتهم على القاعة فيها غضب كفيل يهد الحيطان.
الست كانت بتزعق بأعلى صوتها، صوت يشرخ القلب، وإيدها التانية كانت رافعة قسيمة جواز رسمي خضرا في وش الكل فين العريس؟ ودوّه فين؟ فاكرين الفرح هيكمل على دم قلبي وبيتي اللي اتهد؟ ده جوزي وأبو ابني على سنة الله ورسوله!
المعازيم في الأول
افتكروا خناقة عادية أو ناس جاية تبلطج، بس أول ما الست دي قربت من الكوشة ورمت البطانية من على وش العيل ورفعته لفوق، القاعة كلها اتقبضت. العيل كان ابن شهور، وشه شبه سلفي الصغير نسخة طبق الأصل، كأنه مقطوع من وشه بالمللي!
سلفي كان مرمي على الأرض جنب الكوشة، وشه أصفر زي الليمونة بعد ما أغمى عليه، والعروسة كانت ماسكة ديل فستانها الأبيض وبتصرخ صريخ هيستيري، وأهلها اتلموا حواليها مذهولين، وأبو العروسة مسك في خناق جوزي وحمايا وهو بيزعق بنتي جالها إيه؟ مين دي اللي داخلة بعيل وقسيمة جواز في ليلة دخلة بنتي؟ انطقوا!
أنا كنت واقفة متسمرة، كل عصب في جسمي مشدود، وإيدي بتعصر على إيدين بناتي لدرجة إن البنت الصغيرة دمعت وقالت لي بصوت واطي ماما، إيدك بتوجعني… في إيه يا ماما؟ مين دي؟
نزلت على ركبي بالعافية وضميتهم لصدري، ورفعت عيني أدور على أخت جوزي، صفاء.
عيني جت في عينها بالصدفة. صفاء كانت واقفة ورا عمود من عواميد القاعة، ورا الكوشة بشوية. وشها ماكانش فيه صدمة، ولا خوف من الفضيحة زي الباقيين. وشها كان فيه رعب من نوع تاني خالص… رعب واحدة اتكشفت! عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين الست دي وبين العيل، وشفايفها بتترعش من غير ما تنطق ولا كلمة.
وساعتها، فلاش باك سريع ضرب في دماغي زي السكينة.
يوم الحنة… الصبح بدري.
.. لما كنت شايلة الصينية وفيها العشر وجبات وطالعة بيهم السلم لبناتي، ووقفتني صفاء بمنتهى
الحسم وقالت استني، ما تطلعيش حاجة فوق… ينزلوا ياكلوا تحت. ولما عاندت معاها، بصت للصينية وقالت لي جملتها اللي حرقت دمي وغيرك يبصلك… مينفعش!
ساعتها أنا افتكرت إنها بتقصد حماتي، أو سلايفي التانيين، أو المعازيم اللي قاعدين في الصالة تحت. افتكرت إنها بتستخسر اللقمة في بناتي أو بتتكبر عليا! لكن في اللحظة دي، وأنا باصة لوشها المرعوب في القاعة، افتكرت حاجة كانت تايهة عني خالص.
أنا لما جيت أنزل من شقتي الصبح يوم الحنة عشان أخدم في المطبخ، شفت باب السطوح موارب، وسمعت صوت عيل صغير بيعيط خفيف، كأنه مكتوم بحاجة. ساعتها ما ركزتش، قولت يمكن ده صوت قطة على السطح، أو عيل من عيال الجيران اللي بيلعبوا. ولما كنت بحط الوجبات في الصينية، صفاء كانت طالعة نازلة من على السطوح ومعاها شنطة بلاستيك سودا كبيرة، وكل ما حد يقرب من بير السلم كانت بتتلفت بتوتر.
صفاء ماكانتش خايفة المعازيم يبصولي وأنا طالعة بالأكل لبناتي… صفاء كانت خايفة أطلع شقتي في الدور التالت، وأشوف اللي كان مستخبي فوق في أوضة السطوح! الوجبات اللي أنا كنت طالعاها ماكانتش هي المشكلة، المشكلة إن طلوعي السلم في التوقيت ده كان معناه إني هعدي على أوضة الغسيل اللي على السطوح، الأوضة المقفولة بقفل من سنتين!
