القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الحلوة خوخه كامله بقلم قوت القلوب جميع الفصول كامله

 


رواية الحلوة خوخه كامله بقلم قوت القلوب جميع الفصول كامله






رواية الحلوة خوخه كامله بقلم قوت القلوب جميع الفصول كامله

 



(١) •• كذبة ••

بهدوءٍ لذيذٍ وأعينٍ متجوِّلةٍ متَّسعةٍ عن آخرهما، تسترق النَّظر هنا وهناك، ضغطت فوق شفتيها بخفةٍ بحركةٍ لا إراديَّة، تتأكَّد بأنَّه ليس هناك من يشعر بها. 

عقُب ذلك ضمَّةً خفيفةً لشفتيها الورديَّتان وهي تتسلَّل بخفَّةٍ؛ لتخرج من باب الشًّقةِ دون أن ينتبه لها أحد، سحبت الباب من خلفها؛ لتوصِّده بهدوءٍ قبل أن تستدير نحو الدَّرج. 

تفاجأت بأحدهم يقف أمامها يتابع تحرُّكاتها المتسلِّلة؛ لتشهق بقوُّةٍ أظهرت ملامحها الشَّقيَّة بوجهها المستدير ووجنتيها الورديَّتان وعينيها الواسعتان ذاتَ الَّلون العسلي الَّذي يميل للخضار. 

-أهو أنت؟! 

قالتها مستنكرةً من وجود هذا الصَّبيُّ بهذا الوقت ومفاجأته لها. 

زمَّ الصَّبيُّ فمه وهو يعقد ذراعيه متسائلًا: 

-رايحة على فين يا خوخة؟ 

لمعت عيناها ببريقٍ كاذبٍ وقد ظهرت أسنانها العريضة التي أكسبتها طلةً مميَّزةً جميلةً للغايةِ، لكنْها تبقى كاذبة: 

-رايحة أشتري شراب. 

مال الصَّبيُّ رأسه للأمامِ قليلًا وقد تجلَّت على وجهه علامات الاستنكار: 

-شراب، شراب إيه دلوقتِ؟! 

طب والله لأَقول لأمي! 

لوهلةٍ كان سيعلو صوته مناديًا والدته حين قفزت -خوخة- تكتمه بكفِّها الصَّغير وهيَ تهمس بأذنيه: 

-بس يا علي وطِّي صوتك، أحسن ماما تاخد بالها. 

صمت -عليٌّ- وهو يهدل كفَّها عن فمه رافعًا من حاجبه الأيمن بفراسةٍ قائلًا: 

-رايحة -للجحش- صح؟! 

زفرت باستياءٍ لكشف أمرها قائلةً بتبريرٍ: 

-مسافة السِّكَّة بسِّ والله؛ أقول له الحمد الله على السلامة وأرجع على طول. 

بنظراتٍ محذِّرةٍ ونبرةٍ خفيضةٍ عَقَب علي: 

- يا خوخة، إحنا خايفين عليكِ، الواد خطيبك ده مش دوغري، مش راجل كده. 

هنا قد احتلَّت عيناها الشَّقيَّة نظراتٍ قاسيةٍ حادَّةٍ، فمن يجرؤ على إلصاق تلك التُّهم بمعشوق قلبها -أيمن الجحش-؛ لترفع إبهامها محذرةً من الخوض بطريقتهم المسيئة له:  

-علي، وبعدين؟ أيمن حد مفيش منه فاهم، وكفاية بقى طريقتكم دي عليه، ده مش مخلي حاجة عشان يكوِّن نفسه ومعملهاش، متبقوش أنتم والزَّمن عليه. 

باستهزاء لرأيها وعيناها المغيبة عمَّا يرونه، وهي لا تودُّ الإقرار به، بأنَّه إنسانٌ مستهتر ولا يستحقها. 

أجابها علي: 

- براحتك يا أختي، اشبعي بيه، روحي له خليه يضحك عليكِ ويفهِّمك إنه عمل اللي ميتعملش، وفي الآخر راجع يا مولاي كما خلقتني، بس يكون في علمك، لو تأخرتِ حقول لماما إنِّك روحتي له! 

قطعت تلك المحادثة فيكفيها تذمُّرًا، فلولا لوم والدتها المستمر على موافقتها بأيمن؛ لكانت استأذنت منها قبل خروجها، فلن تزيد الأمر بلوم أخيها الأصغر أيضًا. 

- تمام، تمام، يلَّا بينا، يلَّا بيكو باي. 

تلك طريقتها بالمغادرة بكلماتها المرحة گطبعها تمامًا. 

أسرعت؛ لتخرج من هذا البيت القديم، والذي يقطنون به بشقَّتهمُ المستأجرةُ زهيدةُ السعرِ متَّجهةً نحو حارتهم الشَّعبيَّةِ الضَّيِّقةِ الممتلئةِ بسكَّانها المنتشرين بكلِّ مكانٍ، والمتابعين أيضًا لكل من يمرُّ بالحارةِ. 

رشيقةٌ، جميلةٌ، شقيَّةٌ تجذب العيون وترجف القلوب بطلَّتها العذبة، -الحلوة خوخة- كما يطلقون عليها، والَّتي قد سرقت القلوب بمرورها وهيَ ترتدي فستانها الأصفرُ الممتلئُ بالحيويَّة والورود الحمراء الزَّاهية. 

كلَّ خطوةٍ تخطوها تتعلَّق بها عيون المشتاقين الكثر الَّلذين لا تعرفهم بالمرَّةِ؛ فهي لا تكترث سوى لحبيبها وخطيبها -أيمن- فقط، تراه مَلأ عيونها لا يضاهيه غيرهُ مهما كان. 

لم يكن بالبعيد بل كان قريبًا للقلب والمكان أيضًا، دقائقٌ قليلةٌ وكانت خوخة تقف بعتبة محلَّ والده مُصلِّح الأحذية، تشقُّ وجهها ابتسامتها العريضة تظهر أسنانها المميَّزة، لتقع عيناها عليه 

-أيمن الجحش- شابٌ عشرينيٌّ متوسِّط الطُّول، له شعرٌ أسودٌ مصفَّفٌ بعنايةٍ مضيفًا تلك المادة: الجل، والَّتي تعطيه ثباتًا ولمعانًا قويًا، ذو وجهٍ مثلَّثٍ وأعينٍ سوداء واسعة، يرتدي كنزةً رياضيَّةً وبنطالًا من القطنِ؛ ليصبح متماشيًا مع الموضة. 

