سكريبت سلفتى كامله امانى السيد
سكريبت سلفتى كامله امانى السيد
الله يكون في عون كل وحده جوزها ميال لمرات اخوه وكل مشوره يروح يخدها منها وهي الي مشياه
ومراته لاحول ولا قوه
وانً جت تكلم يسمع البيت عليها ويقولها هي احسن منك كانت سلفتى هى اللى بتاخد مصروف البيت وتنزل بنفسها تجيب الخضار بالاسبوع وتحدد كل يوم هناكل ايه وهى اللى بتحدد مصروف البيت يبقى ماشى ازاى حتى مصروف ولادى هى اللى بتحدده وجوزى كل كلمه تقولها يوافق عليها
والأدهى والأمر لما تلاقيه بيعايرني بيها ع الرايحة والجاية، يقولي: «شوفي عزة وجمال عزة، شوفي الستات الشاطرة اللي بتعرف تدبّر وتعمّر، اتعلمي منها يا حنان بدل قلة حيلتك دي».
الواحد كان يحس إنه غريب في بيته، كأني ضيفة مالهاش أي كلمة ولا لازمة، مأجورة أطبخ وأغسل وبس. حتى فادي وأخواته لما يحتاجوا حاجة بسيطة لمدارسهم أو هدومهم، ما أقدرش أطلب من أبو فادي مباشرة؛ لازم العرض يمر على الست عزة الأول، تفلي الطلب وتوافق عليه، ولو قالت «لأ ده دلع ملوش عازة والقرشين دول البيت أولى بيهم»، كلمتها تنزل سيف على رقابنا، ويرجع أبو فادي البيت يردد نفس كلامها بالحرف، كأنه مسحور مش شايف ولا سامع غيرها في الدنيا.
كنت أقعد في المطبخ ودمعتي على خدي، أشوف عزة داخلة الشقة بمفتاحها كأنها صاحبة الملك، تحط أكياس الخضار وتفتح تلاجتي، ترتب وتخطط وإيديها في كل شبر، وأنا حنان صاحبة البيت واقفة مستنية الأوامر عشان أطبخ اللي هانم الزمان قررته. ولو اتجرأت واتنفست وقلت: «يا أبو فادي، دي خصوصياتنا والبيت ده له ست تديره وأنا مش قاصرة»، يثور عليا ويقلب البيت حريقة ويقولي: «أنتِ حاقدة وغيرانة ونفسيتك صفرا، عزة بتشيل عنك الهم وتوفر قرشنا وأنتِ نيتك سودا وما بتشوفيش الجميل!».
كان أصعب وجع مش إن القرش مش في إيدي، الوجع الحقيقي إن كرامتي كانت ممسوحة، وكل يوم بيمر وأبو فادي بيثبت لي إنه مجرد صدى صوت لمرات أخوه، وأنا واكلة ناري ومحبوسة بين أربع حيطان لا سامعني فيهم زوج ولا راحمني فيهم غريب.
ويا ريتها كانت بتقف عند مصروف البيت أو الأكل والشرب، ده البلا الأزرق كان بيبان في العزايم ولمّة الناس؛ لما يدخل ضيف عند حماتي تحت، تلاقي عزة وأبو فادي قاعدين في صدر الصالة، يتضايفوا ويضحكوا ويوزعوا كرم مش بتاعهم، وهي متصدرة المشهد وتتكلم بأريحية كأنها ست البيت الوحيدة والعاقلة اللي العيلة كلها ماشية على إشارتها، وجوزي عينه عليها بكل فخر وانبهار!
وأنا؟ حنان الشقيانة، مدفونة في المطبخ بين حرق الدخان وسخونية الفرن، أطلع من صينية وأدخل في حلة، رجلي وارمة من الوقفة وعرقي شغال، حتى كلمة «تسلم إيدك» كانت تستخسرها فيا، لا بل وتطلع تمد إيدها تاخد الأطباق ترصها هي برة، والناس تفتكر إنها صاحبة الفضل في اللقمة دي! أخرج بس عشان ألمّ السفرة وأغسل جبل المواعين، كأني شغالة جابوها باليومية ملهاش حق تقعد ولا تتشاف ولا تشارك في كلمة.
لكن كل ده كان يهون، ويجي عند حتة تانية ويقف في زوري زي الشوكة.. الوجع اللي بجد، اللي هدّ حيلي وقصقص ريشي، لما لقيت فادي وإخواته اتعلموا الدرس من أبوهم وفهموا إن أمهم مالهاش كلمة ولا حيلة. بقيت أشوف بعيني ضنايا، حتة مني، بدل ما يجري عليا يقولي «يا ماما محتاج كشكول» ولا «نفسي في لعبة»، يروح يقف قدام عزة، يوطي راسه ويتحايل عليها بترجي: «يا طنط والنبي عشان خاطري وافقي نشتري دي»!
اللحظة دي كانت س\كينة تلمة بتدبح في قلبي.. لما تحسي إنك اتجرّدتِ من أمومتك وهيبتك قدام عيالك، وإن الست دي ما اكتفتش بإنها تسرق راجلي وتلغي وجودي، دي سرقت كمان دوري في عيون ولادي، خلتني قدامهم مجرد خيال مآتة، وهي الآمرة الناهية صاحبة مفتاح كل حاجة. ساعتها حسيت إن الصبر مبقاش فضيلة، ده بقى خيبة وموت بطيء
وفي اليوم ده، حسيت إن الكيل طفح، وإن لو فضلت ساكتة أكتر من كده مش هعرف أبص لوشي في المراية، ولا هعرف أربي ولادي وأنا مكسورة بالشكل ده. دخل فادي عليا الأوضة وعينه مكسورة بعد ما راح اتحايل على عزة عشان يشتري طقم كورة زي صحابه وهي نهرته وقالتله «مش وقته ومفيش تبذير»، والولد رجع يبلع دموعه في صمت.