الصوت
رجع يدوي في القاعة وقطع حبل أفكاري والله ما هسيبك يا محمود! متجوزني رسمي وقافل عليا في شقة إيجار في البلد، ولما عرفت إنك بتعمل فرح وجيتلك يوم الحنة الصبح عشان أطلب حقوق ابني وأفهم الحكاية، أختك اتفقت معاك وحبستني فوق السطوح ووعدتني إنك هتديني مؤخري وتوفرلي شقة ملك بعد الفرح ما يخلص عشان مسودش وشك؟ جايبلي أكل بايت وقافلة عليا بقفل عشان تستر على ندالتك وتتجوز بنت الناس الغنية؟
الكلمات نزلت زي المطرقة على دماغي. أختك حبستني فوق السطوح؟ ووعدتني تديني مؤخري؟ يعني صفاء كانت حابسة مرات أخوها الشرعية وعيلها فوق السطوح طول يوم الحنة! عشان كده لما مسكت الصينية، عينيها راحت لفوق، وكانت بتموت من الرعب إني أطلع أو أسمع صوت حركة. صفاء حرمت بناتي من اللقمة في فرح عمهم، وخلتني أطبخ مكرونة مسلوقة بمية وملح لعيالي، عشان تستر على وساخة أخوها وتأمن إنه الفرح يعدي والصفقة تتم! أصل عروسة سلفي أبوها مقاول تقيل، وجايباله شقة تمليك وعربية وعيادة يفتحها، والجوازة دي لو باظت، العيلة كلها هتتفضح وهتفلس.
القاعة اتقلبت حلبة مصارعة. أبو العروسة هجم على سلفي وهو واقع على الأرض، وجوزي مسك في أبو العروسة عشان يحوش، وإخوات العروسة كسروا كراسي وترابيزات، والناس بتجري تدوس على بعضها عشان
تخرج من الباب الصغير. صوت التكسير والصريخ وعياط الأطفال ملا القاعة بريحة الخراب.
جوزي لمحني وأنا متكومة على بناتي في الزاوية، جه بيجري عليا، بدلة الفرح بتاعته مقطوعة من الكتف وعرقه نازل شلالات، وشه أحمر من الغضب والكسرة خدي البنات وامشي! خدي البنات واطلعي على البيت فورًا، متقفيش هنا ثانية واحدة! بصيت في عينه وقولتله بصوت جامد ماعرفش طلع مني إزاي وأختك؟ بصلي بذهول وهو مش مستوعب سؤالي وسط الجحيم ده أختي إيه دلوقتي يا ولية؟ اطلعي برة القاعة المكان هيتولع فيه!
شدت بناتي وقومت، جريت وسط الزحام، الطرحة كانت بتتشد من على راسي من تدافع الناس، وبنتي الصغيرة كوتشيها ضاع في السكة، بس ما وقفتش. عيني كانت على الباب، وطلعت للشارع والهوا البارد لطش في وشي، بس النار اللي جوايا كانت كفيلة تحرق بلد.
روحت البيت مشي، المسافة بين القاعة والبيت كانت ربع ساعة، مشيتها في خمس دقائق. طلعت السلم وبناتي بيترعشوا، دخلتهم الشقة وقفلت الباب بالترباس، وقعدتهم في الصالة. اقعدوا هنا، محدش يتحرك ولا يفتح الباب لحد.
ما دخلتش مطبخي، ولا غيرت فستاني المتبهدل. طلعت مفتاح كان جوزي ناسيه على الجزامة، مفتاح السطوح اللي كان مع صفاء دايمًا. رجليا قادتني لوحدها، طلعت السلم بخطوات تقيلة، كل درجة
بطلعها كانت بتفكرني بذلي الصبح وأنا شايلة الصينية وبترجاها عشان أطعم عيالي من دبيحة بيت حمايا. وصلت لباب السطوح، كان موارب، الزرفيل مكسور، والقفل القديم مرمي في الأرض، باين إن الست لما هربت بالعيل كسرت القفل بحتة حديدة كانت جنب الباب بعد ما إخواتها وصلوا ودلوها على المكان.
