امى حلقت شعر مراتى حكايات انجى الخطيب
امي حلقت شعر مراتي حكايات انجى الخطيب
—إوعى تقرب منها يا ياسين، سارة عندها مرض معدى وممكن تعديك.
بصيت لمراتي وقولتلها شعرك فين يا سارة ؟
دموعها نزلت وهي بتتكلم:
— اختك عرفت إن في محل بيشتري الشعر الطبيعي هي ومامتك فضلوا يضغطوا عليا عشان أحلقه وأبيع شعري وأدفع تمن التحاليل بتاعتي .
أمي قالت انت هتصدقها يا حبيبي تعالي انت لسة راجع من السفر حتى ما ألحقتش تحط الشنطة على الأرض.كنت لسه راجع مصر بعد أربع سنين غربة في السعودية، شغال مهندس صيانة في مصنع كبير في الجبيل.محدش كان يعرف إني راجع يوم الجمعة ده.
أنا كنت حاجز على الأسبوع اللي بعده، بس المشروع خلص بدري، والشركة سمحتلي أرجع، فقررت أعمل مفاجأة لأهلي ومراتي.بس اللي اتفاجئ بجد كان أنا.أول ما دخلت بيتنا ، سمعت صوت طبق بيتكسر في الحوش الصغير اللي ورا المطبخ.
بصيت ناحية الصوت، لقيت مراتي سارة قاعدة جنب الغسالة، قدامها جردل مية، وبتغسل شوية أطباق بإيديها.كانت لابسة تريننج واسع رغم إن الجو كان حر.وشها كان هزيل بشكل خلاني ماعرفهاش من أول نظرة، وعلى راسها طرحة قطن زرقا.
أول ما شافتني، إيديها اترعشت والطبق وقع من إيدها.بس الغريب إنها ماجريتش عليا.بالعكس... رجعت لورا خطوة.—أنا يا سارة... أنا ياسين.بصتلي بعينين مليانين خوف وقالت بصوت واطي:
—عارفة.أختي داليا خرجت من ورا أمي، وكانت واقفة بتتفرج عليا بابتسامة غريبة.
الفرق بين شكلهم وشكل مراتي كان صادم.داليا كانت نازلة من عربية جديدة، لابسة هدوم غالية، وضوافرها باين ٧ليها معمولة وانها مبتمدش ايدها في حاجة في البيت وماما ماسكة شنطة ماركة ولبس شيك ومراتي لابسة هدوم واسعة ومبهدله وشكلها هلكان
حتى الساعة اللي في إيد أمي لفتت نظري.
أنا كنت بعتها لها من السعودية من سنتين وقلت لها تبيعها لو حصلت أي أزمة ضرورية.لكن واضح إن الأزمة الوحيدة اللي كانت عندهم هي إني ماكنتش موجود.البيت نفسه اتغير.بقى فيه دور تاني متشطب، مطبخ جديد، أجهزة كهربائية، وأنتريه غالي، وباب حديد كبير عليه موتور كهربا.
وأنا اللي كنت بدفع كل ده.كل شهر كنت بحوّل من خمسين لسبعين ألف جنيه، وأحيانًا أكتر.الاتفاق كان واضح.نخلص تشطيب البيت، نوفر مبلغ، وسارة تبدأ مشروع الحلويات اللي كانت بتحلم بيه أول ما أرجع.
بصيتلها وسألت:
—هي مالها؟ ليه خسّت بالشكل ده؟داليا ردت وهي بتنفخ بضيق:
—مابتكلش. بتحب تعمل فيها مريضة وخلاص.سارة نزلت عينيها في الأرض.قربت منها ومديت إيدي بحذر ورفعت طرف الطرحة اللي على راسها.اتجمدت مكاني.شعرها كله كان محلوق.مش قصير... محلوق بالكامل.
وكان فيه أماكن فيها خدوش صغيرة وآثار جروح قديمة.—إيه اللي حصل لشعرك؟أمي ردت بسرعة:
—هي اللي عملت كده في نفسها. إنت عارف دماغ مراتك.أنا ماكنتش عارف.سارة اللي اتجوزتها كانت بتحب شعرها جدًا، وكان واصل لنص ضهرها، وكانت ممكن تزعل أيام لو الكوافير قص منه سنتي زيادة.
