حكاية نعمان كامله بقلم Lehcen Tetouani حصريه في مدونة قصر الروايات
حكاية نعمان كامله بقلم Lehcen Tetouani حصريه في مدونة قصر الروايات
.......في بلاد بعيدة كان أحد السلطان له إلا البنات وكل ما يرزقه الله بولد يعطيه للسياف لكي يقتله والسبب في ذلك أن عرافا قرأ طالعه وأخبره أن نهايته ستكون على يد ولد من صلبه ومن ذلك اليوم وهو يعيش في خوف
وكلما حملت أحد نسائه أو جواريه حبسها في القصر حتى تلد ونصحه الوزراء أن يتوقف عن قتل أبنائه وأن لا يصدق العرافين إلا أنه لم يكن ينصت لأحد ولم يرحم أمهات أطفاله
أو يتأثر لبكائهن
وكلما خرج في موكب وسط المدينة جرى الناس لإخفاء أولادهم خوفا منه لدرجة أنه لا ير طفلا واحدا في المدينة
وكان هذا الأمر يحزنه ويصيبه بالرغم لكنه يفعل أيّ شيئ ليحافظ على العرش ولن يسمح لأحد أن ينتزعه منه
وأصبح طبعه أكثر سوءا مع الأيّام ولم يعد يكلم أحدا وضاعف عدد الحرس في قصره ودامت هذه الحال زمنا حتى هربت منه نسائه
فتزوج جارية عنده إسمها أميمة وذات يوم ظهر عليها الحمل فحبسها السلطان في غرفتها وفي تمام الشهر التاسع أنجبت ولدا لم يكن في المملكة واحد أجمل منه
فبكت ثم مسحت دموعها وقالت له : لن أسلمك للسلطان ليقتلك هذا يكفي
أشفقت القابلة العجوز عليها وقالت :سأحضر لك طفلا مات أثناء الولادة لكي يراه أبوه أما إبنك فسيتربى عندي
توقفت الجارية عن البكاء وسألتها: أحقا تفعلين ذلك من أجلي ؟
فأجابتها: لا أحد يطيق الظلم ثم أنت ليس لك أهل وهذا الطفل هو أهلك
فشكرتها أميمة على معروفها ووعدتها بهدية غالية
ولما جاء السلطان بعد ساعة أخبرته أنها رزقت ولدا لكنه مات بين يدي القابلة ولما راه لا يتحرك
قال: لقد أراحنى الله منه ثم خرج دون أن يكلم إمرأته أو يسأل عن حالها
أطلقت أميمة إسم نعمان على الولد وتربى مع أبناء القابلة وكانوا رعاة مواشي فرعى معهم وركب الخيل في البادية وتسلق الصخور وتعلم الصيد والرمي بالنبال فقوي بدنه وإشتد عوده ولما كبر علم أن أباه هو سلطان البلاد
وأخذ يلح على أمه برغبته في رؤية أبيه لكنها قصت عليه حكايتها وأنه لو رآه لقتلهما معا وأيضا القابلة التي ساعدتها لكن الفتى قال في نفسه :لما يرى أبي فروسيتي سيفرح ويسامح أمي
وذات يوم ذهب إلى القصر وطلب مقابلة السلطان وحكى له عن حيلة أمه لإنقاذه وعن مهارته في الصيد وقدرته على الرمي بالسهام .