دخلت أوضة الغسيل. ريحة المكان كانت تخنق. بطانية قديمة مفروشة على الأرض، وقزازة مية بلاستيك فاضية، وعليها بقايا عيش ناشف… وجنبها طبق مكرونة متغطي بكيس! قربت من الطبق، وشيلت الكيس ببطء. المكرونة اللي أنا عملتها لبناتي لما نزلت لقيت التلاجة فاضية! صفاء ما اكتفتش بإنها منعتني من أكل الدبيحة، دي طلعت بعد ما دخلت شقتي، خدت حلة المكرونة اللي فضلت مني وطلعتها للمسكينة دي عشان تسكت عيلها وميصرخش ويفضحهم قبل الليلة ما تتم!
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس ماكانتش دموع حزن، كانت دموع قهر بيتحول لبركان. الست الغلبانة دي وعيلها اتحبسوا هنا وهي مراته في السر على سنة الله ورسوله، وبناتي اتجوعوا عشان المظاهر، وأنا اتهنت واتقالي مينفعش عشان أخت جوزي تدير مسرحية قذرة لأخوها وتخليه يغش بنت تانية.
سمعت صوت عربيات بتقف تحت البيت وصوت خبط بيبان بعنف. نزلت بسرعة لشقتي ووقفت ورا باب الشباك اللي بيبص على الشارع.
كانت عربية
وزي، ومعاه سلفي وشه متخرشم والبدلة متبهدلة تراب، ومعاهم حمايا اللي كان ساند على عكازه وهو بيبكي بكا يقطع القلب، راجل عنده سبعين سنة بيشوف شرفه وشرف عيلته بيتمسح بيه الأرض في نص البلد. وراهم على طول، نزلت صفاء من تاكسي لوحدها، بتتلفت حواليها زي الحرامية، ولابسة عبايتها فوق فستان الفرح وشعرها منكوش.
طلعوا كلهم على شقة حمايا في الدور الأول. خلال دقايق، صوت الزعيق كان بيسمع في الشارع كله. صوت تكسير، وأبوهم بيصرخ ضيعتونا! سودت وشنا قدام الناس! المقاول حلف بالطلاق إنه ويسجنك، ودافعين دم قلبنا في الفرح عشان تطلع متجوز في السر ومخلف ومخبي على الناس؟ وصوت سلفي وهو بيرد برعب وعياط كنت هصرف نفسي يا بابا! الجوازة كانت رسمي ومحدش يعرفها غير صفاء، وكنت ناوي أطلقها وأديها حقوقها بس هي مسكت في خناقي وجاتلي يوم الحنة، وصفاء قالتلي سيبيها عليا أهديها وأحطها
فوق السطوح لحد ما الفرح يخلص! وهنا طلع صوت صفاء، صوتها الحاد اللي كان من ساعات بيكسر فيا وأنا عملت إيه يعني؟ أنا كنت بلحق بيتك وشرفك! حبستها فوق السطوح ووعدتها إنك بعد الفرح هتسجل الواد رسمي وتديلها قرشين وشقة باسمها عشان تسكت! مين اللي فتحلها الباب وخلاها تهرب وتروح تفضحنا في نص القاعة؟
الكلام كان واضح ونقي زي مية الصبح. صفاء وسلفي الصغير كانوا متفقين على المصيبة دي من أولها، وكانوا بيتعاملوا مع البيت كله كأنه ملكهم وأسرارهم هي اللي تتحكم في مصير الكل.
الباب عندي خبط خبطة مرعوبة. فتحت، لقيت جوزي واقف في وشي. عينيه كانت حمرا من كتر الغيظ والعجز، بصلي وقال سامعة المهزلة اللي تحت؟ ما رديتش، بصيتله ببرود وسبت الباب مفتوح ودخلت قعدت. دخل ورايا وقفل الباب وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه فضيحة… فضيحة هتوصل للقسم والنيابة، أهل مراته الأولى جايبين
الشرطة وقسيمة الجواز، والمقاول باعت رجالة يكسروا العمارة، وإحنا مش عارفين نعمل إيه. قولتله بهدوء غريب وأختك صفاء عملت إيه في الوعد اللي وعدته لمرات أخوك؟ رفع راسه وبصلي بصدمة إنتِ عرفتي منين حكاية مرات أخويا؟ ابتسمت ابتسامة صفرا، نفس الابتسامة اللي ابتسمتها لأخته يوم الحنة عرفت لما شفت بقايا الأكل فوق السطوح، ولما فهمت ليه بناتي باتوا جعانين، وليه اتقالي مينفعش تاخدي أكل لعيالك… أصل أختك كانت بتوفر أكل الفرح للمساجين اللي حابساهم فوق راسي وأنا مش دريانة!
