القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل العشرون 20بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات

 

رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل العشرون 20بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات






رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل العشرون 20بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات


✧❀༺༻❀✧

رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔

العودة (عناق الدم)❞ 

بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ

✧❀༺༻❀✧

{ أقسى ما يمكن أن يعيشه الإنسان... أن ينكسر على يد من ظنّه سندا له،ويكتشف أن من كان ملاذ قلبه... صار سبب كل جراحه، فالحياة لا تجيد الرحمة، تختبرك بمن تحب،وتجرحك من حيث ظننت الأمان.

والنجاة؟ليست سلاما... بل قدرة على حمل الجراح والمضي..}

ليلةعادل✍️♥️


             الفصل العشرين♥️🤫


              [بعنوان: أثقال لا تري]


،تردد مكي قليلا قبل أن يقول: بخصوص رشدي، في حاجة غريبة عرفتها وحبيت أقولك عليها، يمكن توصلنا لحاجة.


نظر له سليم باستغراب، وضيق عينيه: حاجة إيه؟


مد مكي وجه موضحا: رشدي دخل صفقة سلاح مع تاجر سلاح أمريكى، اسمه ستيف كريستوفر.


اعتدل في جلسته، وحدق فيه بتركيز: معرفوش، مشتغلناش مع حد بالاسم ده قبل كده، ولا حتى من ترابيزة الإتفاق 


أومأ مكي: أيوة، عرفه عن طريق عيسى الخياط، في معرفه قديمة بينهم.


عاد سليم بظهره إلى المقعد، وبدت عليه علامات التعجب: عيسى؟! هو ساب المخدرات واشتغل في السلاح؟


اوما براسه بإيجاب: بيشتغل في الأتنين دلوقتي..


ثم تابع بعد لحظة صمت: بس الصفقة مكانتش كبيرة، صندوقين كده، رشدي دفع تمنهم من حسابه الخاص، وبعدها بعتهم لأندريه، علشان يجيب مكانهم ألماظ.


رفع حاجبه بإستنكار: ألماظ؟! هو محتاج الكمية دي كلها ليه؟ الورش مفيهاش نقص!! أنا لحد أسبوع فات عامل جرد والكميات عندنا كبيرة وفيها فائض، وبنوزع دلوقتي على التجار! 


مد مكي شفتيه بعدم معرفة، وساد صمت ثقيل للحظة، حاول سليم فيها التفكير في سبب حاجة رشدي لكل هذه الكميه من الألماظ لكي يخاطر مخاطره كهذه لجلبهم؟!


نظر لمكي، ثم تساءل: مين إللي دخلهاله؟


مكي موضحا: ريمون، عمل زي ما أنت عملت قبل كده، إداه سلاح، وخد قصاده ألماظ.


تمتم سليم بحيرة: طب هيكون عايزهم في إيه يعني؟!


هز رأسه بعدم معرفه: مش عارف، بس هحاول أعرفلك.


تنهد سليم بملل،قال بضجر: أنا زهقت من طيش رشدي وأفعاله المتهورة دى...

تابع بنبرة حاسمة: بس عموما أنا ملـيش دعوة، يعمل إللي يعمله، ولو دخل نفسه في مشكلة معاهم ولا هتدخل، أنا مش هفضل طول عمري شايل همه...

تغيرت نبرته قليلا اضاف: وبعدين المواضيع دي مش فارقة معايا دلوقتي، أهم حاجة عندي موضوعه مع ماسة.


نظر إليه مكي بتركيز: لحد دلوقتي مفيش أي حاجة، امبارح كان طول اليوم برا معرفش كان فين، ومن النهارده بدأت احطه تحت عيني واراقب كل تحركاته زى ماتفقنا، وهروح اراجع الكاميرات بتاعه الجامعه النهارده.


أومأ سليم باقتضاب: تمام


تنحنح مكي قليلا، ثم قال بجدية: في حاجة كمان حصلت كنت عايز اقولك عليها.


عقد حاجبيه باستغراب: خير؟ في إيه تاني؟!


تنفس بعمق قبل أن يكمل: عثمان النهارده الصبح وأنا بوزع الرجالة، طلب إنه يكون مع ماسة، وعشري قالي إن دي مش أول مرة يطلب كده، دايما بيبقى عايز يكون ضمن طقم الحراس بتوع ماسة.


انعقد حاجباه، وصوته خرج متحفظا: عثمان؟ وليه عثمان متلهف أوي كده إنه يبقى من حراس ماسة؟


رفع مكي كتفه بعدم معرفه: معرفش.


صمت لحظة، أضاف وهو ينظر لسليم مباشرة: بص، إحنا مش عايزين نسيب دماغنا تروح لحتة بعيدة، أنا من رأيي نوافق انه يبقى معاها، بس نحط عينينا عليه.


انتفض رافضا، بنبرة حاسمة: لا طبعا، أنا مش هجازف بيها...

توقف قليلا وكأنه تذكر شيء، ثم تساءل: هو مش عثمان ده كان ضمن طقم الحراسة بتاع الفيلا يوم ماهربت؟!


هز رأسه إيجابا: أه كان موجود.


ضغط على فكه، بينما أكمل مكي بسرعة: اسمعني بس يا سليم، خليه يبقي معاها، وأنا أحط عيني عليه، وهركب لها جهاز تتبع، وههكر تليفونه ونشوف ايه اللى وراه.


سليم دون تردد: هو كده كده لازم يتحط تحت الميكروسكوب، بس أكيد مش هيكون من ضمن حراس ماسة استحاله اجازف لحد ما افهم ايه اللي وراه...


تنفس بعمق ثم حسم قراره: من النهارده، انت وعشري وراويه مع ماسة وخدوبالكم منها كويس أوى، وهو هيبقى معايا انا، لحد مانشوف، هو عايز يبقى معاها عادي، ولا في حاجة تانية!؟


رمقه مكي بنظرة فاحصة، وسأله فجأة: محاولتش تسألها بعد مارجعتلها الذاكرة عن سبب هروبها المرتين الاولنيين ولا لسه معاندة؟ ولا مستني بعد أسبوع الفرصة؟


زفر باضطراب، وصوته خرج صادقا ومتعبا: بصراحة كنت ناوي أستنى بعد الأسبوع ماصدقت بقينا كويسين، بس فجأة لقيت نفسي بسألها، بس قالتلي إنها محتاجة شويه وقت تتنفس وبعدين هتحكيلي، ومن طريقتها حسيت إن في حاجة، بس مرضتش اضغط عليها.


تنهد مكي باستغراب: أنا لحد اللحظة دي بحاول أفكر في سبب يخليها تعمل كده ومش لاقي؟!


ابتسم سليم ابتسامة قصيرة، لم تصل إلى عينيه: صدقني مش أكتر مني..

تنفس بعمق وأكمل: بس عموما، انا هستنى لبعد الفرح، وهسألها تانى، ما أنا لازم أفهم مش هفضل متساب لخيالي كده كتير!! 


توقف لحظة، وكأن الكلمات تثقل على صدره، وأضاف:

لازم أفهم ليه قالت كده عن رشدي؟! وليه الخوف اللي شوفته في عينيها لما صافيناز اعتذرتلها، في أفكار مش حلوة بتلف في دماغي مش عايز أصدقها.


نظر له مكي مباشرة، وسأله بهدوء: طب ما تقولي بتفكر في ايه؟!


مرر يده على وجهه بتوتر: زي ماقولتلك، خايف يكون رشدي تطاول عليها اوحاول يتحرش بيها، وهي خايفه تقولى علشان عارفه إني بغير لو عرفت حاجه زي كده اقتله، اما صافيناز يمكن خايفه ان انا ما اقدرش احميها كفايه منها و...

توقف لوهله، ثم هز رأسه بحيره: مش عارف...

تنهد محاولا إنهاء الحديث: عموما كلها اربع أيام.


أومأ مكي برأسه موافقا: عندك حق.


تبادلا النظرات بصمت ثقيل والأفكار تتلاطم براسهما.


قصر الراوي، 1:00ظهرا.


الحديقة العليا


جلست فايزة تتصفح هاتفها بهدوء، اقتربت منها إحدى الخادمات بخطوات هادئة، وقالت: فايزة هانم...


رفعت عينيها من الهاتف بانتياه، فمالت الخادمة برأسها بإحترام: مي هانم ولوجين هانم عايزين يقابلوا حضرتك.


صمتت للحظة، ثم قالت ببرود رزين: قوليلهم يجوا هنا.


أومأت الخادمة برأسها، وبعد قليل دخلتا بابتسامتين رقيقتين، وجلستا أمامها، تتأملان ملامح وجهها بدهشة واهتمام.


فايزة بابتسامة خفيفة: أهلا بالعرايس الحلوين، عاملين إيه؟


لوجين بابتسامه رقيقة: الحمد لله، ازي حضرتك يا هانم؟


فايزة بهدوء: أنا بخير، اتفضلوا اقعدوا.


جلسوا جميعا، فقالت مي بابتسامة مهذبة: بصراحة، حابين حضرتك تختاري معانا الديكورات وناخد رأيك فيها لو مش هنزعجك، لان بصراحه ذوق حضرتك في اختيار كل اثاث القصر خلانا نحس إننا هنبقى خسرانين لو ماخدناش رأيك.


مالت إلى الوراء بابتسامه خفيفه: ياريت متدخلونيش، ممكن رأيي ميعجبكمش.


لوجين بحماس: ليه؟ إحنا أصلا جايين نطلب رأيك وبعدين أكيد هنتناقش سوا.


فايزة بهدوء استقراطي: أنا دايما بحب الاثاث الفخم الراقي اللي مجرد ماتشوفوه تحسوا إن القطعة دي مختارة بعناية.


ابتسمت مي برقه: أنا كده كده بحب الحاجات الكلاسيك، فأنا وحضرتك هيحصل بينا اتفاق في كل النقشات تقريبا، لكن لوجين هي اللي بتحب المودرن ممكن هي اللي تتعبك شويه.


رفعت لوجين كتفها بخفة: أعتقد برضه حضرتك ممكن تختاري حاجات مودرن وملونة عادي.


فايزة بابتسامه: خلاص، مفيش مشكلة، عموما مبفضاش غير بعد الظهر، علشان في الأغلب بيبقي عندي اجتماعات كتير الصبح، خلونا مع بعض على تليفونات، انتم اختارتوا ايه لحد دلوقتي طيب، وصلتوا لايه؟!


اخرجت لوجين الكتالوجات بابتسامه: اختارنا شوية حاجات كده ممكن ناخد رأيك فيها.


اومأ فايزة برأسها وهي تتفحص الكتالوج، وعينيها تتنقل بين الصور بدقة.


وبالفعل، بدأوا في التحدث واختيار بعض المتعلقات، وكان الانسجام واضحا بينهم، على غير المتوقع.


على اتجاه آخر في حديقة القصر 


جلس عماد على المقعد الخشبي، وبجواره صافيناز، بينما عيناه تلاحقان زين ومريم وهما يركضان أمامه، وضحكاتهما تتناثر في الهواء كشرارات ضوء صغيرة.


اقترب زين بخطوات سريعة، يده الصغيرة تقبض على ورقة رسم، ووجنتاه تحمران من الركض والفرح.


زين، وهو يلهث ويضحك: بابا بص! دي أنا وأنت!


مد يده وأخذ الرسمة مبتسما حين راها، اتسعت عيناه بدهشة، فالرسمة لم تكن طفولية عادية؛ بل دقيقة، ملامح الوجوه مرسومة بإتقان أقرب لرسام موهوب، لا طفل في عمر زين!


ربت على رأسه بحنان ممزوج بوجع يعرف أن هذا الطفل ليس من صلبه، لكنه أحبه بصدق كأنه جزء من روحه.


عماد بحماس: تحفة يا زين أنا مكنتش عارف إنك بتعرف ترسم حلو كده!

ثم رفع نظره لصافيناز متسائلا باستغراب: كنتي تعرفي إن زين بيعرف يرسم كده؟


أشعلت سيجارتها بعجرفة، ثم نفثت دخانها ببطء: لا..


عاد ينظر لزين، وارتقع حاجباه بإعجاب صادق: جميلة يا زين، ولو رسمتلي رسومات أحلى من دي أنا هجيبلك هدية حلوة.


زين بحماس طفولي: ماشي! وانت كمان خد دي، واعملها برواز وحطها عندك في المكتب.


ابتسم أكثر، واقترب ليقبله على جبينه: حاضر.


ركض ليجلس على الأرض بجانب مريم، كلاهما ينحنيان على أوراقهما وعلب الألوان.


ظل عماد ينظر إليهما بتأمل طويل، وحنان حقيقي يكاد يفيض من عينيه. يعلم أن دماءه لا تجري في عروقهما، لكنهما لا ذنب لهما في خطايا صافيناز، ولا ذنب له في إحساس الأبوة الذي لا يستطيع مقاومته.


التفتت عيناه لصافيناز بنظرة حادة، كارهة، تختنق بالغضب كلما تذكر ما فعلته، لكنه كتم كل شيء في صدره، يدفنه كما يفعل كل يوم.


مالت صافيناز نحوه قليلا، تخفض صوتها: قولي يا عماد إيه أخبار الشحنة الجديدة؟ إمتى هتوصل علشان خط الإنتاج؟


التفت إليها بملامح هادئة رغم ما يغلي بداخله: هتوصل أول الأسبوع، متقلقيش أنا واخد بالي من كل حاجة.


أشار بيده: بس برضخ لازم تيجي الشركة شوية، أنتِ بتفهمي في موضوع المواد أكتر مني.


هزت رأسها وهي تنفث دخان سيجارتها: أوكي، بس عايزة أركز الفترة الجاية في المجموعة وخليك أنت في شركتنا.


ضحك ضحكة ساخرة أكثر مما تبدو: هتركزي في المجموعة ليه؟ سليم مستحيل يديكي شغل.


رفعت حاجبها بثقة باردة: مجرد وجودي في المجموعة مش حاجة عادية.


نظر لها طويلا وهز رأسه إيجابا بصمت.


مجموعة الراوي، 2:00ظهرا.


غرفة الاجتماعات


جلس سليم على رأس الطاولة، بينما كانت المناقشات تدور من حوله، الأصوات تتداخل، والآراء تتصادم في نقاشات قوية وحاسمة، وبعد انتهاء الاجتماع، بدأ الجميع في المغادرة تباعا، إلا رشدي، بقي جالسا في مكانه، لم يتحرك، وكأن لديه ما لم يقل بعد.


نظر له سليم باستغراب: خير يا رشدي؟ في حاجة؟


تنهد موضحا، وصوته خرج هادئا على غير عادته: أنا الفترة الجاية هحاول أخلص الشغل اللي ورايا، بس ممكن تتابع الصفقة الجديدة بدالي؟


اومأ برأسه وقال بنبرة عمليه: ماشي، ابعتلي تقرير بكل اللي وصلتوله...


توقف لحظة، ثم نظر إليه بتدقيق: قولت لمي على الإدمان صحيح؟


خفض عينيه للحظة: كنت ناوي، بس مقدرتش.


تنفس سليم بعمق، وقال بعقلانية: بس اللي أنت بتعمله ده مش صح، خليك صريح معاها.


ابتسم ابتسامة خفيفة، أقرب للسخرية: والنبي يا سليم بطل دور الواعظ اللى أنت عايش فيه دى، عايز تفهمني يعني إنك زعلان عليا ومهتم بحياتي، وبتتمنالى الخير وحياة سعيده وكده!


شد سليم فكه، وصوته ارتفع رغما عنه: هو أنا ليه كل متكلم معاك تكلمني بالأسلوب ده؟ ديما عندك حتة الهجوم دي! وأنا مش هتمنى ليك الخير ليه؟ انت أخويا يا رشدي، آه متهور وطايش وساعات كتير بتستفزني، وببقي عايز اخنقك، بس في الأول وفي الآخر انت أخويا.


ابتسم بسخريه موجعه: أخوك أه، ودى من امتي؟! ولا بأمارة ايه، بإمارة ما طول حياتك عاملي فيها القاضي الجلاد المثالي اللى مبيغلطش وبتستقوي عليا، ولا بأمارة ما بتستنيلى غلطه علشان تسخن الباشا عليا، والنبي أطلع من الشويتين دول يا سليم علشان أنا وانت عارفين اللى فيها. 


ابتسمت على شفتي ابتسامه جانبيه قال بعقلانية، ليس الدفاع عن النفس لكنها كانت توضيح: لا إنت اللي بتحاول تقنع نفسك ديما اني بكرهك، وبتعاقبني بالمقارنات اللي كانت بتعملها الهانم والباشا، ولو أنا كنت بغضب عليك لما كبرت، لان أفعالك مكنتس طبيعيه، طبيعي دمي يفور، أغتصاب وقتل وقرف، طبيعي اتجنن..

مال للامام بصدق: بس صدقني أنا معنديش مشاكل معاك، ولو بقسى أو بشد عليك، فلأني خايف عليك، زي الأب اللي بيعاقب ابنه الطايش لما يغلط.


رفع حاجبه باستنكار: وإيه لزمة الكلام ده دلوقتي يعني؟ عايز توصل لايه!؟


تنهد وكأن الكلام خرج منه دون تخطيط: عادي، حسيت إني محتاج أقوله، والله يا رشدي، أنا نفسي نبقى كويسين مع بعض.


صمت قليلاً بتمنى أن يخبره بحقيقة ما يخفيه عن صفقه السلاح وغيرها قال: ولو في حاجة جواك، وعايز تقولها، أنا ممكن أسمعك..


نظر رشدي بعيدا، بتفكير ثم قال ببرود: لا مفيش.


زم شفتيه بأسف وكأنه يقول في نفسه مفيش فايده: تمام يا رشدي، براحتك.


تنفس بعمق، ثم أكمل بنبرة عقلانية ممزوج بنصح اخوي: بس أنت كمان كام يوم وهتتجوز وداخل على حياة جديدة، فياريت تفكر كويس في كل حاجه بتعملها وبلاش تهور، أنت زمان لما كنت بتعك في حاجه كنت بطولك، لكن دلوقتي هيبقي في حياتك زوجه وممكن بعد كام شهر أولاد، ففكر كويس قبل ما تعمل أي حاجه متهوره من أفعالك، لأن صدقني لما بنغلط هما اللى بيدفعوا التمن مش أحنا، أسأل مجرب.


نظر له رشدي متأثرا بصمت، لا ينكر أن كلمات سليم حركت شيئا عميقا في داخله، وبدأ يتسرب إليه شعورا خفيا بندم حاول تجاهله بأسف، فجزء من تجربته المره التي عاشها كان هو شريك أساسي فيها بل والعقل المدبر في الكثير من الأحيان!! 


تنهد سليم بألم، وابتلع غصه مره تشكلت في حلقه: المهم فكر في كلامي كويس، وزي ما قولتلك، أنا معنديش أي مشاكل معاك، إحنا كنا صغيرين دلوقتي كبرنا، ولازم نقفل صفحات الماضي ونبدأ صفحة جديدة.


توقف لحظة، ثم تابع بابتسامة صادقة: وبما إنك بدأت تشتغل كويس، موضوع كرسي العرش ده مش شاغلني، ولو عايزه خده وأنا هساعدك توصله، زي ما قولتك قبل كدة، أما بالنسبه لشغلك فمتقلقش أنا هتابعه، بس ابعتلي التقارير، وقولي عملت إيه في موضوع المدارس.


ظل يطالعه بصمت وشرود، لا ينكر أن كلماته لامست شيئا دفينا في قلبه، شيئا حاول طويلا إنكاره، ومع ذلك، لم يصدقها كاملة!! او حاول الهروب منه..


فالماضي لم يكن سهلا لدرجة أن يمحى بكلمات، وما حدث بينهما لم يكن جرحا عابرا يمكن تجاوزه، كان لايزال مقتنعا أن سليم أخذ منه الكثير، حقوقا يراها حقا خالصا له، لا تنازل عنها.


ثبت نظره إلى الأمام، لم يستطع أن ينظر إليه، وكأن المواجهة قد تفضح ما يحاول إخفاءه، ثم قال بتوضيح: لسه بعمل دراسات وتقارير، بس اتسحلت في حوار الجواز.


هز رأسه إيجابا: تمام.


توقف رشدي: أنا همشي، سلام.


خرج رشدي، بينما ظل سليم ينظر إلى أثره لثواني، ثم تمتم بخفوت: ربنا يهديك يا رشدي، بس يا ترى عامل إيه في ماسة؟


تنهد وأمسك هاتفه، وضغط على الاتصال: إيه يا حبيبتي، انتِ فين؟


جاءه صوتها من غرفتها، وهي ترتدي ملابس خروج: أنا بلبس أهو علشان هنزل أقابل شوشو.


سليم باستغراب: مش لسه الميعاد متأخر شوية؟


ماسة بتوضيح: لا، قالتلي هنتقابل كمان ساعة.


اومأ برأسه: طيب، خدي بالك من نفسك، أنا هخلص شغلي وراجع على البيت.


ماسة:ماشي باي.


سليم:باي.


انتهت المكالمة، وساد صمت أثقل من أي كلام.

❤️________بقلمي_ليلةعادل _______❤️

في احد الكافيهات،3:00عصرا.


جلست ماسة على إحدى الطاولات، تحدق في هاتفها بملل، وبعد دقائق ارتفع رنين هاتفها، فنظرت إليه بابتسامة وأجابت: أيوه، انتِ فين؟ أنا قاعده اهو بقالي شوية، على الترابيزه اللى جمب الازاز.