سارة دخلت إيديها في جيوب الجاكت، وفي اللحظة دي لمحت حاجة حوالين إيديها.سوار مستشفى.مسكته بسرعة قبل ما تخبيه.—إنتِي روحتي مستشفى؟داليا دخلت في الكلام فورًا:
—دي كانت تعبانة شوية في معدتها، وراحت تكشف وخلاص.بصيت لسارة.ما ردتش.بس نظرتها قالتلي إن الحكاية أكبر بكتير.
من حوالي تمن شهور، سارة بطلت تعمل معايا مكالمات فيديو.في الأول قالولي إن موبايلها اتعطل.بعدها بدأت تبعتلي من رقم أمي.وبعد بفترة بقت كل رسائلها قصيرة وغريبة:
"أنا كويسة."
"خليك في شغلك."
"مش محتاجة فلوس."
في الأول افتكرت إنها زعلانة مني.
وكنت كل ما أبعتلها فلوس، ألاقي أمي بتقولي:
—سارة قالت مش عايزة حاجة.#انجي_الخطيب
لكن عمري ما فهمت ليه.بالليل، أمي فضلت تلففني في البيت وتوريني التجديدات الجديدة.داليا كانت بتتكلم بحماس عن مشروع كوافير ناوية تفتحه، وورّتني محل كانت بتفكر تأجره.وسارة كانت ماشية وراها شايلة شنطي.
—سيبي الشنط يا سارة، أنا أشيلها.أمي بصتلي بحدة وقالت:
—كلنا بنساعد بعض هنا يا ابني.ما رديتش.لكن بدأت أركز.وقت العشا كانت الصدمة التانية.السفرة كانت مليانة فراخ مشوية، لحمة، جبنة مستوردة، ومشروبات غالية.
أمي وداليا كانوا بياكلوا براحتهم.أما سارة، فحطولها طبق فول وعيش ناشف.بصيت لأمي.—هي بتاكل إيه ده؟داليا ردت بسرعة:
—الدكتور مانع عنها الدهون.سارة ما قالتش ولا كلمة.فضلت ساكتة وباصّة في الطبق.استنيت.ماحبتش أعمل مشكلة وأنا لسه داخل البيت.
كنت عايز أعرف الحقيقة الأول.الساعة عدت اتنين بالليل.اتأكدت إن الكل نام، وقومت من السرير بهدوء.مشيت ناحية الأوضة الصغيرة اللي جنب الغسيل.الباب كان موارب.فتحت.لقيت سارة نايمة على مرتبة رفيعة محطوطة على الأرض.مش في أوضتنا.أوضتنا اللي كنا بنحلم نعيش فيها بعد ما أرجع.
.. كانت داليا هي اللي بتنام فيها دلوقتي.سارة فتحت عينيها أول ما شافتني.—إنت بتعمل إيه هنا؟قعدت جنبها وقلت:
—دي أوضتك.ضحكت ضحكة موجوعة وقالت:
—إنت لسه فاكر إنها أوضتي؟الكلمة وجعتني.—يعني إيه؟سارة سكتت شوية، وبعدها مدت إيديها تحت المرتبة وطلعت كيس بلاستيك قديم.
فتحته قدامي.تحاليل.أشعات.روشتات.إيصالات مستشفيات.وتقرير من مستشفى من خمس شهور.مسكت التقرير وأنا مش فاهم.قريته مرة.وبعدين مرة تانية.وبعدين حسيت إن إيدي بدأت تبرد.كان مكتوب في التقرير:
"اشتباه مؤكد في سرطان الثدي، ويحتاج إلى استكمال العلاج والفحوصات."
رفعت عيني عليها.
—إنتِي عارفة من إمتى؟قالت:
—من شهر مارس.حسيت إن الدنيا لفت بيا.—طب ليه ماكلمتنيش؟بصت ناحية الترابيزة.كان عليها موبايل قديم مكسور ومن غير شريحة.—مامتك أخدت موبايلي لما طلبت فلوس عشان أعمل تحليل جديد.سكتت لحظة وبعدين قالت:
—قالتلي إنك مشغول، وإن لو فضلت أطلب منك فلوس هترجع مصر وتبوظ كل اللي هما بيعملوه.قلبي دق بسرعة.—هما بيعملوا إيه؟بصتلي وقالت:
—البيت... والعربية... ومشروع داليا.ابتلعت ريقي.—وشعرك؟دموعها نزلت وهي بتتكلم:
—داليا عرفت إن في محل بيشتري الشعر الطبيعي.
هي وماما فضلوا يضغطوا عليا عشان أحلقه وأبيع شعري وأدفع تمن التحاليل.—وبعدين؟—لما رفضت، ماما قالتلي مش هتديني جنيه واحد تاني.بصيتلها.—وإنتِ عملتي إيه؟—وافقت في الآخر.—وبعتيه بكام؟ضحكت بمرارة.—ألفين جنيه.اتصدمت.