جوزي بلع ريقه، ملامحه اتغيرت وبدأ يحس بحجم المصيبة اللي دخلت بيتنا أنتي قصدك إن صفاء كانت حابسة الست وابنها فوق السطوح؟ في بيتي أنا؟ أيوة، في بيتك، فوق شقة مراتك وعيالك، عشان تداري على جوازة أخوك في السر. ودلوقتي أهل العروسة التانية مش هيسيبوا حد، ومراته الشرعية معاها ورق رسمي ومقيداه بيه، والمقاول
مش هيسيب راجل في البيت ده سليم.
وقبل ما جوزي يلحق ينطق، صوت صرخة تانية رنت في عمارة البيت، بس المرة دي كانت صرخة صفاء نفسها من تحت! صوت جري ورزع على السلالم، وحد بيضرب على باب شقة حمايا بعنف يهد العمارة. جرينا أنا وجوزي على الباب وبصينا من بير السلم. كانوا أربع رجالة ضخام جداً، ومعاهم أمين شرطة وإخوات مراته اللي في السر، وصوت راجل منهم كان بيهدر افتحوا الباب! النيابة طلبت الباشا بتهمة التعدي وحبس حرية ست وابنها، والهانم الكبيرة اللي حبستها فوق السطوح دي مطلوب القبض عليها بالاسم!
صفاء كانت بتصرخ وهي مستخبية ورا أبوها، بس النظرة اللي كانت في عيون الرجالة والشرطة كانت بتقول إن الليلة مش هتعدي على خير، وإن الفضيحة كانت مجرد البداية، وباب السطوح اللي اتفتح مطلعش منه بس سر سلفي… ده طلع وراه حساب طويل عريض لكل واحد ظلم وداس على غيره عشان يداري عيبه يتبع
فرح سِلْفي الصغير ج 2
حكـايات مني السيد
« حكايات مني السيد صوت الرزع على باب شقة حمايا كان بيرج جدران العمارة كلها، وكأن حيطان البيت نفسها كانت بتئن من الخزي والعار. أمين الشرطة كان واقف على السلم ماسك الدفتر وإيده على الحزام، وجنبه إخوات الست، اتنين صعايدة كبار بجلابيب سودا وعيونهم شرار، والست نفسها واقفة وراهم ضامة العيل في حضنها، باصة لباب الشقة بنظرة كفيلة تحرق الأخضر واليابس.
جوزي نزل يجري على السلم، وأنا وقفت على أول الدرج من فوق ، باصة من بين درابزين الحديد، شايفة كل تفصيلة بتتسجل قدام عيني، وكأن الدنيا بتدور عشان تردلي حقي وحق كسرة بناتي تالت ومتلت.
الباب اتفتح ببطء، وظهر حمايا راجل عجوز مكسور الظهر، عينه مطفية وعكازه بيخبط في البلاط برعشة واضحة. وراه كان سلفي الصغير مستخبي زي الفار المبلول، وصفاء واقفة في الصالة تلطم على خدودها وهي بتصرخ بصوتها المشروخ: – يا ناس يا عالم، إحنا بيت محترم! عايزين مننا إيه في نصاص الليالي؟ الشرطة داخلة علينا ليه؟ هو مفيش حكومة في البلد دي تحمينا؟
أمين الشرطة زق الباب برجله ودخل من غير ما يديها أي اهتمام: – لسانك ده مسمعش صوته يا ولية أنتي. المحضر محطوط في القسم رسمي، حبس حرية مواطنة ورضيعها بدون وجه حق، وخطف، وتستر على جناية. أهو الباشا الصغير مطلوب، وأنتي
مطلوبة جنبه بالاسم يا صفاء عبد المجيد!
صفاء رجعت لورا خطوتين ورجلها اتخبطت في الترابيزة، وشها قلب كلسون : – أنا؟ أنا أتحبس؟ أنا كنت بصلح ما بينهم! دي هي اللي جات البيت تتبلى علينا، قولت أهديها وأقعدها تستريح فوق لحد ما نخلص الفرح ونتفاهم!
