القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية على دروب الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم تسنيم المرشدي


رواية على دروب الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم تسنيم المرشدي 




رواية على دروب الهوى الفصل الثاني عشر 12 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الثاني عشر 

على دروب الهوى 

بقلمي تسنيم المرشدي 


*** 


صمت حل للحظات؛ رفع عبدالله رأسه ليتأكد مما سمعه، خفق قلبه بقوة وهو ياره أمامه، لوهلة لم يتعرف على ملامحه، فلقد ترك العمر بصمته على وجهه، ظل يطالعه دون حديث، مزيجٍ من المشاعر المتناقضة قد راوداه فاكتفى بالنظر إليه. 


على الجانب المقابل؛ بحدة باغتة أمر قاسم ذلك العسكري:

_ فك الكلبشات دي 


أبى العسكري إطاعة أمره وعلل: 

_ دي أوامر حضرة الظابط آدم وأنا مش باخد أوامر غير منه 


هز قاسم رأسه ثم أمسك بذراع عبدالله مُجبره على المشي وعاد به إلى المكتب، اقتحمه فتفاجئ آدم بوجوده، هب واقفًا وردد مذهولًا: 

_ بابا!! 


دون مماطلة هتف قاسم:

_ خلي العسكري بتاعك يفك الكلبشات دي.. 


اعترض آدم قائلًا: 

_ بس دا...


قاطعه قاسم بنبرةٍ لا تحتمل النقاش: 

_ قولتلك خليه يفك الكلبشات دي 


وجه آدم نظره إلى العسكري وأمره بضيقٍ: 

_ فكه يابني 


سحب العسكري مفتاح الأصفاد وكاد يفك قيده إلا أن قاسم قد التقط منه المفتاح وقام هو بفك قيد عبدالله الذي يتابع في صمت. 


خرج العسكري بينما وجه قاسم أمره لأدم بحدةٍ: 

_ خرج أخوك دلوقتي حالًا.. 


حدجه باستنكارٍ وصاح: 

_ أخرجه إزاي، دا تعدى عليا أثناء عملي وفيه شهود بكدا وماضيين على المحضر كمان 


_ هو فين المحضر دا؟ 

تساءل قاسم بصوتٍ أجش فأمسك آدم المحضر وناوله إياه: 

_ أهو اتفضل شوف بنفسك.. 


التقط منه قاسم الورقة ثم قام بتقطيعها حتى باتت فُتات تحت نظرات آدم المصدومة، لحظاتٍ يحاول استيعاب ما أحدثه والده ثم هلل دون رضاء لذلك:

_ أنت بتعمل إيه يا بابا، حضرتك فاكر أنه كدا هيخرج؟ البيه مقبوض عليه بسبب أنه تعدى على جوز أخته بالضرب واتسبب له في عاهة مستديمة.. يعني كدا كدا قضية ومفيش خروج من هنا.. حتى لو اتنازلت عن اللي عمله فيا، الموضوع برا ايدي دي قوانين ولازم تتنفذ! 


حل الصمت لبرهة، قبل أن يهتف قاسم وهو يتوجه ناحية الكرسي المقابل لآدم: 

_ أنت مش هتشرب أبوك حاجة ولا إيه، دا أنا حتى جاي من سفر 


قطب آدم جبينه بغرابةٍ، فلم يستشف ما وراء طلبه المفاجئ، تنهد ببطءٍ ثم نادى بصوت جهوري:

_ يا حامد.. 


جائه على الفور فنظر إلى والده وسأله بجدية: 

_ حضرتك تشرب إيه..


هنا هب قاسم واقفًا وتوجه نحو العسكري وبسلاسة سرق منه سلاحه تحت نظرات الجميع المذهولة، كاد يتعامل العسكري إلا أن صوت آدم منعه: 

_ خلاص يا حامد.. اتفضل أنت دلوقتي.. 


_ استنى هنا يا بني 

قالها قاسم ثم توجه ناحية آدم وهتف: 

_ اديني تعديت على عسكري وسرقت سلاح ميري.. دخلني معاه 


كلما افتعل شيئًا يثير صدمة الواقفين وخصيصًا آدم، فهو يحاصره من جميع الزوايا، مال على المكتب ليكون أقرب لوالده وهمس بخفوت: 

_ هو إيه اللي حضرتك بتعمله دا؟ 


ألقى قاسم السلاح على المكتب وضرب المكتب بيده: 

_ مشيها قانوني يا آدم باشا.. 


كانا يتقاتلان في نظراتهما لبعض، نظراتٍ تتوسله أن يتراجع ولا يضعه في مأزقٍ والنظرات الأخرى تقابلها بتحدٍ وإصرار يؤكد عدم تراجعه البتة. 


قطع قاسم تلك النظرات بقوله: 

_ ولو مدخلتنيش معاه، هجيب ظابط غيرك وأقوله على اللي عملته وتبقى قضية بجد يا آدم!! 


صر آدم أسنانه بغضبٍ، وعينيه لا تُرفع عن والده، سحب السلاح وأعاده إلى العسكري أمرًا إياه:

_ جهز لي زنانة فاضية.. 


_ أمرك يا آدم بيه 

قالها العسكري وأسرع في تلبية أمره، بينما دار آدم حول المكتب حتى بات يقف بينهما وردد وعينيه تطلقان شرار: 

_ اتفضل يا بابا من هنا.. 


توجه قاسم إلى عبدالله وأمسك ذراعه يحثه على السير: 

_ امشي يا عبدالله.. 