هتفت بشوقٍ وتلهُّفٍ: 

-مساك حلو زيَّي.. 

هبَّ أيمن بسعادةٍ لرؤيتها مجيبًا شوقها بشوقٍ أعمقٍ مجيبًا تحيَّتها برومنسيته الحالمة: 

-يا أحلى مساء في عمري كلُّه، وحشتيني يا أحلى خوخة. 

ثمَّ أكمل بتصنُّع الضِّيق من رفض أهلها المستمر لزيارته لها: 

- لولا تكشيمة خالتي آسيا، كان زماني جيت لك أوُّل ما وصلت. 

جلست خوخة بسعادةٍ لرؤيتها له الآن غير عابئةً برفض والدتها له: 

- المهم إنِّي جيت أهو وشُفتك. 

بنغمةٍ رومانسيةٍ جذَّابةٍ وأعينٍ حالمةٍ سبَّل بعيونه الواسعةِ مردفًا بعشقٍ متيمٍ: 

-حبيبتي يا خوخة، أنتِ الوحيدة اللي في الدُّنيا دي اللي بحس إنَّها بتحبني بجد. 

نكس عيناه بخزي وهو يستكمل بضيق: 

-حتى أبويا مفرحش إني رجعت، إكمني جيت إيد ورا وإيد قدام. 


ثم رفع عيناه تجاهها يبرر ذلك بقلة حيلة: 

-هو ذنبي إنى معرفش أمد إيدي وأسرق، وإني ماشي بما يرضي الله، الشغلانة كلها كده، يا أسرق وأمشي حالي، يا زى ما أنتِ شايفة، مشوني من الشغل، ومجبتش ولا جنيه، ده أنا وربنا مديون للواد سيكا بتمن المواصلات والدخان. 

بإشفاق على حاله تقوست شفتيها وضمت حاجبيها بقوة، فماذا يستطيع فعله وكل الأبواب مغلقة بوجهه بهذه الصورة؟ 

-ولا يهمك يا أيمن، أمال يعنى تروح فين من ربنا لو قبلت بالحرام. 

بأعين زائغة تفكرت قليلًا لتخرج محفظتها الصغيرة -البوك- من جيب فستانها وفتحت سحابه؛ لتخرج منه بعض الأوراق المالية تمدها نحو أيمن بإصرار. 

-خد دول يا أيمن، سد فلوس سيكا مينفعش تبقى مديون كده. 

رفع أيمن كفيه للأعلى برفض قاطع: 

-حد الله أمد إيدي على فلوسِك، هو أنا إيه مش راجل، ده بدل ما أديكِ أنا، أقوم واخد منك! 

عزيز النفس دومًا وهذا ما يجعلها تتمسك به ولا يهمها أي شيء آخر، دفعت خوخة بالمال بقوة بكفه، وهي تنهض مبتعدة حتى لا يرجعهم لها. 

-وربنا ما هم راجعين، هو أنا إيه وأنت إيه، هو فيه بينا كده، وبعدين ما أنت بكرة تشتغل والدنيا تبقى فل، ابقى رجعهم ساعتها. 


بأعين منكسرة قبل أيمن المال قائلًا: 

-لو كده يبقوا دين في رقبتي، حتاخديهم حتاخديهم، ماشي؟! 

قالها بإصرار لإعادتهم قبل أن يلاقي ابتسامتها المرحة وهي تقف بباب محلهم مغادرة إياه. 

-ماشي يا حقوو، يلا بينا، يلا بيكو باي. 

كقمر هل واختفى، هكذا كانت زيارتها له لتعود إلى الحارة بخطواتها الرشيقة. 

كادت أن تصل لبيتهم حين تذكرت محفظتها- البوك-، التي تركتها بمحل والد أيمن لتغمغم بسخط وهي تلتف تلعن غبائها، لكن سرعان ما عادت وابتسمت حين انتبهت أن لقائها سيتجدد به مرة أخرى. 

دقائق بسيطة وكانت بنفس المكان، لكن تلك المرة كان المحل خاويًا، فعلى ما يبدو أن أيمن قد غادره؛ لتقلب شفتيها بطرافة وهى تتسلل نحو الداخل؛ لتأتي بمحفظتها التي سقطت أرضًا قبل أن يفاجئها والده بقدومه وهي بالداخل. 

توجست أن يكون عم -مصلح الجحش- والد أيمن بالمخزن الداخلي للمحل لتتحرك بخفة دون أن تصدر أي صوت. 

مالت نحو الأرضية لتحمل محفظتها، وقبل أن تعتدل سمعت صوتًا هائمًا حالمًا تدركه جيدًا، صوت جعلها تنتفض بدهشة تحولت لها ملامحها الطريفة لأخرى مقتضبة فمنفعلة، حتى كادت عيناها تؤلماها من شدة اتساعهما، إنه صوت أيمن يعقبه ضحكة مستهترة رنانة خليعة للغاية تفوق ضحكتها المرحة قوة، تهدج صدرها بانفعال وهي تهمس: 

-أيمن، وبت مُلعب، في المخزن لوحدهم! 

اقتربت تسترق السمع لتشهق غير مصدقة لما تسمعه، سرعان ما كتمتها حتى لا يفتضح وجودها واستراقها للسمع. 


رشا روميه قوت القلوب



(٢) .. حقي ..

ترسم بقلوبنا حياة تملؤها أزهار الربيع لنسقط بحياة أخرى لا تشبهنا، فكيف يستطيع المرء الخداع بهذه البراعة. 

وقفت للحظات تستمع لصوته الذي يتملك روحها يغازل أخرى، والعجيب هو إعادته لنفس الكلمات التي خصها بها، خنجر قاس غرس بقلبها اليانع، هي من تحملت لوم الجميع على اختياره، لم تكترث لكم النصائح الملقاة أسفل قدميها بتركه والابتعاد عنه، أيكون وفائها وحبها له هذا المقابل الدنيء! 

أيقابل العشق بالخيانة، أهذا هو العدل، أهذا هو ما تستحقه؟! 

