دخل السجن مليونيرًا… وخرج أبًا بفضل خادمة أنقذت ابنه
دخل السجن مليونيرًا… وخرج أبًا بفضل خادمة أنقذت ابنه
عندما أغلقت الأصفاد الفولاذية الباردة حول معصمي في تلك الفجرية لم يخطر ببالي قط أن الجريمة الحقيقية لم تكن الاحتيال المالي الذي اتهمت به ظلما بل ذلك التخلي الصامت والقاسي الذي كان على وشك أن يحدث في غرفة ابني نفسه.
اسمي رودريغو سانتيانا وحتى تلك الليلة من يوم الثلاثاء كنت أظن أنني أملك مدريد. من مكتبي في برج الإمبراطور كنت أتأمل إمبراطورية عقارية شيدت خلال عشرين عاما من العرق والطموح والتضحية. كان لقب سانتيانا بالنسبة لي وبالنسبة للعالم مرادفا للقوة والهيبة وثروة لا تقهر. لكن الحياة بسخريتها المدمرة علمتني خلال ثوان قليلة أن إمبراطوريات الخرسانة ليست سوى ورق هش حين تأتي الخيانة من الداخل.
انهار كل شيء تحت الأضواء الزرقاء والحمراء المتقطعة التي اقتحمت خصوصية قصري في حي لا موراليخا. نزلت الدرج الرخامي حافي القدمين وقلبي يضرب أضلعي بقوة دون أن أفهم لماذا كان سرب من رجال الشرطة يقف في بهو منزلي. وهناك كانت هي ماريانا زوجتي المرأة التي اعتادت أن تتصدر أغلفة مجلات المجتمع بجمالها البارد المتقن. كانت واقفة عند الدرابزين تراقب اعتقالي لا بخوف ولا بقلق بل بلامبالاة جمدت الدم في عروقي أكثر من كلمات المفتش فارغاس نفسه.
احتيال اختلاس نصب مشدد.
كانت الكلمات تتردد
في رأسي بينما كانوا يتلون علي حقوقي. كنت أصرخ بأن الأمر خطأ وأن عليهم مراجعة الأوراق لكن الحكم كان قد صدر بتوقيع لم يكن توقيعي أو على الأقل ليس التوقيع الذي ظننت أنني وضعته.
وبينما كانوا يسحبونني نحو سيارة الشرطة مهانا أمام ومضات مصوري الصحافة الذين وصلوا بسرعة تثير الريبة بحثت عن نظرة ماريانا. كنت أترقب إشارة دعم وعدا بالاتصال بالمحامي. لكنها اقتربت وهمست بكلمات دمرت روحي قبل أن تفعل القضبان ذلك
كنت أعلم يا رودريغو كنت أعلم كل شيء.
لم يكن هناك وداع ولا دموع فقط صوت باب سيارة الشرطة وهو يغلق عازلا إياي عن حياتي.
غير أن عذابي في سجن سوتو ديل ريال وقد جردت من ساعتي الباهظة ومن كرامتي وألبست زيا رماديا تفوح منه رائحة اليأس لم يكن شيئا مقارنة بما كان يحدث في المنزل الذي تركته خلفي.
فبينما كنت أواجه جحيما قانونيا دبره شريكي وصديقي المفترض أوغستو ميندوزا كانت مأساة صامتة تتشكل في القصر. لم تضيع ماريانا زوجتي وأم ابني أي وقت. أفرغت الحسابات البنكية التي لم تجمد وملأت الحقائب بالمجوهرات والنقود ثم رحلت. رحلت ببساطة.
لكن الفظاعة الحقيقية لم تكن في هروبها بل فيما تركته خلفها.
في مهد غرفة الأطفال كان رضيع في الثامنة من عمره يبكي بلا توقف حفاضه متسخ وبطنه فارغة.
سيباستيان طفلي الصغير ولد بعيب خلقي في القلب كان قلبه قنبلة موقوتة تحتاج إلى دواء يومي وعناية دقيقة ليبقى حيا. وأمه تركته هناك كما يترك أثاث قديم أثناء الانتقال.
كانت فيوليتا.
فيوليتا دوران العاملة المنزلية التي كنت بالكاد أحييها في الصباح الفتاة المكسيكية غير المرئية ذات العينين الخضراوين والضفيرة الطويلة التي كانت تنظف فوضانا اليومية. هي من سمعت البكاء. هي من صعدت الدرج وقلبها في حلقها حين لاحظت الصمت الجنائزي في البيت. وحين فتحت الباب ووجدت سيباستيان جاف الجسد وحيدا ومتسخا لم تتصل بالشرطة ليأخذوه إلى نظام الرعاية ولم تهرب لتنقذ نفسها من الانهيار القادم.
