القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية جميلتي الصهبـاء الفصل الثامن عشر والتاسع عشر بقلم علياء شعبان

 

رواية جميلتي الصهبـاء الفصل الثامن عشر والتاسع عشر بقلم علياء شعبان 



رواية جميلتي الصهبـاء الفصل الثامن عشر والتاسع عشر بقلم علياء شعبان 


الحلقه (18) ..(19)"جميلتي الصهباء " .

---------

نقمة الحُب تكمن في أن يكون حُبــًا مبتورًا لـ أحد طرفيه .. ونعمته تجتليّ في فيض من المشاعر تجتاح وجدانك وتُرسخ عقيدة العشق فيه ...

-------

ثارت خلجات وجهها في شدوه وعجز في الاستيعاب ، كيف وصل إلى داخل القصر ؟ ، حظى بحفاوة شديدة من قِبل جمال الدمنهوري وكأنه أحد أفراد عائلته .. أدركت لتوها بأنها عشقت رجلًا لا يستعصي عليه امرًا واحدًا .. أحبت ما فعله لأجلهـا وأنه اختـار المواجهة المُباشرة ولكن تظل علامات الاستفهام تحوم حول عقلهـا تتسائل ما الدور الذي تقمصه لـ يصل إلى هنـا ..


هبّت في مكانها واقفة ، بينما بادلها هو نظرة ثاقبة وهو يجوب ببصره بينها وبين قُصي الذي تابع بتساؤل :

_ ما أتعرفناش ؟

جمال بثبات وهو يحثه على الجلوس :

_ أتفضل يابني .. ارتاح على الكنبه .


أومـــأ آسر برأسه في خفة ليجلس إلى الأريكة في ثبات وقد تأجج شعوره حنقـًا يتوعد لها بالكثير بينما استأنف جمال حديثه :

_ أستاذ آسر .. بيدرس ظاهرة التعداد السُكاني ضمن مشروعه وإختار القرية هنا علشان يطبق الدراسة الميدانية فيها .. وبعدين دا جاي من طرف (أم يامن) ..هي بنفسها كلمتني ووصتني عليه ، هينورنا لـ فترة .


حدقت فداء إليه في صدمة ،ليفتر ثغرها عن إبتسامة بلهاء وهي تردف بنبرة سادرة :

_ عمتو !! .. هي اللي كلمتك ووصتك على الأستاذ .

هزّ جمال رأسه إيجابًا فيما أردف آسر بلهجة صارمة حاول إخفاء حدتها بإبتسامة صفراء فقال :

_ إن شاء الله مش هطول وأزعجكم .. بمُجرد ما أخلص مُهمتي وتنتهي زيّ مـــا أنا عاوز ، همشي أصلي بصراحة بحب الدقة في شغلى وما أعرفش الاستسلام .


جمال وهو يربت على كتفه بإعجاب :

_ ربنا معاك يابني ويوفقك .


تشوشت الأفكار في ذهنها اينذاك لا تفهم كيف كفل لـ نفسه إنضمام عمتها إلى صفه ، لم تكُن صدمتها إلى هذا الحد فحسب لتفتح عينيها واسعًا وهي تجد صوت يامن يهتف بنبرة مُرحبة ليصافحا بعضهما وبقت هي في حالة ذهول من أمرها حينما أردف يامن مازحًا :

_ أوعى تكون توهت يا عم آسر ، مستنيك من بدري يا صاحبي .

جمال بضحكة وقورة : وانا أقول مدام منى موصياني عليك ليه !! .. ربنا يديم صداقتكم يا ولاد .

في تلك اللحظه وصل مستوى صدمتها لـذروته فـ بالأمس تقاتلا واليوم أصدقـاء دون صداقة ، لاشك بأن هناك أمور كثيرة تُحاك من خلفها ، جدحتهمــا بنظرة حانقة ثم رددت وهي تتجه صوب الدرج :

_ بعد إذنك يا عمي هطلع أستريح عندنا شُغل كتير بكرا .


ائتلف جمال مع رأيها ليردف بنبرة هادئة :

_ عندك حق يابنتي .. يالا يا شباب كُل واحد يستريح ونسيب الضيف كمان يرتاح من السفر وبكرا نشوف هنعمل أيه في حكاية عنود .

--------

" في صباح اليوم التالي ،،،


قامت حُسنية بفرد ملاءة أرضًا وسط بقعة الحديقة ، وبدأت الفتايات يضعن أطباق الطعام عليها .. فقد قرروا جميعًا تناول وجبة الإفطــار في حديقة القصر ما أن تلتصق الشمس في كبد السمــاء ،،،

تحركن على قدم وساق في شيء من الهمّة يضعن الطعام أرضــًا حتى إمتلأت السُفرة ذات الطابع البلدي بكُل ما لذ وطــاب ..


_ هاتي أنا هوديه وأقعدي إنتِ إرتاحي .

أردف قُصي بتلك الكلمات في ثبـات وهدوء ، إلتقط الطبق بين كفها لترفع بصرها إليه وبإبتسامة باهتة رددت :

_ أنا كويسة .. مافيش حاجه .


ظلت مُتشبثة بطرف الطبق بأناملها الصغيرة ترفض معاونته لهــا .. لا تعلم سبب مقتها عليه ولكنها أبدًا لا تطيق وجوده مُنذ أول مرة خاض في شخصها وهنا أردف قُصي بثبات ولهجة آمرة :

_ تمام .. أقعدي انتِ علشان لسه وراكِ تصاميم كتير .. ٱحنا بنريح الزبون .

تبدلت نغمة صوته في جُملته الأخيرة مازحًا ، لتوميء برأسها في شيء من الفتور وقد افتر ثغرها عن إبتسامة خفيفة .. وما ان همّت بالذهاب حتى فرد ذراعه أمامها يمنعها من السير وبنبرة حانية أردف :

_ انا معاكِ دايمًا وفي أي وقت حتى لو إنتِ مستغنيه عن وجودي .. بس حاولي في أوقات ضعفك تفكري بطريقة صحيحة .. الإندفاعية في الحقوق بتخلي الانسان محقوق .. لمجرد إنك ما فكرتيش بطريقة سليمة ، خسرتي كُل حاجه وانا مش هقبل أشوفك خسرانه .