صوته الحالم حين همس تجاه تلك الخليعة: 

-أنتِ الوحيدة اللي في الدنيا دي اللي بحس إنها بتحبني بجد. 

كُسر قلبها للتو، طعنت بالخيانة رغم أنها لم تبخل بقلبها وإحساسها حتى بمالها عليه، لكنها ليست بالضعيفة المستسلمة، فهي تعلم ماذا سيقول بعدها، وكيف سيتحصل على المال من تلك الخليعة خاصة حين أكمل: 

-حتى أبويا.. 

دلفت خوخة تعالى صوتها الجهوري تفضح أمره وأمر تلك الفتاة فهي لن تتركه يهنأ بما فعل. 

_ بقي أنت يا عيل ملهوش لازمه، بتسرح بيا، بتقلبني يا ابن الصورماتي، وأنا أقول معلش يا بت استحملي، ما أنتِ بتحبيه. 

ثم تطلعت به بتقزز واستكملت تهينه وتقلل من قيمته باستهزاء: 

-على إيه يا حسرة، على مالك ولا جمالك، ده أنت ملزق شعرك بغرا يلا. 

لم تكتفي بصوتها العالِ الذي بدأ المارة يتجمعون بالمحل لسماعه، بل دنت منه لتقبض بكفها الصغير على أعلى كنزته الرياضية من الخلف، ترجه بعنف لتحط ما تبقى من كرامته، تكاد تخنقه من جذبها للكنزة من الخلف. 

_ طلع فلوسي يلا، طلعهم أحسن وربي لأفرج عليك الناس دي كلها ويقولوا العيل الخرع أهو، قب بالفلوس ياض. 

اضطرب أيمن للغاية والجميع يتطلع به باشمئزاز، حتى تلك الفتاة التي فهمت ما فعله مع خوخة؛ لتركض هاربة من عقابها لها، ليخرج أيمن النقود من جيبه؛ لتلتقطهم خوخة بعنف وهي تحرره من قبضتها قائله بأنف معقوص: 

-أبقى شوفلك حد تاني تضحك عليه، يا عيل، ومن غير باي. 

وضعت نقودها بمحفظتها، وهي تغادر المحل برأس شامخة غير مكترثة، بينما كانت من داخلها حزينة للغاية، فهو لم يستحق حبها له. 

لم تكن تبكي على ما سُكب، لكنها بكت على يدها المهتزة، إحساسها بكسرة قلبها كان موجعًا للغاية، فهي كانت صادقة بزمن عزَّ به الصدق، كانت مخلصة بدنيا محاطة بالخائنين المخادعين. 

تابعتها عيون وهي تغادر شامخة مرفوعة الرأس، وعيون ترمق أيمن باحتقار، وعيون تتوهج بسعادة لهذا الخلاص الذي يهدئ النفس ويسعد القلب. 


عادت لغرفتها الصغيرة لتترك العنان لدموعها الحبيسة من التحرر وتلاشى قناع القوة، فهي بالفعل مجروحة تعيسة.

يتبع ،،،



(٣) •• فستاني •• 

لن تعترف بخطأ اختيارها، لن تعترف بذنب عشقها، لن تعترف بخسارتها، لن تعلن استسلامها. 

هكذا هي خوخة، يجب أن تظهر أمام الجميع بأنها لا تبالي، فما هو إلا ثوب قديم تنازلت عنه، إنه لن يتعدى ذلك رغم عشقها له، فلا عشق لمن لا يستحق. 

هكذا قالتها لنفسها؛ فلها قاموس من عالم خاص، يُعرّف كل المعاني حولها، واليوم يوم الانتصار وليس الهزيمة. 

بدلت منامتها القطنية بفستان جديد أبيض اللون تتخلله زهرة دوار الشمس الزاهية، تركت شعرها المموج منسدلًا؛ ليكسبها مظهر متوهج منطلق توحى بالحرية والبهجة. 

رفعت جانب شعرها بدبوس كزهرة صغيرة من دوار شمس لتكتمل بهذا أناقتها. 

خرجت لوالدتها بحماس تُلقي بانهزام قلبها عرض الحائط؛ فاليوم لديها مقابلة عمل، والدنيا لن تقف بعتبة -الجحش-، إطلالتها المبهجة وابتسامتها العريضة، جعلت والدتها تتمتم بآيات من القرآن تحميها من الحسد: 

-بسم الله ما شاء الله، الفستان حياكل منك حته. 

قبّلتها خوخة بمحبة لتلك المرأة التي أفنت عمرها لأجلها ولأجل أخيها، بعملها گخياطة لسنوات كادحة، تجرعت بهم مرارة الأيام كأم عزباء. 

- وهو مين اللي عمل الفستان الجميل ده، مش إيديكِ الحلوة دي، ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا ماما. 

تفحصت والدتها وجهها ثم قالت بفراسة ورثتها منها ابنتها تمامًا: 

-سبتي الواد أيمن، صح؟! 

-أه. 

ثم رفعت هامتها قائلة بمزاح: 

- بس إيه، فضحته هو وأبوه في المحل، لميت عليهم الناس في الحارة، هو فاكرني إيه، ه‍فيه. 

ربتت آسيا بكتف ابنتها تتمنى لها الحظ الطيب: 

-اِرمي كل ده وراكِ، روحي شوفي الشغل الجديد، اطلعي بره الحارة، كفاية عليكِ وصمة بنت الخياطة في الراحة والجاية. 

تهدلت ملامحها بضيق فكيف تعتبر عملها وصمة عار فهي تستحق أن تحمل فوق الأعناق وليس العكس! 

- ده أنا أتشرف إني بنت الخياطة، واللي مش عاجبه يشرب من البحر. 

بروح مازحة كابنتها غمزت آسيا: 

-طب روحي بقى المقابلة عشان متتأخريش، مش يمكن يطلع صاحب الشركة زي الروايات اللي بتقريها ويقع في حب بنت الخياطة. 

اتسعت عيناها الواسعتان بتشدق ممازحة والدتها: 

-يا بنت الأيه يا آسيا، عشان كدة كنتِ عايزاني أسيب أيمن، عينك على فهد الفهود اللي مفيش منه اتنين، يقع في هوايا من أول لحظة، ياه دي تبقى كبسة لناس أنا عارفاها، وبصراحة نفسي أكبسهم. 