—فين الفلوس؟هزت راسها.—ماشوفتهاش.سكتنا.وبعدين طلعت ورقة تانية من الكيس.—وفي حاجة تانية.مدتها لي.كانت رسالة مطبوعة.الرسالة كانت باسمي.ومكتوب فيها:
"أنا تعبت من مشاكلك. لو محتاجة حاجة كلمي أمي، أنا مش هقدر أفضل أبعت فلوس."
بصيت للرسالة وأنا حاسس إن الدم بيغلي في عروقي.
—أنا ماكتبتش الكلام ده.سارة بصتلي وهي بتعيط.—أنا صدقته.سكت.فهمت فجأة ليه كانت بتبصلي بخوف أول ما دخلت.هي كانت فاكرة إني أنا اللي تخليت عنها.فاكرة إني عارف إنها مريضة ومش فارق معايا.
مديت إيدي وح. ضنتها.في الأول جسمها كان متخشب من الصدمة، وبعد كام ثانية انهارت في ح. ضني.همست لها:
—إوعي تقولي لهم إنك حكيتيلي حاجة.بصتلي باستغراب.—ليه؟بصيت ناحية الباب.—عشان لو عرفوا إني فهمت اللي بيحصل، ممكن يختفوا الأدلة كلها.الصبح، نزلت الفطار كأني ماعرفتش أي حاجة.
أمي كانت بتتكلم عن مصاريف البيت.داليا ماسكة الموبايل وبتتفرج على صور عربية جديدة.وأنا قعدت معاهم وبضحك.وبعدين قلت بمنتهى الهدوء:
—على فكرة... الشركة كلمتني امبارح.أمي رفعت عينيها.—خير يا ابني؟قلت:
—قالولي إن ليا مستحقات ومكافأة نهاية مشروع ممكن توصل لحوالي ستة مليون جنيه.
إيد داليا وقفت فوق الكوباية.—ستة مليون؟أمي ابتسمت ابتسامة ما شوفتهاش على وشها من يوم ما رجعت.—ربنا يرزقك يا ابني... وإحنا هنا، بيتك وفلوسك محفوظين.ابتسمت لها.لكن جوايا كنت بقول حاجة تانية تمامًا.لأول مرة من أربع سنين... أنا كنت مستنيهم يكملوا كدب.
لأن المرة دي، مش هصدق كلمة.هجمع كل دليل.وهعرف بالظبط الفلوس اللي بعتها راحت فين، ومين اللي كان بيزور رسائلي، وليه مراتي اتسابِت مريضة على مرتبة جنب الغسالة.والأهم...كنت لسه ماعرفتش السر اللي خلى أمي وداليا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان سارة ماتتكلمش.#انجي_الخطيب
مسكت نفسي بالعافية، وحطيت اللقمة في بوقي وأنا ببتسم بكل برود في وش أمي وداليا، وهما عينيهم بتلمع بالطمع أول ما سمعوا رقم الستة مليون. داليا قربت الكرسي بتاعها مني وفضلت تتكلم بحماس مجنون:
— يا حبيبي يا ياسين!
طب والله العظيم أنت تستاهل كل خير، وبعدين بقى المحل اللي بقولك عليه ده في موقع لقطة، لو دفعنا العربيصون النهاردة ونبدأ في التشطيب...قطعتها بابتسامة هادية وقولت:
— كل حاجة في وقتها حلو يا داليا.. المهم دلوقتي أطلع أغير هدومي وأريح شوية عشان من امبارح مأخدتش نفسي.
قمت من على السفرة، وسارة كانت واقفة بعيد، حانية راسها وبتمسح الرخامة بحتة قماشة دايبة. لما جيت أعدي من جنبها، لمست إيدها بلمسة خفيفة وسريعة من غير ما حد ياخد باله، وهمست بصوت واطي جدًا:
— تجهزي كل ورقة، التحاليل والأشعات، وحطيهم في كيس إسود وسيبيه ورا الغسالة.
. فاهمة؟هزت راسها من غير ما ترفع عينها.طلعت الدور التاني، الأوضة اللي كانت المفروض تبقى سكننا أنا وسارة. فتحت الباب.. الريحة كانت برفان حريمي غالي، أطقم مكياج ملفوفة على التسريحة، وشنط ماركات متنعشة على السرير.