لانت ملامحها لكلماته قليلًا ، جرى دمع غاسق من عينيها وبنبرة فاترة تابعت :

_ في أمل ألحق العرض يا قُصي ؟


تنشق الهواء داخله بثبات جمّ ، اومــأ برأسه يُطالعها بنظرة حانية يُخالطها التحدي ليردف :

_ الأمل في ربنا دايمًا موجود ،

صدرت منه غمزة قد ذيلت كلماته الصادقة ليقول بثبات وهو يتجه بالطعام حيث موضعه:

_ ثقة في الله ، نجاح .


إنضم الجميع إلى مائدة الطعام الأرضية بدعوة من (جمال) الذي سعد بحرارة لـ هذا الجمع من الشباب يُذكرونه بأيام الصبا ..بدأوا في تناول طعام الإفطــار وقد عم الإبتهاج الحديقة الصغيرة ليهتف جمال متوجهًا بحديثه إلى مصطفى :

_ تعالى يا مُصطفى إنت كمان أقعد جنبي .


سـار مُتجهًا إليهم وبنبرة مُصرة أردف :

_ انا عايز أجعد چنب فداء ، علشان أنا بحبها جوي وچايب لها هدية .

نحت فداء ببصرها إليه وبنبرة هادئة تابعت :

_ تعالى يا مصطفى أقعد جنبي ،دا أنا مُتحمسه  جدًا أعرف الهدية .

رمقها آسر بنظرة جامدة وكأنه يحسب عليها أخطائها .. لاحظت نظراته الثاقبة بها لتتعمد تجاهله وكأنه غير موجود .

جاب جمال ببصره بينهم وفي داخله شيء من لهفة الماضي ، ليجد يامن يمد يدهُ إلى فمِ بيسان يُطعمهـــا ويتبادلا نظرات قد عهدها سابقًا وعلى علم شديد بهــا .. غابت الإبتسامة عن وجهه لينكس ذقنه أرضًا يتذكر هذه التي عشقها مُنذ الوهلة الأولى ، أنجب منها طفليهما ولكنها لم تعد تطيق حياة الريف معه ، داخل منزل صغير وضئيل الإمكانيات فقد تزوجها رغم فقره الشديد في السابق ولكنه أرادها إلى جواره،حاول مليـًا أن يُرضيها بكُل الطُرق ولكن طموحها الجامح أوقعها في أخطاء لا تُغتفــر عندما قررت الهرب مع آخر .. وقد تركت ابنها خلفها وهو بعُمرِ العاشرة ولم تأبه لـ كلام الناس وهم يلقون أقذع القصص والروايات على مسامع زوجها وطفلها .. أدرك قُصي في هذه اللحظة بأن الطموح يطرح بصاحبه أرضــًا ، لا يرفع من شأنهِ بمثقال ذرة .. قد يكون مُخطئًا بشأن مفهومة المتقوقع على ذات والدته عن الطموح ، لأن الأمر يتوقف على ذاك الذي يكبحه ولا يكبته ..

تنهد في هذه اللحظة تنهيدًا ممدودًا بعُمق قبل أن يتناول لقيمة صغيرة إلى فمهِ ومن ثم نحا ببصره إلى صغيره الذي عانى الكثير في طفولته .. تعلقه بأم آثمة قطعت حبال الوصل معه فجأة وبغير حق ، بُكائه المرير وشعور النقص في حُضن كان في السابق يحتويه ، سعى جمال بكُل ما أوتي من قوة لتعويضه ولكنه بقى ذاك الذي فقد الثقة بمن حوله وظن بأنهم راحلون لا محــال ..حانت منه إلتفاتة إلى وجه إبنه الشارد في هذه التائهة التي تعسرت أمامها السُبل وصاحبها إحساس بالضيقِ والعجز ، تلك النظرة من عين ابنه لا تُنبيء إلا بشيء واحدٍ .. وحيدهُ يُكن لها حُبـًا عميقــًا بل وقع في حبائلها وتاه ..


اصبح الجو العــام ما هو إلا حالة من الصمت المُريــب .. تنحنح جمال في باديء الأمر بعدما قرر الخوض في بعض الأحاديث ليقطع هذا الشعور القاتم بحزنهم ليردف :

_ تعرفوا يا ولاد .. انا بقدس الصداقة أوي ، سالم أكد ليّ إن الدُنيا لسه بخير ، وليلاتي بحمد ربنا إن صداقتنا دايمه .. بالمُناسبة بقى آسر ويامن .. إنتوا صحاب من أد أيه ؟


انتبه آسر لـ حديثه ، تبادلا الإثنان نظرات تساؤليه .. وبدأ آسر يستجمع أفكارهُ ليُجيب عن الأسئله رمقته هي بإبتسامة ظفر وتشفِ ظنـًا منها بأنه سيتعثر في الإجابة ولن يفلح هذه المـــرة ..


شرد قطبي السؤال في هذه اللحظة التي شهدت على صداقتهمــا،أجل مُنذ ثلاثة ساعات تقريبًا صدح هاتف (يامن) برقم والدته والتي ظلت تُلقي على مسامعه بعض النصائح حتى لا يقع في فخ الإرتبــاك ، نشدته بوعدهُ لها وأنه سيمتنع عن مُشاجرة (آسر) .. بل ويُمثل أمام الجميع بأنهما على علاقة وطيدة مُنذ أمد وقبل أن تُنهي اتصالها معه رددت جُملتها التي جعلته ينصاع لما ترغب به صاغرًا :

_ سبق وحصل اشتباك بينك وبين آسر ، هتتخطى الموضوع دا وهتظهر قدامهم إنه صاحبك .. فداء بتحبه بجد وهو كمان ولأنها عنيدة هنستخدم معاه الهجوم .


يامن بحدة : وإنتِ إزاي تثقي في واحد ما نعرفهوش ، وتأمني على فداء معاه .

منى بتفهم : الولد إترجاني وأقسم ليّ أنه بيحبها وهيحافظ عليها .. انا بصراحة ما كُنتش عاوزه أصدقه بس .. 

صمتت لوهلة وبدأ يتراءى لها صورة عينيه الحزينتين لتردف بهدوء :

_ نفس نظرة عينك بسبب تجاهل بيسان ليك ، النظرة دي لـ تاني مرة بشوفها في عينيه ، زيّ ما كُنت محتاج في يوم إن بيسان تحس بقلبك هو كمان لازم ياخد الفرصة دي  .. وانت هتساعده غصب عنك ، دا لو عاوزني أكلم خالك بخصوص خطوبتك على بيسان .