حملته بين ذراعيها حممته بماء دافئ وهي تغني له تهويدات من أرضها ووعدته بأنها لن تتركه يسقط أبدا.
وفي المطبخ انكشفت الكارثة كاملة لا حليب لا حفاضات والأسوأ من ذلك عبوة دواء القلب كانت فارغة في سلة المهملات.
لم تتردد فيوليتا. بمدخراتها التي جمعتها لأشهر من أجل أمها المريضة في أواكساكا وبقلادة ذهبية كانت إرثها العائلي الوحيد خرجت إلى الشارع باعت كل ما تملك وأنفقت كل يورو لإبقاء ابني حيا.
لأيام طويلة كانت هي أمه وأباه وملاكه الحارس في قصر فارغ خاضع للحجز تختبئ من الدائنين وتطعم طفلا ليس من دمها بحب أنكرته
عليه أمه.
وعندما تمكنت فيوليتا من زيارتي في السجن وأخفت سيباستيان تحت شال لتفادي الحراسة وروت لي الحقيقة شعرت أنني أموت. بكيت كطفل حين رأيت ابني حيا وحين علمت أن ماريانا تخلت عنه وأن هذه المرأة التي عاشت تحت سقفي ضحت بكل شيء من أجله. أعطيتها رمز الخزنة السرية وتوسلت إليها أن تستخدم المال للهرب لحمايته لتكون الأم التي يستحقها. قلت لها عبر الزجاج المصفح
أنقذيه يا فيوليتا لأن حياته هي السبب الوحيد الذي يجعلني أواصل القتال.
نفذت فيوليتا وعدها.
استخرجت المال من الخزنة واستعدت لرعاية سيباستيان في الخفاء. لكن ما لم تكن تعلمه وما لم نكن نعلمه نحن الاثنين هو أن أوغستو ميندوزا لم يكن يسعى فقط إلى مالي وسمعتي. أوغستو الرجل الذي تحطم داخليا بعد وفاة ابنه قبل سنوات نتيجة إهماله هو كان قد ثبت نظره المهووس على سيباستيان. بالنسبة له لم يكن طفلي إنسانا بل تعويضا فرصة ثانية لإصلاح خطأ لا يغتفر من ماضيه. وحين يريد أوغستو شيئا لا يعرف حدودا ولا يتوقف عند ضمير.
في الليلة التي اكتشفت فيها فيوليتا أن القصر مراقب وأن رجالا غرباء يحاولون التسلل إليه أدركت أن المال وحده لن يكون كافيا. كانت وحيدة مع طفل مريض مطاردة من مليونير مختل ومطلوبة من الشرطة التي اعتبرتها خاطفة. حملت سيباستيان
بين ذراعيها
ونظرت للمرة الأخيرة إلى الحياة التي عرفتها ثم خرجت إلى عتمة الليل. لم تكن تركض من أجل حريتها فقط بل من أجل حياة بريئة لا ذنب لها.
لم يكن هروب فيوليتا سباقا بل كان مطاردة.
تحولت مدريد إلى متاهة من الظلال والتهديدات. كل سيارة سوداء متوقفة عند زاوية بدت وكأنها تحمل رجال أوغستو وكل صفارة شرطة كانت تجعل جسدها يرتجف ظنا منها أن خدمات الرعاية ستأتي لتنتزع سيباستيان من بين ذراعيها لتسلمه دون أن تدري إلى الوحش نفسه الذي يسعى لاختطافه. كان ملجؤها الأول شقة صغيرة في حي لافابييس حصلت عليها بفضل شهامة محامي فرناندث أغيري الحليف الوحيد الآخر الذي تبقى لنا. هناك بين جدران متشققة وضجيج المدينة حاولت فيوليتا أن تصنع بيتا مؤقتا.