داليا أخدت أصفى حتة في البيت ورمت سارة في الرطوبة تحت.دخلت وقفلت الباب بالمفتاح. طلعت تليفوني السعودي اللي محدوث فيه كارت شريحة تانية محدش يعرف رقمه. أول حاجة عملتها، كلمت صاحبي "عمر"، محامي شرس وراجل جدع كنا مع بعض في السكة من زمان.
رد عمر:
— ياسين! إيه يا عم الفاجأة دي، حمد الله على السلامة!— عمر.. أنا في أزمة، ومحتاجك في خدمة العمر. مش عايز حد يعرف إني بكلمك.نبرة صوته اتغيرت فورًا للجدية:
— خير يا ياسين؟ في إيه؟
— محتاج كشف حساب بليغ لكل التحويلات اللي دخلت حساب أمي وحساب أختي داليا من ٤ سنين لحد النهاردة. ومحتاجك تعرفلي العربية الجديدة اللي داليا راكباها مكتوبة باسم مين، والمحل اللي ناوية تأجره ده فلوسه طالعة منين..
والأهم من ده كله، استشاري أورام كبير، يجي يستلم حالة مراتي النهاردة بالليل من غير ما أهلي يحسوا.عمر سكت ثواني مصدوم، وبعدين قال:
— اعتبره حصل يا ياسين.. بس أنت ناوي على إيه؟— ناوي أرجع كل قرش اتسرق، وأتدفّع اللي ظلم مراتي التمن.
ومحتاجك تعرفلي العربية الجديدة اللي داليا راكباها مكتوبة باسم مين، والمحل اللي ناوية تأجره ده فلوسه طالعة منين.. والأهم من ده كله، استشاري أورام كبير، يجي يستلم حالة مراتي النهاردة بالليل من غير ما أهلي يحسوا.عمر سكت ثواني مصدوم، وبعدين قال:
— اعتبره حصل يا ياسين.
. بس أنت ناوي على إيه؟— ناوي أرجع كل قرش اتسرق، وأتدفّع اللي ظلم مراتي التمن.. حتة حتة.نزلت بعد العصر، كانت أمي قاعدة في الصالة بتشرب الشاي وبتتفرج على التلفزيون الجديد. أول ما شافتني، ابتسمت وقالت:
— تعالي يا ياسين يا حبيبي، اقعد جنبي..
سارة جوه بتنضف المطبخ، متوجعش دماغك بيها، هي أصلًا اليومين دول متغيرة ونفسيتها وحشة.قعدت جنبها، وبصيت في عينها مستغرب.. إزاي الوش ده اللي ياما حنيت عليه في الغربة، يطلع منه كل القسوة دي؟— بقولك إيه يا أمي.. هو الحساب المالي اللي كنت ببعت عليه كل شهر، أخباره إيه؟
مش المفروض كنا بنوفر منه عشان مشروع سارة وتأمين المستقبل؟أمي اتلجلجت ثانية، بعدين بلعت ريقها وقالت بسرعة:
— يا بني الغلاء أكل كل حاجة! وبعدين أختك كانت محتاجة تقف على حيلها، ومصاريف تشطيب الدور الثاني أكلت الأخضر واليابس..
وبعدين سارة ما هي عايشة وبتاكل وشاربة، أنت هتحاسب أمك ولا إيه يا ياسين؟في اللحظة دي، تليفون أمي يرن على الترابيزة.كان الاسم المكتوب على الشاشة: "الدكتور مجدي - العيادة".أمي خ. طفت التليفون بسرعة وقامت تجري على الحمام تقفل على نفسها.
شكّي زاد.. دكتور إيه؟ سارة كانت بتروح مستشفى عام، وداليا مش تعبانة!اتحركت بهدوء ناحية باب الحمام، وحطيت ودني على الخشب. سمعت أمي بتتكلم بصوت خافت وبيترعش:
— أيوة يا دكتور مجدي.. لا لا، ياسين جه فجأة ومحدش كان عامل حسابه.
. أوعى تتصل بيا تاني على الرقم ده! التقرير اللي معاك متطلعوش لأي حد.. ولو ياسين سألك قول إن سارة كانت بتيجي عندك عشان متابعة عادية.. الفلوس الباقية هتوصلك بكرة، بس الموضوع ده يتقفل خالص وورقة العينة تتعدم!