يامن بنبرة مُتلهفة ومُنفعلة قليلًا :

_ دا صاحبي وصديق الطفولة والعُمر والله ، دا واحشني أوي آسر .. أول ما يوصل هبوسه يا أحلى أُم .

أعاد جمال طرح سؤاله من جديد ، ليتلقى الإجابة منهما في آن واحد :

_ تلات سنين .


لوت فداء شدقها بسُخرية إينذاك لتقضم الخُبز في فمها في شراهة ونبرة خافتة تابعت :

_ تلات مصايب تاخدكم يا كذابين ، وحياة أُمي إنت وهو لأفضحكم ..ويا تجننوني .. يا أجننكم .

مـال مُصطفى برأسه قليلًا ناحيتها ومن ثم ربت على كتفها قائلًا بتساؤل :

_ بدري على الچنان يا فداء .. تحبي تشوفي المفاچأه دلوجتي !!

نفرت عروق آسر في موضعها وهو يجدهُ يضع كفه على كتفها .. صر على أسنانه بإنفعــال ليهتف بلهجة حادة متوجهًا بالحديث إليها :

_ ممكن طبق المِش اللي قدامك دا يا أنسه فداء ؟؟ .. أصلي بحبه أوي .

إبتلعت ريقها بصعوبة من حدة نبراته .. أعطته الطبق بأيد مُرتعشة ومن ثم همست بالقُرب من الآخر :

_ شيل إيدك دي لـ ياكل وياكلني وراك .

نهض مُصطفى من مكانه فجأة ولم يحفل بما قالته ليتجه إلى إحدى الشُجيرات ومن ثم إلتقط (هرة) بيضـاء وراح يسير بإتجاهها قائلًا:

_ چبت لك البِسة بتاعتي ، هدية ..أنا بحبها جوي بس ما تغلاش عليكِ .


كانت تستمع لوقع كلماتهُ على أُذنيها في حالة من الذهول ولكنها لم تُدرك ما قاله بعد إلى أن ألقى الهرة في حِجرِها قائلًا بمرح :

_ بـ سبحها بچانسو كُل ليلة .. وعشِية شششـ 


تشابكت عليه الأحرف وبدأ يتلعثم في حديثه ولكنها لم تمنحه فرصة توضيح ما يقوله لتنتفض واقفة وهي تصرُخ صُراخــًا مُفجعــًا :

_ يااااامامي .. حرام عليك .. عندي فوبيا من القُطط .

أسرعت بالإبتعاد عن المكان وسط جلجات الجميع وقهقهاتهم المرحة ، فيما لوى مُصطفى شدقه مردفًا بحُزن :

_ ما تخافيش ، دا انا مششور لها شعرِها .


إلتفتت ببصرها إلى آسر لتجد قهقهاته غطت على الجميع وبنبرة ساخرة تابع :

_ أنا كُنت فاكر إنك أقوى من كدا ؟ ، طلعتي وِرور !!!

في تلك اللحظة جدحته بنظرة ساخطة لتشيح بوجهها بعيدًا عنه بينما أردف مُصطفى بمرح فاشيـًا سر خوفها الحقيقي :

_ دي كمان بتخاف من زغلول الديك جوي ، وتجعد تلف في الچنينة زيّ الفروچه الدايخه تهرب منه .

حُسنية بضحكة خفيفة : أجعد يا ولدي ، ما تخوفهاش عاد !!!

بيسان بنبرة وجلة : لأ ، الكوكو دا تاني .. بليز يا مُصطفى أنا بخاف .

فداء بنبرة ساخطة :

_ أخاف من أيه يا بغل إنت ؟

حدقت عيناي مُصطفى وهو يتصنع الصدمة مُتجاوزًا إياها بعينيه وبشهقة مُفزعة أردف :

_ في أيه يا زغلول مالك؟..ألحجي چاي يمتك ، ما جولت لك أصبغى شعرك ألوانات وهو هيخاف منك..لأ اوعى،أوعى تُجرُمها من يدها


هــرولت فداء بإتجاهه على الفور ، إلتفتت برأسها ولكنها أدركت بأن مـا فعله بها مُجرد خدعة،صرت على أسنانها بقوة ومـا أن إقتربت منه حتى تابعت بنبرة تتصنع البُكاء :

_ بص بسببك إتعورت إزاي ؟


أشارت بسبابتها إلى معصمها ، ضيق مصطفى عينيه بتأثر وتبكيت ضمير ولتباغته بصفعة مُفاجأة على ظاهر عُنقه وهي تردد بتشفِ :

_ بقى انا تضحك عليا الناس ؟ .. حسبي الله قطعت ليّ الخلف .

جمال مُقاطعًا إياهما بإبتسامة رزينة :

_ يا ولاد كفاية هزار بقى ويالا كملوا أكل .


وما فتيء أن أنهي جُملته حتى وجد ابنه ينهض من مكانهِ ومن ثم أمسك بساعد (عنود) فلم يحتمل حُزنها أكثر من ذلك وهو يرى الدمع والتعب قد تجمدا في محجريهما ليقول بنبرة حاسمة :

_ قومي معايـــا !!!

قطبت عنود ما بين حاجبيها في إستغرابِ وبنبرة مُنهكة أردفت بتساؤل :

_ هنروح فين ؟؟؟

قُصي بثبات : هتعرفي حالًا .

نحا ببصره إلى فداء ومن ثم أردف بإبتسامة صافية أنارت وجهه :

_ بقولك أيه يا فداء .. عاوزك تبلغي الستات يحضروا بعد ساعتين في القصر هنا .. يامن وبيسان ياريت تجهزوا صالة الحضانة علشان هنحتاجها ضروري .


أنهى حديثه الحاسم على عجلة من أمره ، انصاعت لأوامره تجاهها حيث استسلمت لـ جذبه لها مُتجهان خارج حدود القصر كاملة وعلامات كثيرة تدور في رأسها تجاه ما ينوي فعله ...