رفعت يدها تلوح عندما رأت عائشة تبحث بعينيها في المكان، التقت نظراتهما، فتحركت عائشة تجاهها بخطوات سريعة.


فتحت عائشة ذراعيها بإبتسامة: ماسه، عامله ايه؟ وحشتيني.


توقفت واحتضنتها بقوة وقبلتها على خدها: أنتِ كمان وحشتيني أوي، طمنيني عليكي، عامله ايه؟


عائشه بهدوء: بخير الحمد لله، معلش بقي غيرت المعاد علشان راجعه إسكندرية النهارده، ومكانش ينفع نتقابل خمسه ونص زى ماتفقنا.


هز رأسها بتفهم: لا عادى ولا يهمك.


جلستا متقابلتين، وما زال الدفء عالقا بينهما.


عائشة بنبرة عتاب: كل دي غيبه؟ لأ أخص عليكي بجد، ده مكانش عيش وملح ده.


رفعت حاجبها بتعجب: أنا برضه! طب وأنت ليه مفكرتيش تكلميني؟!


هز رأسها موضحه: مش معانا أي حاجه! لا رقم، ولا عنوان، ولا أي تواصل، ده احنا اتفاجئنا أصلا لما شوفنا صورتك في خطوبه رشدي، بعدها بشوية مصطفى قالنا إنك فاقدة الذاكرة.


هزت راسها بإيجاب: أيوه فقدتها بعد حوالي 4 أيام من رجوعي، وقعت على راسي وفقدت الذاكرة، ولسه راجعة لي يدوبك من 10ايام.


عائشه بمزاح: هو أنتِ ناقصك أكشن في حياتك؟ ده كفاية الأكشن اللي مالي حياتك من زمان!


ضحكت وهي تلوح بيدها بتعب: أعمل إيه بقي، المهم انتِ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي، وعلى ماما نبيلة، وإيهاب، ومصطفى المجنون ده.


أجابتها بابتسامه لطيفه: كلنا كويسين، وأنتِ وحشتيهم جدا، وبعدين خلاص احتمال ننزل القاهره قريب.


اتسعت عيناها باندهاش: بجد!! طب كويس والله، بدل ما أنتِ بتتعبي خالص في السفر من القاهره لاسكندريه، مشوار صعب.


اومأت برأسها بخفة: مصطفى قال كده برضه، أصل خلاص بقي ندى دخلت مصحة نفسية، فاللي كنا خايفين منها وعاملة مشاكل انتهت.


زمت وجهها بامتعاض، وارتفع حاجباها بنفور واضح: بصراحة أحسن، أنا اتصدمت لما سليم قالي إن هي اللي راحت قالتله، أنا استأمنتها ودخلتها بيتي تروح تفتش وتصور الخاتم ودور لحد ماوصلت لسليم! فظييعه.


زمت شفتيها بضيق: إحنا برضه اتصدمنا، حتي مصطفى من انفعاله ضربها، أنا أول مرة كنت أشوف مصطفى عصبي كده!


ضحكت ضحكة ساخرة، رفعت يدها كأنها تشير لحقيقة بديهية: ما أنا بقولك أخوكي ده اتجنن.


ضيقت عينيها، وتساءلت بتعجب: ليه بتقولى كده؟


تتنهد ونظرت لها باستغراب: يعني بعد اللي عمله مع مكي وسليم، ولسه بتسألي بقول عليه مجنون ليه؟


تجمدت لحظة، اتسعت عينها بصدق: عمل ايه مع مكي وسليم؟! أنا مش فاهمة حاجة!؟


ضيقت عينيها بصدمة من جهل عائشة: متعرفيش إن حصلت خناقة ومصطفى ضرب مكي بالنار؟


شهقت دون وعي، ووضعت يدها على فمها بصدمة، أما ماسة فعضت شفتها بارتباك، كأنها أدركت متأخرة أنها أفشت أمرا لا ينبغي قوله.


ماسة بتوتر خفيف: شكل مصطفي محكالكمش على إللي حصل.


مدت يدها بسرعة، وأمسكت كف ماسة بتوتر: بليز يا ماسة قولي ايه اللي حصل.


مررت يدها عبر شعرها بتوتر واضح: هقولك ...


وبدأت تروي لها كل ماحدث، وصوتها يرتجف أحيانا ويشتد وأحيانا أخرى. 


وحين انتهت، وضعت عائشة يدها على خدها بذهول: ينهار أبيض! أقسم بالله حاسة إنك بتحكي عن واحد غير مصطفى أخويا، إيه ده؟!


مدت وجهها بأسف: أنا للأسف وقتها مكنتش فاكراه، ومعرفتوش، كنت بهجم عليه، بس لما الذاكرة رجعتلي واستوعبت اللي حصل نزلت وعاتبته، إزاي يعمل كده؟


وقبل أن تعقب عائشة، ظهر مصطفى فجأة خلف ماسة دون أن تنتبه له، قائلا بصوت منخفض لكنه قاطع: طبيعي كان لازم أعمل كده، لما أعرف إنك فقدتي الذاكرة بعد مارجعتيله بكام يوم بس.


التفتوا نحوه معا بصدمة حقيقية!


نهضت عائشة تشير له بيدها في ذهول: انت بجد أخدت مسدس من مكي وضربته بالرصاص؟!


مرر يده على جبينه، وقال مبررا: مكنتش أقصد، كانت لحظة انفعال، وسليم ضربني.


وقفت ماسة في مواجهته بعينين تتقدان غضبا، وارتفع حاجباها بحدة: سليم ضربك بعد ما انت رفعت المسدس في وشه وهددته، وحاول كتير يهديك وبرضه مكنتش عايز تهدى، ده حتى بعد ما حاولت أهديك فضلت تستفزه!


اومات عائشة ورفعت صوتها عليه: أيوه يا مصطفى! انت غلطت! مهما حصل مينفعش تعمل كده، افرض كان مات؟ كان هيحصل إيه؟ كنت هتتحول لقاتل يا دكتور!!


تنفس بعمق،ثم التفت لعائشة بنظرة فيها أمر واضح: عائشة بعد إذنك، وطي صوتك أحنا وسط ناس، وخدي المفتاح واستنيني في العربية شويه.


هزت رأسها بعند: لأ، مش هستنى في العربية.


أمسك المفتاح بيده بقوة، وصوته أصبح أكثر حدة: عائشه، أنا قولت استني في العربية يعني، استني في العربية، يلا.


وضعت ماسة يدها على كتف عائشة تهدئها: معلش يا شوشو، روحي دلوقتي وإحنا هنتقابل تاني أكيد.


هدات عائشة قليلا، وهزت رأسها إيجابا بصمت، ثم قبلت ماسة على خدها، وأخذت المفتاح وغادرت بخطوات مضطربة.


تحرك مصطفى نحو الطاولة، سحب الكرسي وجلس مقابل ماسة، بينما ظلت هي واقفة تحدق فيه، فرفع يده وأشار لها بصرامة: اقعدي.


جلست أمامه على مضض، ومازال الانزعاج ظاهرا في عينيها.


وفي تلك اللحظة، ومن زاوية بعيدة في المقهى، كان هناك شخص ما يرفع هاتفه ويشرع في تصويرهما خلسة؛ دون أن ينتبه إليه أحد!


اخذت نفاسا عميقا، وصوتها خرج من بين أسنانها بغل ظاهر وعتاب: أنا متغاظة منك، من يوم ماعملت اللى عملته في الفيلا.


انحنى للأمام قليلا، وأجابها بتحفز وهو يركز النظر في عينيها: متغاظه مني ليه؟ علشان كنت خايف عليكي، وبحاول احميكي؟!


رفع يده وهو يتحدث، كأنه يستعيد صورا لا يريد تذكرها: اللي انتِ حكيتيه عن سليم، وعن أهله، كان بشع، والمظهر اللي كنتي فيه يوم مانقذتك؟ كان بيحكي عن الأهوال اللي اتعرضتيلها على أيده..


استرسل، صوته ارتفع بنبرة دفاع يائس: إزاي يعني مش عايزاني أشك ان سليم ممكن يكون هو اللي خلاكي تفقدي الذاكرة؟! وأنتِ راجعه له مبقالكيش أيام، يعنى راجل حبسك 3 أيام في أوضه لوحدك؟! ورفع مسدسه على أخوكي، وفضل مهددك بأهلك سنه؟! واهله ناس مافيا مجرمين؟ وعيشوكي العذاب ألوان، ازاي عايزاني مشكش فيه؟!


انكسر صوته قليلا من شدة الانفعال، ولمعت عيناه بالغضب والخوف معا: حتى لو عندك إحساس إن في حاجات من اللي قالها رشدي مش حقيقة، هتفضل الحقيقة واحدة: سليم كان بيشتغل مع المافيا وكان بيتاجر في الآثار والألماس، والسلاح، ودي جرائم مش بسيطة، ومتقلش إجراما عن أي حاجه تانيه.


كادت أن ترد باتعترض، لكن مصطفى لم يمنحها فرصه: الرصاصة خرجت غصب عني يا ماسه، أنا مكنتش أنا، خوفت عليكي ومفكرتش في أي حاجه في اللحظه دى غير إن لا يمكن اسيبك معاه يأذيكي أكتر ولازم انقذك منه.


مال للأمام، صوته انخفض، بحنان ودعم صادق: أنا عارف إن ملكيش حد يقفله، ودى بيخليكي تخافي تستسلمي لتهديداته وتهديدات أهله، وأنا خوفت عليكي، وكنت عايز انقذك، مكنتش عايز اسيبك في إيد مجرم زي ده.


اسند ظهره للخلف، وصدره يعلو ويهبط من الانفعال، وعيناه لا تزالان معلقتين عليها وكأنه ينتظر حكمها.


كانت تستمع له بصمت وتفهم، هزت رأسها بهدوء: أنا متفهمه يا مصطفى طريقة تفكيرك وخوفك، وصدقني كل ده بيعنيلي كتير..


ثم أمالت جسدها نحوه، وصوتها أصبح أكثر جدية: بس فيه حاجات كتير أنت متعرفهاش، بالنسبه للحاله اللى شوفتني فيها يوم مانقذتنى، مش هنكر إن هو اللى عمل كده فعلا، بس طلع مظلوم كان واخد حبايه هلوسه، أخته حطتهاله في العصير وبسببها عمل اللى عمله.


رفع حاجبه متعجبا: وأنتِ مصدقه الفيلم الهندى اللى قالهولك ده؟


ابتسمت بخفة، وهزت رأسها بثقه: أيوه مصدقة، سليم مبيكدبش ومبيخافش، مش هيستخدم كذبة زي دي علشان يقنعني ويخليني أسامحه، أنا عارفة جوزي كويس، بعدين هو جاب صافيناز، وخلاها اعتذرتلي وباست إيدي كمان.


ابتلعت ريقها وتابعت بوجع: فاللي حصل يومها هو مكانش ليه أي ذنب فيه، هو كمان كان مظلوم زيي..


اهتز صوتها، وتحدثت من بين اسنانها: اتعملنا فخ، علشان يخلونا نكره بعض ويخلونا بعيد عن بعض.


وقفت دقيقة تتنفس ببطء، ثم اضافت بعينين تلمعان بالدموع: وطول السنين اللي أنا كنت متجوزة سليم فيها، حاولوا يفرقونا بكل الطرق، من أول ما اتجوزته ضايقوني كتير، ولما عرفوش جربوا بالتهديدات، رشدي وقف قدام عيني وقالي: "أنا بعمل كده علشان أكسر سليم بيكي، لانك نقطة ضعفه وطول ما أنتِ مش معاه بيكون مذبذب في شغله"


أضافت بصوت مرتجف: وهدف الهانم وصافيناز؟ إنهم يخلونا نتطلق، لأنهم مش راضيين على جوازنا، لما لقونا بعد كل ده ولسه مع بعض، و لما شافونا في الحفلة، رغم كل اللي عرفته، حبي لسليم متغيرش قرروا يعملوا موضوع الحباية، على فكرة أنا اللي كنت مقصودة، مش سليم، بس هو اللي شربها.


اضافت بعتاب اخوي: انت غلطت غلطه كبيرة يا مصطفي، انت عملت زيه بالظبط لما حسيت بالخطر على شخص عزيز عليك وبتحبه، سحبت مسدس مكي علشان تدافع عني، رغم إن ده مش تربيتك ولا تفكيرك ولا أسلوبك أصلا، وهو ده بالظبط اللي عمله سليم لما رفع مسدسه على عمار، ولما هددني بأهلي كان بيعمل كده لأنه حس بالخطر، فاتصرف حسب تربيته، كان فاكر إنه كده بيحافظ على وجودي معاه.


تنفست بعمق، وتابعت: انتم الاثنين عملتوا نفس الحاجة، بس الفرق الوحيد، إنه هو كان متربي كده، لكن انت معندكش اي مبرر للي عملته؟!


مصطفي باستنكار وضجر: أنت بتقولي إيه يا ماسة، تربية إيه دى اللى أنت بتبرريله بيها؟! دى شكله عملك غسيل مخ بجد، وبعدين متقارنيش بينا، أنا مش زيه!! أنا كنت بدافع عنك!! 


ابتسمت ابتسامة حزينة، اضافت بعقلانية وهدوء: مش ببرر والله، وعارفه إن اللى عمله غلط وأنا اتوجعت منه وزعلت منه كتير، وأنت كمان غلطت، وأنا فاهمه السبب اللى خلاك تغلط كده، بس غلطتك دى خلتني أشوف حاجات كتير كانت غايبه عني، وأقيم علاقتي بسليم من منظور تاني، غلطتك خلتنى افهم إن أحيانا من كتر حبنا للناس اللي في حياتنا وخوفنا عليهم، ممكن يخلينا نعمل حاجات مش شبهنا بالمرة علشان نحميهم.


اتسعت عيناه، وصوته خرج بحدة لم يستطع إخفاءها:

أنت عماله تبرريله وتوجديله اعذار ليه؟! عايزة تفهميني إنك عندك استعداد تسامحيه وترجعيله بعد كل اللي عرفتيه واللى عمله فيكي؟


هز رأسها دون تردد: أيوه.


نظر لها بدهشة: ازاي ترجعي بعد كل ده؟


ابتسمت، ونظرتها مليئة بالإصرار: لأني شوفت إنه اتغير، أنا بحبه يا مصطفى، وسليم يستاهل فرصة.


تنهدت برفق، ثم تابعت بابتسامة، وثقة وحب يملأ عينيها: كمان، هو خلاني أخرج من غير حراس، ووداني الجامعة، وهيخليني اروح المجموعة واشتغل، واعتذر لأخواتي، بعدين أنا قولتلك أنا فهمت حاجات كتير، هو اتظلم، وأنا وهو بدانا نروح لدكتور نفسي استنى هحكيلك.


ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة ساخرة بعدم اقتناع، لكنه لم يعلق، وظل ينصت إليها وهي تخبره عما حدث منذ عودتها؛ حدثته عن العملية، وجلسات العلاج النفسي، وأسبوع الفرص، وبعد أن أنهت حديثها...


قالت بعيون لامعه: شوفت بقي اتغير ازاي، وأنا قررت أسامحه وأديله فرصة، وإن شاء الله الدكتور يساعدنا نتخطي كل حاجه سوا.


مال تجاهها، وانخفض صوته بجدية واستنكار: أنا مش قادر أصدق اللى بتقوليه بجد!؟ فرصة إيه إللى عايزه تديها لواحد شغال مع المافيا، دى بدل ماتبلغي عنه؟


اتسعت عيناها بصدمه: أبلغ عنه إزاي؟ أنت بتقول إيه يا مصطفي!!


انخفض صوته أكثر، حتي صار أخطر: بقولك اللي لازم تعمليه، مثلا حاولي تفتحي الخزنة بتاعته، وتشوفي أي أوراق تثبت إدانته، أنا فاكر إنك حكيتي إنه كان ليه مكان بيخبي فيه كل حاجة.


نظر لها نظرة ذات معنى: ومع واحد بيحبك حب هواسي زي ده، لو سألتيه عن المكان هيقولك.


كانت تستمع إليه بعينين متسعتين بالصدمه، ضغطت على أسنانها وحاولت الثبات وهي ترفع حاجبها باستخفاف: وبعدين؟


لوح بيده في الهواء، كأنه يرسم خطه:

وبعدين تقوليلي المكان ده فين وأروح أنا وإيهاب، ناخد اللي يدين سليم، وتحبسيه هو وأهله وتخلصي من العيله دى، لازم يتسجنوا ! دول ناس مجرمين! سرقوا البلد، وفلوسهم كلها حرام!


اتسعت عيناها، وصاحت بغضب: انت اتجننت يا مصطفى؟! إيه اللي انت بتطلبه مني ده؟ انت عايزني أسجن جوزي؟!


رد بنبرة قويه لازعه: هو انا قولت عليه حاجة غلط؟! او محصلتش؟!


ضربت الهواء بإحدى يديها بعصبية: أقسم بالله، انت اتجننت! مظبوط مش بتقول حاجة غلط بس هو تاب!


أجابها بشك: وانت مصدقه انه تاب؟


ردت بثقه: طبعا، مصدقه..


هزت راسها، بعينين ترقرق بالدموع بعدم تصدق وتفهم معا: يا لهوي يا مصطفى، أنا مش عارفة انت ازاي تفكر كده! بس انت مش غلطان، أنت عندك حق، اللي عرفته واللي سمعته مني عن سليم، يخليك تفتكر إن سليم ده وحش، بس والله العظيم سليم مش كده، وتاب...


حاولت اقناعه بهدوء: وانا مصدقه وواثقة فيه، وبعدين سليم اتغير خالص أنت متعرفش الفترة دي عامل إزاي؟! هو أنت مسمعتش اللي حكيته كويس ولا ايه؟!


تنهد بابتسامه صغيرة، وقال بتوضيح: سمعت، بس تفتكري أنا ممكن أزعل لو أنتِ كويسة في حياتك؟ بالعكس، أنا هبقى مبسوط، بس أنا خايف عليكي، طب علي الأقل اعرفي مكانهم وخليهم يبقوا معاكي كدرع أمان من غدر اهله.


هزت رأسها بعينان تلمع بالدموع: لا طبعا، أنا استحالة أخون سليم، حتى لو حمايه ليا منهم..


تنفست بعمق، ثم رفعت حاجبيها بحدة، مالت تجاهه، وصوتها خرج ثابتا بحسم: وأوعى تطلب مني حاجة زي كده تاني، وإياك يا مصطفي تفكر تأذي سليم أو تعمل اللي قولته ده من ورايا بأي طريقة؟ والله هزعل منك زعل كبير...


أشارت بيدها إشارة تحذير، وأكملت بنبرة لا ترتجف: ومش هتردد لحظه وهروح أقول لسليم، اللي انت عايز تأذيه ده يبقى جوزي وأنا لا يمكن أسمح إن حاجه تمسه، حتى لو هخسرك...


ابتلعت ريقها، برجاء ممزوج بالقوة ودموع: أرجوك يا مصطفي شيل الأفكار دى من دماغك، ومتحطنيش في موقف محرج، ولا تخليني أختار بينك وبينه لأني هختاره...


تنهد وحاول التوضيح، وهو يركز النظر في ملامحها: ماسه انا عايز احميكي مش اكتر، عايز أحميكي من الناس اللى دمروكي، كنت عايزك تلاعبيهم زي ما لاعبوكي وهددوكي.


خفت صوته باعتذار: ويا ستي سامحي وارجعي لسليم براحتك طالما دى هيريحك، وأنا أسف لو اتدخلت في حاجه متخصنيش، وأكيد مش هعمل كده من وراك يا ماسة..


ثم اضاف بحزن وخذلان: بس ارجوكي بلاش نبره التهديد دي، لأنها مش لايقه عليكي. 


تنهدت ومالت لأمام بابتسامة حب اخوي: مصطفى ارجوك متعتذرش، ولا تضايق من طريقتي، انا مقصدش اهددك، بس أنت كلامك حقيقي ضايقني انا اسفه..


زادت نبرتها رقه وتأثر بتوضيح لطيف: أنت إنسان غالي عليا، وأنا بحبك، وبحبكم كلكم، لأنكم وقفتم جنبي كتير، خصوصا انت، صدقتني ودافعت عني في الوقت اللي كنت فيه لوحدى في الشارع، فتحتلي بيتك، وحافظت عليا، راجل تاني كان ممكن يستغل حاجات كتير، بس انت عمرك حتى مارفعت عينك عليا، كل ده بالنسبالي كبير، فمتزعلنيش منك، بلاش تطلب مني كدة تاني.


تنهدت وأضافت بصوت حنون ودموع: نفسي نفضل إخوات، ونفسي أنت وسليم علاقتكم تبقى كويسة، لأن سليم محتاج يكون له حد في حياته شبهك؛ لأن كل اللى حوليه تعابين، نفسي لو حصلت خناقة بيني وبين سليم اهقوله "هجيبلك أخويا الكبير، مصطفى." بس مصطفى العاقل الهادي مش اللي أنا شوفته في الفيلا..


مسحت دموعها وقالت برجاء وابتسامة: بس هرجع وأقولك أنا مسامحه، ورغم زعلي، فاهمة إن اللي حصل، كان غصب عنك، بس ارجوك يا مصطفى، متبوظش علاقتنا.