أخفض عبدالله عينيه على يد قاسم وبهدوءٍ قام بسحب يده من بين قبضته وتوجه إلى الخارج، تبعوا آدم حتى أوصلهما إلى زنزانة فارغة، ولج عبدالله وتلاه قاسم ثم قام بإغلاق الباب خلفه وهتف: 

_ روح شوف شغلك يا حضرة الظابط.. 


ألقى آدم نظرة أخيرة على والده، ثم قام بتوصيد الباب، وعاد إلى مكتبه وعقله سيجن جنونه، فلقد حاصره والده ولم يتجرأ على تجاوزه، دلف مكتبه ولم يستطع الجلوس، ظل يجوبه ذهابًا وجيئا بضيق يزداد كلما مر عليه الوقت. 


*** 


ارتفعت تصفيقات عبدالله عاليًا فأثارت علامات استفهام حولها، نظر في عيون قاسم وأردف: 

_ حلوة أوي المسرحية اللي عملتها دي، أحييك على موهبتك، أنت إزاي مش بتمثل؟ دا أنت طلعت أشطر من ممثلين كتير بيقولوا عنهم شاطرين.. 


لم يرفع قاسم عينه عن عبدالله لثوانٍ ثم توجه نحوه وجلس بجواره وقال: 

_ ٣٠ سنة وقلبك محنش لأبوك؟ أنت ليه مُصر تبني بينا حاجز؟ 


أبدى عبدالله اعتراضه على حديثه وعدل على كلماته:

_ لا لا، أنت اللي بنيت الحاجز زمان، أنا يدوب بحميه بس 


حرك قاسم رأسه باستنكار شديد وهلل:

_ أنت ليه مش قادر تقتنع إنه كان غصب عني؟ ليه مش محاولتش تحط نفسك مكاني ولو لمرة واحدة؟ مش يمكن تقتنع بظروفي.. 


قاطعه عبدالله بحنقٍ رافضًا سماع المزيد من الهراء: 

_ مش عايز أسمع حاجة، أنا روحي هلكانة وقلبي محروق، سيبني في حالي.. 


شعر قاسم بالقلق حيال حالته وكلامه الذي يدل على وجود شيءٍ يجهله فتساءل باهتمامٍ: 

_ مالك يا عبدالله شكلك ميطمنش، احكي لأبوك.. 


هب عبدالله واقفًا وصاح كالمجنون: 

_ متقولش ابني، متنطقش الكلمة دي تاني، عايزني احكيلك إيه؟ عايزني اتعامل معاك طبيعي إزاي أصلًا؟ يعني بالمنطق كدا شايف إني المفروض احكيلك حاجة في حياتي اللي أنت متعرفش عنها حاجة؟ وأنت تشوف لي حل كأب!! 

أنت نفسك مصدق اللي عايزه يحصل دا؟ 

أنت لو عايز تعملي معروف بجد اسكت، متتكلمش تاني.. 


نكس قاسم رأسه بحزنٍ شديد، يخفي عينيه التي تجمعت بهما العبرات، لم تمر سوى دقائق حتى سمعا كلاهما صوتها الأنثوي الذي صاح في المكان:

_ عبدالله.. 


وقفت أحلام على أطراف أصابع قدميها لترى وجهه من خلال النافذة الصغيرة التي تعلوا الباب، دق قلب قاسم بقوةٍ ونهض ليُمتع عينيه برؤياها، تلاقت الأعين فلقد اشتاقت القلوب وفاقت لوعتها، القليل من الصمت وحالة من الشجن انتابت كليهما، جاهدت أحلام على إبعاد عينيها عنه بصعوبة، ابتلعت ريقها ثم وجهت حديثها بنبرة هادئة لعبدالله: 

_ أنت كويس يا حبيبي؟ 


مال عبدالله برأسه على الباب وأجابها وهو يصيح:

_ هبقى كويس إزاي؟ أنا لازم أخرج من هنا، كلمي أي محامي يخرجني من هنا، أنا مينفعش أكون في المكان دا!! 


تأثرت والدته بحالته وأقسمت بألا تدعه خلف تلك القضبان: 

_ هتخرج يا حبيبي متقلقش، أنت معلمتش حاجة.. 


_ مش هتسلمي عليا يا أحلام؟ 

صمت الجميع حين تساءل قاسم بحنينٍ ولهفة للتكلم معها، تنهدت أحلام ولم توجه إليه كلمة، نظرت خلفها تسمع العسكري الذي يُحادثها بجدية: _ يلا ياست كفاية كدا..


أماءت بقبول؛ بينما هلل عبدالله عاليًا: 

_ أمانة تروحي لصبا ياما، قوليلها عبدالله هيجيلك ويكتب الكتاب.. 


_ اكتفت بإيماءة من رأسها؛ وبطرف عينيها اختلست نظرةً على ذلك المُشتاق الذي يتطلع شوقًا إليها، ثم فرت هاربة إلى الخارجة فصاح عبدالله مؤكدًا: 

_ متنسيش ياما.. 


عاد إلى الداخل فوجد قاسم ممُسكًا بهاتفه، وقام بعمل اتصالًا: 

_ أيوا يا صادق، أنت اتاخرت ليه، جبت الولد؟ طب تمام بسرعة يلا.. 


أعاد هاتفه إلى جيبه، ورفع عينيه في عبدالله، فوجده مهمومًا وكأنه يحمل أطنانًا من الحزن على وجهه، شعر بالآسى حياله، وحاول سؤاله عما به ثانيةً ربما يخبره تلك المرة: 

_ عبدالله لو واقع في مشكلة يابني عرفني 

وأنا هساعدك 


لم يرد، بل أسند رأسه على الحائط شاردًا في حادثة صبا التي جعلتهم تعساء، ضعفاء النفس وحزناء القلب، خرج من شروده على سؤال قاسم المهتم: 

_ صبا دي تبقى حبيبتك؟ 


تأفف عبدالله ومال بجسده للأمام مستندًا بمرفقيه على فخذيه شابكًا كفوفه في بعضهما، تنهد قاسم واستأنف بهدوءٍ حزين: 

_ على حد علمي أنك مش خاطب، مين صبا اللي عايز تكتب كتابك عليها دي؟ أكيد حبيبتك.. 