 

مر الكثير من الوقتِ ، حضر مجموعة لا بأس بها من السيدات بعد إعلامهن بتقديم مُساعدة لـ بنات (سالم العامري) .. إمتلأت صالة الروضة بالكثير من السيدات وعلت غمغمات كثيرة في المكان يتسائلن بشأن نوع المُساعدة ، قــررت بيسان ضم أطفالهن إلى زاوية من الصالة حيث حلبه صغيرة تحتوي على مجموعة من الألعاب ، جلست بيسان في مُنتصف الحلبة بين الأطفال تُداعب هذا وتبتسم لذاك ...

ولكنها لم تستطع إسكات طفل منهم ، زودته بالكثير من الألعاب وبدأت بمُشاكسته بإيماءات وجهها ولكنه لا يتوقف عن الصُراخ .. تشعث شعرها في تلك اللحظة ليقترب (يامن) منها وراح يزيح خُصلاتها عن وجهها وأعقب هذا قُبلة سريعة على وِجنتها ، لم يكُن هذا مـا أثار دهشتها حينما فغرت فاهها بشدوه وهي تجد الصغير ينظُر إليهما في حالة سكون وترقُب ..


إبتعد يامن عنها قليلًا ليعاود الصغير بكائه من جديد وهنـا أسرعت بيسان بتقريب وجهها من يامن ثم قبلته برقة وهي تُتابع إيماءات الصغير بدهشة فقد صمت مُجددًا ؟؟ .. لاحظ يامن سكوت الطفل ما أن يُقبل أحدهما الآخر ليلثم وِجنتها بتمادِ ورضا قائلًا :

_ الواد دا هيطلع صايع ؟ .. دا عاجبه الحوار ! ،  بس بصراحة انا بأيدهُ وعاجبني الوضع ومش هسيبك النهاردا .. وكُله في سبيل إرضاء البيبي الجميل دا .


بيسان وهي تصرخ به في رقة : يامن ، إتلم !


"على الجانب الآخر "

أخذت تتحرك في الحديقة تترقب الطريق ، تذهب وتجيء في حيّرة من أمرها ، أنزلت الهاتف عن أذنها بشيء من الضجر ..فهي تجهل تمامـًا .. إلى أين ذهبا هؤلاء !، ولا تفهم بالضبط ما الذي يُخطط له قُصي .. استدارت لتلتحق بالصالة كي تنتظر وصولهمــا ..


اصطدمت بجسدهِ وقد أصابها حالة من الذُعر وهي تُغمض عينيها بحنقِ قائلة :

_ممكن أفهم إنت واقف ورايا بتعمل أيه؟ ، خضتني !!!

آسر بنظرة غامضة :

_ حد قالك قبل كدا ، إن جمالك يقتل ؟؟


جاوبته لما طرح سؤاله بشيء من الثقة وهي تزيح خُصلات شعرها عن وجهها :

_ ما بعدش يا چيمي !!

أومأ آسر برأسه مُتفهمًا ليقبض على ذراعها بشراسة وراح يقول بلهجة صارمة :

_ حد قالك بردو إني لما بغير على واحدة بحبها وتستفزني ، بحرقها ؟؟ .. وبدل ما جمالك هو اللي يقتلني .. انا أقتله .


إبتلعت ريقها بصعوبة وأخذت تُتأتيء في الحديث قليلًا ومؤخرًا أردفت بنبرة مفهومة نوعـًا ما :

_ تـ تتـ تحرقني ؟ ، أنا مش بستفزك !! .. انت اللي ماشي ورايا في كُل مكان .


آسر يتصنع الغضب ليهتف بصوت أعلى :

_ تحبي أحرقك بالبنزين ولا بمياة النار ؟


تقلصت قسمات وجهها بشكل لا إرادي ولكنها حاولت التماسك لتردف بنبرة سادرة وهي تتجنب النظر في عينيه مُباشرة :

_ هي نجوى أه كانت كائن لزج ..بس إنت عملت فيها أيه ؟ .

قطع حديثها صوت شقيقتها وهي تهتف عاليـًا في شيء من السعادة تترجل من سيارة قُصي ، همّت فداء بالفرار منه لتجد قبضتة مُحكمة على ذراعها ليُعزز هو تمثيليته مردفًا بحدة :


_ قولي بحبـــك لو حابه تفضلي عايشه بدون تشوهات وتساعدي أُختك .. انتِ لسه ما تعرفيش آسر .. الشاب السادي .. قتلت خمسة حرقًا بالنار .. وإغتصبت سبعة وإنتِ التامنة لو ما نفذتيش رغباتي .


أغمضت عينيها في فزع ، فقد صدقت ما قاله ولم تُفرق بين نبرته المازحة والجدية حتى الآن ولكن علاقته بـ (نجوى) والتي إنتهت قبل أن تبدت جعلتها تغوص في خيالات لا وجود لها .. حاول جاهدًا كتم ضحكاته داخله وظل رابط الجأش بملامح شرقية قسية فيما أردفت هي بنبرة مُرتعشة ومازالت مُغمضة العينين :

_ بــ ب بحبك !!!

يتبع

#علياء_شعبان


الحلقه (19).."جميلتي الصهباء " .

---------

ومع إختفاء آخر خيط من الضوء في السماء ، هناك أمل بغدٍ أفضل وليل تتأرجح به سعادتنا بين لهفة وصناعة للأمجاد ،طموحٌ على مشارف الحُلم مقرونًا بكابح الضير الآتي منه .

-------

هــرعت (عنود) صوبها وقد إنفرجت أسارير وجهها بصورة تتنافى مع حالتها قبل ذهابهـــا معه ، وقف آسر بمُحاذاتها وبنبرة ذات مغزى همس بالقُرب منها في ظفر :

_ وانا كمان بحبــك .


تلعثمت قليلًا في عباراتها وسرعان ما زُين وجهها بضحكة خفيفة .. لتقف عنود أمامها وبإبتسامة طفولية رددت :

_ تعالي شوفي قُصي جاب أيه ؟!


انصاعت فداء لها لتهتف بحُب بعد ان وجدت شقيقتها تجذبها سيرًا لـ خارج باب القصر الرئيسي :

_ خير يارب !!!

استتبعت خُطوات شقيقتها حتى الخارج ، ومـا أن نظرت إلى عربة النقل القابعة أمام القصر وما تحتويه حتى تابعت بسعادة غامرة :

_ آلات خياطة !! ، قُصي ؟ ، إنت قريت تفكيري إزاي ؟ .. أنا دلوقتي بس فهمت إنت خليتنا نفضي الصالة ليه .