النار قادت في حشاي، واستنيت لما أبو فادي دخل البيت وقفل الباب وراه. دخلت وراه الأوضة، ووقفت قصاده وثبت عيني في عينه لأول مرة من سنين من غير ما أهتز، وقلتله بهدوء حاولت أجمعه من وسط قهرتي: «لحد هنا وكفاية يا أبو فادي.. لحد عيالي وكرامتي ونقطة ومن أول السطر. البيت ده له ست واحدة، وأنا حنان مراتك وأم عيالك، من بكرة المصروف ده هيدخل في إيدي، وعزة تلزم بيتها وحدودها، عيالي ما يذلوش نفسهم لمرات عمهم عشان طلب ، وأنا مانيش خدامة تركنها في المطبخ وتطلع تتصدر هي بيك قدام الناس».
كنت فاكرة إن كلامي، ووجعي اللي بقاله سنين، هيصحوا فيه نخوة الراجل أو يحسسوه بمرارة الظلم اللي عيشني فيه. لكن رده وصراحته كانت الصدمه اللى شلتنى وشلت لسانى
لقيته بيبصلي ببرود يقص العضم، ابتسامة صفرا اترفعت على جنب وشه وهو بيقلع ساعته ويحطها على الكومودينو من غير حتى ما يرمش، وقالي بمنتهى القسوة: «خلصتي تمثيل الشحاتين ده؟ أصل بصراحة كده يا حنان، أنا مابحبش ألف وأدور.. عزة هي الست اللي كان نفسي فيها، الست اللي تملى العين وتشرف، تدبير وعقل وحلاوة لسان ومالية مركزها، إنما أنتِ؟ أنتِ مجرد واحدة قسمتي ونصيبي اتدبست فيكي عشان أخلف عيلين وخلاص، إنما كست وروح وكيان؟ مابتمليش عيني بربع جنيه! ولو عزة مش في البيت ده أنا كنت طفشت من زمان، فبلاش تعملي فيها صاحبة حق وكرامة، عشان كرامتك دي هتقعدك في الشارع من غير العيال».
الكلام نزل عليا زي مية نار كوت روحي قبل جسمي، الكلمة خرجت منه بشر وغل دفين كان مداريه ورا شماعة «التوفير والشطارة».. اتاريه مش بس مسلوب الإرادة، اتاريه بايعني برخص التراب وعينه رايحة لحرمة أخوه، وبدل ما يستحي من خيبته، بجح في وشي وكسرني باعترافه الصريح!
فضلت مسمرة مكاني مش قادرة أنطق، لساني اتشل ودمي نشف، بصيت له ولقيت كل سنين العِشرة والتعب بتهون في ثانية.. الراجل اللي ضحيت بشبابي وصحتي عشانه وعشان أربي له ولاده، بيقايضني بمرات أخوه وفي بيتي!
ومن الليلة دي، حسيت إن فيه حاجة ماتت جوايا.. الخوف اللي كان مربطني اتفك، والدموع اللي كانت بتنزل على خدي نشفت وتحولت لحجر. عرفت إن المواجهة بالكلام والرجاء مع راجل عينه زايغة وخاين للأمانة ما تنفعش، وإن الوقفة الجاية مش هتكون عتاب ودموع، دي هتكون زلزال يهد المعبد كله على دماغ اللي فيه.. على دماغه هو، وعلى دماغ عزة اللي سايقة الهبل على الشيطنة ومفتكرة إن البيت ده هيفضل سايب لها
لسه صدى كلامه بيرن في وداني وبيحرق في دمي، ولسه الصدمة ملجماني وأنا شايفة عينيه بتبصلي باحتقار، ولقينا الباب بيتفتح فجأة من غير حتى ما تخبط.. دخلت الست عزة، لافة طرحتها بإهمال مقصود، وخطوتها واثقة كأنها داخلة أوضة نومها مش شقة سلفها!
وقفت على عتبة الأوضة، حطت إيدها على وسطها ولفت وشها بيني وبينه، وقالت بنبرة فيها مياصة مستخبية ورا قناع الطيبة والحرص: «خير يا أبو فادي؟ صوتكم واصل لآخر السلم تحت وقلت أطلع أشوف البيت بيولع ليه.. جرى إيه يا حنان؟ مالك قالبه وشك ومسمعة الجيران زعبيبك ع المسا؟ ما تسيبوا الراجل يرتاح من شقاه، هو مفيش يوم يعدي من غير نكد؟».
كنت لسه هفتح بؤي أفرغ في وشها كل الغل اللي محبوس في صدري، وأقولها اطلعي برة بيتي وخلي عندك حيا وكرامة.. لكن أبو فادي ما ادانيش حتى فرصة أتنفس!
اتقدم خطوتين نحيتها، وبصوت ناعم ومتبدل مية وتمانين درجة عن الصوت اللي كان بيجعر بيا بيه من ثواني، ابتسم لها بوقاحة تخلع القلب وقالها: «تعالي يا عزة، تعالي شوفي بعينك الهانم اللي مش عاجبها العجب.. قال إيه زعلانة وبتعملي فيها فيلم عربي عشان الغيرة واكلاها منك ومن شطارتك! الست مش قادرة تبلع إنك بتفهمي وتدبري أحسن منها، مفروسة عشان شايلاني وشايلة عيالي وهي خايبة ما وراهاش غير اللطم والشكوى».
عزة سمعت الكلمتين وعينيها لمعت بانتصار وشماتة حاولت تداريهم بابتسامة خبيثة، ردت وهي بتمط شفايفها: «تغير مني أنا يا أبو فادي؟ وأنا مالي ومالها بس، هو عيبي إني خايفة على قرشك وعايزة ألم البيت بدل ما يضيع؟ يا حنان يا أختي العقل زينة، هو بدل ما تشكريني إني شايلاكي من السوق والبهدلة تقومي تسخني جوزك عليا؟ ما كنتش أعرف إنك شايلة في قلبك كل الصفار ده من ناحيتي!».