استدار قاسم بجسده فبات مقابل عبدالله، مال عليه وهمس: 

_ لو حبيبتك متفرطش في حبك، اتمسك بيه


تشدق عبدالله بتهكمٍ وأدار رأسه فقط ونظر إليه شزرًا قبل أن يردف: 

_ خلي النصحية دي لحد غيرك! 


زم قاسم شفتيه بحزنٍ صريح، إلتزم الصمت حين فشل في خلق حوارًا بينهما، مرت دقائق معدودة وانتبه كليهما على فتح الباب، دلف منه آدم برفقة صادق الذي تلاه، وقف أمام قاسم وعاتبه مستاءً: 

_ إيه اللي أنت عملته دا بس يا قاسم بيه؟ مش معقول ترجع من السفر على الزنزانة على طول، أي مشكلة هنقدر نحلها غير اللي أنت عملته دا.. 


بنبرةٍ حادة قال: 

_ جبت الولد؟ 


رمقه صادق مستاءً من تصرفه الأرعن وعدم اكتراثه لحديثه وأردف بإقتضاب: 

_ أيوا.. قاعد في مكتب آدم 


أومأ قاسم ثم سار بجوارهم حتى تخطاهم وخرج من الزنزانة، تَبِعه صادق وآدم حتى عادوا إلى مكتب آدم، بينما بات عبدالله بمفرده دون رفيق، توجه إلى الباب وضرب بكل قوته عليه وهو يصر أسنانه وهتف عاليًا: 

_ كنت مستني ياخدوك معاهم؟!


استدار بجسده ونظر حيث المقعد الحديدي الذي أمامه ببغضٍ واضح، فنيران قلبه تشتغل وتزداد لهيبًا سيحرق أول من يأتي أمامه. 


في مكتب آدم؛ وقف قاسم أمامه وصاح بنبرة غاضبة رغم هدوئها: 

_ أنت حمادة؟ 


هب حمادة مذعورًا من كرسيه وأجاب بإرتباكٍ:

_ أيوا أنا.. 


تبادل النظرات مع آدم الذي هرب بنظره بعيدًا عنه، انتاب قاسم الريبة حول نظراتهما، وسأله بجدية: 

_ أنت تعرفه؟ 


أعاد حمادة النظر إلى آدم الذي توعد له في نظراته إن أفشى سرهما، ابتلع حمادة ريقه ورد وعينيه مُصوبة على آدم خشية أن يردف شيئًا خاطئًا: 

_ لأ معرفوش.. 


_ طب اسمع يابني، المحضر اللي عملته في عبدالله دا تتنازل عنه، واللي أنت عايزه أنا كفيل بيه 

قالها قاسم بحسمٍ، فوجد حمادة عائدًا ماديًا في الأمر، نظر إلى آدم الذي رفع حاجبه موحيًا إليه بإشارات من عينيه بالرفض الجلي، نفذ صبر قاسم وصاح مندفعًا به: 

_ بصلي أنا هو مش هيفيدك بحاجة، وأول من هيبيعك لو مسمعتش كلامه، أنا عايز أدفعلك مبلغ محترم تروح تعالج بيه نفسك وتأمن بيه حياتك 


لحظاتٍ مرت، أعاد فيها حمادة ترتيب أفكاره ليعلم في صف من سيكون، فأعمت الأموال عينيه، نظر إلى قاسم وقال: 

_ ٥٠ الف .. 


أماء قاسم بالقبول، فتفاجئ حمادة بعدم اعتراضه على دفع المبلغ، تصنع أنه يسعل ثم أردف بجدية: 

_ قصدي ١٠٠ ألف 


ضاق قاسم بنظراته عليه؛ فتأكد أنه ماديٍ حقير، بلع ريقه واقترب منه بخُطى مُتزنة حتى بات مقابله، فأمسكه من تلابيب ملابسه وبحدة باغتة صاح: 

_ أنا كنت فاكرك عامل المحضر في عبدالله عشان تاخد حقك، فقولت أفيدك أكتر من ورقة مش هتضيف لك حاجة، بس الظاهر إنها تمثيلية حقيرة وإنك عيل مادي والفلوس ظهرت حقيقتك.. 


أخذ يتنفس الهواء واستأنف متوعدًا: 

_ أنا كنت ناوي أدفع لك مليون لو طلبتهم، بس أنا مش بحب المادية وطلاما الموضوع بيزنس مش رد حق يبقى هتتازل ورجلك فوق رقابتك.. 


أدار قاسم رأسه نحو آدم وقال:

_ حمادة هيتنازل يا آدم باشا.. 


رفض حمادة الرضوخ لطلبه، تحرر من بين قبضتي قاسم، جن جنونه لضياع الأموال من بين يديه وهتف بصوتٍ عالٍ: 

_ مش هتنازل عن حاجة، حقي وهاخده من نن عين عبدالله وأي حد يتشدد له 


بلغ قاسم ذروة تحمله على السخافة الحادثة؛ خرج من هدوئه ولم يستطع كبح غضبه المتأجج داخله، وانقض على حمادة مُمسكًا به من ذراعه وصاح وهو يهزه بعنفٍ: 

_ شكلك متعرفش أنت بتلعب مع مين، أنا قاسم القاضي يالا، فوق لنفسك دا أنا أدفنك مكانك هنا.. 