كان السلطان يستمع باهتمام ولما رأى قوة ولده نعمان زاد خوفه منه وأمر الحرس أن يقبضوا عليه مع أمه ويقتلوهما لكن الولد أفلت منهم وأغلق الباب ولم يقدر الحراس أن يفتحوه وجرى إلى أمه وقال لها: لنهرب بسرعة فأبي ينوي الشر
ردت عليه: هيا نختفي في أحد العربات التي ستغادر القصر ثم قفزا في إحداها وكانت مليئة بالتبن وفي النهاية إنفتح باب قاعة العرش وجرى الحراس ورائهما
وصاح السلطان :أقفلوا كل شيئ ولا تدعوا أحدا يغادر القصر لكن العربة في ذلك الوقت وصلت إلى البوابة فأطل أحد الحراس وقال: لا يوجد سوى التّبن دعوها تخرج
ولم يصدق الولد وأمه بالنجاة من غضب السلطان
إبتعدت العربة عن القصر ثمّ توقّفت في السوق ونزلا دون أن يحس بهما أحد
وهناك اشترى نعمان زادا وقربة ماء ثم غادرا المدينة ،وإكتريا جملين وقصدا شاطئ البحر وفي نيتهما ركوب سفينة تحملهما بعيدا عن هذه الديار فلم يعد هنا أمان بعد أن إكتشف السلطان أمر إبنه ولن يهدأ باله إلا بقتله
ولمّا إقتربا من الشاطئ ظهر على الفتى وأمه الإعياء الشديد فهما يسيران منذ عشرة أيام ونفذ ما عندهما من مؤونة ومن بعيد تراءى لهما قصر كبير فاتجها إليه وطرقا الباب
لكن لم يفتح لهما أحد وبعد قليل إنفتح الباب بمفرده وتعجب الولد حين لم ير أحدا وصاح : نحن مسافران نريد طعاما وسندفع ثمن ما نأكل Lehcen tetouani
قالت أميمة :هذا المكان مهجور وأنا لا أشعر بالراحة
هنا أجاب نعمان: على الأقل :لن يأتي أحد للبحث علينا هنا
ولما دخلا وسط القصر وجدا مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب من الطعام ولا يزال البخار يتصاعد منه
فاقترب الولد وهو لا يصدق عينية وأخذ قطعة صغيرة من الدجاج تذوقها بطرف لسانه ثم قال :عظيم إنها ساخنة وعليها توابل ثم جلس يأكل
أما أمه فبقيت خائفة وهي تنظر يمينا وشمالا لان كان كل شيء مرتبا ونظيفا لكن لا وجود لمخلوق وزاد ذلك في إستغرابها
#حكاية_نعمان_الجزء_الأول
#حكاية_نعمان_الجزء_الثاني
...... بقيت أم نعمان خائفة وهي تنظر يمينا وشمالا في الأخير غمست يديها في الطعام وأكلت حتى شبعت ثم صب لها ابنها ماء الورد فشربت ولم تنس أن تخرج صرة من الدنانير وضعتها على الطاولة وقالت: الآن أريد أن أنام
وفتحت أول غرفة وجدتها وارتمت على السرير
بينما بقي نعمان يتجول في القصر كان كلّ شيئ مرتبا ونظيفا
لكن لا وجود لمخلوق وزاد ذلك في إستغرابه ثم أغلق أبواب القصر وجلس يفكر إلى أن غلبه النّوم
بقي نعمان إبن السلطان وأمه يومين في القصر
في الصباح يجدون الفطور :الخبز والجبن والحليب وفي المساء العشاء من أصناف الطيور المشوية وأنواع الأسماك والفواكه والأشربة
قالت الأم: لا بد أن صاحب القصر شخص كريم لا يريد أن يظهر لنا وهو لم يأخذ حتى المال الذي تركناه على الطاولة أجاب الفتى :هذا يعني أننا لا يمكن أن نبقى هنا طويلا وعلينا أن نغادر قبل أن يرسل لنا أحد خدمه يأمرنا بالرحيل
قالت الأم : عندئذ سأترجاه ليتركنا مقابل أن أشتغل عنده فأين تريدنا أن نذهب يا نعمان فليس لنا كثير من النقود وأنت لا صنعة عندك
قال : صنعتي هي الحرب ،فأمسكت بيديه وردت :يا لها من فكرة سيئة فإذا مت فمن أجد قربي وقت الشدائد ؟
لا يا إبني لا أرى حلاّ الآن سوى البقاء ومن أكرمنا بطعامه سيكرمنا بجواره .