جسمي كله قشعر.. الدم هرب من وشي.تقرير إيه اللي يتعدم؟ وعينة إيه؟رجعت خطوتين لورا قبل ما تفتح الباب. خرجت أمي وشها أصفر زي الليمونة لما شافتني واقف قريب.— فيه حاجة يا أمي؟ مين الدكتور ده؟
أتأتت وهي بتحاول تبتسم:
— دي.. دي متابعة عشان الضغط بتاعي يا حبيبي، دكتور كاتبلي علاج جديد.سيبتها ومشيت وأنا فاقد الأمل في أي ذرة حنية من الناحية دي. دخلت ورا المطبخ، أخدت الكيس الأسود اللي سارة سابتهولي ورا الغسالة، وطلعت بيه على برة البيت فورًا من غير ما أقول لحد.
قابلت عمر المحامي في كافيه بعيد. فتحنا الكيس ورصينا الورق.. عمر كان بيبص في التحاليل بتركيز، وفجأة حواجب بينزلوا بذهول.— ياسين.. أنت متأكد إن التقرير ده بتاع سارة؟— أيوة يا عمر، التقرير بيقول اشتباه سرطان في الثدي من ٥ شهور.عمر هز راسه بنفي وقدم لي الورقة:
— بص هنا كويس.. دي ورقة عينة أُخدت من سارة في مستشفى خاص من سنتين فاتوا!.. مش من ٥ شهور!بصيت للورقة مصدوم:
— سنتين؟!— أيوة.. الورم ده كان حميد ومحتاج استئصال بسيط جدًا في أوله ومصاريفه متتعداش ١٥ ألف جنيه..
التقرير ده كان بيقول إن سارة كانت ممكن تتعافى تمامًا من سنتين، بس اتساب لغاية ما اتقلب لورم خبيث وانتشر بسبب الإهمال ومحدش رضي يدفع لها ثمن العملية وقتها!مسكت رأسي بإيدي الإثنين وأنا مش قادر أتنفس..
بعت مئات الآلاف، ومراتي كانت محتاجة ١٥ ألف جنيه بس عشان تتعالج وميتآكلش جسدها بالمرض! هما ما أهملوهاش بس.. هما سابوها تمو. ت بالبطيء عشان الفلوس تروح لرفاهيتهم!وفجأة عمر مسك ورقة تانية كانت مطوية في أخر الكيس، ورقة رسمية عليها ختم توثيق شهر عقاري.
عمر بصلي وعينيه مفنجرة من الصدمة:
— ياسين.. أنت بصيت في الورقة دي؟— لا، دي إيه؟— دي توكيل عام رسمي للبيع والتصرف.. باسم داليا أختك وبصمة سارة! التوكيل ده معمول من سنة.. وداليا استخدمته وباعت بيه الأرض اللي أنت كتبت باسم سارة قبل ما تسافر!
البيت، الفلوس، شعرها، صحتها، والأرض اللي حيلتنا.. سرقوا كل حاجة.وقفـت على حيلـي والدموع مكتومة في عيني بس بشرارة غضب عمري ما حسيت بيها في حياتي.— عمر.. الجمعة الجاية العيلة كلها هتتجمع عشان يحتفلوا بالمكافأة الستة مليون اللي ألفتها.
— ناوي تعمل إيه؟— ناوي أخليهم يوقعوا على إقرار بكل قرش.. والبيت ده يتكتب باسم سارة، وداليا وأمي هيمضوا على أوراق بيع كل الأصول اللي جابوها بفلوسي.. وإلا السجن هيلمهم بتهمة التزوير والنصب والنكوص عن علاج مريضة وإيذائها.رجعت البيت بالليل.
دخلت على سارة الأوضة الضيقة. لقيتها قاعدة بتعيط في الضلمة.قعدت قدامها على الأرض، مسكت إيدها المرتعشة، وبستها..— سارة.. السر اللي كان مخلي أختي وأمي خايفين منك مش بس الفلوس..سارة رفعت عينها المليانة دموع وبصتلي بخوف:
— أمال إيه؟— هما عارفين إنك لو اتعالجتي ورجعتي لراحتك، هتعرفي إن الأرض اتباعت، وإن التوكيل اتبصم وأنتِ تحت تأثير مخدر العلاج اللي كانوا بيدوهولك! هما كانوا مستنيين المرض يخلص عليكِ عشان السر يتدفن معاكِ يا سارة.
سارة صرخت بصوت مكتوم وحطت إيدها على بوقها..ض. ميتها لح. ضني بقوة وقولتلها بصوت زي الحديد:
— وحياة كل شعرة نزلت من راسك.. وحياة كل نقطة دم ونظرة كسرة في عينك.. لأخليهم يتمنوا الرحمة وما يلاقوهاش. اللعبة انتهت خلاص، وبكرة الحساب.