أخفض من نبرته وتابع بوعيد: 

_ أنا في الغالب مش بحب أستخدم اسمي في تهديد حد، لكن في حالات لازم يعرفوا كويس بيتعاملوا مع مين؟ ولو مش عارف أعرفك يا روح أمك؟ أنا بحب أوي أوري الكلاب اللي زيك الرُتب اللي يتمنوا يخدموني، مناصب توديك ورا الشمس.. فأنت قدامك فرصة واحدة بس دلوقتي يا تتنازل يا هعرفك مين قاسم القاضي.. 


رفع قاسم ثلاثة من أصابعه ليُعطيه مهلة يأخذ القرار بها، وقال:

_ ١ ، ٢ ... 


لم يكاد يصل إلى رقم ثلاثة حتى هدر حمادة بخوفٍ: 

_ خلاص هتنازل.. 


أزاح قاسم يده عن ذراع حمادة وأعدل له ملابسه وهو يُحييه على قراره: 

_ جدع.. عارف مصلحتك 


بعد فترة، انتهى إجراءات خروج عبدالله، فُتح له والده باب الزنزانة خصيصًا فلم يجد ما يَسُر نفسه من معاملة عبدالله، فكان جافًا سار إلى الخارج دون توجيه الحديث له، تَبِعه إلى الخارج وهو يُناديه:

_ يا عبدالله اقف اسمعني.. أنا هجري وراك لغاية فين؟ 


_ متجريش ورايا، ارجع لمراتك وابنك أنت جاي من السفر... 

هتفها وهو يتابع سيره دون النظر إلى والده، فأسرع قاسم من خُطاه وقام بإجباره على الوقوف بمسكه ذراعه وهتف: 

_ أنا مخلصتش كلامي، أنا المرة دي ناوي تسمعني وتديني فرصة، ومش هزهق قبل ما أخليك تعترف تعترف إني أبوك، سامع يا عبدالله، أنا مش هسيب الحياة دي قبل ما أسمع منك كلمة بابا!! 


سحب عبدالله ذراعه ونظر إليه شزرًا قائلًا بإزدراء:

_ اللي بيحكموا عليه بالإعدام بيسألوه لو نفسك في حاجة أخيرة قبل ما يموت بس مش بيحققوها، يعني مش هتبقى أول واحد يموت من غير ما يتحقق له حاجة عايزها.. هتلاقي شبهك كتير 


انسدلت كلمات عبدالله كالخنجر الذي طعن قاسم وغرز في قلبه؛ فقسمه إلى نصفين، شعر بمزيجٍ من الحزن وخيبة الأمل الكبيرة، رمقه بأعين لامعة تهدد بالبكاء، اهتز داخل عبدالله ولم يستطع مواجهة عينيه ففر هاربًا من أمامه، استدار بجسده ونظر إلى صديقيه اللذان يقدِمان عليه.


_ عايز أبوك يموت يا عبدالله؟! 

أردفها قاسم بنبرةٍ مهزوزة يغلفها البكاء، شعر عبدالله حينها بفداحة ما قاله، آلمه قلبه للغاية، وشعر بوخزة به، ناهيك عن دموعه التي هاجمته فأسرع بكتم أنفاسه مانعها من الخروج. 


وصل إليه زكريا برفقة وليد وتعجبا من حالته، ناظرين إلى ذلك الذي يبكي في الخلف، تبادلوا نظراتهما بغرابة مما يحدث، وانتبهوا على اقتراب قاسم منهم وتوجيهه الحديث إلى عبدالله: 

_ برده هفضل وراك لغايه ما أغير نظرتك عن أبوك 


رفع قاسم ذراعه ووضعه على كتف عبدالله من الخلف وتابع: 

_ مش هموت نفسي في حاجة.. 


غادر المكان سريعًا حين فقد السيطرة على نفسه، فكان في وضعٍ يرثى له، بينما تساقطت عبرات عبدالله فور إطلاقه لأنفاسه الحبيسة، لكن سرعان ما أخفاها في ملابسه حتى لا يراه صديقيه في حالته كالذي كان عليها. 


_ هو دا أبوك يا عبدالله؟ 

هتفها زكريا ولم يكاد ينهي سؤاله حتى التفت إليه عبدالله مندفعًا به: 

_ شششش 


ثم أسرع خُطاه بعيدًا عنهما، فتبعوه وقد سأل وليد صديقه: 

_ ودا إيه اللي خلاه يظهر بعد كل السنين دي؟ 


رفع زكريا كتفيه بعدم معرفة للأمر ونادى بصوتٍ جهوري على عبدالله الذي وجده يشير إلى أحد السيارات وقال: 

_ استني يابني أنت رايح فين، هنيجي معاك.. 


لكن هيهات لسرعة الآخر فلم يلحقا به، وقفا وتبادلا النظرات المريبة ثم صاح وليد متسائلًا: 

_ أنت فاهم حاجة؟ 


نفى زكريا بحركة من رأسه وردد: 

_ فيه حوار بيحصل وإحنا مش فاهمين حاجة.. وقفا يحاولا استجماع أي مما يحدث لكنهما فشلا، فقررا العودة إلى منطقتهم. 


وعند وصولهم وقف زكريا أمام إحدى الصيدليات ووجه حديثه إلى وليد: 

_ أنا هدخل أجيب حاجة.. روح أنت 


أماء وليد بقبولٍ فانتظره زكريا حتى غادر المكان ثم ولج الصيدلية وقام بطلب أحد الحبوب، وعاد إلى البيت، قطب جبينه بغرابة حين استمع لضجة محدثة في منزله. 