مضت الأيام ولم يظهر أحد لكن خيّل لنعمان أن هناك من يسترق النظر إليه وفي أحد الليالي إستيقظ فرأى بنتا تهرب بسرعة وتختفي في الظلام فرك عينيه من شدة الدهشة
ثم نهض من فراشه وهمس :هل :هناك أحد وخرج من الغرفة وأطل في الرواق الطويل فشعر برعدة في جسده وعاد إلى مكانه وحاول أن ينام فلم يستطع وخيل إليه أن عيونا كثيرة تراقبه
وفي الصباح سأل أمه : هل تؤمنين بالجن ؟
قالت له نعم : لكنّنا لا نراهم ويقال أن لهم في أرجلهم حوافر ماعز لكن لماذا تسأل يا نعمان ؟
أجابها بشرود: لقد خطر لي ذلك البارحة يا أمي
وفي الليل وضع أمام الباب غصنا صغيرا جافا ثم إنتظر طويلا حتى غلبه النوم وفجأة إنتبه لصوت تكسر الغصن فأفاق من نومه وعلى ضوء القمر شاهد بنتا صغيرة زرقاء العينين ينزل شعرها الطويل حتى قدميها .
ولمّا أدارت رأسها فوجئت بنعمان أمامها فحاولت الهرب لكنه صاح : إنتظري عليك أمان الله
فقالت أعذرني إن أخفتك فأنا إبنة صاحب القصر وإسمي ظريفة رد الولد وأنا نعمان
قالت له :سأذهب الآن وإلا سيغضب أبي إذا سمع أني أخرج بالليل دون علمه أراد أن يسألها عن أهلها لكنها اختفت بسرعة
في الصباح لما جلس للأكل رآها تطل عليه وتبتسم فقال لأمه: سأعرفك على أحد ثم ناداها فجاءت ولما شاهدتها أميمة صرخت هل أنت إنس أم جن ؟
قال نعمان : وهل ذلك مهم الأول يجب أن نشكرها على ضيافتها Lehcen tetouani
قالت الأمّ :أعذريني يا إبنتي فلقد فاجئني قدومك وأنا ممتنّة كثيرا لك ولأهلك على كرم ضيافتهم وأرجو أن نبقى عندكم قليلا وأنا مستعدة لكل ما تأمرون به
أجابت ظريفة: لك ما تريدين يا خالة فهذا يسعدنا كثيرا
وبعد الطعام تجولت مع الولد في القصوقالت له :إن أباها ملك الجن وإنه لم يرزق سواها وهذا القصر كان لفلاح غني وذات يوم أصاب هذه الأرض وباء فمات جميع الناس
وجئنا منذ زمن طويل وأصبحت كلها لنا ،ونحن نطرد كل من يقترب من القصر ،ولما جئت وطرقت الباب،نظرت إليك من النافذة ،وأعجبني جمالك وقوّتك فجريت إلى أبي الملك، والححت عليه ليدخلكما وكان الجن يراقبونكم خفية
ولما رأى أبي أنكما لا تلمسان شيئا من التحف والجواهر التي يمتلأ به القصر وافق على بقائكما
فرح نعمان بصديقته فقد كانت تحبه كثيرا وكانا يسهران كل يوم ويحكى لها أخبار الإنس وقص عليها حكايته مع أبيه
فتألمت لذلك وفي الصباح جاء الولد لأمه وقال لها : ما قام به السلطان في حق إخوتي هو ظلم وعليه أن يسامحك ويفتخر بي أمام الناس
لكن الأم قطبت جبينها وقالت : يبدو أنك لم تستوعب الدرس المرة الأولى فأبوك همه الوحيد هو العرش ولو علم أننا هنا سيبعث ورائنا جيشه وحينئذ ستخسر هذه الحياة الرائعة وصديقتك الجنية فكر جيد
لكن نعمان أصر على رأيه وقال :لا خير في ولد لا يعترف به أبوه وسيفعل ذلك رغم أنفه وأنا أعرف كيف أنزع تلك الوساوس التي زرعها العرافون في عقله
#حكاية_نعمّان_إبن_السلطان_الجزء_الثالث
..... كتب نعمان رسالة إلى أبيه السلطنة وغافل أمه وأرسها مع قافلة كانت تمر قريبا من القصر وجاء فيها :قتلت إخوتي دون حق وقاتل النفس لو علمت آثم وطردت أمي ليلة مطر منهم ولم تخف في الله لومة لائم فتب إلى خالقك وسبّحه
كيفما كنت راكعا أو قائم
أعطانا الله من خيره قصرا وخير الرّزاق دائم أنا إبنك ودمك وأنت أبي وما ينفعك العرش وحفنة من دراهم
لما وصلت الرسالة إلى السلطان أعجبه الشعر وقال في نفسه: لقد جمع هذا الولد خصال الشجاعة وفصاحة الكلام ولو علمت به الرّعية ستحبه لا بد من حيلة لقتله قبل أن يعظم أمره ثم أرسل إلى عجوز الستوت وأخبرها بنيّته في التخلص من نعمان
فقالت له : تظاهر بأنك رضيت عنه وأطلب منه أن يأتي بالنخلة التي شطر منها تمر والشطر الآخر رمان وسيكون في ذلك هلاكه فيقال أنها تنبت في بلاد البشر ذوي العين الواحدة وكل ما يوجد هنا عجيب وغريب .