تنهد، وصوته انخفض موضحا بخجل: أنا مقصدتش أي حاجة وحشة، أنا بس خايف عليكي، ومش عايزك تتعرضي تانى لأذي النفسي اللى كنتي عايشه فيه، وأكيد أنا أخوكي، وأي وقت يحصل أي حاجة، كلمني علطول، هتلاقيني.


ابتسمت بيقين: أنا متأكدة من كده، ومتزعلش لو كلامنا مع بعض بقي قليل بعد كده، لأن سليم رافض إني أكلمك.


ابتسم بتفهم: طبيعي، حاجة متوقعة، هو راجل برضه ولازم يغير، بس خلي رقمي معاكي، عشان لو حصل أي حاجة.


أمسك هاتفها وكتب رقمه، ثم رن على نفسه: خلي أرقامنا مع بعض علشان لو حصل أي ظرف، نبقى مع بعض، ولا انت مش حابة؟


هزت رأسها بابتسامة: لا لا، عادي، أنا هتكلم مع سليم، مفيش مشكلة.


تنهدت ثم قالت بهدوء وهي تهم بالنهوض: معلش مش هينفع أقعد معاك كتير، علشان سليم ميضايقش، أصلا كنت عايزا أكلمك وأقابلك، بس هو رفض ومش هينفع اخون ثقته فيا..


اضافت برجاء: وبلاش تعمل حاجات متهورة ومجنونة كده تاني، ولو احتاجت أي حاجة كلمني، ماشي؟


هز رأسه إيجابا بابتسامه هادئة، فحملت حقيبتها، وقالت بابتسامه: طب سلام.


أشار بيده مبتسما: استنى هخرج معاكي.


دفع الحساب، وتحركا معها وكلاهما يزين وجهه ابتسامه مطمئنة.


كانت سيارة مصطفى متوقفة أمام الكافيه، بينما سيارة ماسة على الرصيف المقابل.


دخل مصطفى سيارته بعد أن أشار لها مودعا، فلوحت له بابتسامه، وانحنت نحو النافذه تقبل عائشه: شوشو هتوحشيني! دي مش محسوبة، المرة جاية تعال بقى عندي، سليم جابلي فيلا في المعادي على النيل تحفه، متجبيش الواد اخوكي ده غير لما العفريت اللى عليه ينصرف.


ضحكت عائشة: ماشي بس اخلص الميد ترم الأول.


اومأت براسها، ووضعت قبلة على خدها: سلام.


ثم انتصبت، رفعت يدها بإيماءة مودعه: باي باي.


على اتجاه آخر كان هناك شخص يرفع هاتفه خلسة، ليصور الموقف، بدا كأنه يبحث عن زاوية محددة، وكأنه يريد تسجيل شيء بعينه، دون أن ينتبه له أحد.


تحرك مصطفى بسيارته، بينما أدارت ماسة رأسها نحو الرصيف الآخر، انتقلت بحذر، ثم دخلت سيارتها، وقادت بهدوء نحو الفيلا.


فيلا سليم وماسة،4:00عصرا.


مكتب سليم 


جلس خلف مكتبه العريض، أمامه اللابتوب وبعض الملفات المتراكمة، يحاول إنهاء العمل المتأخر، يتصفح أوراقا ويجري مكالمات قصيرة بصوت ثابت.


ووسط انشغاله، اهتز هاتفه فجأة، مد يده وفتح الرسالة دون اهتمام لكن ما إن ظهرت الصور أمامه حتى توقف عن التنفس لثانية.


مال برأسه نحو الشاشة، وضاقت عيناه وهو يقرب الصورة بأصابعه، كانت لماسة مع مصطفى !!


الصورة الأولى لهما داخل المطعم، والصورة الثانية عند السيارة، صورة أخرى وهي ترسل قبلة في الهواء، والزاوية توحي وكأنها موجهة لمصطفى داخل السيارة !


ثم صورة وهي منحنية نحو النافذة؛ اللحظة التي كانت تتحدث فيها مع عائشة لكن الالتقاط جعلها تبدو وكأنها تتحدث إليه هو!


تجمد وجهه، وقبض على الهاتف بقوة، والغضب بدأ يتسرب إلى صدره ببطء، من فكرة أنها لم تسمع كلامه وقابلت مصطفى رغم رفضه الواضح من قبل.


لكن بعد ثواني، تحرك عقله قبل غضبه، أدار الهاتف في يده، نظر إلى الصور مرة أخرى، ثم تمتم: مين إللي بعتلي ده وعايز إيه؟


ألتقط الهاتف وأتصل بعشري.


سليم بنبرة جامدة: إنتم فين يا عشري.


رد بصوت سريع: إحنا في العربية ورا ماسة هانم يا ملك، مروحين.


سليم، بصوت متماسك رغم الغليان: هو مصطفى كان قاعد معاها؟


عشري بتأكيد تلقائي: أيوة يا ملك، أخته جات قعدت معاهم شوية، وهو دخل سلم وأتكلم معاهم دقيقتين، بعدين أخته خرجت وهو قعد مع الهانم حبة كده، الموضوع كله مكملش ربع ولا تلت ساعة.


أغمض عينيه لحظة، مستوعبا التفاصيل، ثم تساءل: طب حسيت إن في حاجة مش طبيعية في المكان؟!


عشري بثقة: أكيد يا ملك لو كان في حاجة كنت هقولك، ليه حصل حاجة؟!


تنهد وهو يمسح فمه: لما تيجي ياعشري نتكلم، بس خد بالك من الطريق.


أغلق المكالمة ووضع الهاتف على المكتب يفكر بشرود: يا تري مين إللي بعت الصور، وليه؟!


اطلق زفير حاد، وشعر بالاختناق، كأن شيئا يضغط صدره، فنهض من مكانه فجأة، وبدأ يتحرك في المكتب ذهابا وإيابا، ثم بدأ بعمل تمارين ضغط كي يهدئ من غضبه قليلا.


ثم وقف عند النافذة، محاولا استعادة هدوءه، يدع الهواء البارد يلمس وجهه لبعض من الوقت.


ثم عاد إلى المكتب، جلس من جديد، وأخذ نفسا عميقا، فتح اللابتوب وحاول أن يركز في العمل لكن عينيه كلما ارتفعتا إلى الهاتف، كان الشك يلسع صدره، والغضب إنها لم تستمع لحديثه يضغط عليه أكثر...ثم رفع هاتفه وقام بالاتصال بمكي بقولك ايه هبعتلك رقم تشفلي تبع مين انا عارف انك مش هتوصل لحاجه بس جرب 

اغلق سليم الهاتف بعد ان ارسل الرقم الى مكي ويضغط عليه يحاول ان يهدا يفكر..


منزل آلاء، 4:00عصرا


غرفة النوم.


جلست على الفراش، ظهرها محني، والقلم يتحرك فوق الورق بتركيز، قاطع تركيزها دخول محمود بإبتسامة غير مألوفة ترتسم على شفتيه، وهو يحمل كيسا بلاستيكيا بين يديه، قائلا بنبرة حب مصطنعه: لولو أختي حبيبتي، عاملة إيه؟


رفعت عينيها باستغراب، كأن عقلها لم يستوعب بعد هذا الأسلوب الجديد!


فاقترب منها وجلس على طرف السرير، وهو ينظر للكتب التي بين يديها: بتعملي إيه؟ بتذاكري؟


هزت رأسها إيجابا بصمت، فمد يده وأزاح الكتب من أمامها بلا استئذان: لا، سيبك من المذاكرة شوية، بصي جايبلك إيه؟!


فتح الكيس وأخرج منه فستان رقيق بلون اللافندر.


رفعت حاجبها بدهشة: وده من إمتى؟!


ابتسم بابتسامة ماكرة: هي فيها حاجة لما أجيب لأختي حببتي هدية يعني؟


أمالت رأسها، ورفعت كتفها بنوع من التعجب: لا مفيهاش، بس غريبة؟! أنا عمري ماشوفتك غير وأنت بتطلب مني فلوس.


ضحك ضحكة قصيرة: لا إن شاء الله مش هطلب منك تاني.


ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة بتمنى: ياريت يا محمود، ياريت ربنا يهديك وتركز في شغلك.


هز رأسه: متقلقيش، أنا ناوي أظبط كل حاجة...


صمت للحظة، وهو يحك في خده محتار كيف يبدأ معها الموضوع، ثم قال بابتسامه: كنت جايلك في حوار كده، هناكل من وراه الشهد.


اخذت نفسا عميقا، وأسندت ظهرها للخلف: آه أنا كنت متأكدة والله إن الاهتمام الزايد ده وراه سبب، والله ما معايا ولا مليم، فتشني.


لوح بيديه بسرعة: لأ لأ لأ، أنا مش جاي عايز فلوس، ده أنا جاي ومعايا حتت خبر هينقلنا فوق، فرقعة يا قلب أخوكي


نظرت له بإستغراب: أنا مش فاهمة حاجه!؟


أجابها موضحا بابتسامة واسعة: جايبلك عريس، وهياكلك الشهد كله، شهد إيه!!!! ده هيفطرك باتون ساليه، ويغديكي ديك رومي، ويعشيكي جمبري، ويخليكي تحلي ببقلاوة يا بقلاوة.


اتسعت عيناها بدهشة، قالت بارتباك: عريس!! عريس إيه؟! أنا مش عايزة عرسان، ومبفكرش في الجواز دلوقتي، أنا بفكر في دراستي وبس.


مده وجهه وقال بنبرة واثقة: مش تعرفي هو مين الأول، وبعدين تقولي مبفكرش في الجواز، بقولك هيأكلك الشهد كله ويخليكي تحلي ببقلاوة.


هزت رأسها وأشارت بيديها بضجر: الله الغني عن الشهد إللي يجيلي من طرفك!


زمجر فيها بجدية وسوقية: متتكلمي عدل يا بت، أنتِ نسيتي إني أخوكي الكبير ولا ايه؟ اتظبطي بدل ماظبطك.


في تلك اللحظة دخلت أنهار وهي تحمل بين يديها صينية عليها سندوتشات وكوب شاي، وقالت بتلقائية: أنا عملتلك يا حبيبتي شوية سندوتشات وكوباية شاي كده عشان تذاكري كويس.


ابتسمت آلاء بحنان: تسلمي إيدك يا حبيبتي، تعبتي نفسك.


تنهدت بحب وحنان: مفيش أي تعب.


وضعت الصينية على الكومودينو، ثم وجهت نظراتها لمحمود وقالت بضجر: عايز إيه يا محمود من أختك؟ متسيبها في حالها تذاكر.


ابتسم واقترب من أنهار: عايزلها كل خير يا أم محمود، جايبلها عريس.


وحين سمعت الخبر، ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها كأي أم تسمع أن ابنتها جاء لها عريس: بجد؟ والنبي يا ابني، عريس مين ده؟


قلبت آلاء وجهها وقالت بإستهجان: أنتِ هتعومي على عومه ياما.


أنهار بإبتسامة واسعة وسعادة تخرج من قلبها قبل عينيها: استني بس يا آلاء، مش يمكن يكون عريس ابن حلال، قول يا محمود مين هو. 


هز راسة بسعادة وقال بحماس: آه عريس! إنما إيه ياما فوق فوق فوق! مكانتش تحلم بيه، عارفة مين؟ الحاج شاهين على سنه ورمحه.


تلاشت الابتسامة عن وجه أنهار، وانكمشت ملامحها وهي تحاول الاستيعاب: الحاج شاهين مين؟!


محمود بسعادة: الحاج شاهين يا امااا إللي شغال معاه.


اتسعت عينها، وهي تضرب صدرها براحة يدها: يا نهار أَبوك أسود يا محمود! ده قد جدها! وعياله ولادهم في المدارس!


اومأ براسه بلا مبالاة واستهجان: إيه يعني ياما؟ الراجل ميعيبوش إلا جيبه.


تدخلت آلاء، وصوتها يحمل استهجانا وغضب: شوفتي؟ علشان متفرحيش أوي، يعني الشمام ده هيجيب مين؟


أشار بأصابعه بنبرة رجولية حادة: أحترمي نفسك يا بت بدل ما ألطشلك، إيه مشكلتكم؟! ده الراجل زي الفل. 


التفتت له أنهار، وضربته على كتفه بحدة ممزوجة بالتهكم: فل ايه يا موكوس يا ابن الموكوسة؟ عايز ترمي أختك لراجل أد أبوها؟


أدار وجهه لها محاولا اقناعها، كأن لا خطأ فيما يقول: هي كانت تحلم بيه! وبعدين، أنا أديت الراجل كلمة خلاص، وهو جاي بعد بكرة يكتب عليها.


صرخت آلاء، صوتها قاطع وحاد: وأنا مالي؟! حد قالك تديله كلمة؟ أنا لا يمكن أتجوزه! ولو جه هنا هقول كده قدامه وأصغرك فخدها من قصيرها وحل عني!


تشنج فكه، وعض على أسنانه، ثم انقض عليها فجأة، يمسك شعرها بقسوة: تصغري مين يا بنت الـ***؟ ده أنا أقتلك فيها!


صرخت وهي تحاول الإفلات من قبضته: أوعى! سيبني!


اندفعت أنهار لتفصل بينهما: أبعد عنها يا مفترِي! هو الجواز بالعافية؟!


زمجر، بصوت خشن وغاضب: آه بالعافية! أنا واخد منه فلوس ومديله كلمة!


تراجعت آلاء خطوة وهي تمسح دموع غضبها: قول كده بقى، عايز تبيعني علشان متداين، ده أنت ظلمك إللي سماك راجل!


أمسك كتفها بقسوة، ورفع يده الأخرى تحت فكها، وأظافره تغرس في بشرتها حتى أحمر المكان، قال بصوت حاد: يا بت احترمي نفسك واتظبطي بدل ما أظبطك، ولمي لسانك ده، بدل ما أقسم بالله هقطعولك.


اندفعت أنهار نحوه، تسحب ذراعها من قبضته بعنف:

سيب أختك! سبها يا مجنون!


تركها متضايقا، فالتفتت أنهار تسأله بحدة ودهشة: وبعدين هي الحاجة حكمة وافقت إزاي؟! دي تبهدل الدنيا عليه!


تلعثم وهو يشيح بوجهه: لا الحاجة متعرفش حاجة.


فتحت أنهار عينيها بدهشة: يعني إيه متعرفش؟!


قال موضحا بلا خجل: هيكتب عليها عرفي،

بينا كده عند المحامي.


شهقت أنهار، وضربت على صدرها من هول الصدمة وهي تصرخ: الله يخرب بيتك يا شيخ! أنت راجل أنت؟! عايز تجوز أختك عرفي! وبتقولها كده عادي؟ من غير كسوف ولا خجل ولا خشي؟ الله ياخدك يا محمود!


قال باقتناع غريب، يهز كتفيه بثقة عمياء: وفيها إيه يعني؟ هو الجواز العرفي حرام؟ ده حلال ونسوان كتير بتتجوز كده علشان المعاش، الواد توتو طلق مراته وكتب عرفي، علشان معاش أبوها، ومرات خالي نفس الكلام، ده أنا إللي شاهد عليها، وفي ناس كتير دلوقتي بيعملوا كده ياما أنتِ مش عايشة في الدنيا ولا إيه، المأذون بس الحكومة عملته، علشان إحنا بقينا كتير..


كانت أنهار تنظر له بصدمة لا تستطيع التحدث، أما آلاء لم تتحمل وانفجرت تصيح بصوت يقطر قرفا وغضبا: ما أنا قولتلك! ابنك ده مش راجل وعمره ماهبيقى راجل، عايز تجوزني عرفي يا واطي يا زبالة؟ واقف قدامي بتقولها عادي؟! اتفو على الرجولة، اتكسف على دمك.


اقتربت منه تحدق في عينيه بتهديد: والله يا محمود لو جه هنا لأبهدله وأبهدلك، وأفرج عليكم المرج كله.


اتغاظ وبدأ الدم يغلي في عروقه، وأسودت عيناه بلون خطر، فقبض على شعرها فجأة، شد رأسها للخلف بعنف حتى خلعت خصلات شعرها بين أصابعه


محمود بصوت جهوري متوحش: تفضحي مين يا بنت الـ***؟ ومين ده إللي مش راجل؟ ده أنا هطلع عين أهلك، وهربيكي من أول وجديد!


وفجأة صفعها صفعتين متتاليتين، صوتهم دوى في البيت، ثم جمع يديه، وضربها ببوكس قاسي في خدها.


صرخت، ترجع للخلف وهي تتوجع: اااااه سيبني! يا حيوان! سبني..


بينما انقضت أنهار تحاول فكها: سيبها! أبعد عنها يا شيطان! حرام عليك!


لكنه قد خرج عن السيطرة ألتفت لأنهار بوجه غاضب، قبض على كتفها بقسوة وصرخ بعينين غامت بالسواد: أطلعي بره، والله لأربهالك من أول وجديد!


سحبها من كتفها للباب، ودفعها بشده للخارج حتي كادت أن تقع، وكأنها ليست أمه، وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله، فبقيت أنهار تضرب علي الباب من الخارج وتصرخ: أفتح حرام عليك! سيب أختك! ربنا ينتقم منك.


بينما محمود، استدار إلي آلاء ببطء، وعيناه تقدحان شررا، تقدم خطوة وراء أخرى، يشمر أكمامه، وهي تتراجع بظهر مرتجف.


قالت بصوت يرتعش بالخوف ودموع والعجز: أنت، أنت هتعمل إيه؟


رد بوعيد: هربيكي، علشان شكلك نسيتي نفسك، الظاهر عشان بقالك كتير مخدتيش علقة، فطلعلك لسان، بس ورحمة أبوكي لأرجعك آلاء القطة المغمضة إللي متعرفش ترفع عينها فيا.


صرخت بين بكائها بتحدي وهي تستند على قوة هشة: أنا مش هخاف منك، ولا هسمحلك تمد إيدك وتستقوي عليا تاني.


ضحك بسخرية باردة: تسمحيلي!؟ مش بقولك محتاجة تتربي، وأنا إللي هربيكي.


ورفع يده فجأة وصفعها صفعة أطاحت بها إلى الأرض، وإنهال عليها بالركلات، وهو يصرخ ببحة رجولية سوقية بوعيد: بقى هتقفي قدامي؟ وتقولي لا؟ طب والله لتتجوزيه والنهاردة قبل بكرة!


كانت تصرخ بألم بين شهقات دموعها، انحنى لمستواها، قبض على شعرها بقسوة حتي كاد أن يخلع شعرها من جدوره بين يده، قرب وجهه منها، وصوته صار أخطر من الظلام نفسه: ولو فتحتي بوقك بكلمة مش عاجباني والله لأندمك عمرك كله وأعيشك في سواد، هتتجوزي غصب عنك يا آلاء فاهمة.


رفعت رأسها بصعوبة، ونظرت له بإحتقار، وبصقت في وجهه: اتفو!


ودفعته بقوة وهي تزحف بعيدا للخلف،وتقول بتحدي وهي تتشبث ببقايا قوة هشه: أنا مش هسكتلك وهفضحك قصاد الناس! وهقولهم إنك عايز تجوزني عرفي يا خسيس علشان الفلوس، عايز تبيع أختك، وإنك مش راجل! ولو هتموتني، مستحيل أقبل!


تجمد للحظة، ووجهه أحمر كالجمر، مسح بصقتها بهدوء مخيف وهو يعض داخل خده، وقال بلهجة مرعبة: بقي هتفضحيني قصاد الناس؟


ردت متحدية رغم ارتعاش صوتها وهي تحاول أن تقف: أيوة! وأفتح الباب ده! أنا مش هخاف منك تاني! ولا هخليك تاخد فلوس مني تاني ولا تبهدلنا! لو على موتي 


قال ببرود مرعب: تبقي ميتة يا آلاء.


أنقض عليها كالأسد المفترس على فريسته، ينهال عليها باللكمات كأنها رجل لا فتاة، صرخت: اااااه أوعي، أبعد عني!


لكن ضرباته لم تتوقف، أمسك شعرها، دفع رأسها بقوة إلى خزنة الملابس حتى أرتج جسدها، كادت تفقد توازنها، والدماء تسيل من أنفها وفمها، وعيناها تتورمان، وفجأة بدأ يفك الحزام.


اتسعت عيناها رعبا، تحاول أن تلتقط أنفاسها المختلطة بالدم، وقالت بصوت متهالك: حرام عليك يا محمود، سيبني!


لف الحزام على يده، وقال بسخرية: مش كنتي لسة جامدة؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟؟


قالت بتوسل: طب سبني، وأنا هعتذر وهديك الفلوس، وكل حاجة بس سبني في حالي ومتجوزنيش.


ضحك بغل:لا هتتجوزي، ومش هسيبك، علشان تتعلمي تحترمي أخوكي الكبير.


وفجأة نزل عليها بتوكة الحزام ضربة تلو أخرى، قاسية، عمياء، بلا ذرة رحمة، كانت الضربات تشق الهواء وتصفع جلدها بقسوة تسمع في أرجاء الغرفة، أرتفعت صراخاتها متقطعة، موجوعة، يائسة.


حاولت أن تتملص من بين يديه، لكنه قبض على شعرها بجنون، وجرها كأنها قطعة قماش، دفعها دفعة قوية حتى ارتطمت بسن الكرسي، وقبل أن تستعيد توازنها قبض على يدها ولفها بطريقة عنيفة.