وقفوا هما الاتنين قصادي؛ جوزي وسلفتي اللي سارقة شقايا وكياني بتبصلي بشفقة مصطنعة..
الكلمة طلعت من بؤها وكأنها رشت بنزين على النار، وأبو فادي بدل ما ينكسف من وقفته دي، نفخ صدره وخد خطوة كمان لقدام، وبصلي بنظرة مليانة جبروت وقسوة، وشاور بصباعه في وشي وهو بيقول بأعلى صوته:
«سمعتي الأصول اللي مش طايقة تسمعيها؟ عشان تبقي عارفة بقى وتفهمي رأسك من رجليكي.. قعادك في البيت ده من اللحظة دي بأمر من عزة اللي مش عاجباكي دي! عزة لو شاورت بصباعها بس وقالت تمشي، هتمشي الليلة دي وقبل الصبح بشنطة هدومك اللي جيتي بيها، وملكيش قشة زيادة!».
بلعت ريقي بصعوبة، لساني ارتعش من الصدمة، عزة نفسها رفعت حاجبها بزهو مصطنع ونزلت عينيها في الأرض كأنها مكسوفة، وهو مكمل تقطيع في لحمي قدامها من غير ما يتهز له جفن:
«وعيالي؟ انسي إنك تاخدي حتة عيل في إيدك تذليني بيه.. عيالي لحمي ودمي هيفضلوا هنا في حضني، وعزة هي اللي هتربيهم وتطلعهم رجالة وستات بجد يعرفوا الأصول اللي أمهم معرفتش تعلمهالهم! هي اللي هتبقى أمهم ، وأنتِ ترجعي لبيت أهلك بالخيبة اللي جيتي بيها، أشوف مين بقى هيعبرك ولا هيرضى بيكي بعد ما تترمي الرمية دي!».
عزة عملت نفسها متأثرة، ومدت إيدها تطبطب على كتفه بمياصة مفضوحة، وقالت بنبرة حية: «اهدى بس يا أبو فادي، ميوصلش الأمر لكده.. إحنا برضه بنشتري العِشرة، عشان خاطر الولاد بس نسيبها، أهي قاعدة تخدمهم وتونسهم، وأنا أهو معونة ليها وللبيت».
النظرة اللي بصوهالي في اللحظة دي.. هو مستقوي بيها، وهي بتبصلي من فوق لتحت بنظرة شفقة مسمومة كأني شحاتة على بابها وبتتفضل عليا باللقمة والستر.. النظرة دي حفرت جوة روحي قبر لكل ذرة خوف كانت لسه باقية فيا. حسيت بوجع فظيع بيقيد في ضلوعي، لكن قصاده نبتت قوة عمري ما عرفت إنها عندي؛ لما عرفت إن ظهري بقى للحيط، وإن السكوت مع البني آدم ده مبقاش مجرد ذل.. ده بقى انتحار.
سلفتى ٢
امانى السيد
ابتسمت.. ابتسامة هادية طلعت من بين شفايفي على مهلها، مش ابتسامة قهرة، لأ، ابتسامة الواحدة اللي استوعبت اللعبة وعرفت إن العياط والزعيم مابيجبوش غير الخراب على دماغ صاحبه.
بصيت لعزة من فوق لتحت، ومن عزة لأبو فادي اللي كان مستني مني صويت يلم العمارة عشان يمسك فيه حجة ويطردني بشنطة هدومي زي ما هدد. نزلت عيني في الأرض بمسكنة متفصلة على المقاس، وحطيت إيدي على صدري كأني بنهج من الخضة، وبلعت ريقي بصوت مسموع وقلت بنبرة مكسورة تخرس الحجر:
«حقك عليا يا أبو فادي.. الشيطان كان راكبني، وأنا عقلي خف من التعب وضغط العيال.. حقك عليا يا عزة يا أختي، متآخذنيش، أنا اتعميت عن الخير اللي بتعمليه معانا ومشوفتش غير وسوسة إبليس. أصل مين يقف الوقفة دي في الزمن ده غير الأصيلة؟».
الكلمتين نزلوا عليهم زي المية الساقعة. أبو فادي ريقه نشف وبص لعزة بانتصار أعمى كأنه كسرني للأبد، وعزة ارتاحت ونفشت ريشها أكتر، بانت في عينيها لمعة الغرور لما شافتني قدامها مفرومة وبطلب السماح، وقالت بتعالي: «أهو ده الكلام العقل يا حنان، إحنا في الأول والآخر أهل، ومفيش واحدة تخرب على بيتها بإيدها».
من الليلة دي، حنان القديمة ماتت ودفنتها تحت بلاط الشقة، وطلعت حنان تانية خالص.. بتسمع، وتطاطي، وتبتسم، وتطبخ السم على نار هادية أوي.
أول خيط مسكته كان الغرور؛ لأن اللي يدخل البيت بحيلة وشياكة مابيقعش غير لما يحس إنه امتلك كل حاجة ومبقاش عليه رقيب. بدأت أنسحب خطوة خطوة، بس بذكاء. بدل ما أشتكي من شيلتها لمصروف البيت، بقيت أنا اللي أرمي في حجرها كل بلاوي المصاريف: «يا عزة، ده أنور جوزك وعيلته كلها شاهدين بشطارتك، وحياة الغاليين خدي أنتِ كشف الدروس والجمعيات ومصاريف الشتا بتاعة الولاد دي ودبريها، أصل أنا إيدي مخرومة وهضيع شقا الراجل».