طلبت من سارة تجهز نفسها، ومن غير ما أي حد من اللي في البيت يحس، نزلتها من باب الحوش الموارب بالليل المتأخر، وكانت عربية عمر المحامي مستنيانا على أول الشارع. أخدها وحطها في مستشفى خاص تحت إشراف أكبر استشاري أورام، ووصيته محدش يعرف مكانها ولا يتوصل لها بأي شكل.
رجعت البيت وحطيت على المرتبة الفاضية في الأوضة الصغيرة شوية هدوم وطرحة سارة، وقفلت الباب ورايا.
جه يوم الجمعة. أمي وداليا كانوا متألقين على الآخر، عازمين قرايبنا وعاملين عزومة كبيرة عشان "حفلة وصول الستة مليون" اللي صدقوا إنها نازلة عليهم من السحاب. السفيرة كانت مفروشة بأحلى الأكل، والكل قاعد بيضحك ويهني، وأمي ماسكة رأسها فوق وبتتباهى بيا قدام العيلة كلها.
في وسط الجيطة، قمت وقفت ورفعت كاست العصير وض. ربت بالمعلقة عليه عشان الكل يسكت.
— يا جماعة، بمناسبة اللمة الحلوة دي، وبمناسبة الفلوس اللي جاية في السكة.. أنا حابب أقدم هدية صغيرة لأمي وأختي داليا.
قلبت الصفحة اللي بعدها:
— وده تقرير دكتور مجدي اللي اتدفعله فلوس عشان يخبي إن سارة كان عندها ورم حميد من سنتين ومحتاجة عملية بـ ١٥ ألف جنيه بس.. وسيبتوها للسرطان يأكل في جسمها عشان تاخدوا حق علاجها وتشتروا بيه عربية ومحل وتجددوا البيت!
البيت كله اتخرس. الضحك اختفى فورًا. وش أمي بقى أشبه بالجثة، وداليا أيديها اتجمدت وهي ماسكة الشوكة.القرايب بدأوا يتهامسوا ويبصوا لبعض بصدمة.أمي قامت وقفت وهي بتترعش وبتمثل العياط:
— أنت بتقول إيه يا ياسين؟ أنت بتصدق الغريبة وتتهم أمك وأختك؟ هي فين سارة اصلاً؟ راحت فين الفاجرة دي عشان تملى دماغك بالكلام ده؟
ابتسمت ببرود وطلعت تليفوني، فتحت السبيكر ورنيت على عمر.
— عمر.. سارة معاك في الأمان؟
صوت عمر طلع من السبيكر واضح ومسموع للكل:
— سارة في المستشفى يا ياسين، والشرطة والنيابة برة باب البيت عندك دلوقتي جاهزين يستلموا البلاغ بتهم التزوير، النصب، والشروع في القت. ل بالإهمال المباشر.
داليا صرخت وقامت من على الكرسي:
— أنت تجننت؟! عايز تودي أمك وأختك السجن عشان واحدة زبالة زي دي؟
قربت منها ومسكت الملف وحطيته قدام وشها مباشرة:
— الواحدة دي هي مراتي اللي كانت بتغسل هدومكم وتاكل عيش ناشف وفول وأنتوا بتاكلوا المشمش بفلوسها وفلوسي!بصيت لأمي وقولت بصوت كأنه طالع من القبر:
— قدامكم حل من اتنين مالهمش تالت.
.الأولاني: تنازل رسمي عن البيت ده بالكامل لسارة، وتنازل عن العربية والمحل، وإقرار بدين بالفلوس اللي اتسرقت تدفعوها قسط كل شهر، وتوقعوا عليه دلوقتي قدام العيلة دي كلها كشهود.التاني: الضابط يدخل يقبض عليكم فورًا، والتزوير والتقرير المزيف هيوديكم في داهية مش هترجعوا منها.
أمي بدأت تعيط بجد المرة دي، وجريت ترتمي على رجلي:
— سامحني يا بني! الشيطان غوانا.. متعملش في أمك كده يا ياسين!
شيلت رجلي بهدوء وبصيت لها في عينها من غير أي نقطة رحمة:
— أمي اللي أعرفها كانت تبيع أكلها عشان تعالج غريب.. أنتِ مش أمي، أنتِ وحدة معرفهاش.