صرخت: إيدي يا محمود، هتكسرها حرام عليك، اااااه!


لكن صوته كان غارقا في العمى والغضب: هتقولي حاضر فاهمة، ومسمعش غير حاضر، وتتظبطي يا آلاء علشان أنتِ عيارك فلت، وبكرة هتتجوزي الحج لو عملتى حاجة والله لأرميكي من البلكونة وأقتلك!


ضغط أكثر فالتوت يدها بقسوة ثم صدر صوت حاد، صوت تكسر عظمة!


صرخة آلاء صرخه اخترقت المكان كمن ينتزع من صدره حياة كاملة، ثم انهد جسدها بعدها، تمايلت، عينها تهتزان، وأنفاسها تتقطع، ثم انطفأت فجأة.


غابت عن الوعي وهي ملقاة على الأرض، يدها ملتوية، وجهها ممزق، والدماء تنزف من جروحها كأنها تعلن انهيار دفاعها الأخير.


وقف محمود فوقها، يحدق فيها ببرودٍ غريب، كأن الملقاه أمامه لا تمت إليه بصلة، وكأنها ليست أخته التي تشاركه اللحم والدم؟!


تنفس ساكنا بلا ندم عدل قميصه بيده، مسح العرق والدم، ثم فتح الباب وخرج كأنه لم يفعل شيئا.


أغلق الباب خلفه بإحكام، ركضت إليه أنهار وهي تكاد لا ترى من شدة فزعها، اندفعت نحوه تضرب صدره وكتفه بعشوائية، وتصرخ بقلب مفجوع: عملت في البت إيه؟! منك لله! ربنا ياخدك يا شيخ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك!


أمسك يدها بقسوة وهو يدفعها: بنتك مش متربية! ومش هفتحلها الباب، وهتتجوز غصب عنها.


ردت بعينين تغرقان دموعا، صوتها ينهش صدرها: بنتي مش هتتجوز! أمشي من هنا! أبعد! عننا غووور.


اقترب بوجهه منها، صوته عميق ملئ تهديد:

قولتلك هتتجوز غصب عنك وعنها، فاهمة؟


صرخت فيه وهي تدفعه: غصب عن مين يا كلب


كادت أن تضربه، لكنه قبض على يدها بقسوة أذهلتها، وقال بفظاظه: بقـولك إيه أبلعي ريقك كده وأسكتي لإني مش ناقص وجع دماغ، وبكرة هتتجوز الحاج، ولو عملت حركة واحدة مش على مزاجي والله لأقتلهالك!


قالها ثم دفعها بعيدا، وكأنها ليست والدته وخرج وهو يغلي غضبا، وأغلق باب الشقة بالمفتاح من الخارج، كأنه يسجنها داخل مصيبتها.


سقطت أنهار على الباب، تضربه بيديها وهي تبكي وتصرخ: منك الله، قلبي وربي غضبانين عليك! أفتحي يا بنتي! يا آلاء! بت يا آلاء مبترديش عليا ليه قوليلي عمل فيكي ايه اللى ربنا ينتقم منه؟!


جلست على الأرض منهارة، تضرب الباب بكفيها: آلاء بت يا آلاء، ردي عليا يا بنتي متوجعيش قلبي عليكي، أعمل إيه طيب؟ أجبله مين يقفله؟


رفعت رأسها للسقف ترتجف: يارب مليش غيرك ساعدني؟! بت يا آلاء انطقي! عمل فيكي إيه؟ أروح فين يا رب؟ البت هتضيع مني!


عم الصمت للحظة لا يسمع فيها غير صوت شهقات الأم.


وفجأة، خطرت لها فكرة.


أدخلت يدها المرتجفة في صدرها، اخرجت هاتفها وأمسكته بارتعاش شديد، وكأن النجاة في هذا الجهاز الضعيف. أخذت نفسا مرتجف وضغطت زر الاتصال.


سيارة مصطفى 


كان يقود الطريق بسرعة ثابتة، وعائشة في المقعد المجاور، لا ترفع عينيها عنه لحظة، غير مصدقة ما قالته ماسة.


رمقها مصطفى بطرف عينه: هتفضلي بصالي كده كتير؟ قولى عايزه تقولى ايه؟!


رفعت رأسها، وتساءلت بصدمه: أنت فعلا ضربت مكي بالنار؟


اصطف بالسيارة علي جانب الطريق، تنفس بعمق، ألتفت لها ببطء: آه يا عائشة عملت كده، وكان غصب عني.


رفعت يدها بدهشة: غصب عنك إزاي؟ إزاي تعمل كده؟ لو كان مات كنت هتبقى قاتل يا مصطفى! فاهم يعني إيه قاتل؟!


تنهد موضحا: كانت لحظة غضب، وافتكرت إن سليم السبب في إللي حصل مع ماسة، مكنتش فاهم، سحبت مسدس والرصاصة خرجت غصب عني. 


هزت رأسها بعنف، جسدها ارتعش بغضب وخوف: أي مبرر مش مقبول! أنت غلط غلطة كبيرة أوي! كنت هتبقى زيهم بالظبط، خوفك على ماسة مش مبرر يخليك تعمل كده؟!


أدار وجهه لإتجاه آخر: خلاص يا عائشه اقفلي على الموضوع دى مش عايز اتكلم فيه تانى.


لكنها لم تصمت، وتابعت باستهجان: لا هنتكلم لإنك كنت هتضيع نفسك، أبعد عن ماسة يا مصطفي، خلاص أنت عملت إللي يرضي ضميرك، وهي اختارت حياتها مع سليم عايز منها إيه ثاني؟!


ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة: خلاص يا شوشو، أنا بس كنت محتاج أفهم، هي قاعدة معاه بإرادتها ولا غصب، ولما أطمنت خلاص.


نظرت له بعدم اقتناع، وتنهدت بتمني: ياريت.


وبينما كان مصطفى يعيد تشغيل السيارة، اهتز هاتفه فجأة، فرأى رقما لا يعرفه؟! قطب حاجبيه بإستغراب، ثم ضغط زر الإجابة.


مصطفي بتهذب: ألو السلام عليكم؟


هنا أتاه صوت أنهار بنبرة ممزقة، وهي تضرب على ساقها بيد مرتجفة: والنبي يا مصطفى يا ابني تلحق آلاء!


عدل من جلسته بدهشة: مالها خير؟ في إيه؟


أنهار بنبرة متعلثمة بين انهيارها وبكاءها وعجزها: الولا محمود إللي منه لله هيبيع البت! ومغمى عليها ومش بترد وهيبيعها! ملناش حد يا ابني والنبي تعالي! شكلها ماتت، مش بترد، مش عارفة أعمل حاجة وهو قافل بالمفتاح، والله يا ابني المفتاح معاه! 


لم يفهم كل حديثها شيء، فهي لم تقول كلمات مفهومة أو موحدة، وكأنها قالت من كل جملة كلمة، بسبب ذلك الانهيار والاضطراب وخوفها الشديد


لكنه شعر من نبرة صوتها أن هناك مصيبة تحدث، اشتعل داخله القلق، فقال محاولا طمئنتها: طب خلاص أهدي، وصلي عالنبي كده، وأنا جاي حالا.


توسلت بين شهقاتها: والنبي يا ابني متتأخرش، ربنا يخليك البت مش بتنطق ومش عارفه عمل فيها ايه.


هز رأسه مسرعا: حاضر حاضر.


كانت عائشة تراقبه بقلق، وبعد الانتهاء قالت بريبة: في إيه يا مصطفى؟ مين دي؟


مرر يده على المقود، وقال موضحا بسرعه:دي مامت ممرضة عندي، طلبت مساعدة ومش عارف في إيه، معلش يا شوشو أنا هركبك من الموقف وأروح أشوفها عايزة إيه؟!


ازدادت نظرتها قلقا: طب مانروح مع بعض؟ يمكن محتاجة فلوس؟


هز رأسه وهو ينظر للطريق بحيرة وقلق: ما أنا معرفش أصلا ايه المشكلة؟! وأخوها مش كويس، وأنا كنت متخانق معاه قبل كده عشان ضربها، حوار كبير كده ومش عايز اخدك معايا وأنا مش فاهم، فاهمة قصدي؟ 


صمتت لحظات، ثم همست: ماشي، بس متدخلش نفسك في مشاكل يا مصطفى؟


رد وهو يضغط على الدركسيون: أنا عملت حاجه، ما أنتِ شايفه الست كلمتنى، وبتستنجد بيها وبتقولي محتاجلك، وعمالة تعيط وكلامها مش مترتب شكل في حاجة كبيرة، عموما زي ما قولتلك هركبك من الموقف، وهبقى معاكي على التليفون.


أومأت برأسها بصمت، فعاد مصطفى للقيادة مره أخري.


بعد دقائق، وصلا إلى الموقف، كان أحد الباصات على وشك التحرك خلال لحظات، وفيه مقاعد فارغة ساعدها مصطفى على حمل شنطتها، وتأكد أنها صعدت وجلست، ثم لوح لها قبل أن يغلق العامل الباب وينطلق الباص.


وقف للحظة يتابع ابتعاد الباص ثم توجه مباشرة إلى منزل آلاء.


فيلا سليم وماسة، 5:00مساء.


دخلت ماسة من بوابة الفيلا بسيارتها، وخلفها سيارة الحراس، توقفت أمام المدخل وترجلت، وبالتزامن كانت راوية وعشري يهبطان من السيارة الخلفية، كان عشري يحمل ثلاث علب بيتزا بين يديه.


اقتربت منه ومدت يدها لتأخذها بابتسامه: شكرا يا عشري.


فتحت لهم سحر الباب، فدخلت ماسة بخطوات هادئة.


سحر بابتسامة ترحيب: مساء الخير، عاملة إيه يا ست ماسة؟


سلمتها ماسة العلب: مساء النور، أنا تمام الحمد لله، معلش يا ماما سحر، بعد إذنك حطي الحاجات دي، على السفرة، وطلعي المخلل أللي أنتِ بتعمليه وسفن وكده.


ثم نظرت حولها بتساؤل: هو سليم فين؟


أخذت سحر العلب: في المكتب.


اومأت برأسها: خلاص هدخله، على ماتحضري السفره


تحركت بخطوات سريعة نحو المكتب.


مكتب سليم


كان يجلس خلف مكتبه، عيناه نصف شاردتين بين شاشة اللاب توب والصور التي أُرسلت إليه، يحاول التركيز في العمل، لكن التوتر كان ظاهرا علي ملامحه.


فتحت الباب ودخلت بإبتسامة واسعة، وهي تلوح له بخفة ودلع لطيف: Hello يا سالوملوم.


رفع نظره إليها بإبتسامة باهتة، والشرود لا يزال واضحا على ملامحه.


اقتربت منه حتى وقفت أمام المكتب بإبتسامة رقيقة: عامل إيه؟


سليم وهو يعتدل: الحمد لله، متأخرتيش.


أجابته موضحة: ما هو مكانش ينفع أتأخر علشان مسافرة إسكندرية، بس اتفقنا هنتقابل تاني إن شاء الله.


ثم نظرت للأوراق أمامه: بتعمل إيه؟


سليم بهدوء: كنت بخلص شغل لحد ماتيجي.


أزاحت بعض الأوراق وجلست على المكتب، تزم شفتيها بدلالها المعتاد: على فكرة الأسبوع بتاع الفرصة ده ممل جدا ومش فاهمــاه أصلا.


رفع حاجبه متعجبا: ممل ليه؟


ربعت قدميها على المكتب، لكن فجأة أخرجت تأوهات مكتومة، وأصفرت ملامحها، وضعت يدها على رأسها وفمها.


مال نحوها فورا بقلق واضح وهو يمسح على وجهها ويمسك يدها: مالك يا عشقي؟ فيكي إيه؟


ماسة بتعب: مش عارفة دوخت فجأة، وعايزة أرجع.


امسك كتفها برفق ليستندها: مش واخدة بالك إن ده بقى يحصلك كتير الفترة دي؟


هزت رأسها ببطء: أيوه، فعلا.


ناولها كوب ماء فاحتست منه قليلا، ثم وضعت يدها على أسفل بطنها محاولة تهدئة نفسها، فتح سليم درج المكتب وأخرج زجاجة عطر صغيرة، وضع قليلا منه على يديها ودلك معصميها برفق، ثم رش قطرتين على أصابعه وقرب يده من أسفل أنفها كي تستنشق الرائحة.


راقب ملامحها بتركيز وتساءل بقلق: ها أحسن؟


رفعت رأسها بإبتسامة، وهي تاخذ نفسا عميقا: خلاص، بقيت كويسة.


تنهدت، ثم أكملت بحماس، وإعتراض مدلل: أنا مش فاهمة إيه الأسبوع بتاعك ده إللي المفروض يغير رأيي ويخلينا نبقى كويسين مع بعض، وأنت 3/4 الوقت يا بتشتغل هنا يا في شغلك في المجموعة، وأنا يا في الجامعة، يا عند ماما، يا خارجة مع أصحابي، مش بنقعد مع بعض؟ غير شوية صغننين قد كده!


ضحك وهو يقترب بوجهه: أنا برضه مش فاهم اعتراضك؟!


لوحت بيديها موضحة بدلال: بصراحة أنا كنت فاكرة إن كل يوم هنخرج في مكان شكل، ونسافر توديني سويسرا إللي أنا بموت فيها، أو كل يوم محافظة شكل، أو تعملي مكان رومانسي، فستان حلو، شموع، بالونات ترقصني وتجيبلي عقد ألماظ وتكتبلي كلمتين جامدين! أي حاجه يعنى من الحاجات دى.


ضحك أكثر رغم ضيقه الداخلي، لكنه حاول التماسك، وتساءل: إنتِ مفهمتيش المعنى من إللي أنا بعمله؟!


امسكت يده بلطف، وهي تركز النظر في ملامح وجهه: فاهمة وبهزر معاك، بس مش معنى إنك اتغيرت وبتسيبني على راحتي، إننا منقضيش وقت حلو مع بعض.


اومأ برأسه: على فكره أنتِ نصابه، مش أول يوم ركبتك مركب وجبتلك بالونات، وبنقعد نلعب سوا ونتفرج على أفلام.


مدت ذراعيها ولفتها حول رقبته، بدلال واضح وهي تركز النظر في عينه: ماشي يا سالوملوم، طب سيبك من الشغل بقي وتعالي نقعد سوا بره، أنا جبت فطير، وإحنا ماشيين في الطريق ريحة الفطير قتلتني ركنت ونزلت جبت فطير بالسجق، وميكس جبن، وواحدة نص نوتيلا ونص سكر هتعجبك خالص، وبصراحة استخدمت شخصيتك ودخلت عشري يشوف إيد الشيف نضيفة ولا لأ ويزود جبنة.


ضحك رغما عنه وهز رأسه، ركزت ماسة في ملامحه تساءلت باهتمام: هو أنت كويس؟


هز رأسه بهدوء: آه كويس 


أضاف وهو يؤمي برأسه: يلا تعالي نروح ناكل، أنا مستنيكي.


ساعدها على النهوض، وخرجا معا حتى وصلا السفرة، كانت سحر قد رتبت الأطباق والمخلل والمياه الغازية.


فتحت ماسة العلب: دي سجق، ودي ميكس جبن، ودي نخليها للتحلية


بدأت تضع له في طبقه وضعت لها أيضا، وشرعا في تناول الطعام.


انتبهت لتناوله الطعام بالشوكة والسكينة، فعلقت بمداعبه: أنت هتاكل بالشوكة والسكينة؟! يا عم كل كده!


سليم وهو يتناول الطعام: ملكيش دعوة، سيبيني آكل بالطريقة إللي بحبها.


رفعت حاجبها وهي تمسك قطعة بأصابعها بإعتراض: أقسم بالله أنت مابتعرف تاكل، الأكل ميتاكلش إلا كدة، امممم طعمة تحفه.


ثم وضعت له قطعة في فمه.


ابتسم وهو يمضغها، وتساءل: قوليلي عملتِ إيه مع عائشة؟


أجابته وهي تومي براسها: مفيش قعدنا نتكلم، وعرفت إنهم هينزلوا القاهرة قريب، وبعدين... آااا..


رفع نظره إليها، ينتظر أن تقول "قابلت مصطفى": وبعدين إيه؟


تساءلت بارتياك: هو أنت كويس؟


اومأ برأسه: كويس.


أخذت نفس عميقا وهي توميء براسها، وتساءلت بتوجس: يعنى متأكد إنك تمام؟! مش متضايق؟ الهرمونات تمام؟


رفع حاجبه وهو يتك على أول كلمة: الهرمونات؟ آه الهرمونات تمام! مالك يا ماسة؟


ترددت ثم قالت وهي تشعر بالتردد والخوف: بص بصراحه كده هو في حاجة حصلت بس والله صدفة، بس أرجوك متزعقش، أنا تعبانة ومش قادرة للخناق.


نظر لها بحدة خفيفة، ثم قال وهو يتابع تناول طعامه لكي يشعرها بالهدوء والطمأنينة: علشان مصطفى جالكم يعني؟


اتسعت عيناها بصدمة: إيه ده؟ أنت عرفت منين؟!


اومأ برأسه موضحا: كلمت عشري أطمن عليكم، قالي إنك راجعة، وإن مصطفى جه وقعد معاكم.


تنهدت بتأكيد: فعلا بس مش بالضبط كده، هفهمك،

وإحنا قاعدين، فجأة لقيت مصطفى بيسلم عليا، وبعدين طلب من عائشة تقوم، وقعد يكلمني، كان فاكرني قاعدة معاك غصب عني، فقولتله إني مكمله معاك بمزاجي، وإني بحبك، وعاتبته طبعا على إللي عمله، وهو فهمني إن إللي عمله ده كان غصب عنه.


أمسكت يده بأعتذار: أنا عارفة إنك طلبت مني مقعدش معاه، بس والله الموضوع حصل صدفة، وكنا في مكان عام، والموضوع مكملش ربع ساعة فبليز متزعلش.


تنفس بعمق، محاولا الهدوء: أنا مش زعلام، بس أنا غيران ومتضايق أكيد لإني كنت طالب منك متقعديش معاه، بس ماشي المرة دي هعديها، لكن من فضلك متعمليش كده تاني، ولو كنتي مع عائشة أو غيرها، ومصطفى جه، لو سمحتي متقعديش معاه، تقدري توعديني؟


نظرت في عينيه طويلا ثم هزت رأسها: لا مش هقدر أوعدك.


اتسعت عيناه باستنكار: يعني إيه مش هتقدري؟! 


ماسة موضحة بهدوء: مقدرش أوعدك بحاجة ممكن معرفش أنفذها، أفرض حصل ظرف، واضطريت أكلمه، ده راجل أنقذ حياتي، ودخلني بيته، وأنا مديونة له، وأنت كمان لازم تبقى حاسس بكده فمش هديك وعد، بس هديك عهد؛ لو مفيش ظرف طارئ مش هكلمه.


هز رأسه بضيق: إيه إللى هيحصل يعني يخليكي تكلميه


مدت وجهها: محدش عارف الدنيا مخبيه إيه.


قلب وجهه بضجر وقلة فائده من النقاش معاها، فقلدته وقلبت وجهها بتكشير ودلع: بص بقى وشك عامل إزاي! كدة..

ضحكت بالا: خلاص بقي أضحك.


ظل جامد الوجه، فأضافت على نفس ذات الوتيرة بمداعبة: والله لو مضحكتش هعضك


ضحك رغما عنه: لا لا كله إلا العض.


رفعت حاجبها تقلده بطريقته: اهو كدة، رجالة متجيش غير بالعين الحمرا؟!


ضحك، فأضافت ماسة بهدوء: يلا كل بقي، أنا جعانة.


هز رأسه موافقا، وبدءا يتناولون الطعام، لكن ذهنه ظل مشغولا.


كان يكتم قلقه، والسؤال مازل يدور في ذهنه، من الذي أرسل تلك الصور؟ ولماذا؟!


ولكن بداخله كان سعيد أن ماسة واجهته بصراحة، وأنه لم يستخدم طريقته القديمه في التلاعب في الحديث معاها، لكنه أخفى عنها أمر الصور؛ لأنه لا يريد إخافتها.


منزل آلاء، 5:00مساء


كانت أنهار، تضرب الباب بكل ما لها من قوة، وتبكي: آلاء يابت  ردي عليا متوجعليش قلبي عليكي، استغفر الله العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين يا محمود. 


بينما آلاء ملقاة على الأرض، سايحة في دمها، غايبه عن وعيها.


بعد وقت قصير دق مصطفى الباب بعنف، جاء صوت أنهار وهي تنكي بحرقة: مين؟!


مصطفي بلهفة: أنا دكتور مصطفى يا حاجة!


نهضت مسرعة بقلب مخلوع: يا ابني الباب مقفول عليا بالمفتاح، محمود إللي ربنا ياخده قافل عليا بالمفتاح! أكسره يا ابني أكسره!


اتسعت ملامحه بتعجب وقلق، مسح وجهه، تراجع خطوة، ثم اندفع بكتفه، الضربة الأولى…الثانية…الثالثة…وانفتح الباب بعنف.


اندفعت أنهار تمسك ذراعه: ألحقها يا ابني! جوه! بقالها ساعه مبتردش!


تركها وركض نحو اشارتها، أندفع نحو الغرفة، فوجد الباب موعد!