أخو الست، راجل أسمر وطويل، صوته جهور يهد الجبال، طلع قدامها وشاور عليها بصابعه: – تستريح؟ تقفلي على أختي وابنها بقفل مصدي في عز الحر والحرارة تطلع لربعين درجة، وترميلها كسرة عيش ومكرونة مسلوقة زي الكلاب عشان تداري على وساخة أخوكي؟ ده لولا إنها لقت سيخ حديد مركون في الركنة وكسرت بيه القفل ونزلت جرت تستنجد بينا، كان ابنها في كتمة النفس فوق السطوح! أنتي وحياتك عندي لتتربي في الحبس على اللي عملتيه!
سلفي كان واقف يبكي زي الأطفال، مسك إيد حمايا وقال برعشة: – يا بابا، متخليهمش ياخدوني، أنا معرفش حاجة! صفاء هي اللي قالتلي متقلقش، صفاء هي اللي قالتلي البت لو نزلت الفرح هتبوظ الصفقة والمقاول هيلغي المؤخر والشقة! أنا اسمع كلامها بس!
الكلب باع أخته في ثانية واحدة عشان ينجي برقبته. صفاء بصتله بنظرة مذهولة، الفك بتاعها سقط لتحت، دموعها نشفت فجأة من كتر الصدمة: – أنا يا محمود؟ أنا اللي كنت بفرشلك الأرض ورد وبدور على مصلحتك عشان تتجوز بنت المقاول ويبقى لك شأن وقيمة
في وسط الناس؟ أنا اللي نزلت أخدم معاك من الفجر وأشيل الهم وأتحمل قرف البيت كله عشانك، تبيعني وتقول صفاء هي السبب؟
جوزي نزل وقف بينهم وحاول يهدي الدنيا، صوته كان بيرتعش من الحرج والخزي قدام أهل الحتة اللي بدأوا يتجمعوا على السلم ويتفرجوا من الشبابيك: – يا جماعة استهدوا بالله، كل حاجة هتتحل بالود، إحنا ولاد أصول والصلح خير، اقعدوا ونتفاهم في أي حق تطلبوه.
أخو الست بص لجوزي من فوق لتحت باحتقار: – ولاد أصول؟ فين الأصول دي يا بشمهندس؟ الأصول إن أخوك يكتب على أختنا رسمي في السر ويقعدها في شقة متسواش تلاتة جنيه، ولما ربنا يرزقه منها بعيل يرميها وينكر نسبه، ويروح يدور على بنت مقاول عشان قرشين وسخة؟ ولما تيجي تطلب ستر ابنها، أختك تحبسها فوق السطوح وسط الكراكيب؟ الأصول مش في لسانك، الأصول في المحكمة وفي القسم. يلا يا باشا قدامنا، أنتي وهو!
أمين الشرطة طلع الكلبشات من جيبه. اللحظة دي كانت زي الصاعقة على صفاء. الست اللي كانت طول عمرها بتمشي تدب في الأرض تطلع ريحة، الست اللي بتتحكم في مين ياكل ومين يجوع، ومين يطلع ومين يقعد مذلول تحت، الكلبش اتقفل على معصمها، والطرف التاني اتقفل في إيد أخوها محمود.
صفاء صرخت صرخة مكتومة ووقعت على ركبها في أرض الصالة، عبايتها السودا اتمرغت في التراب، وفستان الفرح
اللي كانت قالعاه ومرمي على الكنبة كان باين تحت رجليها كأنه كفن لكرامتها: – يا بابا! يا أحمد! الحقوني! هتحبس؟ أموت ولا أخش قسم، الناس تقول عليا إيه؟
حمايا ما نطقش ولا كلمة. الراجل كان واقف باصص في الأرض، دموعه نازلة على لحيته البيضا، مسك عكازه وضهره محني للأرض أكتر، كأنه عجز عشرين سنة فوق عمره في ليلة واحدة. شاور بإيده بضعف، إشارة معناها: «خدوهم، وخلصوني من العار ده».