فكتب إليه :سأرضى عليك يا نعمان إذا أتيت بنخلة شطرها تمر والشطر الآخر رمان
ثمارها لا تنتهي ولو أكل منها ألف إنسان
وصلت الرسالة إلى إبن السّلطان ولماّ قرأها إبتهج لكن الجنية الصغيرة صمتت ولم تقل شيئا وحين سألها عن سبب صمتها قالت له والله ما رد عليك أبوك إلا ليقودك إلى حتفك
قل لي هل قال لك أين توجد تلك النخلة الغريبة ؟
أجابها :ومن أين لي أن أعرف ؟
قالت: ظريفة حكت لي جدتي أنه توجد واحة في وسط الصحراء لا تظهر سوى بضع مرات في السنة
ثم تختفي عن الأنظار ورآها أحد البدو ولم ينج إلا بشق الأنفس حينما طارده بشر لهم عين واحدة
فسألها كيف يمكن الذهاب إليها ؟
أجابته : لا يعلم ذلك سوى البدوي الذي رآها وهو يسكن في مكان ما من صحراء ولا أحد يعرف عنه شيئا .
ترجاها أن تساعده فأجابته :تلك الصّحراء مترامية الأطراف وكل من يدخها يختفي إلى الأبد لكنه ألح عليها حتى وافقت على طلبه وقالت :سأسئل ساحرتنا فهي عجوز لا أحد يعرف عمرها ورأت في حياتها كثيرا من الغرائب
وفي المساء جاءته وهي تبتسم وقالت له: لقد أخبرتني الساحرة عن كيفية الوصول هناك والجن عندهم إبل تقطع مسافة شهر في يوم واحد وقد وافق أبي على إعطائك أحدها وتجهيزك بما يلزم للرحلة
في الفجر تسلل نعمان وركب جمله وفي خلال يومين وصل لتلك الصحراء وبدأ يسأل الناس عن البدوي الذي رأى الواحة العجيبة وأمضى أيّاما وهو يدور ويسأل حتى تعب ولفحت وجهه الشّمس الحارقة .
وذات يوم رأى رجلا يحاول إصطياد شيئ يأكله لكنه كلما رمى فريسة أخطئها وإنتظر نعمان حتى رأى أرنبا يجري بأقصى سرعة وصوب إليه قوسه فقال البدوي: دعك منه
فلا أحد يقدر أن يصيبه لكن الفتى نظر إلى الأرنب وحسب حركاته ثم أطلق سهما صفر في الهواء وأصاب رأس الأرنب فتعجب البدوي وصاح: لم أر في حياتي رمية بهذه الدقة
تعال إلى خيمتي وستطبخ لنا إمرأتي قدرا بهذا الأرنب ،وتعدّ لنا أقراص الشعير وفي الطريق لم يتوقّف البدوي عن تأمّل جمل نعمان لشدة حسنه ولما وصلا سأله :ما الذي جاء بك لهذه الصحراء القاحلة وأنت لا تزال فتى يافعا ؟
حكى نعمان عن قصته
فقال البدوي يا لها من مصادفة عجيبة فأنا هو ذلك الرّجل ولقد هبّت في أحد الأيام عاصفة قوية رمتني بعيدا عن طريقي وهنا رأيت تلك الواحة فدفعني الفضول للإقتراب منها وكان فيها أشجار غريبة الشّكل وأهلها لهم عين واحدة .