لبستها في وش المدفع المالي، وبدل ما كانت بتنزل تجيب شوية خضار وتعمل بيهم بطلة وتوفر ملاليم، بقت متورطة في عجز المصاريف الحقيقي، وفي نفس الوقت بدأت أنيم أبو فادي في العسل: «شوفت عزة؟ شايلة عنا الهم إزاي، حتى فادي لما عاز مصاريف الامتحان روحت قولتلها هي تتصرف، الست دي مبروكة البيت».
خلتها هي اللي في وش كل زنقة فلوس، وكل ما البيت يتخنق مادياً، عينيها هي اللي تتكسر قصاده، وبدل ما كان بيشوفها ملاك التوفير، ابتدى يدوق لأول مرة مرار قراراتها لما الفلوس تقصر والطلبات تزيد وهي مش عارفة تسد، ومبقتش أنا في الصورة خالص، أنا بقيت الملاك الوديع اللي بيسمع الكلام وبيطبطب عليه لما يرجع مفروس من ضيقة الحال.
بس اللعبة الكبيرة مكنتش في الفلوس.. اللعبة كانت في الحتة اللي عزة بتلعب عليها: عين الراجل وقلبه.
عزة كانت متعودة تتدلع وتتمسكن قدامه على حسي، وأنا دايماً طالعة مهدودة ومتبهدلة وريحة بصل وتوم وعرق. قلبت الآية في ثانية؛ رفعت إيدي عن كل شغل البيت التقيل بحجة إني تعبانة وعضمي واجعني والدكتور مانعني، وبقيت كل ما تطلع عزة تتفزلك في المطبخ، أسيبها وأقولها بصوت واطي: «البيت بيتك يا حبيبتي، ربنا يجعله في ميزان حسناتك»، وأدخل أنا أروق على حالي.
بقيت أستنى ميعاد رجوع أبو فادي وأنا متستفة، لابسة أنضف ما عندي، ريحتي مسك، هادية ورايقة ومبتسمة ولساني بينقط سكر، وهو يدخل يلاقي عزة هي اللي واقفة عرقانة في المطبخ، مهدودة وطافحة الكوتة، وشعرها منكوش من صهد الحلل وريحتها تقلية، وتطلع تزعق وتتأفف من التعب وتقوله: «أنا شقيت النهاردة ومحدش حاسس بيا!».
بقى يدخل يلاقي النكد والتعب والشكوى في وش عزة، والروقان والهدوء والدلع والحضن الدافي عندي أنا. نظرة الإعجاب والانبهار اللي كانت في عينيه ليها بدأت تتهز، وبدأت أشوف في عينيه الزهق لما عزة تفتح بؤها تشتكي أو تتدخل، بينما أنا أقوله بهمس ونعومة: «معلش يا حبيبي، الست تعبت برضه، ادخل أنت ارتاح وسيبك من دوشة الحريم».
كنت بسحب البساط من تحت رجليها خيط خيط، مش بالخناق، لأ.. بالسم المتغطي بالعسل، لحد ما جه اليوم اللي وقعت فيه برجليها في الفخ اللي فضلتهولها على مهل.
عزة أرملة، يعني لا وراها راجل هيجي يحاسبها، ولا في سفرية تتقفل.. بس الأرملة في بيت العيلة ليها نقطة ضعف أشد وأخطر من أي راجل: ورث ولادها الأيتام، وكلام حماها وحماتها، وسمعتها اللي على شفا حفرة قصاد العيلة كلها.
انسحبت من قدامهم الليلة دي وأنا ببلع السم، رسمت على وشي دور الزوجة المكسورة اللي استسلمت تماماً وسلمت الراية. وتاني يوم الصبح، بدأت أنفذ الخطة على نار أهدى من دبيب النمل.
أول حركة كانت إني سحبت رجليها لبير الطمع والغفلة. بقيت أقول لأبو فادي قدامها: «عزة دي بركة البيت ومالهاش غيرنا بعد المرحوم أخوك، وبدل ما تتعب في مصاريفنا، ما تاخد هي كمان توكيل ولا تفويض تدير بيه إيجارات الدكاكين ومعاش ولادها الأيتام، وتضم ده على ده وتعمل هي القرشين وتدبرنا كلنا؟».
عزة عينيها لمعت بالطمع، وشافت إن الدنيا خلاص دانت ليها، وبدل ما كانت بتتحكم في شوية خضار، بقت تتصرف في مال الأيتام مع فلوس أبو فادي، وتشتري وتبيع وتكتب كشوفات على هواها. وأنا كنت مراقبة، وبحرص شديد، كل مليم بيطلع من فلوس عيال المرحوم بيتسجل فين وبيروح فين.
وفي نفس الوقت، كنت بشحن أبو فادي من غير ما يحس؛ أروق نفسي، ألبس وأتعطر وأقعد جنبه بهدوء، وأسيب عزة تطلع مهدودة من مشاوير السوق وحسابات الدكاكين وشعرها منكوش وريحتها عرق وتأفف، وأقوله بنعومة: «معلش يا حبيبي، أصل الأرملة برضه شيلتها تقيلة وبتغير من الست اللي جوزها عايش، حقها تفش غلها فينا.. استحملها، إحنا ملناش غيرها».
الكلمة كانت بتنزل زي الدبوس في نفوخه، تخليه يبصلها بنظرة تانية خالص.. بدل ما كان شايفها الست اللي ملهاش مثيل، ابتدى يشوف واحدة طماعة، متسلطة، وريحتها نكد على طول الخط.
لحد ما جت اللحظة الكبيرة.. يوم الجمعة، يوم القعدة العائلية الكبيرة في بيت العيلة تحت، في شقة حماتي، بحضور أعمام العيال وكبار العيلة اللي بيجوا يقرأوا الفاتحة للمرحوم ويشوفوا أمور التركة.