أنهار بحرقة: قافل عليها بالمفتاح، أكسره هو كمان.


اومأ برأسه ودفع الباب بكتفه، فانفتح.



باقي الفصل عشرين👇

وفور أن رأى آلاء اتسعت عيناه بصدمة؛ وجهها مدمى، ذراعها ملتوية، جسدها ساكن، والدماء حولها كأن الغرفة تنزف معها.


صرخت أنهار من ورائه: يا نهار أسود البت ماتت! البت ماتت!


مسك كتفيها بسرعة قبل أن تنهار: استني بس! خلينا نشوف أهدي! أهدي!


أنحنى، ووضع أصابعه عند رقبتها ثم تنفس بأرتياح: متقلقيش الحمد لله، مغمي عليها بس، هاتي مية او برفان، أو أي حاجة تفوقها.


هرولت تعطيه زجاجة، رش قليلا على وجهها، فتحرك جفنها، ثم اتسعت عيناها فجأة، تصرخ بجنون: حرام عليك! سيبني في حالي! سيبنى.


أخذت تزحف للخلف برعب وهى تسند ذراعها، كانت لا تزال بين اليقظه والهذيان، فظلت تصرخ وتهز راسها كالمجنونة بأنهيار: أبعد عني حرام عليك.


رفع مصطفى يديه بسرعة، محاولا تهدئتها: أهدي يا آلاء! أنا مصطفى! دكتور مصطفى! أهدي، أهدي..


تجمدت نظرتها، دهشة وارتباك ، فهي مازالت لا تستوعب


اندفعت أنهار تضمها وهي تصرخ بحرقه: يا حبيبتى يا بنتي، حقك عليا سامحيني يا آلاء معرفتش احوشه عنك!


لكن صرخت بقوة من الألم، عندما ضغطت عليها أمها: آااه دراعي، دراعي! اااه.


اقترب مصطفى بسرعة، أمسك ذراعها يفحصه بحذر: ده مكسور!؟ إيه إللي حصل؟ مين عمل فيها كده؟


بكت أنهار وتوسلت اليه بعجز: خدها من هنا يا ابني الله لا يسيأك، خدها من هنا الأول وبعدين نحكيلك، محمود هيضيعها، والنبي يا ابني انجدها منه وخدها من هنا !


وقف مصطفى، حسم الأمر فورا: هي كده كده لازم تروح المستشفى حالا، وأنتِ يا حاجة تعالي معانا، مش هينفع اسيبك هنا بعد اللى شوفته دة.


آلاء بنبرة متعبة، مختلطة بالخجل والعجز: متدخلش نفسك في مشاكل يا دكتور،اتصلتي بيه ليه ياما؟ حرام عليكي.


أنهار ببكاء وعجز: سامحيني يا بنتي، كنت هعمل إيه؟ معرفتش أتصل غير بيه.


مصطفى بحزم وقلق: آلاء بلاش الكلام ده دلوقتي، من فضلك تعالي معايا.


رفضت آلاء، بصوت مكسور: أنا مش هروح في حتة، أمشي يا دكتور أنت مش قد أخويا، أنت راجل محترم متجبش لنفسك المشاكل، دى نصيبي ههرب منه فين!


توسلت أنهار إليه، صوتها يختلط بالرعب: متسمعش كلامها يا ابنى، وخدها من هنا، أخوها هيضيعها، والنبي يا ابني وحياة أغلى ما عندك أنقذها!


نظر مصطفى إلى نظرات الأم المتوسلة، ثم إلى آلاء، التي كانت في حالة صعبة جدا: طب لبسيها حاجة بس بالراحة علشان دراعها


ركضت أنهار أجلبت عباية وطرحة، معلقة خلف الباب وأخذت تلبسها لآلاء التى كانت تصرخ  وهي تحاول الإفلات: بلاش يا ماما…  


أنهار وهى تغلق لها العباية وتضع طرحة علي شعرها: عايزة تموتى، وتموتينى جنبك، حرام عليكي أسمعي الكلام 


مصطفى بهدوء وحنو: آلاء بلاش عند، أنتِ لازم تروحي المستشفي لحسن يكون فيه نزيف داخلي.


استسلمت للوضع، فسحبتها أنهار من ذراعها السليم وتحركت، لكن انتبه مصطفى إنها لا تستطيع التحرك،  فاسندها وتحركا و نزل الدرج..


فتح باب السيارة وساعدها على الجلوس في المقعد الخلفي بحذر حتى لا يلمس ذراعها المكسور، جلست أنهار بجانبها، صعد مصطفى، وأغلق الباب، ضغط قدمه على البنزين، فانطلقت السيارة.


أثناء ذلك رفع عينه نحو المرآة، وتساءل بصوت ممتلئ بالقلق والغضب: إيه إللي حصل؟! مين إللي عمل فيكي كده؟


كادت انهار أن تنطق، لكن آلاء أمسكت يدها بسرعة ونظرت إليه بنظرة مكسورة تفيض بالخزي والاضطراب: أنا إللي وقعت


رفع حاجبا باستنكار: وقعتي؟!


نظر للخلف لوهله من أعلى إلى أسفل يرى الكدمات، وآثار الضرب، والدم الجاف، والذراع المكسور، نظر للامام وتساءل بشدة: آلاء أنتِ شايفة شكلك؟ أتكلمي حصل إيه؟


ابتلعت ريقها وتهربت بعينيها، ترتجف: أنا… أنا…


قبل أن تتكلم انفجرت أنهار تبكي وتضرب صدرها: لا يا ابني هي موقعتش، محمود أخوها جابلها عريس


نظر في المرآه متعجبا: عريس؟! إيه علاقة العريس باللي حصل؟!


همست آلاء بخجل شديد وشعور  بالكسرة: أسكتي يا ماما، بس.


صرخت أنهار باعتراض: بس ايه يا بت لازم نقوله، يا ابني الواد إللي مبيختشيش، ميعرفش يعني إيه رجولة ولا نخوة، كان عايز يجوزها لواحد قد جدها عرفي، ولما البت رفضت عمل فيها كده.


نزلت دموع آلاء بصمت وحاولت تخبئة وجهها، لا تريد لمصطفى أن يراها مكسورة بهذا الشكل وبهذا الضعف كأنها عارية.


وبعد قليل وصل إلي المستشفي


فتوقف أمام البوابه، وترجل أولا، ثم فتح الباب الخلفي وساعد والدتها على النزول، تلتها آلاء التي كانت تتألم بشدة من كثرة الكدمات التي غطت جسدها وذراعها المكسور. 


أسندها مصطفى بحنان، وساروا ببطء نحو مدخل الطوارئ.


وما إن دخلوا حتى صرخ بصوت مبحوح يحمل قلقا: عايز كرسي بسرعة!


أسرعت إحدى الممرضات بكرسي، فجلست عليه آلاء، وبدأ مصطفى بدفعه، بينما كانت أنهار تسير بجوارهما ووجهها شاحب.


دخلوا غرفة الفحص، وساعدها على الجلوس فوق السرير.


توقف أمامها، نظر إليها باهتمام وقال بلطف: بصي يا آلاء إيدك مكسورة، هجيب الدكتور يكشف عليكي، ونعمل أشعة ونشوف نسبة الكسر، وبعدها نعمل الجبس، دلوقتي هديكي مسكن وهنضف الجروح شوية...


هزت راسها إيجابا بصمت وانكسار، فالتفت إلى أنهار: اقعدي يا حاجة وارتاحي شوية.


جرح مصطفى، بينما جلست أنهار تربت على قدمها بضعف، وصوتها مختنق: حقك عليا يا آلاء، سلامتك ألف سلامه، ياكش تنكسر أيده هو اللى مدها عليكي وعملت فيكي كده، حسبي الله ونعم الوكيل.


كانت آلاء صامتة، وجهها شاحبا، والكدمات والخدوش تغطيه بوضوح، لكن تلك الجراح الظاهرة، وذلك الكسر في ذراعها، لم يكونا شيئا أمام الألم الذي يعصر قلبها، فما أقسى أن يشعر الإنسان بإنكسار لا يراه أحد، قهر ينهش الروح قبل الجسد.


اليد التي كانت تراها أمانا وسندا هي نفسها اليد التي كسرت ظهرها اليوم.


شقيقها الأكبر، راجلها كما كانت تراه، بات يدفعها بيده إلى الهاوية بلا رحمة، عقلها يرفض استيعاب ذلك، قلبها لا يصدق إن من كانت تحتمي به يريد أن يسلمها لرجل آخر، يبيعها كأنها امرأة رخيصة، كأنها ليست شقيقته التي وجب عليه أن يحميها.


الصدمة والوجع والانكسار جعلوها كتمثال من جماد لا دموع لا صوت، فقط صمت ثقيل ونظرات مذهولة تحمل في أعماقها وجعا لا يوصف.


بعد قليل


عاد مصطفى مرتديا بالطو، يحمل مسكنا وإسعافات أولية وشاشا وبعض الأدوات، بدأ ينظف جروحها بعناية، ثم أعطاها حقنة مسكنة، وفي تلك اللحظة وصل طبيب العظام، فحصها وأجروا الأشعة، تبين وجود كسر وكدمات عديدة تستوجب الجبس، وبالفعل بدأوا في تجبير ذراعها.


وبعد انتهائهم، أخذها مصطفى إلى مكتبه.


مكتب مصطفى


جلست آلاء على الأريكة بملامح مرهقة، بينما كانت أنهار إلى جانبها منهكة هي الأخرى.


قال مصطفى قبل أن يخرج: خليكم هنا 5دقايق وراجعلكم.


هزت آلاء رأسها بصمت، اقتربت أنهار منها ونظرت إليها بقلق وهي تربت على ساقها: عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟


أجابت آلاء وهي تنظر للأمام، بصوت مبحوح لا يشبهها: كويسة.


أنهار بدموع: يا آلاء متعمليش فيا كده بالله عليكي.


حاولت أن تمنع دموعها، لا تريد أن تزيد أمها ألما فوق ألمها، اختارت القوة الوهمية: قولتلك كويسة يا ماما، متقلقيش.


في تلك اللحظة، دخل مصطفى بإبتسامة لطيفة وهو يحمل كيس طعام وعصائر: السلام عليكم، جبتلكم شوية ساندوتشات.


مد أحدهم لآلاء: يلا يا آلاء، كلي الساندوتش ده، أنتِ واخدة أدوية.


هزت رأسها بتعب: مش عايزه أكل، شكرا يا دكتور، أنا عايزة أمشي.


نظر لها بحدة حانية: مفيش حاجة اسمها مش عايزة، يلا كلي.


ثم ألتفت لوالدتها: اتفضلي يا حاجة.


نظرت له أنهار بحزن: ومين بس إللي له نفس ياكل يا ابني؟


حاول تهدئة الموقف: في إيه يا جماعة؟ كله هيعدي إن شاء الله، أنا هكلم محامي صاحبي، ونشوف هنعمل إيه.


أنهار بغضب مرتجف: نعمل إيه يا دكتور؟ أخوها جاي يقول هجوزها عرفي، هي دي فيها حل؟!


ما إن سمعت آلاء تلك الجملة حتى انهارت، وصاحت باكية بوجع وانكسار: كفاية بقي! حرام عليكي، أسكتي! مش كل شوية تقوليها.


اقترب منها مصطفى سريعا، جلس أمامها، حاول تهدئتها بصوت منخفض: يا آلاء اهدي، ومتكلميش مامتك كدة عيب، أنا لازم أفهم، وأنتِ كل ما والدتك تقول كلمة بتزعقيلها ليه؟


رفعت نظراتها المكسورة إليه، وانهارت دموعها دفعه واحدة، وكأنها فقدت السيطرة، وصوتها خرج مرتجفا يفضح الإنهيار الذي تحاول عبثا أن تخفيه، فخرجت الكلمات ممزقة بمرارة، تحمل وجعا أثقل من قدرتها على احتماله: المفروض أعمل إيه يا دكتور؟ أبقى مبسوطة يعني وأنا بسمع إن أخويا إللي كنت شايفاه ضهري بيبيعني! بياخد فلوس ويجوزني عرفي! أعمل إيه؟ كل مرة ماما تتكلم وتحكيلك وأسمع الكلام ده؟ أنت متعرفش الكلام ده بيكسر  قلبي أزاى، قلبي مولع، مولع بجد، أنا نفسي أموت وأخلص من كل ده.


أحتضنتها أنهار وأخذت تبكي معاها بقلة حيلة: حقك عليا يا بنتي والله ما أقصد، أنا بحكيله علشان يساعدنا.


تنهد مصطفى بعمق، ومال نحوها قائلا بنبرة عميقة يحاول تهدئتها بحكمة: عارف إن الموضوع صعب، وفعلا مش منطقي تسمعي الكلام ده كل شوية، وأنا حاسس بوجعك، بس لو فضلنا كده مش هنوصل لحاجة، إحنا محتاجين نفكر، محتاجين حل...


زم شفتيه بأسف وأضاف بتأثر: فيه أوقات، للأسف مينفعش حتى ننهار فيها، لازم نكون أقوياء.


ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، باهتة، تحمل من الوجع والقهر أكثر مما تحتمل فتاة في عمرها، وقالت بصوت منخفض يختنق بين أنفاسها: لا من الناحيه دى متقلقش، أنا عارفة ده كويس، عارفاه يمكن أكتر من أي حاجة في حياتي, مفيش وقت إنك تعترض ولا إنك تقول آه ولا حتى تعيط، بس المره دى بالذات إن أخويا ي...


توقفت، وكأن الكلمات علقت في حلقها بمرارة، انخفضت دموعها بصمت، دموع تكسر النفس قبل العين، دموع ثقيلة تشبه اعترافا موجعا كانت عاجزة حتى عن نطقه، تريد أن تكمل لكن الجملة خرجت مبتورة، محملة بألم لا يوصف: بس إن أخويا أخويا يحط عينه في عيني ويطلب مني حاجة زي دي، ولما أرفض يضربني كده، مش قادرة والله مش قادرة..


هز رأسه بعينين تلمعان بتأثر صادق: أنا عارف، بس لازم أفهم وأعرف كل حاجة علشان أقدر أساعدكم، خليكي واثقة فيا، أنتِ زي أختي الصغيرة، ومستحيل أي كلمة أعرفها تطلع بره، ده وعد.


هزت رأسها بقلة حيلة وعجز، ومسحت دموعها براحة يديها، وقالت بصوت خافت: حاضر يا دكتور، هسيب ماما تحكيلك، وهسكت.


تنهد وقال بجدية: ماشي، بس الأول لازم تاكلي علشان المضادات الحيوي والأدويه اللي أخدتيها، وأنتِ يا حاجة كمان لازم تاكلي علشان تاخدى دواكي.


فتح الساندوتش ومده لآلاء بخفة، يحاول أن يخفف قليلا من سواد اللحظة: يلا بقى متخلينيش أتعصب، واشيلك شفتات الشهر كله.


أخذته بصمت، دون أن يهتز جفنها بإبتسامة، بينما أعطى الآخر لوالدتها.


تنهد، ونظر إليهم بعينين جادتين: قوليلي بقي يا حاجه إيه الموضوع بالظبط.


أخذت نفسا عميقا، محاولة جمع تفاصيل القصة، وقالت بأرتباك: إحنا مش عارفين كل حاجة، الواد جه وقال إنه عايز يجوزها للحاج شاهين صاحب الورشة إللي بيشتغل فيها، راجل عنده 60سنة، ومتجوز وعنده عيال، قال إنه واخد فلوس منه وعايز يسدد ديونه، ولما آلاء قالتله لا، نزل فيها ضرب بالشكل ده، وقالي كمان إنه هيجوزها عرفي؛ علشان مراته متعرفش.


تنهد بعمق، وقال بحزم هادئ: طب إنتم دلوقتي مش هينفع ترجعوا البيت، لحد ما أكلم محامي ونشوف حل، فهستضيفكم في شقتي لحد ما نكلمه ونشوف هيقول ايه.


نظرت له آلاء بإستغراب: نبات عندك أزاى يعني؟!


ابتسم قائلا بمزاح لطيف: زى الناس وبطلي أعتراضات شويه، هسميكي آلاء اعتراضات.


أنهارت بتردد: بس يا ابني..


هز رأسه بأسف: مفيش حل تانى قدامنا، كده أمن ليكم، مؤقتا لحد ما نشوف المحامي هيقول ايه.


خفضن رؤسهم بعجز وقلة حيلة، تدرك كل منهما الحقيقة المرة، فهو محق، ليس لديهم مكان يهربوا إليه، ولا مفر من جنون محمود، ولا نجاة إلا بالاستسلام للظروف.


في أحد الكافيهات، 7:00مساء


جلس ياسين وهبة متقابلين على إحدى الطاولات، أمامهما أكواب العصير، والحديث بينهما يبدو جادا.


هبة بنبرة متماسكه: أنا فكرت في العرض بتاعك، وموافقة مؤقتا إني اقعد في الاستراحة، بس لو سمحت، عايزاك تاخدلي ضمانات كاملة من والدك ووالدتك، والدتك بالذات، إن مفيش أي حد هيضايقني.


مال للأمام وأجابها مطمئنا: أكيد يا هبة.


جلست منتصبة ورفعت عينيها نحوه: والبنت؟ هتفضل معايا علطول، ولما حد يحب ييشوفها هبعتها مع الدادة بتاعتها، ولازم أهلك يعرفوا إني هخرج براحتى، وهرجع براحتى، ولما اهلي يحبوا يزوروني يجوا في أي وقت.


اومأ برأسه مطمئنا: أكيد، مفيش مشكلة، ينوروا في أي وقت.


اتكأت على ظهر الكرسي وهي تعقد ذراعيها: بس افرض إني محبتش القعدة في الاستراحة؟ أنا مش هسيب الفيلا وحياتي علشان أقعد في استراحة عبارة عن أوضتين ومطبخ وريسبشن.


زم شفتيه قائلا: هو ده اللي عندي دلوقتي، مش هينفع تدخلي القصر


صمت للحظه ثم مد وجهه مقترحا:ممكن ابقي اكلم الباشا يبنيلك فيلا صغيرة في الجنينة الخلفية، المساحة هناك كويسة، بس لازم آخد رأي لوجين الأول.


ارجعت خصلاتها للخلف: تمام. عموما لسه هشوف هقدر أتحمل العيشة في الاستراحة دي ولا لأ...


عدلت جلستها قالت: وبمناسبة لوجين، أنا حجزت عند ثيرابيست ومعادنا كمان نص ساعه، علشان لازم نعرف البنت إنك خلاص هتتجوز.


اومأ برأسه: مفيش مشكله، أنا كمان عايز نالا تحضر الفرح.


اومات براسها بضجر مبطن: مفيش مشكلة، بس الثيرابيست هو اللي هيحدد

تبادلا النظرات بصمت مثقل بطبع هي لا تريد ذلك من قلبها  لكن ابنتها جعلتها تتناول عن كبريائها


منزل مصطفى، شقة زواجه من ندى.


فتح مصطفى الباب بالمفتاح، ودخل يفتح النور، قائلا بإبتسامة وترحيب: اتفضلوا نورتوا.


دخلت آلاء مع والدتها بخطوات بطيئة، مختلطة بالخجل، وهم يتحركون خلف مصطفى.


ابتسم وقال متأسفا: معلش الشقة ممكن تكون مكركبة شوية.


نظرت أنهار حولها بدهشة: ما شاء الله شقتك حلوة، أنت عايش لوحدك ولا إيه؟


اومأ برأسه موضحا: مش بالظبط، بصي الموضوع يطول شرحه اقعدوا يلا خلونا نكلم المحامي.


وبالفعل جلسوا جميعا، وامسك مصطفى هاتفه وقام بالاتصال بصديقه المحامي لكنه لم يرد: مبيردش؟!


انهار: الله اعلم بظروفه.


زم شفتيه قائلا: عموما انا هفضل وراه وهبعتله رساله انه يكلمني ضروري.


همم بنهوض وهو يقول: آلاء أسماء الادويه اللى مامتك بتاخدها ايه؟! 


أجابته بخجل: ملوش لزوم يا دكتور، كتر خيرك لحد كده، أنا هبقي اشتريلها.


اجابها بحزم وحدة: بطلي عناد يا آلاء هتشتري ازاى بطلي بقي، اتفضلي اكتبيلي الادويه وتركيزاتهم بطلي تعملي فرق.


أخذت منه الورقه على استحياء، ودونت أسماء الادويه التي تحتاجها والدتها، فأخذ منها الورقه قائلا: خمس دقايق وجايلكم مش هتأخر.


غادر وأغلق الباب خلفه، فتنهدت آلاء بتعب: والله أنا مش عارفة إيه إللي بيحصل فينا ده، مش عارفة أوي وشي فين من دكتور مصطفى.


ابتسمت أنهار بطيبة وطمأنينة: بس والله راجل ابن حلال، إحنا من غيره كنا زماننا متبهدلين.


ثم نظرت حولها وتساءلت بفضول: هو ليه قاعد لوحده؟


آلاء بخجل: أنا معرفش عنه حاجة والله.


نظرت أنهار من حولها تفتش المكان بعينيها: شكلها الشقة إللي هيتجوز فيها، هو مش متجوز صح؟!


هزت آلاء رأسها: معرفش حاجة، إحنا مبنتكلمش في المواضيع الخاصه دي مع بعض، بس سمعت من الممرضات هناك إنه مطلق..