لكن أوغستو ميندوزا كان يملك موارد لا حدود لها. استأجر وكالة من المتعقبين محترفين لا يتركون أثرا ويعثرون على الإبر في أكوام القش الرقمية. كانت صورة واحدة التقطتها كاميرا مراقبة قرب مكتب المحامي كافية لتحديد موقعهم. اضطرت فيوليتا إلى الهرب مجددا هذه المرة وأنفاس المطاردين تكاد تلامس عنقها شاعرة بأن الطوق يضيق حولها. اتجهت إلى برشلونة بحثا عن مأوى لدى قريبة بعيدة تدعى كارميلا. لبضعة أيام بدا وكأن العالم منحهم هدنة قصيرة. تعلم سيباستيان الزحف على سجادة كارميلا البالية يضحك غير
مدرك للخطر وعيناه الزرقاوان لا تفارقان فيوليتا أمه التي اختارها قلبه.
لكن السلام كان وهما.
في عصر أحد أيام الأحد طرق رجلان الباب مدعيين أنهما من خدمات الرعاية الاجتماعية في كاتالونيا. كانا يحملان بطاقات مزورة لكن المسدس الذي لمحته فيوليتا تحت سترة أحدهما كان حقيقيا تماما. كان غريزتها في البقاء وشجاعة زوج كارميلا الذي أمسك بمفتاح إنجليزي ما حال دون الاختطاف في اللحظة الأخيرة. الصراخ العراك عند الباب وبكاء سيباستيان المرعوب في تلك اللحظة فهمت فيوليتا أنه لا مكان في إسبانيا يمكن أن يكونوا فيه آمنين. أوغستو لن يتوقف حتى يحصل على الطفل.
دفعتها اليأس نحو الجبال.
عبروا الحدود إلى أندورا في سيارة أحد الأقارب مختبئين كالمجرمين. لجؤوا إلى فندق ريفي معزول وسط الثلوج يملكه رجل يدعى بيرنات لا يطرح أسئلة. كان المشهد الطبيعي مهيبا في بياضه وصمته لكن البرد تسلل إلى عظام فيوليتا. هناك معزولة عن العالم كانت تتابع الأخبار عبر تلفاز صغير. كانت ترى وجهي في نشرات الأخبار شاحبا ومنهكا أصرخ ببراءتي في المحاكم بينما ترفض القاضية الإفراج عني وتأمر بتعميم البحث عن الطفل المختفي. كانوا يصورونني وحشا ويصورونها خاطفة. كان ألم الظلم يكاد يكون جسديا.
كانت شبكة أوغستو تواصل إحكام قبضتها.
رسالة مجهولة وصلت إلى هاتف
فيوليتا المؤقت أرسلتها مفتشة شرطة بدأت تشك في الحقيقة حذرتها إنهم يعرفون مكانك. اخرجي الآن. كان الهروب عند منتصف الليل والثلج يتساقط بكثافة وصمت. سارت فيوليتا كيلومترات طويلة وسيباستيان مربوط إلى صدرها تحت معطفها تشعر بدفء جسده كأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة. سائق شاحنة فرنسي روح رحيمة في عالم مليء بالذئاب أقلهما من الطريق وأوصلهما إلى تولوز في فرنسا.
هناك في ظلال كنيسة سان سيرنان وجدا الأب ماثيو صديقا قديما للمفتشة. لم يمنحهما الكاهن ملجأ فحسب بل أعطاهما مفتاح الهجوم المعاكس. كانت لديه حقيبة. حقيبة تحتوي على ماضي أوغستو المظلم وفاة ابنه الأول شهادات ممرضات أسكتن وأدلة على أن هوسه لم يكن حبا أبويا بل جنونا. قال لها لا يمكنك الاستمرار في الهرب يا ابنتي. لإنقاذ سيباستيان عليك أن تتوقفي عن الاختباء وتبدئي القتال.
وقاتلت فيوليتا.
تواصلوا مع لوسيا كورتيس صحفية استقصائية من صحيفة إل باييس لا تخاف شيئا. في غرفة صغيرة داخل دير فرنسي روت فيوليتا قصتها كاملة. لم تخف شيئا تخلي ماريانا بيع مجوهراتها والحب العميق الذي تكنه لطفل لا يحمل دمها لكنه يسكن قلبها. في اليوم التالي استيقظت إسبانيا على الحقيقة منشورة في الصفحة الأولى. كان المقال قنبلة مدوية. انقلب الرأي العام رأسا على عقب.
فجأة لم نعد الأشرار كنا ضحايا شبكة فساد وجنون.
لكن أوغستو وقد حشر في الزاوية لعب ورقته الأخيرة.