قبل القعدة بساعة، دخلت على عزة شقتها، ورميت في ودنها فكرة مسمومة بابتسامة بريئة: «يا عزة، النهاردة الأعمام متجمعين تحت وناويين يسألوا على إيراد دكاكين ولادك وحساب المعاش، أبو فادي قال لي إنه شال الفلوس معاه عشان يبروزك قدامهم ويقول إنك ست مدبرة وبتوفري.. انزلي أنتِ خدي صدر المجلس واقعدي جنبه وخليه يسلمهم الكشف بنفسه عشان يرفع راسك».
عزة شافت في ده تتويج لملكها، نزلت لابسة ومزوقة وقعدت في صدر الصالة جنب أبو فادي، وبدأت تتكلم بالأصول والتدبير وإنها شايلاه وشايلة البيت.
وسط الكلام والناس قاعدة، دخلت أنا بصينية الشاي، حطيتها على الترابيزة بكل أدب، وبصيت لحمايا ولأعمام العيال، ونزلت دمعتين متفصلين بالمللي وقلت بصوت واطي ومبحوح كأني خايفة:
«ربنا يديم لمتكم يا حاج.. بس يا ريت تفصلوا حساباتنا عن حسابات الأيتام، عشان أنا خايفة من ربنا، مش قادرة أشوف فلوس ولاد المرحوم بتتصرف على كماليات شقتنا وفوق ده كله الناس في الشارع برا عمالة تلوك في سيرتنا».
الصالة كلها سكتت، الفناجين ثبتت في الإيدين، وحمايا بصلي بحدة: «بتقولي إيه يا حنان؟ مال أيتام إيه وسيرة إيه؟!».
أبو فادي وشه جاب ألوان الطيف وعروقه نفرت: «أنتِ اتجننتي يا ولية؟ اخرسي!».
لكن أنا ما خفتش، طلعت ورقة الحسابات اللي عزة كاتباها بإيدها، ومعاها فواتير طلبات الشقة والذهب اللي اشترته لنفسها الأسبوع اللي فات، ورميتها على حجر حمايا:
«دي حسابات الست عزة.. بتسحب من إيجار الأيتام تصرف على كيفها، وتقول لأبو فادي ده من شطارتي، وفوق ده كله الناس بتاكل في وشنا عشان طالعة نازلة على شقتي بمفتاحها في غيابك يا أبو فادي وفي وجودك، وبتدير الراجل والبيت كأنه جوزها مش سلفها، لحد ما الجيران افتكروا إنكم متجوزين في السر من كتر ما هي مسيطرة على القرش وعليه!».
الكلمة نزلت زي الصاعقة في قلب الصالة.
أعمام العيال ولعوا، وحمايا خبط عكازه في الأرض خرم البلاط، وبص لعزة باحتقار يقطع النفس: «بقى بتاكلي مال عيالك الأيتام؟ ومقضياها مشي بطال وقعدة في شقة سلفك لحد ما فضحتونا في المنطقة وسيرتكم بقت على لسان اللي يسوى واللي ميسواش؟!».
عزة وقفت تصرخ وتلطم: «والله كدابة! ده أبو فادي هو اللي قايلي وهو اللي بيطلب مني وهو اللي..».
بص حمايا لأبو فادي وسأله بنبرة غل: «الكلام ده صحيح يا مقصوف الرقبة؟ سايب مراتك وتخلي أرملة أخوك تديرك وتتحكم فيك وفي مال عيالها وتجيبلك العار؟!».
أبو فادي في اللحظة دي اتعرى تماماً، لقى نفسه متورط في أكل مال أيتام، وشبهة علاقة مشبوهة مع أرملة أخوه قصاد أهله وكبار عيلته.. ومن خوفه وجبنه، رماها في ثانية واحدة عشان ينجي رقبته، صرخ في وش عزة وقالها: «أنتِ طماعة وخرابة بيوت! أنا كنت مآمنك عشان خاطر المرحوم اتاري عينك فارغة وبتستغلي طيبتي؟! اطلعي برا واعتبري المفتاح ده مكسور، ورجلك ما تعتبش شقتي تاني، وحساب الأيتام يرجع بالمليم للرجالة هنا!».
عزة بصت له بذهول وكسرة عمرها ما شافتها، الراجل اللي كانت بتستقوى بيه عليا رماها تحت رجلين أهله كأنها عشان يداري خيبته.
وقفت أنا في زاوية الصالة، مسحت دمعتي المصطنعة بطرف الطرحة، وبصيت لأبو فادي وهو بيمسح عرقه ويرتعش من الفضيحة، وعزة بتجرجر خيبتها وبتتسحب على السلم مطرودة ومفضوحة من بيت العيلة كله..
ابتسمت في سري؛ البيت رجع لي، والراجل اتقصقصت رقبته قدام الكل ومش هيقدر ينطق بحرف تاني، وعزة اندفنت حية بكيدها وطمعها، ومن غير ما أوسخ إيدي بضربة واحدة.
القعدة اتفضت وكل واحد نزل شقته وهو بيجرجر خيبته وعاره، بس الحساب الحقيقي كان لسه هيبدأ فوق، بين أربع حيطان، مطرح ما انكسرت زمان واتركنت كأني ماليش عازة.
طلعت شقتي على مهلي، خطوة ورا خطوة، دقات كعبي على السلم كانت بتدق زي الطبول، ودخلت ورا أبو فادي وقفلت الباب بالمفتاح، وحطيت المفتاح في جيبي بصوت تكة مسموعة رنت في الصالة الفاضية.
أبو فادي كان واقف في نص الصالة، وشه بهتان، عروقه نافرة، قميصه مبلول عرق كأنه كان في حلبة مصارعة. أول ما سمع صوت المفتاح بيلف في الكالون، اتلفتلي وعينيه تايهة ومفروسة، حاول يستجمع بواقي الجبروت اللي داس بيه عليا من كام أسبوع، وشخط فيا بصوت بيهتز من الغيظ:
«عاجبك الخراب اللي عملتيه تحت ده يا حنان؟! عاجبك فضيحتنا قدام أعمامي وأبويا؟! إيه شغل الحواة وقلة الأصل دي؟ بقى تطلعي فواتير وتعملي مؤامرة عشان تسودي وشي قدام العيلة كلها وتطردي الغلبانة أم الأيتام؟!».