فتح الباب وتفاجئ بوجود والدته وشقيقتيه؛ اقترب الجميع منه ليطمئنوا عليه فكانت والدته أول ما سألته بلهفةٍ: 

_ أنت كويس، أنا قلقت لما شوفتك نازل تجري وناديت عليك مردتش.. 


بتعجبٍ قال: 

_ أنا كويس الحمد لله، هي ليلى مقالتش أنا كنت فين؟ 


ردت عليا مجيبة باسيتاء:

_ قالت بس ماما بتحب تقلق نفسها وتقلقنا، مصممة إن فيك حاجة وليلى بتقول كدا عشان متخوفهاش.. 


رفع زكريا ذراعيه للأعلى ليؤكد لها أنه بصحة جيدة: 

_ أنا قدامك أهو، مفيش فيا حاجة 


وما كاد يفعل حتى سقط الشريط من جيب سترته فشهقت هناء مذعورة وقالت: 

_ شوفت، أهو أنت جايب شريط برشام يبقى أنت فيك حاجة!! وريني دا بتاع إيه؟ 


أسرعت هناء نحوه تحاول التقاطه فكان زكريا أسرع منها وأخذه ثم دسه في جيب سترته ثانيةً: 

_ يا ماما قولتلك مفيش حاجة والله كويس.. 


بعدم اقتناع لما يخبرها به هتفت: 

_ مش مصدقاك، هات لما أشوف شريط البرشام بتاع إيه وأنا اطمن 


حاولت أخذه من سترته عنوة لكنه أبى وبانفعالٍ صاح: 

_ خلاص بقى، قولت مفيش حاجة.. 


تراجعت هناء للخلف حين وجدته منفعلًا، ابتلعت ريقها وحاولت الإتيان بسؤالٍ آخر لتمحي التوتر الحادث:

_ عبدالله كويس؟ خرج ولا لأ 


_ خرج.. 

اكتفى بقولها، فلقد ضاق صدره، ولم يعد يستطيع مجاراة ما يحدث، انتبهت عليا لحالته وفضلت أن ينسحبن بهدوء، فمالت على والدتها وهمست: 

_ يلا إحنا يا ماما، اطمنا عليه معتش له لزوم نفضل هنا.. 


أماءت هناء بالقبول، ثم انسحبن إلى الخارج، فتوجه زكريا إلى الأريكة وجلس يستريح عليها، بينما خلعت ليلى إسدالها فظهر قميصها ذو اللون الأحمر الذي يتماشى مع انحناءات جسدها فجعلها مثيرة. 


انتبهت ليلى على نظرات زكريا التي تتآكلها، فشعرت بالخجل منه، جلست بجواره ووضعت الاسدال على قدميها خافية به جزءًا منها، فتفاجئت بزكريا يلقيه بعيدًا عنهما مرددًا: 

_ ملوش لازمة، سايباه عليكي ليه؟ 


نكست رأسها بحياء فشعر زكريا بالضيق من خلف حيائه‍ا الدائم، فأراد أن يمحيه وتكون على طبيعتها معه فقال: 

_ أنا جعان تعالي نحضر سندوتشين على السريع.. 


أماءت بطاعة ونهضت فنهض خلفها ودلف المطبخ، كان يتعمد زكريا ملاطفتها من آن لآخر حتى شعر بها تسايره في أفعاله دون خجل، أخرج الشريط الذي معه وناوله لها موضحًا: 

_ خدي لك واحدة، انتظمي عليه، الصيدلي كاتب لك مواعيده إيه


بحاجبين معقودين تساءلت بغرابة:

_ إيه دا؟ 


أجابها وهو يصب لها الماء في الكوب: 

_ حبوب منع حمل.. 


ناولها الكوب واستشعر ضيقها، فأسرع في التحدث قبل سماعه أي اعتراضاتٍ منها: 

_ إحنا اتفقنا على إيه يا لول؟ أول سنة بس وبعد كدا لو طلبتي نجيب عشرة مش هقولك لأ.. 


حثها على الإقدام لتلك الخطوة بغمزه لها ثم قال: 

_ يلا يا لول، متفكريش كتير.. 


بعد لحظاتٍ، لم يكن أمامها سوى طاعته على الرغم من عدم اقتناعها بذلك الأمر، انتهى زكريا من تناوله الشطائر التي أعددتها ليلى وردد بتعبٍ: 

_ مش قادر أقف أنا داخل الأوضة.. 


لم يعطيها فرصة السؤال عما به، فهرولت خلفه متسائلة بقلق: 

_ مالك أنت تعبان ولا إيه؟ 


التقط زكريا يدها وهو يدخلها الغرفة عنوة ثم قام بركل الباب بقدمه ليجيب سؤالها بشكلٍ خاص. 


***


ترجل من السيارة مسرعًا وهو لا يرى أمامه؛ فقط يريد الوصول إليها، يريد أن يبعث الطمأنينة في نفسها ويسكن قلبها الامان، هرول نحو البناية خاصتهم، فتفاجئ بوالدته تهبط درجات السُلم. 


اقترب منها متلهفًا وأردف من بين أنفاسه اللاهثة: 

_ قولتي لصبا ياما؟ قولتيلها إني هكتب كتابي عليها؟! 


أخذت والدته تلتقط أنفاسها ثم أجابته: 

_ محدش فتح يا عبدالله، أنا من وقت ما رجعت من عندك وأنا بحاول أوصلهم، بس محدش بيرد ولا بيفتحوا الباب، شكلهم مش هنا.. 