ترجل قُصي من باب العربة المُجاور لمقعد السائق وبنبرة ثابتة وقد افتر ثغرهُ عن إبتسامة صادقة أردف :

_ الجيش قال ، إتصرف .


إلتفتت فداء إلى شقيقتها الذي تبدل حالها للفرح الشديد لتربت على ظهرها بحنو واضح وراحت تقول بحماس :

_ مُستعده ؟

هزّت عنود رأسها بثقة مُفرطة وهي تحتضن سعادة شقيقتها بجفنيها الكثيفين ، فيما حث هو بعض الرجال لـ نقل آلات الحياكة حتى الصالة الكبيرة .. بدأ يشاركهم نقل المُعدات في همّة ونشاط وقد لحق بهم يامن وآسر ، أصبح سبب دعوة السيدات واضح تمامــًا بينهن ..


تراصت المُعدات داخل أروقة الصالة جنبًا إلى جنب ..عَلت غمغمات السيدات اللاتي يتهامسن بشأن الأمر مع صخب وافر من صياح الأطفال ليهتف قُصي عاليــًا بنبرة أكثر ثباتـًا :

_ أسمعوني يا جماعة ، انا جمعتكم هنا النهاردا علشان محتاج مُساعدتكم في شغل قرب ميعاد تسليمه ، مش باقي غير أسبوعين بس .. أنا عارف أنها فكرة جنونية إننا نخلص شغل شهرين في أسبوعين ولكن مافيش حاجه مُستحيلة ..طبعًا اللي مش حابب يتطوع مش هنجبره  الموضوع إختياري بحت .


تنهدت عنود بأريحية من حديثه وهي تجأر إلى الله في كُل لحظة ، آملةً بالوصول ، شعرت للحظة بأنه لم يستحق كُرهها إلى هذا الحد لربما تحسست هي من إتهامهِ لها ولكنها بالفعل للمرة الأولى ترى الجانب الخيّر منه ،،،


تردد صدى أصواتهن بالموافقة ليفتر ثغرها عن إبتسامة عريضة .. رمقتها بيسان بحنو وأمل .


 اوتوماتيكيًا يتصل خيط سعادة إحداهن بالأُخريات ، فـ مَن جمعهن في رحم أُم واحد قادرًا على أن بذور الأمل والتفاؤل تتسلل من واحدة إلى الأُخرى .. على الأغلب ينقسم كُل شيء إلى فصين .. أما هن فـ نوع جديد شُطر لـ ثلاث مُتشابهات مُكملات لـ نقاط الضعف فيهن ...

بدأ قُصي يقسم المهام على الجميع ، مجموعة تولت أمر الحياكة وأُخريات يستلمن ما تم تصميمه ومن هن مسؤولات عن أدوات التزيين  في كُل تصميم .. فيما تولت بيسان أمر إلهاء الأطفال ويعاونها يامن على هذا ...


كانت جلسة استثنائيةً في كُل شيء تُنبيء بإنفراج الأزمة عما قريب .. ورغم صعوبة الامر إلا أن ما فعله قُصي دب في خلجات نفسها شيء من الطمأنينة ومـا ان أنهى قُصي عمله حتى تابع مُتوجهًا بحديثهِ إلى فداء :

_ وإنتِ يا فداء دورك الإشراف .


أنهى جُملته بلهجة حازمة ثم قبض على كف عنود وراح يجذبها معه لـ خارج الصالة قائلًا :

_ تعالي إنتِ كمان علشان تستلمي مُهمتك .


ذأبت في خطواتها التي لا تُقارن بوقع خُطواته لا تعلم ما يقصدهُ بمُهمة أُخرى غير بقائها معهن لبدأ التصاميم ،،

إتجه بها إلى داخل القصر لتسير جانبه غير عابئةٍ بالسابلة .. نعم إنها بوادر ثقة جاءت بعد صراع كانت نهايته محتومة ، فـ تبدلت .


وصل بها إلى باب قد وُصد سابقــًا بأمر منه للجميع بعدم الإقتراب من هذه الغُرفة ولكنه اليوم كلف (حُسنية ) بتنظيفها فهذه السيدة التي ربته .. هي من تعلم ماذا يوجد خلف هذا الباب الكبير .. أدار مقبض الباب في ثبات وما أن فُتح حتى تنحى جانبًا ثم حثها على الدخول بإشارة من عينيه ، رمقته بنظرة ثاقبة ثم ولجت للداخل في شيء من التوجس ليتبعها هو ..

جابت ببصرهـا الغُرفة لتقطب ما بين حاجبيها بإندهاش وتعجُب ..ترى صور كثيرة لـ فتاة مـا قابعة على الحائط وأعلى الكومودينو والمكتب لتتنحى ببصرها إليه مردفةً بنبرة خافتة :

_ أيه الأوضة دي ؟ .. هي دي صور لـ مامتك وهي صغيرة !!!


كانت حُسنية تُراقبهما على بُعد، ترمقه بنظرات مُشفقة لـ وخزات قلبه التي إلتهمت روحه بدم بــارد ليهزّ رأسه في خفة مُتشدقًا بنفي :

_ لأ ، دي يا ستي ..البنت اللي كُنت بحبها من 7 سنين فاتت وسابتني زيّ ما أُمي عملت بالظبط انا وقتها فقدت الأمل في الحُب وفي نفسي ، الحُب اللي بيكون من الأُم او الأب او حتى الأخ .. أنا توهت من مفهوم الحُب نفسه .


رفع بصره إلى الصور ثم أردف بشرود غامض :

_ أنا لسه لحد دلوقتي مُحتفظ بصورها وخاتم الخطوبة كمان ،

ذأب في سيرة ناحية المكتب القابع بزاوية قريبة منه ومن ثم فتح أحد أدراجه وبدأ يلتقط الهدايا والصور منه ثم يضعها على سطح المكتب مُرددًا بإبتسامة واهية :

_ كُل الهدايا دي كمان كانت منها ومن أُمي .


إلتقط ميدالية على شكل هيكل إنسان يذبح ليلوح بها أمام عيني عنود وبنبرة هادئة أردف:

_ ودي هدية أمي جابتها لي وأنا عندي سبع سنين وفُزت بالبطولة في سباق السباحة ، رغم   كُرهي ليهم بس مُحتفظ بكُل حاجه تخصهم .