جوزي حاول يمشي وراهم وهو بيشد قميصه، بس الست، مرات سلفي الشرعية، وقفت على أول السلم وبصت لفوق. عينيها جت في عيني مباشرة، وأنا واقفة في الضلمة قدام شقتي في الدور التالت. شاورت عليا بإيدها المرتعشة، ووجهت كلامها لجوزي وأمين الشرطة: – الست اللي واقفة فوق دي… هي الست الوحيدة الشريفة في البيت ده. الكل سكت، وجوزي رفع عينه ليا باستغراب. الست كملت وصوتها بالدموع: – أنا كنت بموت من العطش والجوع أنا وابني فوق السطوح، والهانم دي كانت قافلة علينا وسايبانا للحر، لحد ما لقيت أختك داخلة عليا بطبق مكرونة بايت، كانت سرقاه من مطبخ مراتك فوق بعد ما منعتها تطعم بناتها! صفاء قالتلي كلي أنتي وابنك واخرسي، ده اللي طلعنا بيه من مرات أخويا اللي كانت فاكرة نفسها هتاكل من دبيحة الفرح! أنا سمعت كل كلمة، وعرفت إن الست دي وبناتها اتظلموا زيي بالظبط
عشان يداروا على !
لكلام نزل زي مية النار على وش صفاء، اللي رفعت عينها ليا من تحت ودموعها مغرقة خدودها، عينها كانت مكسورة، ذليلة، مفهاش ذرة من الكبرياء الفارغ اللي وقفت بيه قدامي على السلم يوم الحنة وهي بتقولي: «مينفعش… وغيرك يبصلك».
أنا ما اتكلمتش. فضلت باصة لها من فوق، راسي مرفوعة، وإيدي ساندة على الدرابزين بثبات تام. كنت شيفاهم وهما بيجروها هي وأخوها على السلالم زي المجرمين، والناس في الشارع واقفة تتفرج، والهمس بقى زعيق وفضايح مالية الحتة. الجيران اللي كانوا من يومين بيباركوا وبياكلوا من العجل الجاموسي، دلوقتي واقفين يشاوروا عليهم بالقرف والشامتين بيتكلموا في سيرتهم.
الساعة كانت داخلة على الفجر، والبيت بقى هادي هدوء ، زي بعد ما تنفض.
حمايا قفل باب شقته بالمفتاح، ودخل رمى نفسه على الكنبة في الضلمة ومرديش يكلم حد. وجوزي طلع السلم خطوة خطوة، رجليه بتسحب وراه بالعافية، كأنه شايل جبال الدنيا فوق كتافه. دخل ، كانت الصالة هادية، وبناتي ناموا من كتر التعب والخوف على الكنبة الصغيرة، متغطيين بكوبيرتا خفيفة.
جوزي قعد على الكرسي قصادي، حط إيده على وشه وقعد يعيط بكا مكتوم يقطع النياط. – بيتنا اتخرب يا أم البنات… اتخرب في المنطقة كلها. المقاول رفع قضية نصب ومطالب بمليون جنيه شيكات كان محمود ماضي عليها
للشقة والعيادة، ومحمود وصفاء بايتين في التخشيبة، وأبويا ضغطه عالي ومش قادر ينطق.
قومت من مكاني براحة، دخلت المطبخ وعملتله كوباية شاي سخنة، وحطيتها قدامه على الترابيزة. قعدت قصاده بمنتهى الهدوء، وقولتله بصوت واطي بس حاسم: – الظلم يا أحمد… مفيش بيت بيتبنى على ظلم وينجو. رفع راسه وبصلي بعيون محمرة ومرهقة: – أنتي كنتي عارفة؟ – مكنتش عارفة كل حاجة، بس كنت حاسة إن في حاجة وسخة بتترتب تحت رجلينا. أختك صفاء شافتني وأنا طالعة بالصينية لبناتي، وبدل ما تقول دي مرات أخويا وبنات أخويا من ودايمًا بيخدموا معانا، اعتبرتني غريبة، واستخسرت اللقمة في عيالي، عشان خاطر توفر وتداري وتأمن المصيبة اللي فوق راسي. أختك كانت شايفة نفسها فوق الكل، وربنا نزلها لتحت رجلين الكل في ليلة واحدة.
جوزي نزل راسه ودموعه نزلت على طرف الترابيزة: – أنا مكسوف منك، ومكسوف من بناتي. أنا لما طلعتلك بالأكل يوم الحنة مكنتش حاسس بوجع قلبك، كنت فاكرها خناقة حريم عادية… بس لما شوفت اللي حصل الليلة، وشوفت الست دي وابنها، حسيت إن ربنا عاقبنا بالعدل.