ضحكات ملأت الأجواء لبداية يوم يتوسم به بداية خير جديد، وآمال تُرسم فوق الأفق. 

گزهرة بستان يانعة انطلقت بطريقها تمنح الحياة بكل خطوة تخطوها، تكاد تزهر الورود من الجانبين لحظة مرورها، فهي الحياة بحد ذاتها. 

سحبت شهيقًا قويًا وأطلقته ببطء حين وقفت أمام تلك البناية الخاصة بشركة المقاولات التي ستتقدم بها للعمل گمساعدة -سكرتيرة- كما كان موضح بالإعلان الذي طلب توظيف مساعدة بتلك الشركة. 

بمرور رياح صيفية لذيذة تطايرت لها خصلات شعرها وطرف فستانها الطويل، شعرت كأنها تحلم بوصولها للقمة. 

شعرت كما لو أن هناك سيمفونية للعزف المنفرد تُعزف بالخلفية، مع تطاير خصلات شعرها بحالمية، كمشهد تمثيلي بارع يوحي بالسعادة وبلوغ أقصى الأحلام. 

تلك السيمفونية التي غلظ صوتها وانبعجت ألحانها حين أغرقتها تلك السيارة المسرعة ببقعة من المياه الموحلة لتتلوث بكاملها بالوحل بداية من شعرها المتطاير حتى حذائها الأصفر فاقع اللون. 

فغرت فاهها للحظات بغير استيعاب وقد توسعت مقلتيها باندهاش فزع؛ لتخرج منها شهقة قوية وهي ترفع كفيها بصدمة. 

عادت تلك السيارة بظهرها لتقف إلى جوارها، وهي ما زالت مشدوهة لا تصدق ما حدث للتو. 


سيارة فارهة باهظة الثمن، لها زجاج أسود معتم يبدو أن صاحبها من ذوي الأموال التي لا حساب لها. 

اعتدلت خوخة بصدر ناهج وتنفس مضطرب، فمن هذا الذي يجرؤ على تلطيخها بالوحل وإفساد مظهرها بيوم مهم كهذا. 

فُتحت النافذة ببطء ليظهر قائد السيارة كجزء درامي من مشهد تمثيلي آخر، تكاد تشعر بأن هناك سيمفونية أخرى تعزف بالخلفية. 

شاب ثلاثيني، أبيض البشرة، تغطي عيناه تلك النظارة الشمسية السوداء؛ لكنها أكسبته أناقة غير معهودة، أنيق للغاية وماذا سيكون غير ذلك فيبدو عليه الثراء والغنى، انفرجت شفتاه عن ابتسامة لؤلؤية واسعة؛ لتظهر أسنانه المتراصة ناصعة البياض كهؤلاء المشهورين اللذين تراهم عبر الشاشات. 

هذا المشهد قرأته آلاف المرات بالروايات، الغني الوسيم يقابل الفقيرة بحادث ما منبهرًا بجمالها، يبتسم لها ويغازلها ويسقط أسيرًا ببحور عشقها لتهمس بداخلها: 

-هو حيحصل بجد ولا إيه؟! يا بركة دُعاكِ يا آسيا. 

لكن سرعان ما انبعجت تلك السيمفونية مرة أخرى، وغلظت ألحانها حين علت قهقهة هذا الشاب ساخرًا من مظهرها الملوث بالوحل: 

-لايق عليكِ الطين، ما هو لازم عشان الجنينة اللي أنتِ لبساها دي. 


أيسخر منها ومن فستانها الجديد الذي سهرت والدتها لأيام طوال لصنعه، تملكها الغيظ من هذا السفيه الذي لا يشبه رقي حياته، بل هو شخصية فقيرة سطحية للغاية. 

ليست هي من يُسخر منها ويربط لسانها وتقف مكتوفة الأيدي، دنت لخطوات بسيطة تحملق بوجهه بتفحص، ثم مدت يدها تنتزع نظارته الشمسية، حين تفاجئ هو بالأمر ليتقزز مبتعدًا عن حركة يدها قائلًا بحدة: 

-إيه ده! 

لتطلق لسانها اللاذع تلملم به كرامتها المهدورة: 

-الله، ما أنتَ شايف أهو، كنت بتأكد إن عندك عنين زينا، أمال مش بتشغلهم ليه؟! 

ثم استقامت قائلة بحاجب مرفوع وأنف معقودة تحدثه بنبرة مشمئزة: 

-ولا هم أهاليكم يجيبوا لكم عربيات تقرفوا الناس بيها؟! 

ربتت على كتفه بقوة كما لو كانت تضربه، ثم استكملت تطرده من أمامها: 

- امشي يا با، اتكل على الله بدل ما أخلى الطين في حياتك كلها. 

ضم فمه بغيظ فقد أهدرت بكرامته عرض الحائط، لم تهتم لوسامته وثرائه الظاهر، لم تتسابق لإرضائه گغيرها بل كادت تضربه، أشعرته بالخوف للحظات بطريقتها مُصدقًا قدرتها على إلحاق الأذى به. 


أغلق زجاج سيارته المعتم وانطلق مسرعًا دون إطالة بالحديث، لتغمغم هي بسخط وهي تطالع فستانها الملطخ ببقع الوحل: 

-جتك نيله، أروح المقابلة إزاي دلوقتِ؟! 

تنهدت بقوة وهي ترى السيارة تلتف من أمام مبني الشركة ليعود أدراجه إليها. 

وقفت السيارة أمامها واستعدت هي لوابل من قذائف السُباب التي ستطلقها عليه لو تطاول عليها مرة أخرى. 

فُتح زجاج النافذة المعتم للتسع مقلتيها بصدمة ألجمتها عن الحديث. 


يتبع ،،،



(٤) •• حياة جديدة ••

حيرة شديدة جعلتني أتفقد عقلي هل ما زال يعمل جيدًا، أم أنني انسقت خلف هلاوس دون أدري! 

هل هذا هو نفسه أم الصدمة ضربت باتزاني، فحتى عيناي كذبتني لكن مازال عقلي مشوش. 

تطلعت خوخة بتفاجأ وحيرة بقائد السيارة حين توقفت أمامها للمرة الثانية، فقد طل منها شاب قمحي ذو وجه بيضاوي وملامح جَلده، تشتت تركيزها لوهلة فقد كان الآخر أبيض البشرة يميل للميوعة وغثاء النفس. 