_ يعني إيه مش هنا؟ هيكونوا راحوا فين يعني؟ 

هتفها برعبٍ سكن خلاياه وعشعش في قلبه، رفع رأسه للأعلى متفقدًا الطوابق ثم أسرع بالصعود حيث طابقهم، قرع الجرس وتلاه خبطات متتالية على الباب. 


لم يجد إجابة، فضاق صدره ثم وضع إصبعه على الجرس ولم يُبعده قط، استند برأسه على الباب وبصوتٍ منهك همس: 

_ افتحي يا صبا، أنا جيت، أنا جيت لك يا دكترة.. 


وضعت والدته يدها على كتفه تأزره في محنته فهي تشعر بما يمر به، تنهدت وقالت بحنانٍ: 

_ واضح إنهم مش موجودين، تعالى نرجع البيت ترتاح لك شوية.. يمكن يكونوا رجعوا 


أطال النظر عليها فحثته على السير: 

_ يلا يا حبيبي، اسمع الكلام 


عاود النظر إلى الباب وداخله غير مطمئن، رافق والدته حتى منزلهم، جلس على الأريكة وعقله لا يكف عن التفكير، هب واقفًا وجاب المكان ذهابًا وإيابًا وهو يحاول الإتصال على جميعهم، فوجد هواتفهم مغلقة، أغمض عينيه وردد بنبرةٍ محتقنة: 

_ راحوا فين؟ فجأة كدا مشوا؟ ما يمكن صبا حصلها حاجة.. 


_ الله أعلم بيهم يا عبدالله، اهدى أنت بس وإن شاءالله خير 

هتفتها بهدوء لعلها تنجح في تهدئة روعه، لكنه رفض الرضوخ لما تحثه عليه وصاح وهو يتوجه ناحية الباب:

_ لا مش قادر أهدى، أنا متأكد إن فيه حاجة حصلت.. أنا نازل 


هرولت إليه أحلام على أمل اللحاق به متسائلة بجدية:

_ رايح فين بس؟ 


تأففت حين فشلت في إعادته، أغلقت الباب وولجت إلى المرحاض تتوضأ لتشرع في صلاة الظهيرة وتدعو الله أن يربط على قلب ابنها بالصبر لمصابه خشية أن يصيبه مكروهٍ من وراء حزنه. 


*** 


ولج الفيلا بوجهٍ محتقن ثائر، لا يرى أمامه، تبِعه الآخر بخوف عارم، توقف والتفت إليه وهدر به شزرًا: 

_ أنا عايز أعرف أنت بتعمل في عبدالله كل دا ليه؟ 

أومال لو مكنش أخوك؟! ولو مكنتش أنا لسه مكلمك وموصيك متجيش جنبه؟ عاملتك من يوم ما كبرت على إنك صاحبي وعمري ما قسيت عليك، طلباتك كلها موجودة، بتشتغل في مكانة محترمة ولولا معارفي كنت لسه مقدرتش تتعين، ورغم إني مش بحب أستخدم اسمي في الشغل تحديدًا استخدمته عشانك! عشان أحقق لك حلمك وتوصل بسرعة ليه

عايز تخطب نزلت لك مخصوص بدري عشان أروح أخطب لك البنت اللي أنت عايزها وميكنش نفسك في حاجة ولا بتأخر عنك في أي طلب؟ يعني شبعان فلوس وحنية وطلبات وكل حاجة، ليه يكون جزائي عدم سماع الكلام؟! 

ليه تإذي حد بالشكل دا؟ واللي هيجنني أنه اخوك؟ يعني أنت بتعمل كدا وأنت مُدرك كويس الصلة اللي بينكم؟! على كدا بتعمل إيه مع الناس الغريبة؟ بتتعامل معاهم بالقسوة دي؟ ولا دا تعامل خاص بعبدالله بس؟!

انطق رد عليا، بس هتقول إيه؟ هتقول أن شيطانك بيحركك ولا الغيرة عمت عيونك؟ 


حينها اندفع آدم غير قابل تلك المقارنة الغير منصفة: 

_ وأنا لما أغير هغير من عبدالله!! دا أنا مستعناش أشغله سواق عندي


زم قاسم شفتيه حزنًا على رده الذي آلم قلبه وضاق له صدره، شعر بغصة في حلقه منعته من الحديث، لكنه جاهد حتى خرجت كلماته بصوتٍ مهزوز:

_ كلمتك وجعتني أوي يا آدم، عرفت تدوس على جرحي يابني، قدرت تثبت لي إني فشلت في تربيتك، وأنك لا عندك رحمة بغيرك ولا حتى أقرب الناس ليك، خلتني أشفق علي تفكيرك اللي أكيد والدتك زرعته فيك.. 


لم تقبل ما سمعته وانضمت للحوار قائلة: 

_ ربيته على إيه؟ أنت بتتكلم على إيه؟ 


استدار قاسم بجسده ورمقها بنظرات خذي وهو يخبرها:

_ ابنك كنتي بترضعيه كره وحقد مش لبن، كنتي بتتكلمي قصاده بكل غل على أحلام وعبدالله عشان يكرههم، مسبتيش فرصة إلا وانتهزتيها عشان تكرهي الإخوات في بعض.. إيه يا حورية يا بنت عمي، مش دا اللي كان وما زال بيحصل؟! 


أطلقت حورية ضحكة ساخرة واندفعت به قائلة باستعلاء: 

_ أحلام إيه دي اللي أتكلم عنها؟ أنت ناسي أنا مين وهي مين؟ فوق يا قاسم ومتقارنش الألماس بالفضة!! 


_ اخرسي.. 

أردفها منفعلًا غير قابل السماح للتقليل من أحلام، اقترب منها واستأنسف بغضبٍ من بين أسنانه المتلاحمة: 

_ أحلام دي زي اللؤلؤ اللي في البحر، نادرة وغالية أوي أوي، مش زي الألماس مستهلك للكل! 