– ربنا مش بيظلم يا أحمد. أخوك استغل فقر بنت الناس وتجوزها في السر، ولما ربنا كرمه وعمل قرشين داس عليها وراح يبيع نفسه لبنت المقاول، وأختك ساعدته على الشر عشان منظرتها وفشخرتها الكدابة وسط العائلات. بناتي
اللي باتوا واكلين مكرونة مسلوقة بمية وملح، ربنا عوضهم إنه حماهم من إنهم ياكلوا من لقمة جاية من مال حرام وظلم بين.
مرت الأيام تقيلة كأنها سنين على البيت ده. القسم حقق، والنيابة أمرت بحبس سلفي الصغير أربعة أيام على ذمة التحقيق، وصفاء أخدت إخلاء سبيل بكفالة عشرين ألف جنيه بعد بهدلة وبهدلة في الحبس تلات أيام، طلعت منها واحدة تانية خالص. شعرها شاب نصه، ووشها دبلان، خاسس، ومبقتش قادرة ترفع عينها في وش بواب العمارة، ناهيك عن جيران الشارع.
المقاول مسبش حقه، جاب محامين كبار ورفع قضايا خيانة أمانة ونصب، وأجبر حمايا إنه يبيع حتة الأرض اللي حيلته في البلد عشان يسدد شيكات ابنه وميدخلش السجن لعشر سنين قدام. سلفي محمود طلق بنت المقاول رسمي قبل ما يلمسها، وبقى ملزم بنفقة ومؤخر لمراته الأولى وابنه اللي فضحه في القاعة، ورجع يشتغل في عيادة صغيرة باليومية، مكسور الجناح والكرامة، مفيش حد من صحابه ولا قرايبه بيبص في وشه.
أما صفاء، فحبست نفسها جوة شقة أبوها، مخرجتش منها شهور، الشباك بتاعها مبيفتحش، وبقى كل ما حد يخبط على الباب تترعش وتفتكر كلبش الشرطة اللي كان في إيدها.
وفي يوم جمعة، بعد شهرين من المصيبة دي كلها، كنت نازلة السلم أنا وبناتي، لابسين نضيف وخارجين نروح نزور أهلي ونتفسح. كنت معدية من قدام شقة حمايا، ولقيت الباب موارب.
صفاء كانت واقفة في الصالة، شافتني ووقفت مكانها. بصيتلها، لقيتها لابسة قديمة ووشها باهت، وبترتعش. خرجت خطوة لحد عتبة الباب، وبصتلي بصوت واطي كأنه طالع من بير: – أم البنات… وقفت وبصيتلها من غير غل ومن غير كبر: – نعم يا صفاء؟ عينيها دمعت، وبصت للبنات اللي كانوا ماسكين في إيدي، وقالت بصوت مكسور: – حقك عليا… أنا عارفة إني ظلمتك، واستخسرت اللقمة في عيالك، بس ربنا خدلك حقك مني تالت ومتلت، ده أنا بقيت بتمنى اللقمة تنزل زوري من كتر القرف اللي شوفته في الحبس والشارع. بصيتلها وقلت بهدوء تام: – أنا مسامحة عشان خاطر حمايا وعشان خاطر بناتي ميعيشوش وسط كراهية، بس ربنا يا صفاء مبيسبش حق حد غلبان. اللقمة اللي كنتي بتمنعيها عن عيالي وقولتيلي عليها “مينفعش عشان غيرك يبصلك”، دارت الأيام والشارع كله بقى يبصلك أنتي وأخوكي نظرة مش هتمحوها طول عمركم. اللي بيزرع شوك مبيحصدش قمح، والبيت اللي يتبني على أسرار وسخة وظلم، بيهد على دماغ أصحابه في ليلة الفرح قبل ما يتهنوا بيه.
سيبتها ومشيت، نزلت السلم وبناتي بيضحكوا جنبي وواكلين وشاربين ومبسوطين، والشارع كله نور وهوا نضيف. خرجت للدنيا وأنا رافعة راسي، متأكدة إن حق المظلوم مبيضيعش أبدًا، وإن دبيحة الفرح الكدابة مبقتش غير عبرة لكل واحد فاكر إن الفلوس والمظاهر ممكن تداري على الوساخة والظلم…
النهاية

تعليقات
إرسال تعليق