ولما رأوني حاولوا قتلي لكني هربت في الصحراء ولم يقدروا على اللحاق بي
قال نعمان: أريدك أن تدلني على تلك الواحة
صرخ البدوي في خوف: لو ذهبت إلى هناك سيفتكون بك
فأخرج نعمان صرة من الذهب فقال : حسنا دوري أن أوصلك إلى هناك فقط وسأنتظرك قليلا فإن لم تجئ ،ذهبت في حالي
هل فهمت لقد حذرتك فلم تسمع كلامي وستظهر الواحة خلال أربعة أيام غدا صباحا نشد الرحال إلى هناك والآن هيا إلى الطعام فلقد فاحت رائحة الأرنب
#حكاية_نعمّان_إبن_السّلطان_الجزء_الرابع
..... أكل نعمان وأعجبه الطّعام فلقد مل من أكل التمر ثم جاء الشّاي فأحس الولد بالراحة بعد الأيام التي أمضاها وهو يدور في الصحراء وفكر في حيلة يدخل بها إلى الواحة
وفي الأخير قال لما أصل سأتدبر الأمر ولن أرجع إلا بالنخلة وفي الغد نهضا فجرا وركبا جمليهما وسارا ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع ظهرت لهما الواحة من بعيد وكانت فيها الأشجار والمياه وتحلق في سمائها الأطيار
ثم توقّف البدوي وقال: سأرتاح تحت تلك التلة وسأنتظرك حتى ينتصف النهار ثم أرحل هل مازلت مصرا على الذهاب ؟ فأومأ له نعمان برأسه ثم همز جمله وسار
ولما إقترب رأى غديرا فيه جارية تستحم وتغني فوقف ينظر إليها بإعجاب وفجأة إستدارت إليه فرأى أن لها عينا واحدة أما الجارية فقالت له : أيها الغريب ألا تستحي من النظر إلي ؟
أجابها: وما :يمنعني من ذلك فنحن لسنا من نفس الجنس ثم إني أجد أنك جميلة أحست بالزهو وقالت له: أحقا تعتقد ذلك ثم خرجت من الماء ووضعت ملابسها
ولمّا إقتربت منه رأت أنه حسن المنظر وفي مثل عمرها فأعجبها وقالت له :نحن في العادة نقتل كل من يقترب منا لكني لن أفعل ذلك ،فلا يبدو عليك أنك لص ومظهرك يوحي أنك من الأمراء أنا إسمى سعدى وأبي سيّد القوم
تعال إليه فهو رجل ذو مروءة وشهامة وحين رآه أفراد القبيلة تجمعوا حوله وأخرجوا مخالبهم ليقتلوه لكن البنت قالت :إنه في حمايتي والويل لمن يقترب منه
دخلت سعدى إلى أبيها وقالت له : ضيف بالباب فتعجب وقال : منذ متى يأتينا الضيوف يا إبنتي وخرج لإستقباله ودعاه للدخول ثم أمر بإعداد طعام للضيف وسأله من أي البلاد أنت وما الذي أتى بك إلى هذا المكان البعيد ؟
فأخبره بقصته ،فحك الشّيخ ذقنه وقال :دعنا نأكل الأوّل ونشرب فلا شك أنك متعب من السفر وبعد أن إستراح نعمان قال الشيخ :أعطيك النخلة على شرط أن تهديني شيئا
فأخرج له صرّة الياقوت
فأجابه : ما أريده هو إحدى عينيك
ترّجاه الفتى لكن الشّيخ أصر وصاح :لن تخرج من هنا قبل أن احصل على ما طلبته ثم أمر بحبسه في أحد الخيام فجاءته الفتاة وقالت له: كيف يمكنني أن أساعدك ؟