هل ما زال عقلها بموضعه أم أن هناك أمر غريب يحدث، ضيقت عيناها تحاول إدراك ما الأمر بفطنتها لتردف بتخبط: 

-هو أنت، ولا مش أنت، بس أنت مش أنت، بس أنا عارفاك. 

ثم عادت ونفت معرفتها به فقد ظنت أن وجهه مألوف لها: 

-لا لا، معرفكش، لا استنى كده، أنا عارفاك، أنت مين بالضبط؟! 

تخبطها الشديد بتبدل صاحب السيارة جعله يضحك بلطافة لخفة ظلها؛ لتتيقن هي أن هذا شخص آخر وليس هذا المتعجرف. 

-صح كده، التاني قتم ودمه يلطش. 

ثم ابتسمت بروح مرحة قائلة: 

-مين الباشا بقى؟ أنا متأكدة شفتك قبل كدة. 

إجابته كانت صاعقة مفاجئة للغاية حين قال بذوق متناهي: 

-ومين ميعرفش -خوخة- اتفضلي اركبي. 

فاهت للحظة فمن أين يعرف اسمها هذا الشاب المملوح، ربما ليس بوسامة الآخر، لكنه يدق القلب بسهولة. 

- أنت تعرفني؟! 

- أكيد، أنتِ مش عارفاني ولا إيه، أنا موفق. 

رغمًا عنها كان لاسمه مادة للتهكم والسخرية لتهتف بمزاحها الشقي: 

-ما جمع إلا ما -وفق-. 

ابتسم موفق؛ لضحكاتها العذبة التي تتراقص لها دقات قلبه، فهي من ملكته منذ زمن بعيد ولا تعلم بما يكنه لها بقلبه. 

صدفة لعبت بالأقدار لرؤياها، فيا ليت كل الأوقات صُدف. 

تهدج صدره بقوة فقلبه العاشق؛ لتلك الضاحكة لم يعد يحتمل صدفة قربها منه، صدفة جمعته بها بغير ميعاد. 

لملم مشاعره الحبيسة مخبئًا إحساسه تجاهها بداخله فلا داعي لبث الذعر في نفسها تجاهه. 

-تفضلي اركبي أوصلك البيت تغيري فستانك اللي اتبهدل ده. 

تذكرت فستانها لتزم شفتيها باستياء فاه بهما موفق على الفور، لتصعد إلى المقعد المجاور له وهي تسأله ببعض الحيرة: 

- تمام، عشان مستعجلة بس، بس أنت تعرفني منين؟! 

- وبعدين أنت تبدلت ولا إيه، مش كنت واحد تاني؟! 

انطلق موفق بالسيارة متحدثًا بإيضاح أثناء عودتهم لحارتهم. 

- أنا موفق الشاذلي، جاركم في الحارة، مش عارفاني ولا إيه؟! 

تذكرت الآن أين رأته من قبل، فقد تقابلا كثيرًا بحارتهم خاصة وأن والدته تتردد عليهم كثيرًا لتهتف بتذكر: 

- أنت ابن خالتي أم عطا. 

- أيوه يا ستي، أنا. 

قلبت شفتيها بحيرة لتسأله بعدم فهم: 

_ طب إزاي يعنى راكب العربية بت الناس دي، أنت شريكه ولا سارقها ولا إيه؟! 

تعالت ضحكته لتظهر وسامته بخشونة، تلك الخشونة التي لم تتعامل بها مع أحدهم من قبل، فـ أيمن كان حالم للغاية، لم تشعر معه بالخشونة والرجولة التي تشعر بها إلى جوار موفق، أجابها بسعادة لهذا القرب الذي تمناه لسنوات: 

-لا، مش سارقها، أنا شغال سواق عليها، صاحبها اللي أنتِ شوفتيه ده عمار بيه، بحب يسوق العربية من وقت للتاني، بس والده مش بخليه يسوق عشان سواقته متهورة أوي. 

مطت شفتيها للأمام بضجر معقبة: 

-أه، ما أنا عرفت. 

-عمومًا هو نزل الشركة وأنا لفيت لك قلت أوصلك تغيري فستانك اللي تبهدل ده، شكلك وراكِ مشوار مهم. 

أجابته ببعض الجدية والقلق بذات الوقت: 

-كان عندي مقابلة في الشركة دي، بس شكلي مش هلحقها. 

هل ستعمل معه بذات الشركة، ويراها كل يوم، هل يمكن أن تأتي إليه فرصته بأكثر مما يتمنى؟! 

بالأمس تركت خطيبها الأرعن واليوم تقابل معها، يا لسعده اليوم، يجب عليها ألا تقلق وهي برفقته ليهتف بوعد: 

_ لا طبعًا، طول ما أنا معاكِ حتقدري حالًا حنوصل للبيت وأرجعك على طول، وبإذن الله تلحقي. 

أسرع موفق من قيادته للسيارة يمر عبر السيارات المزدحمة بالصباح ليصل بوقت قياسي لحارتهم، تطلعت به خوخة بانبهار بقدرته الماهرة على القيادة، وعلق معها مساعدته لها دون طلب منها. 

فنادرًا ما تجد من يقدم العطاء دون مقابل، وإذا وجدته فعليك التشبث به لأنه هو بذاته الفرصة الضائعة التي لا تتكرر مرتين. 

أبدلت فستانها بوقت قياسي لتعود أدراجها برفقة موفق إلى الشركة، لم يخلو طريقهم من حديثهم الطريف وضحكات خوخة التي سلبته قلبه المتيم. 

-بالتوفيق يا خوخة. 

أجابته بنبرة مازحة: 

-وفق يا موفق، يلا بينا، يلا بيكو، باي. 

لقد قالتها له، لقد حظي بسلامها المميز، لقد كان ذلك أكثر من أحلامه التي اتخذت الحقيقة طريق. 

صعدت نحو الأعلى تنتظر دورها لإجراء المقابلة، صدمها رؤية المتعجرف يرمقها بتقزز قبل أن يدلف لداخل المكتب لتقابله بنفس نظرات الازدراء فهو لا يستحق أكثر من ذلك. 