فضلت واقفة مكاني، ساندة ضهري على الباب، مربعة إيديا، وببص له بنظرة هادية وباردة خلت ريقه ينشف. ما زعقتش، ولا رفعت صوتي بنبرة واحدة، بس رديت بكلمات متقاسة بالمسطرة:
«غلبانة؟ أم الأيتام؟ لسه برضه لسانك بينطق باسمها بعد ما شربتك المر وخلت سيرتك في الطين؟ ده أنت لسه راميها تحت قدام أهلك بالمداس عشان تنجي رقبتك من تهمة أكل مال اليتيم والمسخرة اللي كانت معمولة في بيتك.. جاي دلوقتي تستقوى عليا أنا بريشتين فاضلين في جناحك المقصوص؟».
قرب مني خطوة، عينه بتطق شرار وإيده اترفعت في الهوا كأنه هيمدها، بس ثبتت مكاني ونظرتي ليه كانت أصلب من الحجر. قلتله بصوت واطي بس حاد زي الموس:
«نزل إيدك دي يا أبو فادي.. إيدك دي ما تترفعش غير على اللي زيك. كلمة زيادة، أو حركة غبية، وهتلاقي الفواتير الأصلية اللي شايلها كشف حساب البنك بعينها في إيد عمك الكبير الصبح، ووقتها القعدة الجاية مش هتكون عتاب.. هتكون في المحكمة بتهمة تبديد مال قُصّر، وساعتها لا عزة هتنفعك ولا هتعرف تحط عينك في عين حد في البلد».
إيده اتجمدت في الهوا، عينه وسعت برعب حقيقي، ونزل إيده بالراحة وهو بيبلع ريقه بصعوبة. أدرك في اللحظة دي إنه مبقاش بيتعامل مع حنان الطيبة الساذجة اللي بتعيط في المطبخ، بقى بيتعامل مع واحدة عارفة كل ثغرة وكل ورقة وكل فضيحة تقدر تدفنه بيها في ثواني.
مشيت خطوتين ناحية ترابيزة الصالة، سحبت محفظته من جيبه بهدوء من غير ما يجرؤ يمنعني، فتحتها وطلعت منها كل الفلوس اللي معاه، ورجعتله المحفظة فاضية في إيده وقلتله:
«من اللحظة دي، البيت ده له ست واحدة.. أنا. المصروف في إيدي، مفتاح الشقة دي مفيش نملة تدخل منه غير بإذني، فادي وإخواته طلباتهم أوامر عليك وعلى أي حد، وعزة دي.. لو لمحت ضلها بس على عتبة السلم مش هرحمك ولا هرحمها. وعشان ترتاح، أنا مش طالبة طلاق، أنت هتفضل قاعد هنا، تخدم ولادك وتشتغل وتجيب القرش على الجزمة، كفارة للذل اللي عيشتهوني، وهتعيش طول عمرك هنا.. خدام لكرامتي اللي فكرت تدوس عليها».
بصلي وهو مكسور، قعد على أول كرسي قابله وحط راسه بين إيديه في صمت تام، صمت المغلوب على أمره اللي خسر كل حاجة في لحظة كبر وغرور.
فتحت باب أوضة ولادي، لقيت فادي قاعد بيبصلي ومبتسم بفخر، عينه بتلمع بعد ما سمع كل حرف من ورا الباب، وشاف أمه وهي بتسترد هيبتها وتكسر اللي كسروا خاطرها. طبطبت على كتفه وابتسمت، وخرجت وقفت في بلكونتي أتنفس الهوا النضيف، وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن البيت ده بيتي، والسما دي سمايا، وإن حق المظلوم لما بيتاخد بالعقل والدهاء، بيكوي قلب الظالم مية مرة أكتر من ألف قلم على وشه.
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطيت رجل على رجل وأنا باصة لشكله وهو حاطط راسه بين إيديه زي العيل التايه اللي أمه ضاعت منه في مولد.
فضلت ساكتة دقيقة كاملة، دقيقة كان صوت عقارب الساعة فيها أتقل من الجبال على قلبه. كنت بتأمله؛ الراجل اللي سنين عمري راحت في خدمته، اللي فضلت مستحملاه ومستحملة عوج لسانه وقلة أصله، اللي فضل عزة عليا وكسر بخاطري وخاطر ولاده.. الراجل ده بقى في عيني أصغر من نملة ماشية على الحيطة. حسيت بعفانة روحه، وعرفت إن القعاد في نفس الهوا اللي بيتنفسه ده خسارة في صحتي وعمري.
رفعت راسي وقلت بنبرة هادية أوي، أهدى من ريح الفجر:
«أنا غيرت رأيي يا أبو فادي».
شال إيده من على وشه بلهفة، عينه كان فيها أمل غبي إنه يلاقي في كلامي رجعة ولا تسامح، فسأل بصوت مخنوق ومكسور:
«غيرتي رأيك في إيه يا حنان؟ قولي اللي يرضيكي وأنا هعمله.. وحياة ولادنا ما هتشوفي وش عزة تاني، ولا كلمة هتطلع إلا بإذنك، البيت ده كله تحت أمرك».
ضحكت.. ضحكة خفيفة طلعت من غير غل، ضحكة الواحدة اللي شافت الباب مفتوح قدامها وقررت تخرج للنور:
«غيرت رأيي في إني أعيشك خدام لكرامتي.. أصل الخدامين بنقرف منهم لما بنعرف أصلهم. أنا كنت فاكرة إني لما أذلك وأكسرك هبرد ناري، بس لما بصيت في وشك دلوقتي لقيت إني بقرف منك، بقرف من راجل كان باصص لحرمة أخوه ومستقوي بيها على أم عياله. أنت قولتلي زمان: ‘قعادك هنا بأمر عزة’.. وأنا بقى بقولك: ‘خروجي من حياتك بأمري أنا’».