داليا بكت بهستيريا وجريت جابت القلم، ومضت هي وأمي على كل أوراق التنازل والإقرار بالدين وإيديهم بتترعش من الخوف والفضيلة قدام كل القرايب اللي كانوا واقفين متسمرين من البشاعة.أخدت الورق، وحطيته في جيبي، وبصيت لهم للمرة الأخيرة:
— البيت ده من بكرة يفضى.. سارة هترجع تعيش فيه مرفوعة الراس بعد ما تخف ونتعالج، وأنتوا تخرجوا منه بالهدوم اللي عليكم بس.
لفيت ضهري ومشيت، وسبتهم في خيبتهم وفضحتهم. طلعت على المستشفى، دخلت أوضة سارة.. كانت قاعدة على السرير، وشها رايق وأحسن بكتير، والاستشاري أكدلي إن الورم ممكن يتعالج كليًا بالكيماوي والجراحة وسنبتدئ فورًا.
قعدت جنبها ومسكت إيدها، والمرة دي ابتسمت من قلبي:
— حقك رجع لحد عندك يا سارة.. والبيت بقى بيتك، والأرض رجعتلك، والظلم انتهى للأبد.
سارة دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.. ولأول مرة من ٤ سنين، حسيت إني أخيرًا رجعت بيتي الحقيقي.
نزلت بعد سنتين كاملين.. سنتين كاملين أسبوع بأسبوع، وسارة بتاخد أطول وأصعب مرحلة علاج في حياتها. شعرها ابتدى يطلع تاني، وبقت أثقل، ولون وشها رد فيه الروح من جديد بعد ما المصلحين والمستشفى عملوا كل اللي يقدروا عليه.
قعدت جنبها ومسكت إيدها، والمرة دي ابتسمت من قلبي:
— حقك رجع لحد عندك يا سارة.. والبيت بقى بيتك، والأرض رجعتلك، والظلم انتهى للأبد.
سارة دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.. ولأول مرة من ٤ سنين، حسيت إني أخيرًا رجعت بيتي الحقيقي.
نزلت بعد سنتين كاملين.. سنتين كاملين أسبوع بأسبوع، وسارة بتاخد أطول وأصعب مرحلة علاج في حياتها. شعرها ابتدى يطلع تاني، وبقت أثقل، ولون وشها رد فيه الروح من جديد بعد ما المصلحين والمستشفى عملوا كل اللي يقدروا عليه.
البيت اللي كان زمان رمز للظلم والكسرة، بقى ملكها بالقانون وبالورق.. بس أنا وهي ما قدرناش نعيش فيه يوم واحد بعد كل اللي حصل فيه. بعته بالكامل، وبعت المحل والعربية، وأخدت الفلوس واشترينا شقة هادية وبعيدة في مكان مفتوح، فيها شمس وورود تحبها سارة.
في يوم كان الشمس فيه طلعة ودافية، سارة كانت واقفة في الصالة بتفتح شبابيك الشقة الجديدة.قربت منها، وحطيت إيدي على كتفها:
— بتفكري في إيه؟سارة لفتلي وابتسمت ابتسامة صافية.
. ابتسامة بقالي سنين محروم أشوفها:
— بفكـر إن ربك ما بيضيعش حق حد.. بس فيه حاجة واحدة كنت دايماً خايفة أسألك عليها يا ياسين.
— إيه هي؟
— أمك.. وداليا.. أخبارهم إيه دلوقتي؟
سكت لحظة.أمي وداليا بعد ما خرجوا من البيت بالهدوم اللي عليهم، داليا سابت الشغل وما استحملتش كلام الناس وفضحتهم في المنطقة، واضطرت تشتعل في مشغل صغير بمرتب ضئيل عشان تقدر تصرف على إيجار شقة قانون جديد قديمة في أطراف الجيزة.
وأمي.. صابتها جلطة خفيفة من الصدمة والكسرة، وبقت قاعدة على كرسي متحرك، ما بتطقش تشوف حد ولا حد بيسأل عليها من كل القرايب اللي كانوا بياكلوا على سفرتها.
بصيت لسارة وقولت بمنتهى الهدوء:
— عايشين في اللي اختاروه لنفسهم يا سارة. ربنا عدل.. زي ما حطوا إيدك في الشوك، بيسقوا من نفس الكاس دلوقتي.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
سارة راحت تفتح.. لقيت دليفري واقف ومعه علبة كبيرة ملفوفة بشريطة حمراء.
سارة استغربت واخدت العلبة:
— دي جاية لمين؟
قربت منها وابتسمت:
— افتحيها وشوفي بنفسك.