مالت على أذن تلك الفتاة التي تجلس إلى جوارها متسائلة: 

_ هو مين اللي دخل المكتب ده؟! 

تطلعت بها الفتاة باشمئزاز أولًا قبل أن تجيبها باقتضاب لهيئتها الفقيرة: 

- ده عمار بيه الأسيوطي، ابن صاحب الشركة. 

أعادت جزعها للخلف بصدمة قائلة بصوت مسموع: 

-أوبا، ضمنا الرفد من قبل ما نشتغل. 

دلفت الفتيات الواحدة تلو الأخرى للمكتب لإجراء المقابلة، نظرت نحو ملابسهن وأناقتهن، ثم عادت لتنظر لفستانها القديم وشعرها المموج؛ فبالتأكيد مظهرها لا يناسب تلك الوظيفة، وحتى إن كان مظهرها يوحي بذلك فإن تطاولها على صاحب الشركة بالصباح كفيل برفض طلبها. 

لكنها ليست من النوع المتهرب، فهي ستقوم بإجراء تلك المقابلة وستعود للمنزل فلا شيء سينقصها، ولن يضرها خوض التجربة، حتى لو تعلم نتيجتها مسبقًا. 

حان موعدها لتنهض مهندمة من فستانها وشعرها لتدلف نحو الداخل بثقة لا متناهية، فإن كانت سترفض فستقابل وجودهم بلا مبالاة، كما لو أنها لا تهتم بالعمل لديهم. 

لم تكن مرتبكة ولا قلقة، بل كانت مرحة شقية، جذابة كعادتها، وقفت أمام طاولة يجلس حولها ثلاث من الرجال الأنيقين وإلى جوارهم هذا المتعجرف صاحب الوحل. 


رفعت من هامتها بتعالي لتجيب سؤالهم الأول: 

-اسمك ومؤهلك وعنوانك؟ 

-اسمي ريحانة السيد عبد الحفيظ، معايا بكالوريوس تجارة، ساكنه في حارة الـ... 

مجرد ذكرها لكلمة -حارة- جعلها ترسب في الاختبار وبقوة ليقاطعها الأسيوطي الكبير مالك الشركة باستياء: 

-حارة، لا يا شاطرة، مش عايزين حد من حارات. 

سألها أحدهم متهكمًا على تطاول فتاة وضيعة مثلها بالعمل معهم قبل أن يرفضوها تمامًا. 

-والسيد بيه عبد الحفيظ بيشتغل إيه بقى؟! 

فهمت أسلوبهم الساخر لتُعلِي رأسها بشموخ فهي لا تشعر بالخزي لحالها وفقرها. 

-والدي متوفي، وعشان أوفر عليكم أمي اللي ربتني، وأزيدك كمان، أمي بتشتغل خياطة، خلاص سلام، يا هأ بشوات. 

قالتها بسخرية وهي تلتف لمغادرة المكتب، حين سمعت هتاف من خلفها يطالبها بالبقاء: 

- استني.. 


يتبع ،،،

رشا روميه قوت القلوب



(٥) •• تبدلت الأمور ••

أنا الفريدة من نوعي، لأجلي صنع الاستثناء، كياني وسام للتميز لا يضاهى وجودي اثنان. 

هكذا ترددت الكلمات بصداها بداخل عقلها حين طلب أحدهم منها البقاء. 

التفت بنوع من الفضول لتجده هو صاحب الوحل، أوقفها أولًا، ثم همس بأذن أكبرهم مقامًا، يبدو أنه صاحب الكلمة العليا. 

فاجئها قرارهم بقبولها بالعمل.. 

- تمام يا ريحانة، من بكرة تجي تستلمي شغلك هنا في المكتب. 

نظرت نحو عمار نظرة مطولة تتمنى لو تعلم بما همس لذاك الرجل، لكن لا يهمها، إنها ستعمل الآن بتلك الشركة الكبيرة لتومئ بجدية أظهرتها بصعوبة قبل خروجها. 

اتخذت طريقها راكضة بحماس نحو الأسفل، لا تدري لمَ أسرعت نحو موفق تزف إليه خبر قبولها بالعمل. 

ليتها تعلم أن السعادة كان يحظى بها هو، فبالتأكيد عملها هنا سيقربه منها بشكل كبير. 

طريقتها المميزة ولسانها اللاذع كانا سببًا بلفت انتباه عمار، الذي أراد وجودها بقربه، وهذا سبب طلبه من والده الموافقة على تعيينها بالشركة. 

بدأ عملها بالشركة من اليوم التالي ومر قرابة الستة أشهر تبدلت بهم أمور عدة. 


موجة من السعادة يخلقها وجودها، فهي أيقونة للتفاؤل والمرح، تولت بوجودها احتكار البهجة؛ لتحتل القلوب جميعها دون منازع. 

فمن يقدر على التصدي لكل تلك الجاذبية المفعمة، هي متعة الحياة بحد ذاتها. 

ستة أشهر اكتسحت قلوب مالك الشركة وابنه أيضًا، هذا المتعجرف الذي تعلق بحبال الهوى بعد أن تلقى تهكمها اللاذع، ظن أنه سيعاقبها بوجودها معه بالشركة، لكن العقاب كان من نصيبه هو؛ فلقد قابلت عشقه بتصدي، فلم يجذبها هذا الأرعن ابن أبيه. 

موفق كان اسمًا وفعلًا، لقد كان موفقًا حقًا، فخلال تلك الشهور الطويلة ولقائه معها بشكل يومي استطاع جذبها تجاهه؛ لتجده شاب قوي ذو شخصية متفردة، متحملًا للمسؤولية باقتدار وخشونة. 

ذلك الأمر الذي تفتقده من زمن بعيد، فهل هناك من تتوق نفسه للخشونة والقوة؛ لقد رأت تلك القوة بوالدتها فقط، كانت تتمنى ظل رجل قوي كما سَمِعت الكثير يتحدث به، لم تشعر يومًا بمثل هذا الظل. 

كم أرادت أن تحظى بكنف رجل يحميها، جدار صلد تشعر معه بما افتقدته بسنوات عمرها -الأمان- يقع خلفه قلب عطوف تتوارى بين جناحيه برفق من قسوة الحياة. 