فأجابها: اذهبي للتلة ستجدين أحد رفاقي قولي له أن يقترب من هنا فإذا رآه القوم طاردوه وقبل أن تخرجي إقطعي قيودي والياقوت هو هدية إليك
وبعد قليل سمع الصيحات بين الخيام فأطل برأسه ورأى الأغوال تجري وراء البدوي وترميه بالحجارة فأسرع إلى جمله وركبه وفي الطريق قلع على نخلة صغيرة من جذورها وفر بسرعة البرق محدثا كثيرا من الغبار خلفه
ولحق بالبدوي الذي قال :والله ما جملك من إبلنا فقد عرفت ذلك منذ ان رأيته ثم سار معه وأراه الطريق وما هي إلا يومين حتى وصل إلى القصر فوجد أمه في أسوأ حال من القلق عليه
ولما شاهدته جرت إلي وهي تقول: لقد نصحتك بالابتعاد عن أبيك ،لكنّك لم تسمع كلامي ويوما ما سيقتلك ذلك اللعين ويتركني أبكي بقية عمري على موتك
أجابها : ليس هذا وقت اللوم فلقد أحضرت ما طلب أبي
ثم خرج من القصر ومشى قليلا حتى وجد مكانا أعجبه زرع فيه النخلة وسقاها وسمدها وفي الصباح تعجب لما وجد أنها قد كبرت
وفي اليوم الثاني ظهرت العراجين والأغصان وفي الثّالث امتلأت بالتمر والرمان وجاء الناس فأكلوا ورموا النّوى فنبتت بعد أيام أشجار صغيرة وقيل له أن تلك الأرض مدفون فيها ولي صالح ونمو الأشجار بتلك السرعة هو من كراماته
لمّا سمع السلطان بما حصل نادى عجوزة الستوت وقال لها :ما أغبى نصيحتك كنا ننتظر موته فنجا وبدل أن يكون له نخلة صار له بستان وهو الآن يطعم الفقير ويكسي المحتاج ،
وقد إلتفّ حوله الناس من البسطاء أريدك أن تجدي حلا لقتله قبل أن يعظم أمره
ففكرت وقالت: الحل يا مولاي أن نرسل إليه من يحرق القصر والبستان فإذا فعلنا ذلك ضعف شأنه وانفض النّاس من حوله
قال السلطان : لكن سيشكّ الجميع في أني من دبر المكيدة أجابت: ليس إذا اعترف أحدهم بأنه قام بذلك لأن الأمير يأوي السحرة والمشعوذين في القصر وأنّ تلك النخلة العجيبة هي من أعمال السحر وهكذا نضرب عصفورين بحجر واحد : نقضي على قوته ونشوه سمعته
ضحك السّلطان ،وقال: ما أشد خبثك والله الشّيطان نفسه لا يفكر في ذلك ثم إختار عشرين من أقوى حرسه وطلب منهم تنفيذ المهمة دون أن يعلم أحد
#حكاية_نعمّان_إبن_السلطان_الجزء_الرابع
..... قسم رئيس الحرس رجاله إلى فرقتين واحدة تقترب من القصر وتختفي وراء الأشجار والأخرى تذهب إلى البستان والخطة كان إضرام النار في النخيل
ولما ينتبه أهل القصر ويخرجون تقتحم الثانية وهي الأكثر عددا البوابة وتنهب كل ما يوجد هناك من مال وأشياء ثمينة وتضع النار وأوصاهم بقتل الأمير نعمان لو صادفوه في طرقهم ويجب أن يتم الأمر بسرعة ودون ترك أي أثر .