إستغربت (عنود) من صموده رغم رعشة نبرته التي لفحتها حرارة عميقة ، استحضر ذكرياته الماضية بين أُم تركته وَهِن التفكير في ماهية غيابها أهو موت أم فراق أبدي برغبة منها ؟، وبين حبيبة تزوجت لـ ذا مال أكثر منه ...


ليهتف بنبرة ثابتة بعد أن ثبت نظرهُ في مُقلتي عينيها مُباشرة :

_ طبعًا إنتِ في أسأله كتير في دماغك دلوقتي؟ .. زيّ إني ليه مُحتفظ بـ ذكريات منهم !! وليه بقولك إنتِ بالأخص الكلام دا .


تنحنحت عنود قليلًا لترفع كتفيها علامة الجهل ثم تُنزلهما في استسلام ليستأنف هو حديثه بهدوء :

_ مُحتفظ بـ ذكريات ناس كسروني ، علشان أشوف أنا أتكسرت كام مرة!! ، إتقتلت كام مرة من الغياب .. استنذفت مشاعري كام مرة في مكان غلط ،إحنا لازم دايمًا نحسبها صح نقارن بين كُل لحظة ضعف وقوة إتحسبت لنا او حتى ما أتحسبتش .. مُحتفظ بالذكريات دي علشان كُل ما أضعف أقوى بوجعهم ليّا ، وأتأكد إن مافيش مُستحيل .. انا كُنت بقول مُستحيل أثق أو أحب تاني .. مُستحيل ألاقي واحدة تستحق .. بس عرفت إن مافيش مُستحيل ولقيت .


خفتت نبرته قليلًا وهو ينطق كلمته الأخيرة ليصمت عن الحديث لوهلة لترمقه هي بنظرة ثاقبة مُرددة :

_ وإنت أيقنت بـ كدا إزاي ؟ ، إنت أتأكدت إنها مش زيّ غيرها ؟؟


افتر ثغرهُ عن إبتسامة حانية ، فيما استجلت هي خفايــا الأمور في شيء من الحذر ليقول هو بثبات :

_ أيوة يا ستي ، إنتِ مالكيش زيّ .. حلوة .. مُختلفة .. تلقائية .. بسيطة .. عنيدة وناجحة .


فداء وهي تحدق به في دهشة من جراءة إعترافه :

_ أنا ؟؟

مشى قُصي بخُطواته حتى وقف أمامها ليضع يدهُ على عاتقها مردفًا :

_ عنود .. أنا بحبك .. كُنت لازم أشاركك صفحة من حياتي قبل ما أقفلهــا .. كُنت حابب أقولك إن إهانتي ليكِ من وجعي وإنك مالكيش ذنب غير إنك بنت .. لكن أنا حبيتك وأتمنى تنسي اللي فات وتسامحيني .


أخفضت عنود رأسها تتجنب نظراته الثاقبة بها وبنبرة ثابتة أردفت :

_ بس للأسف انا مش بـ .. .

قطع صوته الأجش حديثها وهو يجذبها معه لـ خارج الغرفة :

_ مش عاوز إجابة منك دلوقتي ، خلينا في العرض .

رفع نبرة صوته أكثر يُنادي على حُسنية وما أن جاءت حتى ردد بهدوء :

_ أقفلي الباب دا يا ست الكُل وانا هعرف عنود الأوضة اللي هتشتغل فيها .


عنود بإستغراب : أزاي ؟ ، هو انا مش هشتغل مع الستات في الصالة !!


دفعها قُصي من ظهرها بخفة حتى نهاية الممر وهو يردد بحنو :

_ أكيد طبعًا مش هتقعدي معاهم .. لأنك طبيعي مش هتركزي .. أما الأوضة دي علشان الإلهـــام .


أنهى جُملته بلهجة آمره ثم قام بفتح الباب لتجحظ عينيها بشدوه ، ليدفعها هو بالولوج للداخل .. قام بوضع مزهريات من مُختلف الأنواع في اماكن مُتفرقة .. كان ستار الغُرفة يغلب عليه الوان الطيف .. وهناك طاولة تقبع بجانب النافذة ..وُضع عليها العديد من الأقلام بشكل مُرتب واسكيتشات خاصة بالرسم ولم ينسِ بأن يُزين الطاولة بعلبة نوتيلا وقطع الشيكولاتة المُنفردة كُلًا على حد .. وأكثر ما لفت إنتباهها هذا الطبق الزجاجي من اللون البني قد وُضع عليه قطع من الخُبز المُحمص وبداخله شطائر من اللحم المشوي وقطع الدجاج المُقرمشة ..إلتفتت برأسها إليه وراحت تردف بثبات :

_ أيه الحفلة دي ؟ .. لـ مين كُل دا !!

قُصي بثبات : ليكِ علشان تتغذي وتتسلي وانتِ بتصممي ،عاوزك تخرجي أحسن ما عندك 


عنود بقهقهة خفيفة : مجنون ؟؟

قُصي غامزًا لها وهو يسير صوب باب الغرفة :

_ هتتعودي على جناني .. المهم أنا قاعد برا لو إحتاجتي حاجه .. عاوز تركيزك كُله يكون مُنصب على التصاميم .


باغتها بنظرة حانية ليترجل للخارج ثم يغلق الباب خلفه .. أطالت النظر إلى الباب الموصد في شيء من الحيّرة ولكنها لا تُبادله الشعور او ربما تقتل الشعور نفسه قبل أن تصل مخالبه إلى قلبها فـ تتشبث به ومن ثم تتحمل تبعات هذا الشعور من ألم .. فأنكسار ثم فُــــراق .


تنهدت تنهيدًا ممدودًا بعُمق لتسير صوب الطاولة وقد حسمت أمرها بأن تنكب على عملها .. فهي دائمًا تتفنن في ابتداع تصاميم قوية بلمسة خاصة بها ، فيما قرر هو البقاء بالقُرب من غرفتها يمنع مجيء أحد إليها لـ يطمأن عنها بين الفينة والأُخرى ...

--------

_ بسسسسس .. أخرسوووووا .

صرخت فداء بتلك الكلمات وهي تقف أمام حلبة الأطفال .. فأصبح الأمر لا يُطاق وهي تُعادي الأطفال مُنذ أن كانت صغيرة وتكره صخبهم المُزعج ،،،،


ســاد الصمت لوهلة ولاحت العيون إليها وهي تُكشر عن أنيابها مُردفة بحدة :

_ اللي هسمع صوته .. هلسعه بالشمعة !! وهجيب له العــووو .