وقف مفزوع، عينه وسعت، والدم اللي كان هارب من وشه رجع في ثانية من الرعب:
«يعني إيه يا حنان؟ هتخربي بيتنا بعد العمر ده كله؟!».
«البيت ده اتخرب يوم ما دخلت عزة فيه وشاركتني فيك وفي قرشك وفي ولادي وأنت بتضحك ومبسوط.. اتخرب يوم ما جيت قولتلي في وشي إنك اتدبست فيا ومبملاش عينك بربع جنيه، ومطلعتش راجل صان بيته ولا صان حرمة أخوه الميت. من اللحظة دي.. تطلقني بالمعروف، وبكل ورقة وقرش يخصني ويخص ولادي».
اتجنن، صوته علي بتهتهة:
«أطلقك؟! وعيالي؟! هتاخدي عيالي وتسيبيني؟!».
شخّطت فيه شخطة خلت عروقه تنتفض، وقفت قدامه وبصيت في عينه من مسافة شبر:
«العيال مكانهم في حضن أمهم اللي صايناهم، مش في حضن راجل مسلوب الإرادة كان بيخليهم يوطوا راسهم ويتحايلوا على مرات عمهم عشان كشكول! هتطلق، وهتسيب شقة الحضانة ليا ولولادي، وهتدفع نفقتهم مليم ينطح مليم غصب عنك مش بكرمك، يا إما زي ما قولتلك.. كشف الحساب الأصلي اللي يفضح حكاية التلاعب في مال القُصّر يروح لمحكمة الأسرة ولأهلك الصبح، ووقتها هتخسر ولادك، وهتخسر شرفك، وهتلبس البدلة الزرقا بتهمة خيانة الأمانة مع ست الحسن والتدبير!».
نزل على ركبه، وشه اتلون بذل ملوش آخر، ولسانه مكنش قادر يجمع جملة مفيدة. بصلي بترجي زي الشحات:
«بلاش المحاكم يا حنان.. بلاش الفضايح أبوس إيدك، عشان خاطر اللي كان بينا».
«اللي كان بينا أنت دبحته يوم ما وقفت هي تطبطب على كتفك وأنت بتطردني بشنطة هدومي. بكرة الصبح تكون المأذون مستنيك، ورقتك توصلي لحد عندي نظيفة، والشقة تفضى من هدومك قبل العصر».
سبته مكانه راكع في الأرض، ودخلت أوضتي، لميت كل هدومه وحطيتها في الشنطة اللي كان ناوي يرميني بيها، ورزعتها في الصالة قدام رجليه.
الصبح طلع، وكانت الشمس داخلة البيت لأول مرة تحسسني بالدفا، دفا الست اللي عرفت تاخد حقها تالت ومتلت، كسرت غريمها، وفضحت الحية، وخرجت من الحكاية دي وهي مالكة أمرها، مش مكسورة الجناح ولا محنية الضهر.. ست قوية سابت القمامة وراها ومشت لقدام.
الساعة مجاتش اتناشر الضهر إلا وكان القلم بيجري على دفاتر المأذون، تكة القلم على الورق كانت بتطرب وداني كأنها مزيكة نصر، وهو قاعد قصادي مدلدل راسه في الأرض، عينه مفيهاش حتى الجرأة إنه يرفعها في عيني. وقع ومضى وبصم على مؤخري وعلى نفقة العيال، وتنازل رسمي عن شقة الحضانة لحد ما أصغر عيل يبلغ أشده، كل ده وهو ساكت ومكتوم، خايف من الورقة اللي في جيبي أكتر ما خايف من ربه.
خرجت من عند المأذون وخطوتي في الشارع غير أي خطوة مشيتها في عمري كله. كانت الأرض شيلاني، والهوا اللي بيدخل صدري صافي ونضيف، مفيش فيه خنقة المطبخ ولا ريحة السم اللي كانت عزة بتبخه في كل ركن.
وصلت البيت، لقيت العمارة هادية بس عيون الجيران من ورا الشيش بتاكل السلالم. عزة كانت قافلة بابها بالضبة والمفتاح، حابسة روحها جوة بعد الفضيحة اللي أكلت وشها قدام حمايا وإخوات جوزها المرحوم، الأرملة اللي كانت سايقة الهبل على الشيطنة بقت سيرتها على كل لسان، وكبار العيلة عينهم بقت على الدفاتر وعلى كل مليم داخل وخارج من شقتها، اتجردت من الهيبة المضروبة، ورجعت لحجمها الطبيعي.. واحدة طماعة اتمسكت بإيدها متلبسة.
طلعت شقتي، دخلت ولقيت أبو فادي بيلم آخر كراكيبه في شنطة سفره، وشه مخطوف كأنه طالع من مقبرة. وقف على باب الشقة وتردد ثانية، بصلي بنظرة كلها حسرة وندم، وقال بصوت واطي مهزوز:
«هانت عليكي العشرة يا حنان؟ هان عليكي تكسريني وتطرديني من بيتي قدام الدنيا كلها عشان غلطة؟ ده أنا سترتك وعيشتك سنين!».
قربت من الباب، حطيت إيدي على الأكرة، وبصيت له من فوق لتحت بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي زمان:
«العشرة هانت يوم ما خليتني أخدم في بيتي كأني شغالة، وهانت يوم ما ركبت عزة على كتافنا وخليت ولادك يشحتوا اللقمة واللعبة من إيدها.. أنت مكسرتنيش يا أبو فادي، أنت كسرت نفسك لما فكرت إن الست الطيبة ملهاش ضهر ولا عقل. وكلمة ‘سترتك’ دي متتقالش لست شالتك وشالت قرفك، دي تتقال للي باعت لحم أخوك ورمت بلاها عليك».