هرب من إسبانيا قبل أن تتمكن الشرطة من اعتقاله عابرا الحدود إلى فرنسا بهدف واحد قتل فيوليتا وخطف الطفل. كانت المواجهة الأخيرة قرب دير تولوز أكثر لحظة رعب في حياتي. كنت قد حصلت على الإفراج المؤقت بفضل الأدلة الجديدة ووصلت في الوقت المناسب لأرى ابني بين ذراعي فيوليتا. لكن اللقاء قطع بوصول رجال أوغستو.
حوصرنا على طريق فرعي أغلقت السيارات السوداء الطريق. نزل أوغستو مبتسما بتلك الابتسامة المنتصرة التي أعرفها جيدا. وجهت الأسلحة نحونا. لفت فيوليتا جسدها حول سيباستيان مستعدة لتلقي الرصاص. وقفت أمامهما مستعدا للموت إن كان ذلك سيمنحهما ثانية واحدة إضافية للحياة. قال أوغستو متلذذا انتهت اللعبة.
لكن الصوت الذي شق الهواء لم يكن طلقا ناريا بل هدير مروحيات الدرك الفرنسي وصفارات الشرطة الإسبانية التي نسقت العملية بفضل الصحفية والمفتشة. خلال ثوان تحول الصياد إلى فريسة. رؤية أوغستو راكعا على الأسفلت مكبل اليدين يصرخ بالشتائم بينما تؤمن الشرطة المكان كانت اللحظة التي عدت فيها أتنفس بعد شهور من الاختناق.
ومع ذلك لم تكن النهاية السعيدة في سقوط عدوي بل فيما تلاه.
مرت ستة أشهر منذ ذلك اليوم على الطريق الفرنسي. استعادت مدريد إيقاعها
واستعدت اسمي لكن حياتي لم تعد تشبه ما كانت عليه. برودة برج الإمبراطور وحفلات المجتمع الفارغة لم تعد تعنيني. عالمي الآن يقتصر على دفء منزل تملؤه ضحكات طفل.
سيباستيان محاربي الصغير أتم أربعة عشر شهرا. قلبه تحت المراقبة والعناية ينبض بقوة. بدأ خطواته الأولى المتعثرة يكتشف العالم بفضول لا يشبع. والأجمل من كل ذلك هو رؤية من يتجه إليه حين يخاف أو حين يكتشف شيئا جديدا. لا يركض نحو المربيات ولا نحو الألعاب. يركض نحو فيوليتا.
ما زالت فيوليتا هنا.
لا كعاملة ولن تكون عاملة أبدا.
هي عماد هذا البيت. تعيش في جناح أعدناه لها لكننا نقضي أيامنا معا نربي سيباستيان كفريق واحد. رأيتها تلتئم من جراح المطاردة ورأيت ابتسامتها تعود لتضيء عينيها الخضراوين. وفي خضم هذا التعافي المشترك بين زجاجات الحليب وزيارات الطبيب وأمسيات الحديقة أدركت أمرا لا مفر منه وقعت في حبها بعمق. لا بدافع الامتنان رغم أنني مدين لها بحياة ابني بل لقوتها وحنانها وذكائها وقدرتها اللامتناهية على الحب دون مقابل.
كان هناك عائق أخير عائق ظننت لوهلة أنه انتهى إلى غير رجعة لكنه عاد ليختبر ثباتنا من جديد.
حاولت ماريانا العودة.
ظهرت ذات صباح عند باب المنزل وكأنها لم تهرب يوما وكأنها لم تترك طفلا
رضيعا يصارع المرض والوحدة. كانت تقف بثياب أنيقة إلى جانب محاميها وعلى وجهها ذلك القناع القديم من الندم المصنوع بعناية. قالت إن الصدمة هي التي دفعتها إلى الفرار وإن الخوف أفقدها رشدها وإنها جاءت الآن لتصحح خطأها وتستعيد ابنها.
كان ذلك الموقف الأكثر توترا منذ المحاكمة.
الهواء في المكان كان ثقيلا والذكريات المؤلمة عادت دفعة واحدة.
لكن الحقيقة لم تحتج إلى كلمات طويلة.
حين رأت سيباستيان وحين تقدمت نحوه بخطوات مترددة انفجر الطفل بالبكاء.
لم يكن بكاء عابرا بل بكاء خوف بكاء جسد صغير يتذكر الغياب قبل أن يتذكر الوجوه.
وحين ابتعدت خطوة وحملته فيوليتا بين ذراعيها سكن فجأة. هدأ التصق بصدرها وأمسك بثوبها بيديه الصغيرتين كمن يتمسك بالحياة نفسها.