صمتت للحظة، ثم أضافت بخوف وقلق: تفتكري محمود دلوقتي بيعمل إيه؟


أنهار بتهكم ممزوج بنبرة لازعة: عمله أسود ومههبب، أكيد بيدور علينا.


أضافت بتعب: بقولك يا آلاء، ما تقومي توديني الحمام أنا مش قادرة.


توقفت بخفة وحذر، وساعدت والدتها لتوقف: تعالي.


على إتجاه آخر عند مصطفى


دخل الصيدلية لشراء الأدوية، ثم توجه الى السوبر ماركت واشتري بعض لوازم للثلاجة ،ثم دخل محل المشاوي وجلب بعض الطعام، وأثناء انتظاره، وقف على الرصيف غارقا في التفكير في آلاء ووالدتها، والخطر المحيط بهما، لم يشعر بالندم، بل بالعزم؛ والألم والغضب والاشمئزاز يختلطون داخله، فكيف لأخيها أن يفعل بها هذا؟!


أخذ عهدا على نفسه بحمايتها، لكنه لم يجد الطريقة بعد، تنفس بعمق محاولا ترتيب أفكاره، لكي يجد حلا مناسبا يحميها به من شرور أخيها.


قاطع شروده، قدوم العامل وتسليم طلبه، فأخذه ودفع الحساب، وتوجه عائدا إلي الشقه مره أخري.


في الشقه


كانت آلاء ووالدتها يجلسان في الريسبشن، متوترتين بعض الشيء.


دخل مصطفى، لكن قبل أن يقترب تحمحم بإحترام، فارتفع صوت أنهار: تعالى يا ابني اتفضل، هتستأذن في بيتك.


فاقترب وعندما دخل رمقهم باستغراب: مغيرتوش هدومكم ليه؟!


أنهار بهدوء: نغير هدومنا إزاي يعني؟


ابتسم وهو يضع الطعام والأدوية على الطاولة الصغيرة: اه معلش آسف، نسيت أقولكم، في الأوضة لو فتحتوا الدولاب هتلاقوا لبس لأختي ولماما.


رفعت آلاء حاجبها وعلقت: بس مينفعش نفتح أوض النوم ونفتش يعني عيب.


ابتسم مصطفى بخفة: طب تعالوا معايا.


نهضوا تحركوا معه نحو إحدى الغرف، وفتح لهم الدولاب أخرج لهم جلبيتين بيت، وأشار لهم: ألبسوا دول، واقعدوا براحتكم، اعتبروا البيت بيتكم.


أضاف بتوضيح: أنا جبت لكم الأدوية، وأكيد يا آلاء عارفة تاخديهم إزاي.


هزت راسها بإيجاب، فتابع: وجبتلكم كمان شوية أكل، وأنا همشي دلوقتي، وهفضل ورا المحامي لحد ما يرد عليا، وهبقي اعدى عليكم بكره.


نظر لهما بنبرة حازمة وحانية: ارتاحوا النهارده، ومتفكروش في أي حاجة، لإن طول ما أنتم خايفين، وتحت تأثير التوتر، مش هتفكرو صح.


نظر لألاء بعطف: حاولي تنامي، أنتِ تعبانة علشان خاطر مامتك حتي، شكلها تعبان خالص.


نظرت له بخجل وامتنان، وعينها تلمع بالدموع: أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا دكتور على كل إللي أنت عملته معايا ده...


ابتسم ونظر لها بحنو: مش عايزك تشكريني، أنا عايزك تسمعي الكلام.


اومأت برأسها: حاضر.


ابتسم ابتسامة دافئة: برافو، وزي ماقولتلكم، اعتبروا نفسكم في بيتكم، أنا همشي دلوقتي، لو احتجتوا أي حاجة، كلموني.


أخرج هاتف من جيبه ومده للآلاء: ده تليفوني الثاني، رقمي متسجل هنا ولو مرديتش أو حصل أي حاجة، كلمي إيهاب، أو دكتور محمد عبد الرحمن ، أكيد عارفاه.


ابتسمت أنهار وامسكت بيده: بعد الشر عليك يا ابني ربنا يديك الصحة وترجعلنا بالسلامة إن شاء الله.


هز رأسه: إن شاء الله، بس لازم برضو أحطكم بالصورة.


آلاء بعيون يملئها أمل وامتنان: أنا هستناك يادكتور، إن شاء الله مش هيحصل حاجة.


مصطفى بإبتسامة خفيفة وهو يخرج: عن إذنكم.


تحرك مصطفى نحو خارج الغرفة، وتحركت خلفه أنهار وآلاء، وعيناهما لا تفارقان ظهره، تحملان نظرات امتنان وشكر عميق لم يعرفا ماذا يقولان أمام هذا الكرم الكبير الذي لم تعتادهن عليه من قبل.


لم يكن هناك من يقف معهم  بهذا القدر من الأهتمام، خصوصا وسط مشاكلهم، ومع شخص مثل محمود، ذلك المجرم الذي يجلب المصائب، لكن مصطفى لم يخف، ولم يتهرب، بل وقف إلى جانبهما، محافظا على أمانهما،  لم يحتاجا للكلام، فعيونهما كانت تقول كل شيء حتى وصلا إلى باب الشقة.


أغلق مصطفى الباب خلفه.


وصمت المكان لبرهة، ابتسمت آلاء وعينها تتلألأ بالإعجاب، تحدق في أنهار: أنا شوفت كتير، وقليل، بس مشوفتش حد زي دكتور مصطفى ده.


ابتسمت أنهار بخفة: ربنا يكرمه مفيش زيه، شكله متربي تسلم تربيته.


مدت يديها، وأضافت بتعب: بقولك إيه يا بنتى، تعالي إديني الدوا، وأنتِ كمان خدي دواكي، وتعالي ندخل نستريح شوية


هزت راسها: تعالي يا ماما.


وبالفعل تحركا معا نحو الغرفة 


تمددت أنهار على الفراش وأعطتها آلاء الدواء، وقالت بابتسامه حانيه: نامي وأرتاحي، أنتِ تعبتي أوى النهارده 


أنهار بتعب: وأنتِ كمان تعالي أرتاحي حبة؟!


آلاء بهدوء: حاضر شوية بس.


هزت أنهار راسها وأغمضت عينيها بتعب مستسلمة للنوم بعد تعب يوم طويل.


بينما خرجت آلاء إلى الصاله، تتلفت حولها بشرود، كأنها ترى العالم لأول مرة بعد انكساره، نظرت إلى ذراعها المكسور، وملامحها التي لم تعد تعرفها، فقد تحولت حياتها في لحظة، إلى دمار كامل.

لحظة كانت كفيلة بأن تقضي عليها، لولا أن مصطفى لحق بها، ومع ذلك، مازالت حياتها حتى الآن معلقة على حافة الخطر.


شعرت بوجع في منتصف قلبها وكأن هناك شوكه مغروسة تؤلمها بشده؛ فما اصعب، أن يكون شقيقها الذي من المفترض أن يكون درعها وحصنها أول من يقوم ببيعها بالرخيص، بينما الغريب ينقذها ويحميها، يحاول أن يمنحها أمانا افتقدته.


جلست على الأريكة، وضمت نفسها كأنها تحاول أن تحتمي من العالم بذراعيها المرتجفتين، كان تعب الجسد، ووجع جسدها، لا يساوي شيئا أمام ألم قلبها.


انهمرت دموعها بصمت، وصرخات مكتومة خرجت من أعماقها ولم يسمعها أحد، وكأنها تساءل: إلى متى سأظل هكذا؟ وماذا ينتظرني بعد؟


لكن لم تأتها إجابة.


اشتد عليها الإرهاق، يبدو أن الأدوية التي تتناولتها بدأت تسحبها نحو النوم، لم تعد قادرة على المقاومة، نهضت بصعوبة، واتجهت نحو والدتها، وارتمت بجوارها، تبحث عن ذرة راحة عن إحساس أمان، حتى لو كان أمانا زائفا، مؤقتا، يكذب عليها قليلا لينقذها من نفسها.


فيلا سليم وماسة، 10:00مساء


غرفة النوم.


جلست ماسة على الفراش بجانب سليم، تقوم بعمل علاج طبيعي لقدميه، كان سليم مستجيب بشدة، مع الحركات وبعد الانتهاء اعتدل في جلسته.


اقتربت منه بإبتسامة وهي تمسح وجهه بالمنشفة: برافو، بقيت شطور خالص في العلاج الطبيعي، أيوه كده كمل بقى علشان تخف بسرعة. 


بمزاح لطيف: مش عارف ليه بتتعاملي معايا كأني ابنك؟


اقتربت وهي تلمس خده: ما أنت ابني المشاغب فعلا...

وضعت قبلة على أنفه وتبسمت: علشان كده هعملك بكره كراميل يا أحلى كراميل؟


أمسك يدها بنبرة جدية قليلا: بمناسبة بكره صحيح، عندك ايه في يومك؟ 


رفعت كتفيها: ولا حاجه، مأنتخه ف البيت.


قرصه وجنتها: طب ايه رأيك يا مأنتخه، تيجى معايا المجموعه بكره؟!


اومأت برأسها: ماشي.


ضيق عينيه متسائلا: هو أنتِ ليه مفكرتيش قبل كده يكون ليكي مشروع خاص بيكي؟ زي سلوى، اشتغلت دلوقتي في ورشة وبتصمم وممكن تفتح مشروع خاص ليها باسم الماركة بتاعتها. 


تبسمت ببساطة وهي ترفع كتفيها مفسرة: أنا معنديش موهبة زيها، الحاجة الوحيدة إللي بعرف اعملها حلو الأكل، سلوى من وهي صغيرة شطورة في الحاجات دي، وكنت بساعدها، أي حاجة كانت تبوظ كانت تصلحها وتخليها أجمل، وبتعمل اكسسوارات من الحاجات كانت بتبوظ من لورين ولارا وتعمل منها حاجات جميلة كأنها جديدة وتبيعها.


ابتسم بتشجيع: مش لازم يكون عندك موهبة، ممكن يكون حاجه بتحبيها ومهتمه بيها، فكري وشوفي حاجة واشتغلي فيها وأنا معاكي. 


صمت للحظة كأنه يفكر ثم قال: أنتِ بتحبي البرفانات والميك أب والعناية بالشعر والجسم، ممكن تعمليلك شركة لمستحضرات التجميل؟!  أو أنتِ وسلوى، تتشاركوا، هي بالتصميم، وأنتِ بالإدارة والتمويل..


تبسم وهو يمسك يدها: حابب يكونلك شغل وكارير وحياة..


تبسمت بإبتسامة حماسية: بصراحة الأفكار دي كلها حلوة! عمري مافكرت فيها، بس ماشي هفكر، حمستني.


سليم بابتسامه دافئة: فكري وأنا معاكي لحدما تبقي أحلى وأكبر سيدة أعمال مش في الشرق الأوسط في العالم كمان.


ابتسمت ابتسامة واسعة ثم مدت يديها وعانقته بشدة: أنا بموت فيك.


بادلها العناق: وأنا بعشقك.


عيادة مصطفى، 11:00مساء


دخل العيادة وأغلق الباب خلفه بإحكام، مد يده وأشعل الأنوار، فارتد الضوء على المكان الخالي ببرود معتاد.


اتجه إلى غرفته، جلس على الكنبة، وأسند ظهره وهو يحدق في الفراغ، عقله كان يعج بكل ما حدث خلال اليوم؛ حديثه مع ماسة، كلماتها، رد فعلها، ما جرى مع آلاء، واليوم الذي بدا وكأنه لا يريد أن ينتهي.


كان يوما ممتلئا بالأحداث، لكن وسط كل هذا الصخب، كانت آلاء هي الهاجس الأكبر، لا يعرف ماذا يفعل، ولا من أين يبدأ.


أمسك هاتفه واتصل بالمحامي مجددا… لا رد.


زفر بضيق، ونفخة اختناق خرجت من صدره، ثم كتب رسالة وأرسلها: «يا ابني أنا بكلمك من الصبح ومش بترد، كلمني ضروري.»


أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة، ثم نهض من مكانه بتعب واضح.


سحب الاريكه لتتحول إلى فراش، فتح الدرج السفلي وأخرج وسادة وغطاء، اعتاد استخدامهما حين يبيت في العيادة.


تحرك بعدها إلى الدولاب، فتح الدرج الأخير، أخرج بيجامته، وبدأ يبدل ملابسه ببطء، واستلقى أخيرا على الفراش، حدق في السقف، وترك أفكاره تتشابك بلا ترتيب، الهدوء من حوله كان ثقيلا ولكن ثقل القلق على صدره كان أثقل.


اليوم التالي 


منزل آلاء، 9:00صباحا.


دخل محمود الشقة وهو يصفق الباب بعنف، وصوته يعلو بغضب وحشرجة: ماما.


لم يجبه أحد.


وحينما وقعت عيناه على باب غرفة آلاء مفتوح، ركض عليها وجدها فارغه!! 


فعلى صوته مناديا: آلاء، ماما !! مين اللى فتح الباب أنا مش قولت ميتفتحلهاش الباب.


وظل يتجول في الشقة كالمسوس، يدور حول نفسه، يفتح الأبواب، يخبط الدولاب، يقلب كل شيء بلا وعي، كمن يبحث عن روحه وحين لم يجد أحدا، جن جنونه.


أمسك هاتفه بسرعة وأتصل بآلاء، فوجد الهاتف يهتز في جيبه


مد يده في جيبه وجد موبايلها! فقد نسي إنه اخذوا منها، وقف يفكر لثواني والدم يغلي في راسه، ثم صاح غاضبا: هيكون راحوا فين؟!


أتصل على أمه، وجد هاتفها مغلق!


وقف في منتصف الصالة، أنفاسه تتلاحق بسرعة، صدره يعلو ويهبط كوحش محاصر، ضرب الحائط بقبضته بقوة، فاهتزت الصورة المعلقة عليه.


صرخ ببحة غاضبة: هما فين؟!


اندفع نحو الباب دون تفكير، فتحه بعنف، وهبط الدرج راكضا وهو يكاد يتدحرج من شدة التوتر.


خرج إلى الشارع، يتلفت بجنون، ثم ركض نحو ثلاث سيدات يجلسن أمام بيت.


وقف أمامهن وهو يلهث: حد شاف أمي؟! أو آلاء؟! 


هزت الثلاثة رؤوسهن بالنفي، فازداد غضبه اشتعالا.


أتجه بسرعة نحو رجل يقف بعربة خضار كارو: بقولك يا حاج، شوفت أمي؟!


رفع الرجل حاجبيه بإستغراب: لا والله يا محمود، مشفتهاش.


قبل أن يكمل جملته، كان محمود قد تحرك، يبحث عن أي خيط.


نادى أحد الشباب الواقف أمام السايبر: يا عصفورة! شوفت أمي أو البت أختي؟


مسك عصفورة سيجارته وقال بلا مبالاة: أه شوفتها، أمبارح على المغرب كدة ركبت عربية مع واحد، هي والحاجة، وشكلها كانت عيانة.


تقدم نحوه مسرعا، وتساءل بصوت جاف وحاد: طب وريني العربية في الكاميرات مش المحل بتاعك فيه كاميرات؟


رفع عصفورة كتفيه ثم أشار له: تعالى...


دخل السايبر بسرعة، وعصفورة جلس أمام شاشة الكمبيوتر راجع التسجيلات، حتى ظهرت سيارة مصطفى واضحة في الصورة.


أشار عصفورة بيديه: أهم. 


تجمدت ملامح محمود، واتسعت عيناه، ثم قال بغل داخلي يتحشرج في صدره: الواد ده أنا عارفه.


رفع يده إلى رأسه، يضغط على جبينه بأصابعه، يحاول استدعاء ذاكرة غاضبة، ثم فجأة اتسعت عيناه بصدمة:

أيوه ده الواد إللي ضربني قبل كده! قالت اسمه قدامي بس مش فاكر!


جز على اسنانه حتي كاد أن يفتك بها، ثم تنفس قائلا:

استنى كدة يا عصفور، هاخدله صورة.


أخرج هاتفه، وصور لقطة واضحة لوجه مصطفى من شاشة الكاميرات، ثبت الصورة لحظة، وبدأ الشر يتجمع في عينه.


ثم أمسك كتف عصفورة: شكرا يا صاحبي.


ثم اندفع خارجا كالعاصفة، يتحرك في الشارع بخطوات سريعة، وقف أسفل أحد البيوت.


رفع رأسه وصاح بأعلى صوته: يا شوكة! يا شوووكة! ثم صفر.


ظهر شوكه من شرفة إحدى الشقق: عايز إيه يا محمود؟


رفع محمود رأسه: ابعتلي مفتاح المكنة، عندي مشوار مهم.


هز شوكة رأسه: ماشي بس رجعها بسرعة، عندي وردية بالليل.


ألقى المفتاح ألتقطه محمود بقبضة محكمة.


ثم ركض نحو الموتوسيكل، وبدون أن يلتفت أو يفكر أنطلق بأقصى سرعة نحو المستشفى،كالسهم، يركض بلا اتزان، وكأنه ذاهب ليشعل الحرب


مجموعة الراوي، 9:00 صباحا


دخلا ماسة وسليم من باب المجموعة، ممسكين بأيدي بعضهما، وكان الحماس واضحا على وجه ماسة.


ابتسمت ماسه بعينين لامعتين: أنا مبسوطة أوي بجد!


نظر لها بإبتسامة حانية: المهم تكوني مستعدة، عندك شغل كتير النهاردة.


ضحكت، وامسكت يده بحماسها: مستعدة، مذاكرة ومركزة.


رفع حاجبه بمشاكسه: هنشوف، تحبي تسلمي عليهم قبل ما نبدأ؟


لوحت بيدها بخفة: فكك منهم!


ابتسم ودخلوا المصعد، وخرجوا معا، لكن أثناء خروجهم، لمحهما رشدي من بعيد وهو يخرج من مكتبه، تراجع خطوة للخلف بتوتر شديد، وشعر بالخوف.


فماسة أصبحت تقترب أكثر من أي وقت مضى والتهديد بدأ يقترب معها.


دخل رشدي مكتبه وأغلق الباب خلفه بعنف، مسح وجهه وكأنه يحاول طرد الرعب الذي اجتاحه، لم يكن يعرف ماذا يفعل، كل شيء بدا وكأنه ينهار من حوله، فقط ثلاث أيام، ثلاث أيام ويتزوج مي وينتهي كل شيء، شعوره بالعجز والخوف كان يضغط على صدره، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلا.


حاول أن يسكن نفسه، لكن الأفكار ظلت تنهش عقله بلا رحمة: ماذا لو قالت كلمة خاطئة؟ ماذا لو كشف أمره؟


كل حركة وكل فكرة تزداد قتامة، والاضطراب يسيطر على كل تفكيره، وكأن الرعب يلتهمه من الداخل.


مكتب سليم


دخلت ماسة المكتب ومعها سليم، ونظرت حولها بدهشة: يا بقالى كتير مدخلتش مكتبك، من وأنا حامل في حور تقريبا.


مر طيف حزين على عينه، قبل أن يهز رأسه: فعلا، تعالي يلا نقعد علشان نبدا شغل.


تساءلت بدلال: بالسرعة دي!


هز رأسه بجدية: أيوة بطلي دلع، أقعدي على المكتب يلا


جلست على مقعد مكتبه بينما جلس هو على المقعد الامامي للمكتب وبدأ يتحدث بجدية: إحنا فاتحين مصانع لإنتاج الأجهزة الكهربائية المختلفة، ودايما بيشهدلنا كل إللي استخدموا المنتجات، إن الموتورات والخامات ممتازة بس في آخر سنتين تقريبا، بدأت نسب المبيعات تقل، مقابل التكلفة إللي إحنا بنصرفها لإنتاج كل جهاز، سواء ثلاجة، غسالة، تكييف... إلخ. بعض المدراء فكروا يقللوا متانة المنتج وكفاءته، بدل مايقدموا ضمان 10 أو 15سنة، يقدموا أقل وكل سنتين الزبون بيضطر يغير جهازه وقتها نكسب.


ماسة بحدة وحزم: وأنا لما أغير ثلاجتي بعد سنتين أو ثلاثة؟ أيه إللي يخليني أروح أشتري من نفس الشركة إلا لو أنا غبية، بالعكس هروح أدور على شركة تانية تخليني أشتري التلاجة كل 10سنين أو أكتر، ده فيه ناس طول عمرها مبتغيرش ثلاجتها!


ابتسم، وهز رأسه: بالظبط، دى رأي برضو، لو عملنا كده هنقلل من سمعتنا، بس هما شايفين إن مبيعاتنا قليلة لأن الأجهزة مكملة مع الناس يمكن من ٣٠ سنة، ولوفضلنا زي ما إحنا هنخسر فلوس، لإن محدش هيشتري، أصل هتشتري ليه وأنتِ جهازك شغال.


ضحكت بخفة: عندك حق، إيه هيخلينى أغير والجهاز شغال تمام؟!


ابتسم بتشجيع: فكريلنا في حل، يخلينا نزود المبيعات، وفي نفس الوقت منغامرش بسمعتنا.


ضحكت ماسة: هههههه ماشي! هفكر، بس أطلبلي مانجا، علشان أعرف أفكر بمزاج.