تمثل ذلك بهذا الموفق الذي أنساها أيمن ببراعة، محاه تمامًا من وجوده بقلبها وحياتها، لكن الأمر ينقصه شيء واحد. 

شجاعة الاعتراف، فحتى الآن لم يخبرها بمشاعره تجاهها، وهي بدورها تنتظر خطوته الأولى التي تأخرت كثيرًا. 

لقاء تنتظره بشوق وتلهف، لقاء مؤجل إلى أن يتحلى بشجاعة الاعتراف بلوعة قلبه وعشقه المتيم. 

دقت الساعة الرابعة وتوقف العمل باستراحة قصيرة كالعادة يُلتقط بها الأنفاس قبل استئناف العمل من جديد. 

وقف عمار بتذمر وضيق حين تطلع نحو مكتبها ولم يجدها كالعادة، فهي تختفي تمامًا بوقت الراحة المستقطع ولا يدري أحد إلى أين تذهب؟! 

-نفسي بس أعرف بتروح فين كل يوم دي، مش معقول كده مش عارف أوصل لها أبدًا. 

عاد بخطوات منفعلة لمكتبه، فلم يكن الحظ حليفه معها مطلقًا، لكنه كان حليف صاحب اللقاء اليومي معها، لقاء متجدد حول طاولة طعام بمطعم صغير يتناسب مع إمكانياتهم وحياتهم، فكم يتشابهان؟! 

جلس موفق برفقة خوخة التي كانت تتلذذ بطعم شطائرها البسيطة 

-مفيش مرة تجربي أي سندوتشات تانية، كله فول.. 

ابتلعت لقمتها وهي تجيبه برضا: 

-من فات قديمه تاه، وأنا مبفوتش قديمي، أنا عايشة عيشة أهلي، أنا متعودة على الكحرته دى، أنا مش بتاعة برجر وسوسيس، بلاش مياعة. 

أينتهزها فرصة للتحدث أم ينتظر أي إشارة بعد، ليُلقي ببعض الكلمات كاختبار فقط. 

-ده أمه دعياله بقى، ده أنتِ موفرة جدًا. 

رفعت حاجبها تحثه على التقدم ولو بخطوة واحدة: 

- بس هو فين؟! أحسن وربنا أمه شوية وحتدعي عليه. 

سهم بعينيها الخضراوين اللتين يضجان بحيوية وحياة طغت على حياته من دونها، أراد البوح بعشقه المكتوم بصدره منذ سنوات، عشق لم يصرح به حتى لنفسه، فقد كانت مرتبطة بغيره، حبًا زلزل قلبه وفاض به دون أن تدري هي عنه. 

نظراته المتيمة أربكتها للغاية؛ لتتحجر حنجرتها وتتوقف عن البلع، حاولت الهروب بعينيها فكم كان لهذا اللقاء من رجفة أطاحت بقلبها الصغير وقد ظنت أنها قادرة على تلك المواجهة. 

همساته باسمها حين طالبها بالنظر إليه جعلها تهيم بواقع كالخيال: 

-خوخة. 

تطلعت به بقلب منتفض لقد أوشكت على فقدان الوعي حين استكمل بحالمية لا تتناسب مع طبيعة المكان الجالسان به: 

-بحبك يا خوخة. 

هل هذا قلبها الذي يصرخ بقوة؟!هل هذا قلبها الذي تعالت ضرباته؟! لم تشعر بأنها إنسانة أخرى، ليست تلك الساخرة المازحة. 

شعرت بالسعادة والخجل معًا، ببطء متردد رُسِمَت بسمة فوق شفاهها قائلة بنفاذ صبر: 

-أخيرًا يا ابن أم عطا، إيه التقل ده كله! 

تهدجت أنفاسه بسعادة فلم يكن يتوقع أنها كانت تنتظر اعترافه، أيعقل هذا، هل تبادله أيضًا تلك المشاعر؟! 

-لو أعرف كنت قلتها لك من يوم ما شفتك عند الشركة، بس كنت خايف. 

بتهكم لتأخره كل هذا الوقت أردفت خوخة: 

-خايف ليه يا أخويا؟ بتحب أمنا الغولة، إخلص حتجيب حماتي وتيجي تقابل أمي امتى؟! 

انفرجت أساريره قائلًا بسعادة: 

- النهارده، وربنا ما أنا سايبك تروحي مني تاني يا ريحانة. 

تجهم وجهها بقوة وهي تميل بأذنها تجاهه باستياء قائلة: 

-نعم، إيه اللي سمعته ده؟! قال ريحانة قال! لو سمعتك بتناديني كده تاني، انسى مفيش جواز بطلت. 

-لا، أنا ما صدقت، خلاص خوخة وبس، الحلوة خوخة. 

ابتسمت بشقاوة لتنتفض بفزع: 

-البريك خلص، حتهزأ، يلا بينا، يلا بيكو، باي. 

حملت حقيبتها الصغيرة لتغادر بخطوات مسرعة لتعود للشركة لاستئناف العمل. 


يتبع النهاية ،،

رشا روميه قوت القلوب


النهاية •• الحلوة خوخة ••

بُهت وجهها حين دلفت للمكتب ووجدت الجميع عاد بأماكنه يستأنف عمله إلا هي، حتى -الأسيوطي الكبير- موجود بمكتبه وبرفقته آخرون. 

ارتبكت للغاية لتأخرها لتطرق الباب بتوتر قبل أن تدلف بابتسامة قلقة تستطلع الأمر، وأن مديرها ليس بغاضب لتأخرها. 

فور أن دلفت عم الصمت بين الحضور؛ لتومئ بخفة متسائلة: 

-أجيب لحضراتكم القهوة؟! 

بنظرات متجهمه أومأ لها -الأسيوطي-؛ لتخرج من المكتب تلعن نفسها عن تأخرها بهذا الشكل، لكنها سرعان ما تذكرت اعتراف موفق؛ لتبتسم بسعادة. 

حضرت القهوة لتدلف بهدوء للمكتب مرة أخرى؛ لتضع الفناجين أمام كل منهم ببسمة لطيفة حين سمعتهم يتحدثون بغموض: 

-أنا عندي اللي يرجع بيها، شاطر في السواقة جدًا، مفيش طريق يقف قدامه، ها إيه رأيك؟؟ 

قالها الأسيوطي؛ ليجيبه رفيقه بذات الغموض نظرًا لوجود خوخة: 

- مضمون؟! 