في تلك اللحظة انكسرت ماريانا.
لم يكن انكسارا دراميا بل صدمة صامتة.
أدركت دون أن ينطق أحد بكلمة أن الأمومة ليست توقيعا في شهادة ميلاد ولا رابطة دم وحدها بل حضورا وتضحية ودفئا لا يزور.
أن تكون أما يعني أن يهدأ الطفل في حضنك لا أن يبكي منه.
لم تصرخ. لم تجادل.
فقط جلست ووقعت أوراق الحضانة بيد مرتجفة وتركتها على الطاولة.
ثم نهضت وغادرت هذه المرة إلى الأبد.
في تلك الليلة حين عاد الهدوء إلى البيت أخذت فيوليتا إلى الشرفة.
كانت سماء مدريد صافية والنجوم تلمع كأنها تحتفل معنا بصمت.
كان الهواء معطرا برائحة الياسمين ممزوجا بشيء أعمق رائحة الحرية بعد الخوف.
سكبت كأسين من النبيذ لا احتفالا بالفوز بل امتنانا للسلام الذي دفعنا ثمنه غاليا.
نظرت إليها طويلا إلى عينيها الخضراوين اللتين واجهتا المطاردة والتهديد والظلم ولم ترتعشا.
وفي تلك النظرة عرفت يقينا أنني لا أريد أن يمر يوم واحد من حياتي دون أن تكون رسميا جزءا من عائلتي.
طلبت يدها.
لم أخطب ولم أبحث عن كلمات كبيرة.
قلت ما شعرت به فقط.
وافقت.
لم تتردد ولم تطلب وقتا للتفكير ولم تبحث عن كلمات مزخرفة.
قالت نعم بهدوء يشبه طمأنينتها وبصدق يشبه قلبها.
وكان ذلك الصوت البسيط الخارج من أعماقها أصدق وأجمل ما طرق سمعي في حياتي كلها
صوتا محملا بالثقة وبالاختيار وبالاستعداد لأن نكمل الطريق معا مهما كانت تقلباته.
تم الزواج في حديقة المنزل لا لأننا لا نحب الأضواء بل لأننا تعلمنا أن أجمل الأشياء لا تحتاج إلى صخب لتثبت وجودها.
كانت الأشجار شاهدة والسماء سقفا مفتوحا والنسيم الخفيف يمر بيننا كأنه يبارك هذه البداية الجديدة.
كان احتفالا بسيطا في مظهره عميقا في معناه دافئا كما كنا نحتاجه ويشبهنا تماما بعد كل ما مررنا به.
حضر الأب ماثيو
من فرنسا ليعقد قراننا قادما من المكان الذي شهد أقسى لحظات الخوف ليشاركنا الآن لحظة الطمأنينة.
وكانت لوسيا الصحفية التي لم تكتف بنقل الخبر بل دافعت عن الحقيقة شاهدة على ولادة عائلة لم تصنعها الصدفة بل الشجاعة.
أما سيباستيان فكان نجم اليوم بلا منازع
يرتدي بدلته الصغيرة يمسك بالخواتم ببراءة طفل لا يعرف شيئا عن الماضي ويحاول عضها بفضول وسط ضحكات صافية خرجت من القلب قبل الشفاه.
وحين أعلن الكاهن أننا أصبحنا زوجا وزوجة وحين انحنيت لأقبل فيوليتا شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل
شعرت أن الزمن توقف لحظة ثم عاد يسير في الاتجاه الصحيح.
أن الفوضى التي مزقت حياتي والخسارات التي أثقلت روحي والخوف الذي لازمنا طويلا كلها وجدت أخيرا مكانها المناسب وهدأت.
واليوم وأنا أراهم يلعبون في الحديقة أسمع ضحكات طفل تملأ المكان بالحياة وأرى امرأة اختارت أن تحب دون شروط أو حسابات
أدرك أنني لم أربح زوجة فقط بل ربحت معنى جديدا للحياة.
أدرك أن الثروة الحقيقية ليست فيما نملك بل فيمن يبقى معنا حين نفقد كل شيء.
وأعلم يقينا أن الحب الحقيقي حين يختار بوعي ويحمل بشجاعة ويصان بالتضحية
يصبح أقوى من المال
وأقسى من السجون
وأشد من أي شر مر بنا.
لأن الحب
هو القوة الوحيدة التي لا تهزم
وهو الوطن الذي نعود إليه مهما طال التيه.


تعليقات
إرسال تعليق