وشه احتقن ومقدرش يرد، شاور بصباعه وهو خارج كأنه عايز يتوعد، بس الرعب شل لسانه لما افتكر إن خيوط رقبته كلها لسه في إيدي. خطى عتبة الباب، وبحركة واحدة سريعة، رزعت الباب في وشه وقفلت بالترباس، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها، وكان معلن نهاية كابوس قعد على نفسي سنين.
اتلفتت للصالة، لقيت فادي وإخواته واقفين، باصين للباب المقفول وبعدين بصوا ليا. فادي قرب مني، مسك إيدي وباسها، حسيت برعشة في إيده بس عينه كانت مليانة راحة:
«خلاص يا ماما؟ مش هيدخل هنا تاني؟ مش هنسمع كلام طنط عزة تاني؟».
نزلت لمستواه، حضنته وحضنت إخواته بكل قوتي، دموعي نزلت بس المرة دي كانت دموع غسلت قلبي من كل وجع فات:
«خلاص يا قلب أمك.. البيت ده بتاعكم، وأمكم هنا هي السند وهي الحماية، ومفيش مخلوق هيخليكم توطوا راسكم بعد النهاردة أبداً».
قمت، دخلت المطبخ، فتحت الشباك على آخره وخليت شمس ربنا تملا كل زاوية، طلعت الفلوس اللي كانت محرمة عليا وعلى ولادي، ونزلت بيهم بنفسي السوبر ماركت؛ اشتريت كل اللي نفسهم فيه، فادي جاب طقم الكورة اللي كانت عزة حرمته منه، وإخواته اتملت إيديهم باللعب والحلويات، ورجعنا البيت وإحنا بنضحك بصوت عالي، ضحكة رنت في المنور ووصلت لودان عزة تحت عشان تعرف إن البيوت عمرها ما كانت بالخبث ولا بالسرقة.. البيوت بتعمر بالكرامة، والكرامة لما بترجع لصاحبتها، بتدوس على كل اللي افتكروا إنهم ملوك على قفا غيرهم.
مرت الأيام وبانت حقيقة كل واحد على أصلها، والأيام دي تحديداً كانت أعدل قاضي شفته في حياتي.
أبو فادي، الراجل اللي كان داخل شقتي نافخ صدره ومستقوي بحرمة أخوه، لقى نفسه في يوم وليلة مرمي في الشارع بحق وحقيق، الشنطة اللي كان ناوي يطردني بيها بقت هي كل ما يملك. رجع قعد عند أمه تحت في أوضة مكركبة في بيت العيلة، بعد ما حمايا وإخواته قفلوا عليه كل الأبواب ورفضوا يدولّه مليم أحمر من أرباح العيلة أو يمسكوه قرش، وبقى عايش بينهم زي خيال المآتة؛ عينه مكسورة، وراسه مدلدلة في الأرض، وسيرته على لسان القريب والغريب بعد ما اتفضح إنه كان بيجري ورا أرملة أخوه وعينه في مال الأيتام.
النفقة اللي كان مستكترها على ضناه، بقى يدفعها كل أول شهر غصب عنه من على جزمته، يتخصم نص مرتبه من وظيفته قبل ما يلمسه، والباقي مكنش بيكفيه حتى مصاريف دخانه وشاياته على القهاوي. عزة، اللي كان فاكرها ملاك التدبير والست اللي مالية مركزه، أول ما شافت عزه اتقصقص وجيبه نشف ومبقاش منه رجا، قفلت بابها في وشه وما بقتش حتى تطلع له كوباية شاي! أدرك بس بعد فوات الأوان إنها ما كانتش شايفاه راجل ولا شارياه، دي كانت متخذاه درع وسُلم بتتسلق بيه على قفايا وقفا ولادي، ولما وقع السلم، داست عليه برجلها وكملت طريقها، وهي نفسها اتحاصرت في شقتها، كبار العيلة عينوا عليها حارس من أعمام ولادها يستلم القرش بالورقة والقلم، فاتقفلت عليها حنفية الطمع وبقت عايشة في نبذ وخزي محدش بيعبرها.
أما هو، فبقيت أشوفه أوقات من بلكونتي وهو نازل الصبح بدري، ضهره محني، وشه شاحب، وهدومه مبهدلة محدش كاويلهاله ولا سائل فيه. يلمح فادي ولابس طقم الكورة الجديد ورايح تمارينه وراسه مرفوعة، يحاول يقرب منه ويتمسكن: «تعالى يا فادي، تعالى سلم على أبوك يا بني»، لكن فادي كان يبصله بنظرة واحدة باردة، يعدي من جنبه من غير ما يقف، زي الغريب اللي ملوش مكان في حياته، فالولد اتربى على إيدين أم ردت اعتبارها واعتبار عيالها، وفهم إن الرجولة مش كلمة بتتقال ولا تجبر على الضعيف، الرجولة صيانة وأصل، واللي يبيع أصله يفضل طول عمره رخيص.
وقفت أنا في شقتي، البيت بيبرق، والضحكة مالية حيطانه، وكل ركن فيه شاهد على إني يوم ما اتظلمت ما استسلمتش للكسرة، ويوم ما فكرت أرد حقي ما رديتوش بقلة حيلة، رديته بذكاء وصبر فرمت بيهم كبرهم. قفلت شيش البلكونة على منظر أبو فادي وهو بيجر رجليه في الشارع تايه ومكسور، ورجعت لحياتي وولادي، وأنا متأكدة إن اللي يرمي لحمه عشان يرضي
غريب، أخره يقعد يندب خيبته في الضلمة، لا طال ست الحسن والتدبير، ولا فضل له بيت يأويه.


تعليقات
إرسال تعليق