اتسعت حدقتي حورية بصدمةٍ كما فغرت فاها مذهولة مما وقع على آذانها، ولم تقبل الإهانة قط: 

_ أنت بتقولي أنا الكلام دا يا قاسم؟ أنا مستهلكة؟ أنت بتتكلم عن بنت عمك ومراتك وأم ابنك بالشكل دا عشان واحدة ااا... 


قاطعها قاسم بوضعه يده على فمها محذرًا إياها بعينيه الذي يشع منهما الشر:

_ اياكِ، إياكِ سيرة أحلام تيجي على لسانك تاني، وإلا ننسى خالص أنك مراتي وأم ابني ومعاهم هنسى إنك بنتي عمي ومش هعمل قيمة للقرابة ولا للدم اللي بينا.. 


دفعها بعيدًا عنه ثم استدار ورمق آدم بنظراتٍ ثاقبة وقال وهو يحذره بسبابته: 

_ لو كنت بتعامل معاك قبل كدا على إننا صحاب، فأنا هوريك معاملة الأب بتكون إزاي، أنا هنسيك تربية أمك خالص، هعيد تشكيلك من أول وجديد.. 


توجه إلى الخارج ثم توقف وهتف دون أن يلتفت: 

_ أنا هقعد في بيت المزرعة، مش عايز أسمع صوت حد ولا أشوف خلقة حد.. 


تابع خروجه ثم استقل السيارة وأمر السائق بالتوجه إلى بيت المزرعة خاصته ليريح فيه أعصابه التالفة ويرتب أفكاره جيدًا قبل البدء في تصليح الأمور. 


*** 


دلف منزله، وتوجه مباشرةً نحو زوجته التي تقف في المطبخ، ناداها متسائلًا: 

_ هناء هي فين خلود؟ 


أجابته باختصار: 

في أوضتها لسه راجعة من الكلية.. 


أماء ثم نادى بصوتٍ عالٍ: 

_ خلود.. 


جائته مسرعة فأخبرها ما يريده منها وهو يناولها مبلغًا نقديًا: 

_ طلعي دول لمرات عمك وقوليلها معلش بابا أتأخر الشهر دا عشان فرح زكريا.. 


أماءت بطاعة وركضت إلى الخارج، بينما هتفت هناء وهي تمسح يديها في المنشفة: 

_ ما كنت تستنى أنا هطلعهم يا محمد، طلعت خلود ليه؟ 


عقد محمد حاجبية بغرابةٍ من كلامها المبهم وقال: 

_ وتطلعي أنتِ طلاما فيه حد من العيال هنا.. 


أوضحت له هناء بعض الأمور الذي يتغافل عنها بنبرة متريثة: 

_ خلود معدتش عيلة يا محمد، وفيه شاب فوق ومش عايزاها تختلط بيه كتير عشان عيب، لازم يكون فيه حدود بينهم.. وخصوصًا أنهم اخدين على بعض زيادة وبيهزرا بالإيد ولا كأنهم عيال.. 


_ ما طبيعي يا هناء، مش خلود دي مولودة على ايدين وليد وهو كمان اللي مسميها، دي أخته الصغيرة، متكبريش المواضيع، الولد محترم وعمره ما يبص بصة وحشة لبنتك اطمني، دا بيخاف عليها زيه زي زكريا بالظبط 

قالها محمد ليطمئن قلب زوجته بينما لم تقتنع هناء؛ وفضلت الصمت حتى لا تخلق مشادة كلامية بينهما. 


في الطابق الثاني؛ طرقت خلود باب منزل عمها ففتحت زوجة عمها بعد قليل، استقبلتها بحفاوة مرحبة بها: 

_ يادي النور يادي النور، تعالي يا خوخة


ابتسمت خلود بخجل وقالت وهي تدلف بخطاها للمنزل: 

_ ازيك يا آبلة عيشة


الحمد لله يا حبيبتي، أنتِ عاملة ايه، وأخبار جامعتك إيه؟ 

تساءلت باهتمامٍ فأجابت خلود بإيجاز:

_ ماشي الحال، كله تمام.. 


ناولتها النقود وهي توضح ماهم: 

_ بابا بيقولك معلش أنه أتأخر عنهم، عشان فرح زكريا وكدا.. 


_ بخجلٍ واضح قالت: 

_ والله أبوكي دا بيكلف نفسه فوق طاقته، وليد الحمد لله مش مخليني محتاجة حاجة.. عمومًا قوليله شكرًا على لما أشوفه وأشكره بنفسي.. 


العفو على إيه بس، أنا هنزل عشان لسه راجعة من الكلية وواقعة من الجوع 

أردفتها خلود ثم نهضت فأبت زوجة عمها ذهابها بقولها:

_ خليكِ اتغدي معانا، دا أنا عاملة بامية باللحمة من اللي أنتِ بتحبيها 


برقت عيني خلود وصاحت بتلقائية:

_ الله بامية!! بس.. 


قاطعتها الآخرى بإصرارها: 

_ مبسش، هتاكلي معانا، هروح أحضر الأكل يكون وليد خرج من الحمام.. 


بعفوية هتفت خلود:

_ طب خليني أساعدك بقى 


تبِعتها خلود إلى المطبخ، فبدأت زوجة عمها تحضر الأطباق وتناولها إياها فتخرجها خلود وتضعها على الطاولة، وأثناء حملها للطبق الأخير، خرج وليد من الحمام عاري الصدر يحاوط خصره منشفة بيضاء طويلة، تتساقط بعض القطرات من خصلاته. 