حدقت بيسان بهـا في صدمة لتردد بغيظِ :

_ فيدو .. حرام عليكِ دول أطفال ؟


في تلك اللحظه على صوت بُكاء أحدهم ،  إمتعض وجه فداء حنقــًا لتميل برأسهـــا إليه فيما يرمقها هو بنظرة خائفة لتُرجع خُصلاتها للامام حتى غطت وجهها بأكمله وراحت تصيح : عووووو .. بتعيط ليه ؟


لم يتوقف الطفل هنا كما ظنت ، لتجدهُ يصرخ بأعلى صوته وهنا أسرعت بيسان بإحتضانه وأمسكت بكفه وقربته من خُصلات فداء وهي تقول :

_ دي مش عو .. ما تخافش منها وشدها من شعرها .

انصاع الطفل مُستجيبًا لـ حديث بيسان البسيط له ليقبض على خُصلاتها وراح يُقهقه بسعادة وهنا صرخت فداء بغيظ :

_ يا حيوانة .. الولد قطع ليّ شعري .


بدأت بيسان تُخلص خصلات شقيقتها من كفه ولكنه ضغط عليها بطريقة أقوى وإلتفت الخُصلات حول أصابعه .. ولم يكتفِ بهذا فحسب بل مال بأسنانه يقتلع خُصلاتها لتشهق بيسان في صدمة :

_ يا نهاري .. كُنت فكراك طفل !!

فداء وهي تشد أذنه بغيظ :

_ يا غلاوي .. أمال لو مش عيل صغير .. كُنت عملت أيه ؟ .. أوعى ياض يا ابن القرعة .


مُصطفى مُرددًا بضحكة عالية :

_ عرفتي منان ؟ .. أُمه اسمها ثنية الجرعة . 


استطاعت فداء وأخيرًا تخليص شعرها من بين يدي الطفل لتهتف بحنق :

_ وهو كمان أقرع .. دي شكلها عُقدة في العيلة 


مُصطفى وهو يضربها بخفة على كتفها :

_ أه دي ؟! .. إنتِ بتضربي الودَع ! ، عرفتي منان إن عيلتهم اسمها العجايدة !! (العقايدة) ، وديه بجا أخر عُجدة في العيلة .


فداء وهي تصر على أسنانها بغيظ :

_ وانت آخر أيه !! .. آخر بغله في العيلة !!


لوى مُصطفى شدقه بإمتعاض ليهزّ رأسه نافيًا :

_ لأ ، البغلة بتبجي من أم حصانه وأب حُمار وانا موافجش إن أبويا يبجا حمار .. بلاش كلام ماسخ .

أطلقت بيسان قهقهة عالية ، لتردف فداء بنبرة يتخللها الضحك :

_ من عنيا حاضر .. بلاش بغل يا حُبي .


في تلك اللحظة هتفت سيدة مـا تُنادي اسمها لتلتفت فداء إليها فيما تابعت السيدة بود :


_ أنا أسفه يا ست هانم .. لو ينفع مُصطفى يدلك على دوارنا وتدي لـ أمي العچوزة علاچها علشان ديه معاده وانا لسه مخلصتش اللي في يَدي .


أومــأت فداء برأسها إيجابًا مُرحبة بما قالتهُ لتنظُر إلى مصطفى وتقول بتساؤل :

_ عارف العنوان ولا هتتوهنا ؟!


مُصطفى وهو يهزّ رأسه بضحكة بلهاء :

_ إيوة عارفه .. ما هو ديه بيت العجايدة اللي جولت لك عليهم .. ودي ثنية الـ ... 


أسرعت فداء بوضع كفها على فمه لتقول بنبرة ثابتة :

_ خلاص حبيبتي كملي شغلك وإحنا هنروح حالًا .. قدامي يا مصيبة أنت .


إلتفتت فداء إلى يامن الذي يتولى أمر عد التصاميم قبل مُناولتها للسيدات وبنبرة ثابتة أردفت :

_ لو سمحت يـ (يامن) إستعجل ماما حُسنية علشان الستات يتعشوا .


إتجهت بصُحبة مُصطفى حتى خارج الصالة وما أن إتجها صوب باب القصر الرئيسي حتى سمعتهُ يهتف بحدة :

_ رايحة فين ؟؟


إرتعشت أطرافها قليلًا وهي تستمع إلى صوته الأجش يقترب منها ومن ثم وقف أمامها مُحركًا حاجبيه بإستفسار لتردد هي بثبات :

_ هو أنا هستأذنك كُل ما أجي أدخل وأخرج !


آسر بصوت عال قليلًا : بقول رايحه فين ؟

فداء وقد التاع قلبها من صرامتهِ : 

_ مشوار قريب وجاية ؟ .. أيه مُشكلتك !!


آسر وهو يربت على كتف مُصطفى الذي جاب ببصره بينهما في حالة من الترقب :

_ خلاص تمام .. أنا جاي معاكم .


لم يكُن بمقدورها الحديث لتسير أمامه بعصبية خفيفة فيمـا أمسك كفها بقوة لتسير إلى جوارهِ رغمــًا عنها .. قادهما مُصطفى حيث بيت هذه العجوز ليجدوا الباب مفتوحــًا ،،،


طرقت فداء على الباب بتوجس وحذر مُراعاةً لـ حُرمة ساكنيه ولكنها فهمت بأن العجوز غير قادرة على الحراك في أغلب الحالات لتدلف داخل المنزل وقد تبعها آسر فيما هتف مُصطفى بفرحة طفولية :

_ روحوا إنتوا .. وانا هعوم في التِرعة لحدت ما تخلصوا .

وجدت فداء غرفة مُقابلة لها ، مفتوح بابها وما ان نظرت داخلها حتى وجدت سيدة عجوز تمددت أرضـًا وما أن رأتها فداء حتى أردفت بهدوء :

_ السلام عليكم .. أزيك يا تيزا ؟ .. أنا فداء وبنت حضرتك طلبت مني أجي أديكِ الدوا !!


رمقتها السيدة بهدوء لتفتح جفنيها المُجعدين وراحت تقول بنبرة وَهِنة :

_ بنتي مين ؟ .. أنا ما أتچوزتش !