سليم ضاحكا: حاضر


مكتب عزت


جلس عزت على كرسيه، وفايزة إلى جواره، وصافيناز تجلس متحفزة، بينما وقف عماد أمامهم


عزت بضيق: إيه يا عماد؟ لحد دلوقتي ماشفتش ولا تنفيذ من فكرتك.


عماد، واثقا بنفسه: يا باشا فكرة زي دي لما تتعمل، تتعمل صح، ماسة لحد دلوقتي مخرجتش من غير سليم غير مرة، والمرة دي اتصورت واتبعتتله، السرعة مش مطلوبة، الدقة أهم.


هزت فايزة قدمها بعصبية: بالعكس! إحنا مش ضامنين هي ممكن تعمل إيه، ده جابها المجموعة النهاردة، وداخلين عاديين جدا! مش حاساه إن فيه أي مشاكل بينهم!


صافيناز بنبرة واقعية: أنا من رأيي نهدى، ونكمل في خطة عماد يومين كمان وخلاص.


شبك عماد أصابعه: أنا بس مستني أشوف هتقابله تاني ولا لأ، ولو مقابلتوش عندي فكرة تانية، بس وقتها هقولها.


عزت، بشك: هو أنت ليه معملتهاش يومها؟


عماد بهدوء خطير: علشان كان لازم نجس نبض سليم الأول وبعدين ننزل بالتقيل، لو محصلش جديد خلال اليومين دول، هنفذ الفكرة إللي في دماغي.


تبادلا النظرات بصمت مثقل.


مكتب ياسين


جلست لوجين على مقعد المكتب عينيها مركزة على الأوراق والملفات، أصابعها تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح.


وفجأة، انفتح الباب ودخل رشدي مبتسما، بعينين تتلألأن بالمشاكسة: ايه دى القطه الشيزاي هنا؟ إيه إللي جابك؟ مش المفروض دلوقتي تبقي مشغولة في حاجات تانية؟


رفعت عينيها بتزمر: أعمل إيه لأخوك؟ طلب مني أساعده علشان نقفل الشغل إللى وراه، علشان نقدر نفضل في الهاني مون الشهر كله، فاضطريت أجي بس النهاردة.


وقف بجانب المكتب، واتكأ على الحافة مبتسما بمكر: طب بقولك إيه، عايز منك خدمة في السريع كده، بس بيننا وبين بعض.


رفعت حاجبها بنبرة شبه مستاءة: أنا حاسة إن كلكم بتستغلوني النهاردة وعايزين تخلصوا شغلكم على قفايا ليه، على فكرة، أنا عروسة زي زيكم.


اقترب أكثر، بنبرة جادة لكنه لا يزال يحمل دعابة خفيفة: يا ستي، الموضوع ملوش علاقة بالشغل، أنا عايزك تشغليلي سليم خمساية.


ضحكت بخفوت متعجبة: أشغلك سليم خمساية ليه؟


نظر حوله وكأنه يشاركها سرا: أصل عايز أخش أتفق مع ماسة على المفاجأة إللي عايزين نعملهاله في عيد ميلاده، ومش عارف أخرجه، الواد قاعد جوة، نازل رغي معاها ولازق بغرة.


ضحكت بخفة: وده نخرجه أزاى دى؟


ابتسم بخفة: أنا عارف بقى يا لوجين، أنت شاطرة وهتعرفي تحليها؟ أنا مش عايز أكثر من عشر دقايق، بصي أول ما تشوفيني معدي قصاد الباب أنهي الحوار 


تنهد بحيرة: هتكلم معاه في ايه كل دى، أصل أنا علاقتي بمستر سليم مش أوي و...


قاطعها بسرعة، وابتسم بخبث: هو إيه إللي مش قوي؟ إنتِ مرات أخوه، اتكلمي في أي حاجة مش هتغلبي؟ بقولك عيد ميلاده وعايزين نعمله مفاجأة، فين الحماس؟!


ابتسمت بخفة، ونهضت وهي تغلق الملف: خلاص سبها عليا، أنت عايز تخرجه إمتى؟!


لوح بيده: ياريت دلوقتي.


اومأت براسها: طيب حاضر، استنى


مكتب سليم


كانت ماسة تجلس تراجع بعض الأوراق، وسليم مقابلها يشرح بإبتسامة، حتى تعالي طرق الباب ودخلت لوجين.


لوجين بصوت جاد: صباح الخير مستر سليم، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم جدا.


نظر لها بإستغراب: تتكلمي معايا أنا؟!


هزت رأسها: آه بعد إذنك؟ موضوع مهم خالص وشخصي؟


اومأ بتعجب: حاضر...


نظر لماسة بلطف: ثانية واحدة، هشوفها عايزة أيه وأرجعلك نكمل، ركزي في النقاط إللي قولتلك عليها.


هزت رأسها موافقة، فتوقفت لوجين للحظة وقالت بابتسامه: أنتِ ماسة مراته صح؟


هزت راسها بتهذب: أيوة أنا.


تقدمت لوجين تصافحها بابتسامه ودوده: أنا لوجين، خطيبة ياسين.


ابتسمت ماسة نهضت تصافحها بإحترام، ثم ضمتها بإبتسامة رقيقة: ألف مبروك.


لوجين بإبتسامة واسعة: الله يبارك فيكي، لازم نتكلم كتير ونتعرف على بعض أكتر، بس الدنيا الفترة دي زحمة.


ماسة ببراءة: إن شاء الله، أنا حقيقي نفسي أتعرف عليكي وعلى مي جدا.


لوجين بأسف: والله العظيم نفسي، بس الدنيا زحمة بشكل فظيع.


ماسة بحماس:طب ما تيجي تتغدي معايا يوم؟ عندنا قاعدة على النيل تحفة.


تنهدت بأسف وتمنى: يا ريت، بس أديكي شايفة الوقت بيجري طيران ولسه ناقصنا حاجات كتير قبل الفرح.


حاولت ماسة إقناعها: يا ستي، ساعة بس، وبعدين الفرح لسة فاضل عليه 3 أيام، نخليها بكرة إيه رأيك؟!


لوجين نظرت للأمام بتفكير: طب هشوف مي، ولو كدة هكلمك، هاتي رقمك.


تحركت ماسـة وجلبت الهاتف، وأعطته للوجين، كتبت لوجين رقمها، ورنت على نفسها، وقالت: خلاص، هنتكلم بقى، مبسوطه إني اتعرفت عليكي.


اومأت ماسـة براسها: أنا أكتر بس أكدي عليا النهاردة، هتيجوا إمتى علشان أعملكم أكل تحفة؟


لوجين بابتسامه: حاضر.


ثم التفت إلي سليم: يلا يا مستر سليم!؟


اومأ برأسه، والتفت نحو ماسة يغمز لها قبل أن يتحرك مع لوجين للخارج، أما ماسة جلست مرة أخرى لتكمل عملها بتركيز.


في الخارج، وأثناء تحرك سليم ولوجين في ممر كان رشدي مختبئ، وفور أن رأهما ركض نحو مكتب سليم.


مكتب ياسين 


جلست لوجين وسليم مقابل بعضهما على المقاعد الأمامية للمكتب لكن تركت لوجين الباب مفتوح حتى ترى رشدي.


سليم بإبتسامة: خير يا لوجين في إيه؟


رفعت يدها لا تعرف من أين تبدأ، ثم قالت بتلعثم: يرضيك إللي ياسين بيعمله معايا ده!


سليم باستغراب: عملك ايه ياسين؟!


تنهدت، تحاول أن تبدو جدية: جايبني المجموعة، وأنا عروسة.


سليم بلطف: طب كان ممكن ترفضي.


رفعت كتفيها ببراءة: هو قالي محتاج مساعدة منك، علشان الأسيست الجديدة مش شاطرة، وبعدين مش هو ده بس الموضوع...


توقفت لحظة، تفكر بسرعة، ثم قالت بنبرة حزينة متصنعة: دى كمان مش عايز يعملي أوضة نوم ليلا !!


رفع حاجبه بتعجب: مش عايز يعملها إيه؟!


لوجين بتمثيل وحزن: مش عايز يعملها باللون إللي أنا بحبه " ليلا" ومصمم يعملها أوف وايت أو فانيلا، وأنا بقول الألوان دي ماسخة وتقليدية!


وضع يده على فمه وحاولا كتم ضحكته، وقال بجدية: هو أنتِ جايباني هنا علشان تقولي إن ياسين مش عايز يخليلك الأوضة ليلا ؟


تنهدت بغضب: وأنت شايف إن الموضوع ده عادي؟ ده موضوع كبير جدا ! ومأثر في نفسيتى خالص، أنت أخوه الكبير أقنعه !


ضحك سليم أخيرا، وهو يحاول السيطرة على نفسه:

حاضر هقنعه يعملهالك ليلا.


هم أن بتوقف، لكن لوجين نهضت مسرعة بلهفة، تمسك يده لتجلسه: أقعد أنا لسه بتكلم معاك! السرير.


رد وهو يجلس بمزاح: ماله ده كمان مش عايز يعملهولك بمبة مسخسخ!


قلبت وجهها بعيدا، ووجهها مليء بالغضب بتمثيل: أنت كمان بتتريق على مشاعري وعلى ديكوراتي؟! مش دي أوضة نومي؟!  المفروض أعمل إللي أنا عايزاه، كنت فاكرة إنك الكبير العاقل زي ما بيقولوا ! عملت زي أخوك محدش كدة واقف جنبي أروح اشتكي لمين بس؟!


حاول كتم ضحكته بصعوبة، وقال بمهاودة: مقصدتش، بهزر معاكي، هكلمه حاضر، قوليلي بقى ماله السرير مزعلك في ايه؟!


أضافت بجدية مصطنعه: أنا عايزة السرير كلاسيك، وهو عايزه مودرن، وده موضوع كبير يا سليم!


سليم بابتسامه: آه طبعا بصي، هكلمه، يعملك كل الألوان وكل حاجة أنتِ عايزاه، هو ملوش دعوة، هو يدفع بس.


اومأت موافقه، وتتنهد تحاول جمع أفكارها أو إيجاد أي حوار يجعله يجلس: فيه حاجات كتير، عايزين نتكلم فيها، مثلا نخرج كلنا مع بعض، أنا وأنت وماسة ومي ورشدي، علشان نتعرف على بعض، أنا متعرفتش لحد دلوقتي على ماسة.


صمتت للحظة وتساءلت وهي تضيق عينيها: سليم هو إنت برج إيه؟


سليم: الأسد.


لم تركز أن عيد ميلاد أصحاب برج الأسد بعد حوالى شهرين من الآن، فكل تركيزها الآن منصب على تعطيل سليم حتى ينتهي رشدي، فمدت وجهها: آه، شخصيتكم بتبقى قوية جدا، ومسيطرة وحنينة.


سليم بإبتسامة: لوجين أكيد مش هنقعد نتكلم مع بعض في الأبراج ونسيب الشغل اللى ورانا ولا إيه؟!


نظرت له بصمت، لا تعرف ماذا تفعل؟! كل ما تريده الآن أن يخرج رشدي.


فهي لا تجد أي موضوع كي يجلس سليم معها أكثر، لكنها حاولت مرة أخيرة: عندك حق، أنا مش عارفة مالي حاسة إني متوترة ومش مظبوطة، اتجننت الصبح كمان وشديت مع ياسين بتكلم في حاجات ملهاش علاقة ببعض، أكيد أنت دلوقتي بتقول عليا مجنونة!


سليم بإبتسامة لطيفه: لا طبيعى كل البنات بيمروا بده خصوصا لو جوازهم جه بسرعة، بس أنتِ هتتجوزي إللي بتحبيه.


لوجين بإرتباك: أيوة أنا بحبه، ممكن تقولي الحاجات إللي ياسين بيحبها؟!


رفع حاجبه متعجبا: دلوقتي


لوجين برجاء وكأنها وجدت الموضوع: أيوه بلييز، أنت مش عارف دي هيفرق في حياتنا أزاى.


تنهد وبدأ يتحدث معها عن ياسين، ولوجين تستمع له بغير تركيز وتتمنى أن يمر الوقت بسرعة قبل أن ينتهي سليم من حديثه، لأنها لا تعرف كيف تواصل الموقف.


على إتجاه آخر، في مكتب سليم 


كانت ماسة جالسة تقرأ الأوراق بحرص وتركيز، تبحث عن مخرج لمشكلة، كان الصمت يكسو المكان، حتي انفتح الباب فجأة. 


رفعت عينيها بإبتسامة ظنت أنه سليم، لكنها تجمدت في مكانها حين رأَت رشدي يدخل، مر برد مفاجئ عبر عروقها؛ ولكنها تمالكت نفسها كي لا يفضحها ارتباكها.


دخل رشدي بخطى واثقة، بإبتسامة ترتسم على وجهه، وكأنه داخل لعبة يعرف أنه الفائز بها لا محال: ست الحسن! وحشتيني خالص، كل دى غيبه، عاش من شافك.


جلس على المقعد الأمامي للمكتب، وقال مازحا: والله ليكي وحشة، زي القمر وكل مابتكبري بتحلوي.


رفعت بصرها إليه بنظرة حادة: عايز إيه يا رشدي؟


تغيرت نبرة صوته فجأة، صار أضيق وأكثر حسابا: كل خير يا حبيبة قلبي... 


صمت للحظة كأنه يقيس كلماته قبل أن يلقيها، ونهض من مكانه وتقدم نحوها، تتابع خطواته بعينها وحتى وصل إليها حاصرها بذراعيه من الجانبين، قائلا بوجه لا يخلو من التهديد: بصي يا ست الحسن إحنا هنتفق إتفاق صغير أوي.


رفع كفه وقال وأخذ يفتحه ويغلقه، قائلا بنبرة هادئة لكنها قاطعة بتهديد حاد: لو بوقك ده اتفتح، وبدا يتكلم ويلوك! أنتِ هتدفعي التمن، وهتزعلي أوي، بس لو بقيتي شطورة وبوقك اتقفل.


أغلق راحة كفه ونظر داخل عينها التي كانت تنظر له بإرتباك وخوف: مفيش حاجة هتحصل، وهنبقى حبايب أنا وإنتِ.


انتصب جسده وأضاف: وبيتهيألي أنتِ ذكيه، وهتختاري الاختيار التانى لأنك مجربة قبل كده زعلى وحش أزاى.


اهتزت للحظه من الخوف، وابتلعت غصتها، لكن سرعان ما تحركت عينيها وتحولت لسواد شرس، توقفت أمامه بعدم خوف وكأنها تواجهه: طب قولي يا رشدي هو أنا إيه إللي ممكن يمنعني إني أصرخ دلوقتي وأنادي لسليم ويجي يدفنك مكانك، قولي سبب واحد بس؟!


ضحك وهو يتحرك في المكتب: سبب واحد بس! بسيطه..


ألتفت لها وأزاح جاكيت بدلته قليلا يطلعها على مسدسه، وحين رأته تجمد الدم في عروقها واهتزت قليلا، وابتلعت ريقها بخوف.


أضاف رشدي على نفس ذات الوتيرة الهادئة لكنها حازمة مستخفة مليئة بتهديد: أصرخي، وخلي الأمير يجي، واوعدك أول ما الباب يتفتح رصاص مسدسي مش هعزه عليه.


اتسعت عيناها بصدمة: هتقتل أخوك؟!


ضحك بسخرية: أمال هستنى لما أخويا يقتلني؟! ماهي يا قاتل يا مقتول، وأكيد هكون أنا القاتل مش المقتول، وطبيعي لما سليم يموت أنتِ خسرتي كل حاجة.


بدأت أنفاسها تتعالى بغضب، وصاحت من بين أسنانها: عايز مني إيه يا رشدي؟!


أقترب منها بهدوء، ومال برأسه ليكون في مستوى نظرها، وقال بنبرة بسبطه مهيمنة: كل خير يا ست الحسن، أنا عايزك تحطي لسانك جوة بوقك وكل حاجة حصلت ما بيننا زمان تنسيها كأنها محصلتش، أنا مش هخسر مي عشانك ولا هرجع لورا علشان غلطة عملتها زمان...


انتصب جسده وأضاف بهدوء وكأنه يترجاها ألا تجعله يفعل ذلك: أنا مش عايز أضايقك، ولا طالب منك حاجة غير سكوتك، كملي مع جوزك وعيشي مرتاحة، وأنا وعد مش هتعرضلك تاني، وصدقيني أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تسكتي ومتحكيش لسليم حاجة، وانسي واعتبري كل اللى حصل زمان فيلم رعب وخلص بفوزك.


عاد مرة أخر لنبرته الحادة بنظرات غامت بسواد: لكن لو فكرتي تغدري، أو عقلك بس وزك تتكلمي، قسما بالله العظيم المرة دي أهلك هيبقوا جثث مش مجرد  عربية تخبط ولا قناص واقف من بعيد، وقبلهم هقتلك سليم ذات نفسه.


رفعت عينيها التي أمتلات بالدموع، وقالت بحدة قاتلة: للدرجة دي خايف؟!


في تلك اللحظه، بمكتب ياسين.


 شعر سليم بالملل من حديث لوجين، فزفر باختناق ونهض مرة واحدة قائلا باعتذار: معلش يا لوجين، أنا لازم أمشي، عندي اجتماع مهم.


حاولت أن توقفه: استنى بس.


لكنه لم ينتظر، وتحرك مسرعا.


في مكتب سليم


ابتسم رشدي ببرود، وتقدم خطوة: أنا مبخافش، وممكن دلوقتي أخرج وأبعت أي عربية تخلص من سليم، أو أحط له سم في الأكل، أصلا مشكلتي فيه؛ ومجرد ما سليم يموت اللعب معاكي هيبقى اتفه ما يمكن،  أصل إللي إحنا كنا خايفين منه خلصنا عليه.


اقترب منها، وتابع بهدوء قاتل: أنا مش هخسر مي مفهوم، أسكتي علشان تضمني حياتك.


قرب وجهه من أذنها، وهمس فيها كتهديد نهائي: وحياة جوزك، وحياة أهلك.


في تلك اللحظة دخل سليم مبتسما، ولكن تلاشت بسمته حين وجد الأثنان وجها لوجه، والهواء قد اشتد توترا، خاصة أن سليم تلك الفترة قلبه مليء بالشك تجاه رشدي؟!


خطا سليم للداخل متسائلا بشك: واقفين كدة ليه؟


رأى رشدي فرصة ليمثل فأومأ بإبتسامة سطحية: كنت جاي أسلم عليها واقولها تتعرف على مي، ومش مصدقة إن خلاص يومين وهتجوز.


سليم بنبرة نصف مستغربة غير مصدقة: أنا كمان مش مصدق، مش عارف هي وافقتك أزاى؟!


ألتفت رشدي إلى ماسة كأنه يذكرها بتهديده: عموما ظبطي يوم بقى يا ماسة، ومتنسيش إللي قولتلك عليه، علشان ناكل من إيدك فطير، وحشني أكلك خالص.


أمعن رشدي النظرة إلى سليم بخبث كي يبرر ما قاله لها: ممكن يا سليم؟ ماسة تعملنا فطير بلدي من إيديها؟


اومأ بابتسامه: إن شاء الله.


رشدي: ماشي يلا باي. 


خرج رشدي متأنيا، بعد أن القي عليها نظره ذات معني.


لم يكن يريد أن يهددها لمجرد التهديد، كل همه كان الحفاظ على سر واحد - سر يمكن أن يخسر كل شيء بسببه؛ لذلك اتخذ تلك الخطوة الوحشية.


أُغلق باب المكتب خلفه، وارتد صدى الإغلاق في الهواء كأنه ختم على لحظة ثقيلة.


وقفت ماسة في مكانها لثانية واحدة، لكنها كانت كافية ليظهر ارتجاف صدرها، كان قلبها يدق بعنف، كطائر حبس فجأة داخل قفص ضيق، نظرت إلى سليم، نظرة قصيرة.


وفجأة، وبلا تفكير اندفعت نحوه، وضمته بقوة، ذراعاها ألتفا حوله كأنها تبحث عن أمان مهدد بالضياع، ودموعها لمعت على أطراف رموشها.


أرتفع حاجباه بقلق، وأحاطها بذراعيه بهدوء، إحدى يديه تربت على شعرها، والأخرى تشدها إليه قليلا ليطمئنها.


سليم بقلق واضح: مالك؟ إيه إللي حصل يا حبيبتي؟


ابتعدت عنه سريعا، تنفست بعمق، ثم دفعت شعرها للخلف بإيماءة مرتبكة، محاولة إخفاء ما يدور داخلها: مفيش، أصل مبسوطة يعني إن إحنا جينا هنا ورجعنا نشتغل زي زمان وكده.


حدق فيها بتركيز، عيناه تبحثان عن الحقيقة خلف كلماتها، وقال بعدم اقتناع: أنا مش مقتنع خالص بالكلام ده، ما أنا كنت سايبك كويسه، رشدي قالك حاجة ضايقتك؟


ابتسمت ابتسامة مصطنعة، ورفعت يدها تربت على خده بلطف مبالغ فيه: يعني إيه إللي ممكن رشدي يقوله يضايقني؟ كل إللي قاله إنه عايزين نخرج وبلاش تختفي وكده.


رفع حاجبه بعدم تصدق: والله؟ والمرة إللي فاتت زعلانة عشان الفستان! 


قضم شفتيه بضجر تساءل: لآخر مرة هسألك، فيه إيه بينك وبين رشدي؟ عملك إيه؟


تنهدت وهي تحاول الثبات: قوللتك مفيش، أنت إللي مكبر الموضوع.