اصطدم جسديهما فشهقت خلود مذعورة، اهتز الطبق إثر الإصطدام الحادث فسقط بعضًا منه على أصابع خلود التي صرخت عاليًا: 

_ آه ايدي.. 


أسرع وليد بأخذ الطبق من يديها ثم عاد إليها يتفقد أصابعها، خرجت والدته اثر صراخ خلود مذعورة وهتفت متسائلة:

_ في إيه يا ولاد؟ 


أخبرها وليد مختصرًا: 

_ الطبق وقع على ايدها.. 


ثم استأنف موجهًا حديثه إلى خلود: 

_ تعالي اغسلي ايدك..


نظر إلى والدته وأمرها بلهفةٍ: 

_ هاتي تلج يا ماما لو سمحتي.. 


ولج المطبخ ثم فتح صنبور المياه فسقط الماء على يدها سبب لها الألم فوضعت يدها المُحررة على صدره دون إرادة منها، شعرت خلود بقشعريرة جسده، كما خفق قلبها حين تلاقت أعينهم معًا. 


انتبه وليد على صوت والدته التي تشير بعينيها على صدره:

_ روح أنت يا وليد وأنا هطمن على إيدها.. 


أماء دون تعقيب ثم انصرف سريعًا وولج غرفته، مر من أمام المرآة فاستنفر من شكله، كيف وقف أمامها بهذا المنظر؟! تجهمت تعابيره وفر هاربًا مبتعدًا عن المرآة، قام بارتداء ملابسه وخرج من الغرفة. 


استحت خلود بقائها بعد رؤيتها له في شكله الخاص، بينما أبعد هو أي حرجٍ من رأسه فيجب عليه الإطمئنان على يدها وتساءل باهتمامٍ: 

_ ايدك كويسة؟ 


ردت وهي منكسة الرأس: 

_ هتبقى كويسة.. 


بحثت عن زوجة عمها وبحياء أردفت: 

_ أنا هنزل معلش على اللي حصل.. 


_ هو إيه بس اللي حصل، المهم ايدك تبقى كويسة..

قالتها زوجة عمها فأسرعت خلود في الخروج سريعًا، بينما رددت الأخرى بشفقة:

_ يا حبيبتي دا كان نفسها تاكل البامية.. ملحقتش 


_ هاتي طبق وأنا أنزله

هتفها وليد فأماءت برأسها وعادت إلى المطبخ تحضر طبقًا فانضم لها وليد ينتظر انتهائها، استغلت والدته وقوفه ورددت ما يجب عليها قوله: 

_ بس أنت مكنش ينفع تقف قدام بنت عمك وأنت كدا.. 


تفاجئ وليد بعتابها وتملكه الخجل من نفسه، أخذ نفسًا وقال معللًا: 

_ هو أنا كنت عارف يعني إنها هنا؟ وبعدين حصل اللي حصل واتعاملت بعفوية مش متعمد أقف قصادها كدا أكيد.. 


_ أنا قولت أعرفك لأن دا واجبي، حرام يا حبيبي ياريت تاخد بالك بعد كدا

هتفت بها والدتها فأراد وليد الهرب من أمامها فلقد أنهته بكلامها، حتى وإن كانت نصيحة أمومية لا غير ذلك، أخذ منها الطبق وهبط إلى الطابق الأول، قام بقرع الجرس وأعطاه لأول من قابله عاود الصعود إلى منزله ليتناول وجبة غدائه قبل أن يذهب إلى عمله. 


*** 


مساءًا وبعد العديد من الإتصالات التي قام بها عبدالله، والنتيجة ذاتها، الهواتف مغلقة، نفذ مخزون طاقته على التحمل، خرج من البيت كالثور الهائج لا يدري أي من وجهته يذهب، فقط يريد الوصول إلى صباه، لكن كيف؟ 


وصل إلى البناية خاصتهم وصعد درجات السُلم في خطوة واحدة، كانت يديه ما بين قرع الجرس وطرق الباب بعنفٍ حتى استمع إلى صوت جيرانهم من الطابق العلوي: 

_ محدش هنا يا عبدالله.. أنا شوفتهم وهما أخدين شنط سفر من بدري وماشين.. 


وكأن صاعقًا قد صعق عقله، لم يستوعب ما قاله الرجل، رفع رأسه للأعلى وردد دون استيعاب للأمر:

_ يعني إيه مشوا؟ مشوا راحوا فين؟ 


رفع الرجل كتفيه وأجابه:

_ العلم عند الله يابني.. 


أغمض عبدالله عينيه لبرهة؛ فعقله يأبى تصديق ما سمعته أذنيه، ابتلع ريقه ثم هم بالنزول، وتوجه إلى الزقاق خاصته، رفع رأسه ناظرًا إلى الشرفة، ثم وجه بصره على المواسير التي تصل إلى المنزل، ولم يتردد في التسلق عليها حتى بات في شرفة الغرفة الخاصة بصبا. 


ركل الباب بقدميه بعنفٍ مرات عديدة حتى فُتح، وقام بالدخول إلى الغرفة، ألقى نظرة سريعة على الغرفة، ثم وقعت عينيه على الخزانة الفارغة، خالية من أي أقشمة.. 


تعالت وتيرة أنفاسه وتردد صداها في صدره الذي ارتفع وهبط بعنفٍ، جر قدميه بضعفٍ وتوجه إليها، فوجد شيئًا ملقى على الأرض، لم يتردد في أخذه فكان وشاح لصباه تلفه حول عنقها، فقام بشم رائحته فتغلغل عبيرها إلى أنفه فصاح بقلبٍ مفطور: 

_ صبا...

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

close