قطبت فداء ما بين حاجبيها بحيّرة وقد ظنت بأن مُصطفى قد قادها إلى المكان الخاطيء لتقول بنبرة مُتسائلة وكأنها تستعين بأخر واوحد معلومة لديها :

_ هو حضرتك من عيلة العقايدة ؟؟


إستندت السيدة على ساعدها تُحاول النهوض ، هرول الإثنان إليها لـ مُعاونتها وهنا أردف آسر بهدوء :

_ اوعي .. هشيلها وأحطها على السرير دا .


أومأت فداء بهدوء فيما تابعت السيدة بتأكيد :

_ ايوة .. دي عيلة چوزي .


تبادلا نظرات تساؤلية ليفتر ثغرهُ عن إبتسامة خفيفة وراح يقول بهدوء :

_ يالا إديها الدوا .. ما تستغربيش أول مرة تتعاملي مع ستات كُبار ولا أيه !! .. الانسان مننا كُل ما العُمر ياخده ويكبر في السن ، بيصغر في العقل ويرجع طفل تاني .


إلتقطت فداء الدواء القابع على الطاولة الخشبية بجوار الفراش ومن ثم إلتقطت دورق المياة باليد الأخرى وراحت تقترب منها ، فيمــا وقف هو حيث الباب ينتظر إنهاء مُهمتها .


جلست هذه العجوز على فراشها البسيط عبارة عن أريكة من الخشب يغطيها وسادات قُطنية على طول مساحتها ، وضعت فداء كفها خلف ظهر السيدة تُعاونها على ارتشاف قطرات المـاء وما أن إنتهت السيده حتى جالت ببصرها بين الإثنين لتقول بنبرة مهزوزة نتاج كِبر سنها :

_ چوزك إبن حلال جوي يا بنتي ، لا وخدوم ، ربنا يخليكم لبعض .


إلتفتت ببصرها إليه ترمقه بعينين جاحظتين ، لتجده يبادلها إبتسامة عريضة وهو يستند بجسده على أول باب الغرفة .. قد إستفزتها أريحية وقفته وسعادته على حديث تلك العجوز .. امتعق وجهها غيظًا بعدما وضعت كوب الماء جانبًا لتردد بنبرة نافية :

_ لأ يا تيزا .. دا مش جوزي أساســًا .


هـزّت السيدة رأسها يمينًا ويسارًا لتُقرب كفها تربت علي كف فداء التي تجلس على طرف الفراش أمامها :

_ عيب يا بنتي .. لتكوني زعلانة منه ؟! ، بس ما بيصح تهملي چوزك وتتبري من راجلك .


فغــرت "فـداء" فاهها لتبتلع ريقها بحنقِ وقد احتبس الكلام في حلقها فيما أردف آسر بنبرة يفتعل منها الحُزن :

_ قلبي وربي غضبانين عليكِ يا أم العيال .


شهقت العجوز وهي تضع كفها الذي ملأته التجاعيد وراحت تقول بنبرة مُشفقة :

_ عندكم أولاد ؟

أومأت فداء برأسها سلبًا ولم يتسنى لها الرد عندما استأنفت العجوز بنبرة أكثر حزنًا :

_ عيني على شبابك يابنتي .. طيب التجصير منك ولا منه ؟


لم يتحمل "آسر" أكثر من ذلك .. ليرفع فتحة قميصه ناحية العُنق إلى فمه وقد قهقه عدة قهقات أثارت حنقها .. وهنـا هتفت به فداء بلهجة حادة :

_ آسر ، إنت بتضحك على أيه ؟! .. وعاوز مني أيه ؟ .. صدقني هصرخ وألم عليك أهل القرية .


وما أن أنهت جُملتها حتى وجدت العجوز تهتف بنبرة صارمة وقد توجهت بالحديث له :

_ إنت هتستنى لمـا مرتك تُصرخ !، إلحج خُدها على المستوصف ، لتولد مطرحها وما نلاجيش ليها دايه ؟؟ 

فداء وهي تمسح على وجهها بنفاذ صبر :

_ أنا مش حامل يا تيزا ، إرحميني بقى .


وضعت السيدة كفها على الأخر وبنبرة وقورة تابعت :

_ اللي بيرحم العباد ربنا يابنتي ، ربنا يمتعك بالسلامة، شيل مرتك يابني لحدت المستوصف 


إرتسمت على مُحياهُ إبتسامة ماكرة ليقترب بخُطوات مُتعجرفة منها ومن ثم مـال بجسدهُ إليها حتى حملها على غفلة منهــا ليردف بنبرة عابثة :

_ عندك حق يا تيــزا .. يارب ولد يارب .


حدقت به في صدمة وقد اشتد السأم بها ، فيما رمقها هو بنظرة تحدٍ رافعًا أحد حاجبيه لتقول فداء بإنفعال مُفرط :

_ ولد أيه ونيلة ؟! .. أوعى يا مجنون انت نزلني .. وربنا أصوت واقول بيتحرش بيّا .


أخذت تحلق بقدميها في الهواء بإعتراض وقد أمطرته بوابل من الشتائم فيما تقمص هو الدور ليهرول بها للخارج وبنبرة ثابتة تابع :

_ خلاص يا حبيبتي .. بلاش صريخ قربنا نوصل للمستوصف .


قال جُملته الأخيره بقهقه عالية فيما قربت فمها لتغرس أسنانها بذراعه بتشفِ ليصرخ آسر بتأوه :

_ يا بنت المجنونة .


فداء وهي تجدحه بحنقِ بعد أن ترجلا خارج المنزل بأكمله :

_ نزلني يا آسر .. سيبني في حالي بقى ؟ ، إنت وجعتني وانا مش عاوزاك ..مش هحس بالأمان معاك .. علشان خذلتني مرة .


آسر وهو يرمقها بنظرة أربكتها ليبتسم بهدوء قائلًا : ما كُنتش عارف أختار يا فداء .. بين البنت اللي ربتها وحبيتها زيّ أُختي وشوفت إنها الأولى بوجودي جنبها وبين البنت اللي إختارها قلبي .. حرب بين المسؤلية واول دقة قلب ..قررت أخبي عنك وأتجاهل كُل حاجه هتقربني منك بس فشلت .. أحلامي فضحتني . 

 

فداء بتساؤل وإهتمام :

_ أحلامك فضحتك ؟؟؟؟

يتبع

#علياء_شعبان


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات

close