فتحت العلبة ببطء.. وشهقت أول ما شافتها.
جوه العلبة كان فيه أدوات عمل الحلويات المجهزة، وأرقام ترخيص لمخبز صغير باسم: "مخبز سارة"، ومفتاح محل قريب من الشقة.
دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع الفرحة..
— أنت لسه فاكر حلمي يا ياسين؟
مسكت إيدها وبصيت في عينيها بثبات:
— أنا ما نسيتش ولا كلمة ولا حلم حلمناه سوا في الأربع سنين اللي فاتوا. الفلوس راحت وجت، بس أنتِ اللي باقية، وحلمك هو اللي هنبدأ بيه حياتنا بجد.
ح. ضنتني بكل قوتها.. ولأول مرة من يوم ما دخلت بوابات مصر، حسيت إن الغربة انتهت بجد، وأن المفاجأة اللي كنت ناوي أعملها زمان.. تمت النهاردة.
مرت سنتين كمان..
اليوم ده كان افتتاح "مخبز سارة". المحل كان منور بالنور الأبيض الشيك، وريحة الفانيليا والغرفة والمخبوزات الطازة مالية الشارع كله. الناس كانت واقفة طابور بره منتظرة تشتري، وسارة واقفة ورا الفترينا الزجاجية لابسة المريلة البيضا، شعرها الناعم الطويل رجع لغايت نص ضهرها زي زمان وأحسن، وعلى وشها ضحكة صافية منسية من سنين.
ح. ضنتني بكل قوتها.. ولأول مرة من يوم ما دخلت بوابات مصر، حسيت إن الغربة انتهت بجد، وأن المفاجأة اللي كنت ناوي أعملها زمان.. تمت النهاردة.
مرت سنتين كمان..
اليوم ده كان افتتاح "مخبز سارة". المحل كان منور بالنور الأبيض الشيك، وريحة الفانيليا والغرفة والمخبوزات الطازة مالية الشارع كله. الناس كانت واقفة طابور بره منتظرة تشتري، وسارة واقفة ورا الفترينا الزجاجية لابسة المريلة البيضا، شعرها الناعم الطويل رجع لغايت نص ضهرها زي زمان وأحسن، وعلى وشها ضحكة صافية منسية من سنين.
كنت واقف بعيد شوية بتفرج عليها وبشرب قهوتي، وقلبي طاير من الفرحة إن الوش الهزيل اللي شفته جنب الغسالة زمان، بقى هو نفسه الوش اللي منور المحل النهاردة.
وفجأة.. شفت حركة غريبة قدام باب المحل.
واحدة ست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، لافة طرحة قديمة على رأسها، وجنبها بنت باين عليها الهم والتعب، لابسة عباية سودا دايبة، ومسكين كيس بلاستيك فيه شوية مناديل بيبيعوها للمشاة. كانت أمي.
. وداليا. داليا كانت بتزق الكرسي بخطوات مكسورة، وشها هربان منه الشباب، وبصات عينيها للأرض مش قادرة ترفعها في وش حد. أول ما وقفت قدام المحل ولمحت سارة من الزجاج، اتجمدت مكانها.
أمي رفعت رأسها ببطء، وعينيها جت في عين سارة.. وبعدين جت في عيني أنا وأنا واقف قريب.
الزمن وقف بيهم لحظة. أمي شفاهها اترعشت، ودمعة نازلة على خدها المجعد، كان فيها كل معاني الندم والكسرة والحسرة على العز اللي رموه بإيديهم عشان شوية طمع وزيوف. داليا سحبت الكرسي بسرعة لورا، ولفوا ضهرهم وبدأوا يمشوا في الزحمة وهما بيطأطؤوا رأسهم.
سارة بصتلي، وجت عيني في عينها. ما كانش في عينها أي غل ولا شتيمة.. كان في عينها بس "الحمد لله" على النعمة والستر والعدل اللي شافته بعينيها.
قربت منها، ومسكت إيدها قدام كل الناس، وقولتلها بصوت دافي:
— جاهزة للبداية الجديدة يا سارة؟
بصتلي وبصت للمحل وللناس اللي بيضحكوا، وهزت رأسها بابتسامة الملوك:
— أنا بدأت من اليوم اللي اخترتني فيه يا ياسين.. والنهارده، القصة اتقفلت صح.
وقفلنا باب الماضي ورا ضهرنا للأبد، ومشينا في طريقنا اللي اخترناه بضمير نقي وحب ما تكسرش.
تمت

تعليقات
إرسال تعليق