رفع حاجبه بحدة وعدم تصديق: والله؟!  طب أنا هجيبهالك من الآخر، رشدي حاول يتحرش بيكي يا ماسة؟


اتسعت عيناها بصدمة: إيه إللي بتقوله ده؟! لا، والله العظيم ما عمل كده! هو أصلا يقدر؟


سليم بغضب مكتوم: أمال فيه ايه؟!


مسحت وجهها بتوتر: مفيش حاجة، كان بيعتذرلي على سخافته معايا زمان، وقالي خلينا نتقابل علشان يعرفني على مي، وقالي إنه اتغير وهيبدأ صفحة جديدة في حياته.


ضحك بسخرية: آه عبيط أنا علشان أصدق الكلام دى!


ماسه بإصرار: يا سليم، دي الحقيقة، هكدب عليك ليه؟!


هز رأسه وهو ينظر داخل عينيها: معرفش، بس أنا مش مصدق، ولا هصدق.


ثم أضاف بنبرة حاسمة: وهعرف كل حاجة قريب أوي، بس وقتها هزعل منك أوى لاني سألتك كذا مره ومجاوبتيش.


نظر إليها بصمت ثقيل، كأنه يتوسلها أن تتكلم، لكنها كانت غارقة في خوفها المعتاد، فقالت بصوت واهن: مفيش حاجة علشان تعرفها.


عض على أسنانه بأسف، وزفر باختناق، ثم تساءل محاولا التماسك: المهم لقيتي حل للمشكلة اللي قولتلك عليها؟


ماسة بتوتر وارتباك: لا ملحقتش أفكر، بقولك إيه، أنا عايزة أدخل التواليت.


ثم تحركت بسرعة وخرجت قبل أن ينفضح أمرها، أما سليم فلم يكن يريد أكثر من ذلك، فالبرغم محاولتها التمثيل، كل شيء فضحها.


جلس على المقعد الأمامي للمكتب، فتح زر جاكيت البدلة بضيق، يفكر بإنزعاج شديد وهو يجز على اسنانه الأمامية بعينين غامت بالسواد، رفع هاتفه وأجرى اتصالا بمكي: أنت فين؟ طيب خلص، لازم أقابلك، وصلت لحاجة في حوار الزفت ده، بتاع الجامعة يا مكي!! 


زفر بإختناق تابع: هبقى أقولك، مش متعصب، سلام.


أغلق الهاتف بعنف وهو يحدق أمامه، يجز على أسنانه حتى كاد يكسرها، ويقبض على كفه بقسوة، كان قادرا أن ينتزع الحقيقة منها انتزاعا، لكنه كبح نفسه؛ لن يعود لتلك الأساليب معها مرة أخرى، تركها على راحتها، رغم أن رأسه كان يعصف بالأسئلة والقلق، كان متيقنا يقينا قاتلا أن ماسة تخبئ شيئا خطيرا، شيئا أكبر مما يتخيل، ولم يصل إليه بعد.


على إتجاه آخر في المرحاض.


توقفت أمام المرآة بثبات هش، كأنها تتكئ على فراغ، شفتيها ترتجفان، وعيناها تلمعان بالدموع، حاولت أن تبتلع الخوف والألم لكنهما تمردا، وخرجا دفعة واحدة


أسندت كفيها على حافة الحوض، تحاول أن تماسك، وتمنع دموعها من السقوط، لكن الدموع أفلتت منها رغما عنها.


انحنت قليلا، وبكت بصمت بكاء مكتوما، ثم ما لبث أن تحول إلى انهيار كامل.


تسللت كلمات رشدي إلى أذنها، تطن وتقرع رأسها بلا رحمة، تخنقها كحبل من نار، كأفعى تلدغها بسمها، شعرت كأن أنفاسها تنتزع منها قسرا، كأنها تخنق بلا رحمة، أخذ جسدها يهتز، ترتجف ولا تدري ماذا تفعل؟!


بعد كل تلك السنوات من الصمت والهروب، ومحاولة النسيان عادوا ليهددوها مرة أخرى.


كانت صدقت لوهلة أنهم ابتعدوا، وأنها آمنه، وأن تلك القوة الهشة التي تشبثت بها طوال الوقت صارت كافية، لكنها اكتشفت الآن أنها كانت وهما.


هذه المرة لم يكن التهديد لها وحدها، بل كان لسليم حبيب روحها أيضا.


اتسعت عيناها برعب صامت، ووضعت يدها على فمها تكتم أنينا كاد يفضحها، كأن الصوت نفسه خطر، ظل عقلها يدور ويتخبط، لا يرى مخرجا.


رفعت رأسها فجأة، كأن فكرة أنقذتها من الغرق، أخرجت هاتفها بسرعة من حقيبتها، بأصابع مرتعشة بالكاد تضغط الأزرار، قربت الهاتف من أذنها، وقلبها يخفق بعنف، كأنها تتعلق بالمكالمة كآخر خيط نجاة.


ماسة بنبرة مرتعشة: أيوة يا دكتور أنا ماسة، من فضلك أنا عايز أشوف حضرتك النهاردة ضروري، لا لا مينفعش أتكلم في التليفون فيه حاجة كبيرة، بس أسمعني، أبعتلي رسالة كإنك أنت إللي محتاج تشوفني علشان أعرف أجيلك وسليم ميشكش في حاجة أيوة،  بعد عشر دقايق، شكرا أوي.


أغلقت الهاتف وأسندت جبينها على المرآة، تبكي بحرقة ثم اخذت تغسل وجهها بمياه باردة، تحاول أن تستعيد قدرتها على الوقوف، مسحت وجهها، وأخذت نفسا عميقا، تحاول أن تعيد ترتيب ملامحها قبل أن تخرج.


المستشفى


ترجل محمود من فوق الموتوسيكل، كتافه مرفوعان، وعضلات رقبته بارزة من شدة الغضب. 


تقدم نحو بوابة المستشفى، لكنه توقف فجأة، كأن شرارة فكرة ألمت بذهنه، دار نصف دورة، وبخطوة محسوبة اقترب من رجل الأمن الواقف عند المدخل، وقال بصوت رجولي غليظ: صباح الخير يا صاحبي.


رفع رجل الأمن رأسه، ونظر له بحذر: صباح النور.


مد محمود يده ببطء داخل جيبه، بإيماءه مقصوده، وأخرج 50 جنيه دسها في يد الأمن وهو يقرب جسمه منه: بقولك يا عمنا، فيه دكتور كدة حليوة شغال عندكم، أمي كانت بتروحله، أنا ناسي اسمه، ممكن تفكرني بيه؟ استنى هورهولك.


أخرج  هاتفه، وأظهر لرجل الأمن صورة مصطفى التي ألتقطها من السايبر.


مال رجل الأمن بجسده إلى الأمام، دقق في الصورة، ثم هز رأسه بثقة: آه ده دكتور مصطفى عبد الحميد بتاع الباطنة، دكتور شاطر جدا.


تساءل بتوجس: هو جوه؟


هز الأمن كتفه، مترددا: لا مجاش من إمبارح.


أمال رأسه، وضيق عيناه: كان لوحده؟


الأمن بصوت منخفض، كما لو يخشى الغلط: مشوفتش.


فهم محمود المعنى، وسحب 50 تانية، ورماها بإهمال في يد الأمن: طب وكده شوفته ولا لسه؟


تنحنح الأمن، وبشكل أوضح قال وهو يعقد حاجبيه: كان معاه آلاء الممرضة، وتقريبا إللي معاها دي أمها.


لمع الشر في عين محمود، تحدث وهو يجز علي اسنانه متسائلا: طب تعرف عنوانه؟


رفع رجل الأمن حاجبه وأومأ بنبرة باردة: معرفوش.


أخرج محمود 50 أخرى بعصبية ووضعها في يده: طب وكده؟


رفع الأمن كفيه كأنه يتبرأ: والنبي ما أعرفه.


عض محمود على شفته بقوة، ووجهه تهجم بالخطر، أدخل يده في جيبه بسرعة، وأخرج منديلا مطويا، فتحه قليلا وبرزت منه قطعة حشيش، رفعها ببطء، ونظره مركز على عيني الأمن: إيه رأيك بقى؟ تجيبلي العنوان، ومبروك عليك الحتة.


اتسعت عين الأمن، وقرب جسده أكثر، ومد يده ياخد القطعة، لكن محمود قفل المنديل بغتة بيده: العنوان الأول.


رجع الأمن خطوة، وصوته بدأ يتهدج: يا باشا والنبي ما اعرفه، بس هدخل أسأل وأجيبهولك.


أشار له محمود بإشارة سريعة: يلا بسرعة.


دخل الأمن متوترا، أما محمود، فبدأ يتحرك ذهابا وإيابا أمام البوابة وهو يتمتم بغضب مكبوت: والله لاربيكي يا آلاء، وهوريكي يعني إيه تعصي كلامي، أنتِ وأمك إللي هتمشيكي على حل شعرك دى، والله لأكسر رجلكم، وأوريكي أنت والواد اللى ماشيه معاه دى، فقريه ومش وش نعمه يا بنت الكلب.


كان صوته منخفضا، لكنه مليء بالشر.


بعد دقائق، عاد الأمن قائلا بإبتسامة: بص جبتلك عنوانين؛ واحد في إسكندرية، وواحد في القاهرة، عايز أنهي؟


خطف محمود الورقة من يده بدون أن ينظر إليه: هات بتاع القاهرة، بعدين نبقي نشوف بتاع أسكندرية


بينما سلم له قطعة الحشيش ببرود: تسلم يا غالي.


الأمن بإبتسامة: أي خدمة أي وقت تبقى عايز أي حاجة أديك عرفت المكان.


لم يلتفت محمود، صعد الموتوسيكل، مسك المقود بقوة، وبعين متوحشة داس البنزين بقسوة وأنطلق، متجها صوب عنوان مصطفى.


مجموعة الراوي 


مكتب ياسين 


جلست لوجين خلف المكتب، منغمسة في عملها، عيناها مثبتتان على الأوراق أمامها، في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل ياسين بإبتسامة خفيفة، يحمل عدة تقارير بين يديه: إيه يا جوجا، خلصتي ولا لسة؟


رفعت عينيها إليه سريعا، ثم عادت تنظر إلى الشاشة: لا لسة.


اقترب منها متسائلا باستغراب: ليه كل ده؟


تنهدت، وأغلقت الملف أمامها: أصل رشدي كان عايزني في حوار كده.


جلس على طرف المكتب، ورفع حاجبه بإهتمام: حوار إيه؟


لوجين بوضوح: كان عايزني أطلعله سليم من عند ماسة، وأعطله شويع علشان يعرف يتكلم مع ماسة، وبقولك صح! أنت ناوي تجيبله إيه هدية؟


رفع ياسين حاجبه: أنا مش فاهم حاجة.


تابعت لوجين بثقة: بص أنا من رأيي إنك تركز في شغلك، وتقولي إيه الحاجات إللي هو بيحبها، وأنا أجيبها، أنا كل يوم تقريبا في المول


ياسين بعدم فهم: يا بنتي فهميني براحة، إيه رشدي وماسة وهدية؟ أنا مش فاهم حاجة!


لوجين ببساطة شديدة: الهدية علشان عيد ميلاد سليم 


ياسين مذهول: عيد ميلاد سليم؟ إزاي يعني؟


تنهدت بملل: رشدي قالي إنهم عايزين يعملوله مفاجأة، حفلة بقى، وهدية، وحاجات كده.


أعاد ياسين السؤال كأنه بيستوعب الكارثة بنبرة مزاح: رشدي عايز يعمل حفلة لسليم؟ ويجيب له هدية؟ وبيتفق مع ماسة؟ أنتِ بتهزري


هزت رأسها بثقة: هو قالي كده، المهم هنعمل إيه، هنجيبله إيه هديه؟!


عاد بظهره للخلف: عيد ميلاد مين يا لوجين؟ عيد ميلاد سليم فاضل له كام شهر!


اتسعت عينا لوجين: بجد!!


اومأ بسخرية خفيفة: حبيبتي برافو، رشدي اشتغلك.


لوجين بصدمة: طب هيبقى عايز منها إيه يعني؟ أكيد فيه حاجة.


نهض قائلا: هنشوف، بس أوعي تقولي لحد، وأنا هعرف رشدي كان عايز منها إيه؟! خلصي الشغل إللي وراكي. 


اومأت برأسها: خلاص قربت أخلص أهو.


اومأ بصمت وخرج.


مكتب رشدي


كان يجلس على الأريكة يدخن سيجارته ببطء، عيناه شاردتان يفكر في حديثه الأخير مع ماسة، فهو لم يرد أن يهددها، لكنه ضغط عليها ليضمن صمتها. 


قطع شروده فتح الباب ودخول ياسين دون مقدمات.


رفع رشدي نظره، وأطفأ السيجار في الطفاية بلا اكتراث.


جلس ياسين أمامه متسائلا بتحفز: إيه يا رشدي، كنت عايز من ماسة إيه؟ وكمان كنت بتشتغل لوجين وبتستغلها في حوارتك!! فيه إيه بالظبط؟


عاد بظهره للخلف، يمثل البراءة: أنا مش فاهم حاجة.


مال للأمام بنبرة حازمة: لا فاهم، أنت كذبت على لوجين وقولتلها إن عيد ميلاد سليم قرب علشان تفضيلك الجو مع ماسة، أنت عايز من ماسة إيه؟


صمت لحظة، كان رأسه فارغ من أي كذبة، مسح وجهه بكفه، وتنفس بعمق، ثم قال بصوت منخفض: ياعم كنت بعتذرلها على تسخيفي عليها زمان، وبنبه عليها متتكلمش قصاد مي على اللى حصل زمان؛ اني اتحرشت بيها؟! لما اتعرفت على سليم، علشان موضوع زى دى لو أتعرف هيبقي شكلى وحش قصاد مي


رفع ياسين حاجبه: مش عارف ليه مش مصدقك يا رشدي.


رد بسخرية لازعة: هو في إيه يا ياسين هكذب عليك ليه، ما لو مش عايز اجاوبك مش هجاوبك، وبعدين لو كان حصل حاجة كان زمانكم دلوقتي بتغسلوني، هو سليم كان هيسيبني يعني؟!


نظر له مطولا لا يعجبه مايحدث ثم قال بهدوء لكن حازم: طب أسمع، متدخلش لوجين تاني في حواراتك، متستغلش إن هي على نياتها عشان تلم البلاوي بتاعتك.


رفع رشدي يده باستسلام: خلاص يا عم ياسين مالك مكانش طلب طلبته منها يعنى!


ياسين بحزم: كلامي واضح يا رشدي، متدخلش لوجين في حواراتك تانى.


ثم توقف وحدق فيه بنظرة تحذيرية صريحة، وأشار باصبعه بحزم دون أن يعلي صوته: وأيا كان البلوة إللي أنت عاملها، خد بالك من نفسك يا رشدي، وأنا مش هقول لسليم إللي حصل، وهنبه على لوجين برضو متنطقش بكلمة.


قال كلمته بثبات، ثم غادر وأغلق الباب خلفه.


ظل رشدي جالسا مكانه بلا حراك، يده تمسح رأسه بعصبية، وأسنانه تضغط على بعضها،كان هناك نبض ثقيل في رأسه، كأن مطرقة تضرب جمجمته من الداخل بلا رحمة.


الغيظ، والقلق، والضغط الذي يحاول دفنه منذ أيام، كله ضغط في صدره مرة واحدة، حتى شعر بنار تشتعل داخله.


نهض من مكانه توجه للمكتب، مد يده إلى الدرج السفلي يفتحه بسرعة، أخرج كيسا صغيرا يحتوي على بودرة بيضاء.


نظر إليها لحظة؛ تلك اللحظة القصيرة التي تقف فيها النفس بين الانهيار والاحتياج.


ثم فتح الكيس، وضع قليلا من البودرة على ظهر يده، وانحنى يستنشقها بعمق، كأن الهواء وحده لم يكن يكفيه ليبقى حيا.


رفع رأسه بعدها ببطء، عيناه احمرتا قليلا وصدره توسع بنفس طويل، لكن التعب والخيبة، والسم الذي يبتلعه بإرادته، كلها بقيت عالقة فيه.


مكتب سليم 


كان سليم ما يزال غارقا في أفكاره، يستعيد في ذهنه رد فعل ماسة، ووجود رشدي في المكتب، ولكنه قرر أن ينتظر ويتحدث مع مكي أولا ليعرف آخر ما توصل إليه، عله يأتيه بشيئا يهدئ النار المشتعله بقلبه.


وفي الجهة الأخرى، كانت ماسة لا تزال في المرحاض، تحاول لملمة ما تبقى منها.


وبعد قليل، خرجت ترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة، هادئة أكثر مما ينبغي، ابتسامة أتقنت رسمها منذ زمن؛ حين اجبرت على تعلم إخفاء ما بها، واقناع  الآخرين أن كل شيء بخير.


دخلت بإبتسامة مرسومة بعناية: مش هنمشي بقي ولا إيه؟ أنا زهقت.


ضحك متصنعا: زهقتي؟ أومال لما تمسكي الشغل بجد هتعملي إيه؟


ماسة: هتعود! يلا بينا


وقف وأمسك يدها: يلا بينا.


خرجا معا، وبمجرد أن دخلا المصعد، رن هاتف ماسة، فنظرت إلى الشاشة باستغراب مصطنع: دكتور ياسر !


عقد سليم حاجبيه بإستغراب، بينما رفعت هي الهاتف وأجابت بتمثيل: أيوه يا دكتور، لا الحمد لله، أنا في المجموعة مع سليم، جلسة النهاردة؟ تمام حاضر، اجي على الساعة كام؟ خلاص ماشي، حلو أوي، شكرا يا دكتور.


أغلقت الخط، لتجد عيني سليم تحدق فيها بإستغراب وشيء من الضيق: عايزك في إيه؟


أخذت نفسا، وأجابت بابتسامه كأن الأمر بسيط: بيقولي فيه جلسة ليا النهاردة.


ضيق عينيه بضيق: هي الدكاترة دى مبتقابلنيش أنا كمان ليه، اشمعني أنتِ؟! حتى مروان كان كده! كان بيعمل معاكي جلسات أكتر مني!! أنا حاسس إنهم مشخصنينها معايا.


ضحكت رغما عنها: وهيشخصنوها معاك ليه يا سليم؟ أكيد أنا محتاجة أكتر، أو فيه حاجة.


رفع حاجبيه وتساءل بنبرة لم يخفِ فيها استغرابه: أيوه يعني هيكون عايزك في إيه؟ وإشمعنا معملش معايا كده أنا كمان؟


رفعت كتفيها بخفة محاولة أن تبدو طبيعية: معرفش، هروح وأعرف وأقولك، يمكن علشان خلاص هو عارف إن بُكرة آخر ميعاد في الفرصة، فعايز يعرف هعمل إيه، أو عايز يطمن، خد بالك هو لسه ميعرفش إن إحنا أجلنا يومين كمان، وكده كده لسة فاضل ساعة على المعاد.


هز رأسه بإيجاب، وتنهد باستسلام: ماشي خلاص، طب إيه هنروح نتغدى سوا ولا بعد ما تخلصي؟!


رفعت عينيها إليه بابتسامة هادئة: لا تعالي نروح نتغدى، ونقعد مع بعض شوية وبعدين توصلني.


اومأ لها: ماشي هوصلك، وبعدين هقعد أنا ومكي في الكافيه اللى جمب العياده ولما تخلصي كلميني نروح سوا.


بالطبع، كان يشعر أنها تمثل، فهو يعرفها أكثر من أن تمر  عليه تلك الابتسامة مرور الكرام، لكنه رغم ذلك، لم يُرِد أن يضغط عليها.


فعل مثلها تماما، وتصنع الهدوء وكأن شيئا لا يشتعل بداخله، بينما الحقيقة أن النار كانت تأكله من الداخل،

وبالفعل، توجها إلى أحد المطاعم، تناولوا الغداء، وتبادلوا  أحاديث خفيفة لا تشبه ثقل ما بينهما.


بعدها، أوصلها إلى عيادة الطبيب، وتوجه إلي أحد المقاهي، يحدق في هاتفه تارة، وفي الفراغ تارة أخرى، ينتظر مجيء مكي لعله يكون معه العلاج!


عمارة مصطفي 


وصل محمود الى منزل مصطفى، ترجل من الموتوسيكل، وعيناه تلمعان بالغضب والترقب، وقف أمام العمارة، يراقب كل حركة وكل تفصيلة من حوله.


لم تمضِ ثواني حتى شاهد مصطفى يدخل العمارة، يتحرك نحو سيارته، فشد قبضته وعض خديه من الداخل، وجز على أسنانه حتى أختلط صريرها بصوته الداخلي.


وفجأة تحرك بخطوات هجومية نحوه، بعينين غامت بسواد خطر، الأرض تكاد تتردد تحت قدميه، أخرج من جيبه مطوى، فتحا ببطء، مستعدا لاستخدامها.

استوووب.

تفتكرو ايه هيحصل مع مصطفي؟! 

رجاء محدش ينسى يضغط على الايك عشان تساعده رواية تنجح♥️

اللى اللقاء في الحلقة القادمة من رواية الماسة المكسورة 💔 💎 

أتمنى تكون الحلقة عجبتكم النهارده ♥️

#ليلةعادل

#الماسةالمكسورة2


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا 

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

close