ولهم نصف ساعة فقط وهو سينتظرهم مع الخيل لكنهم ما كادوا يبتعدون قليلا حتى برز لهم رجال بيض بعيون زرقاء وعليهم الدّروع والخوذات وشاهدوا في الظلام عشرات المشاعل
وجاء نعمان ومعه الفلاحون وهم يلوحون بفؤوسهم وعصيهم فاندهش الحراس ورموا سلاحهم وصاح أحدهم : اللعنة،لقد كانوا في انتظارنا كيف علموا بالأمر من المؤكّد أن هناك من ينقل لهم أخبار السّلطان
جمعهم نعمان، وقال : ألا تعلمون أني أطعم الفقراء من البستان وفي القصر جناح للأيتام أرعاهم أنا وسيدتكم أميمة تبا لكم ولما كنتم ستفعلونه
فجثا الجنود على الأرض وقالوا: والله لم نكن نعلم شيئا وقيل لنا أنك تتآمر على السلطان فجئنا لحماية مولانا فنحن عبيده ونأكل من خيره فكر نعمان لحظة وقال لهم :ما رأيكم أن تكونون في خدمتي سأعطي كل واحد منكم بيتا وأزوجه والمال هنا كثير
نظروا لبعضهم وقالوا :نحن موافقون
أجاب: حسنا والآن هيّا إلى القصر لما دخلوا وجدوا الموائد منصوبة وعليها أصناف الطعام والشراب فغسلوا أيديهم وأكلوا حتى شبعوا
وجاءت أميمة ،فوقفو وقالوا :سيوفنا في خدمة مولاتي فردت عليهم : يدي ممدودة إلى السّلطان لكنكم تعلمون تعنته لذلك هو لا يتركنا في حالنا فوالله لا نريد جاها ولا سلطانا ونريد منكم مساعدتنا في إعمار هذه الأرض التي مات أهلها في وباء منذ قرن،
وهناك كثير من القرى الفارغة وفي الصباح ليختر كل واحد منكم بيتا وسنساعده على تأثيثه ثمّ صفقت بيديها فجاء رجال من الجن وأعطوا كل واحد منهم صرة مال
وقالت: والآن هيا إلى النوم فلا شكّ أنكم تحسون بالتّعب الآن وفي الليل كانت الجنية الصغيرة تسمع ما يقولون وفي النّهاية إبتسمت وجرت إلى نعمان لتخبره بما سمعت،
أما قائد الحرس فلمّا رأى رجاله يقعون في الأسر جرى بحصانه طول الليل وفي الصباح أخبره بما حدث فاغتم السلطان وتعكر مزاجه فهذا يعني أن لا أحد بإمكانه إيقاف نعمان بعدما إنضم له عشرون من خيرة فرسانه
ولم يعد يثق في أحد ،فمن أعلم نعمان لا شك أن هناك خائن في القصر والآن لم تعد تنفع المكائد ولم تبق سوى القوة ففتح الخزائن، واشترى السلاح وانتدب الرجال وملا القصر والبلاد بالجواسيس الذين ينقلون له كل ما يحصل
وبالطبع كان له جاسوس عند نعمان وأخبره أن إبنه يستصلح الأرض ،ويزرعها وأن الناس تفد إليه من كل مكان وتستقر في القرى الفارغة وهؤلاء يشتغلون في الزراعة والرعي وأنّه يدفع لهم أجرة جيّدة
ولم يكن ينقص نعمان المالوصارت له قوافل ،وسفن ،وتجارة مع البلدان البعيدة وكان ذلك يزيد في خوف السلطان الذي زاد في الضرائب وبنى القلاع حتى عزل كل الإقليم الشمالي الذي به نعمان وأصبح الدخول والخروج يتم بمشقة شديدة
وإعتقد الرجل أنّه حل المشكلة ،لكن جفافا شديدا ضرب البلاد وجفت المراعي التي كان فيها البدو يرعون فيها إبلهم وماشيتهم ولم يعد لديهم ما يأكلونه فارسلوا وفدل إلى السلطان يطلبون فيه المساعدة
لكن الخزائن كانت فارغة وكل المال ينفقه على القلاع والجيش فبدأ البدو يهاجمون القرى القريبة منهم وينهبون كل ما يجدونه ،ولمّا أعلمه الوزير بما يحصل إبتسم السلطان وقال هل نسيت أن تلك القرى الغنية رفضت مساعدتي لتحصين مملكتيوقال لي أشرافها :أن ما تفعله سينشر الفقر والجوع
وفي النهاية أنت من ستقضي على نفسك ،وليس إبنك نعمان وأنا لم أغفر لهم ذلك الكلام ،و الله لولا أني مشغول بذلك الولد اللعين لعرفت كيف أعلّمهم الأدب


تعليقات
إرسال تعليق