شعرت خوخة بأن حديثهم يخص موفق، لكنها لم تدري بعد لم هذا الغموض، حملت بعض الأوراق؛ لتضعهم بالمكتبة حين أخرجت هاتفها وفَعَلت وضع المسجل لتخفيه خلف المزهرية دون أن ينتبه لها أحد، ثم خرجت على الفور. 


طالت جلستهم وهي تنتظر بترقب، حتى خرجوا جميعًا ودلف عمار الذي وصل للتو وهو يطالعها بنظرات ساهمة أغثت نفسها. 

دقائق فقط وانتهى لقاء الأب بابنه، ليخرج كلاهما من المكتب وسط تطلع عمار تجاهها بذات النظرات، لتُنحي وجهها جانبًا تتمتم بسخط: 

-عيل ملزق ودمك يلطش. 

دلفت بعد مغادرتهم لداخل المكتب لتأتي بهاتفها وتستمع للحوار الذى دار بينهم بخصوص موفق كما ظنت! 

كان ظنها بمحله تمامًا، لكن الفزع ارتسم على عيناها؛ لتشهق بقوة فقد كان الأسيوطي وولده ما هما إلا مهربان للمواد المخدرة، والتي سيتسلمها اليوم ببورسعيد وسيطلب من موفق العودة بمفرده حاملًا بسيارتهم تلك الممنوعات خوفًا على أنفسهم وتضحية به إذا تحتم الأمر. 

فكرت مليًا بأن عليها تحذيره لتتصل به دون تأخير. 

أجابها بسعادة، لكن بتحفظ أيضًا: 

-أيوه يا خوخة. 

همست بفراسة فقد شعرت أن أحدهم برفقته: 

-أنتَ في العربية. 

- أيوه، محتاجة حاجة؟! 

خشيت أن ينتبه عمار؛ لتنبيهها له لتردف بهمس: 

-عمار معاك، صح؟! 

- أيوه، مالك في مشكلة ولا حاجة؟! 

ثم استطرد قائلًا: 

- متخافيش مشوار سفر على السريع تبع الشغل وصد رد كده حكون في المعاد زي ما اتفقنا النهارده، يلا سلام يا خوخة. 

أنهى المكالمة بابتسامة عريضة فهم منها عمار، أنه يتحدث إلى إحدى قريباته وربما خطيبته والتي تدعى خوخة، لكنه لن يكترث للاستفسار عن فحوى المكالمة، فهو مجرد سائق لديه ولن يقيم معه صداقة ليلتزم بالصمت حتى وصولهم لبورسعيد لاستلام البضاعة، والتي عليه تخبئتها بالسيارة وترك هذا المغفل يعود بها بمفرده خشية على سلامته. 

خرجت خوخة من الشركة بتخوف مما يمكن أن يصيب موفق المخدوع؛ لتتجه نحو قسم الشرطة لتبلغ عن الأمر وتُبعد الشبهة عن موفق. 

وبالفعل تم تكليف مجموعة خاصة بقسم مكافحة المخدرات لتولي هذا الأمر والقبض على عمار بحالة تلبس عند وصوله بورسعيد. 

مرت عدة ساعات وقد وصل موفق لبورسعيد حيث العنوان الذي أرشده إليه عمار، الذي طلب منه البقاء بالسيارة لبعض الوقت. 

لم يكن يدري بما كان ينتظره حين بدأ تبادل المال والمواد المخدرة بينهم ليفاجئوا بمحاوطة أفراد الشرطة لهم والقبض عليهم بحالة تلبس. 

لحظات من الذعر نالت من موفق بعد القبض عليه حين تأكد أنه سيناله عقاب وهو بريء للغاية من تلك التهمة. 

لكن بعد القيام بالتحقيقات أخلي سبيله وسط اندهاشه هو ومن معه فقد أثبتت براءته بالدليل الصوتي المسجل الذى قدمته خوخة. 


خرج موفق بعد إخلاء سبيله؛ ليجد خوخة بانتظاره بقلق وتلهف: 

- الحمد الله على السلامة، يعنى لازمتها إيه الدوخة دي، ما تشتغل سواق توكتوك أحسن. 

ضحك موفق على حظه السعيد بوجود خوخة بحياته؛ ليردف ممازحًا: 

-لا ما هو أنا وأنتِ دلوقتِ حنشتغل على التوكتوك سوا، لا فيه شركة، ولا فيه شغل. 

انتبهت خوخة؛ لأن كلاهما أصبح بدون عمل الآن لتتعالى ضحكاتها الرنانة هاتفة: 

-جنت على نفسها خوخة. 

-أحلى خوخة في الدنيا. 

مالت بفمها بتهكم: 

- جت الحزينة تفرح ملقتلهاش مطرح، ده أنا دايسة على ديل قطة النهارده. 

-ديل قطة، ديل بطة، أنا جاي أخطبك يعنى جاي، حتى لو نزلنا نشحت سوا. 

أسبلت عينيها بمزاح وهي تناظره بهيام: 

-أموت في رومنسيتك يا ابن أم عطا. 

عادا بطريقهما لحارتهما الأليفة، فلم يهتما سوى لسعادتهما وطريقهما المستقيم، حتى لو كان كل شيء سيبدأ من البداية. 

كل منهما شبيه بالآخر، لن يشعُر هو بأنها لا تناسبه، ولن تشعر هي معه بالدونية كما كانت تشعر من قبل. 

فتلك حياتهم التي يُقدّران بها قيمة بعضهما البعض، وأن كل منهما منتهى أحلام وأماني الآخر. 

نفذ موفق وعده وتمت خطبتهم لتكون الحلوة خوخة وجه السعد عليه، حين تشاركا بافتتاح سيارة متنقلة لصنع شطائر البرجر والسوسيس وأطلقا عليها اسم سعدهما -الحلوة خوخة-، والتي لاقت إقبالًا كبيرًا وزاد بها دخلهما المادي؛ ليتم زفافهما بعد أشهر قليلة ويجتمع قلبان على المحبة والصفاء والوضوح . 


-تمت بحمد الله وفضله- 


بقلمي : قوت القلوب (Rasha Romia) 

التدقيق اللغوي: مروة القباني 




تعليقات

close