القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رشّها بالماء ليُهينها… فحوّلت الإهانة إلى قضية هزّت مدينة كاملة

 رشّها بالماء ليُهينها… فحوّلت الإهانة إلى قضية هزّت مدينة كاملة



رشّها بالماء ليُهينها… فحوّلت الإهانة إلى قضية هزّت مدينة كاملة

هل رأيت يوما شخصا يضحك وهو يحاول محو كرامة إنسان آخر

في مدينة سانتا أورورا وفي صباح قائظ جاف قرر أحد الرقباء أن يحول الساحة العامة إلى مسرح للاستعراض واختار أسوأ ضحية ممكنة.

كانت الدكتورة ألينه مندونسا تسير في طريقها إلى المحكمة تضم ملفها إلى جسدها بإحكام. كانت قاضية اتحادية معروفة بثباتها وعدم تراجعها أمام قضايا الفساد. ومع ذلك في ذلك الحي تحديدا لم تكن ترى بهذه الصورة بل كانت في نظر البعض المرأة السوداء التي تظن أنها صاحبة سلطة.

قرب النافورة كانت ثلاث دوريات شرطة وشاحنة تنظيف تغلق جزءا من الطريق. كان الضحك يعلو من أفواه عناصر الشرطة بصخب وكأن المدينة ملك خاص لهم. وحين اقتربت ألينه رفع الرقيب دافي براغا خرطوم المياه وقال بصوت عال ليسمعه كل من حوله اليوم سأنعش هذه المتعجرفة.

وقبل أن يتمكن أحد من التدخل اندفع تيار الماء البارد بقوة ليصيب صدرها مباشرة. التصق القميص الفاتح بجسدها وسقط الملف من يدها وتحول الصمت في لحظة إلى ضحكات. ارتفعت الهواتف المحمولة في الهواء كأنها إشارات طريق توثق المشهد.

لكن ألينه لم تهرب.

لم تصرخ.

لم تطلب مساعدة.

كل ما فعلته أنها حدقت في دافي قرأت اسمه المثبت على الزي الرسمي وحفرت رقم الدورية في ذاكرتها بعينيها. أما هو فازداد جرأة اقترب بوجهه منها وهو يضحك ثم قال مستفزا ومن ستتصلين به.

انحنت ألينه التقطت ملفها وسارت


بخطى ثابتة والماء يقطر من ثيابها حتى وصلت إلى المحكمة ودخلت مباشرة إلى مكتبها. أغلقت الباب تنفست بعمق وفعلت ما يفعله القليلون حين تحاول الإهانة أن تنتصر كتبت.

دونت الوقت والمكان وأسماء الشهود. طالبت بالحفاظ على تسجيلات الكاميرات وأرسلت التقرير كاملا إلى هيئة التفتيش والمحاسبة. حاول زميلها القاضي ريناتو ليموس أن يكون حذرا فقال هذا قد يتحول إلى حرب. فأجابته ألينه دون أن ترفع صوتها الحرب الحقيقية هي أن يطلب مني أن أنكمش. وأنا لن أفعل.

في عصر اليوم نفسه انفجر الفيديو في مجموعات المدينة. وعندما نطق أحدهم أخيرا باسمها بصوت مسموع إنها القاضية ألينه مندونسا تجمد ضحك دافي في مكانه. أسرع إلى قائده الكابتن نوربيرتو بايس باحثا عن حماية. لكن بايس لم ير إلا خطرا داهما فقال له بحدة الزم الصمت ولا تتحدث إلى أحد. وفي الكواليس بدأت الاتصالات المجهولة والرسائل التي تأتي باسم النصيحة بل واختفى ملف تقني بطريقة غامضة من القسم المختص.

غير أن ألينه لم تكن وحدها كما ظن كثيرون في البداية. فما إن بدأت خيوط القضية تتشكل حتى دخلت المدعية ليفيا باروس على الخط لا كإجراء روتيني بل كمن يفتح نافذة في قبو ظل مغلقا طويلا. كانت خطواتها ثابتة ونبرتها واضحة وكأنها تقول منذ اللحظة الأولى إن هذا الملف لن يدفن في الأدراج.

وفي تطور لم يكن متوقعا قررت إحدى عناصر الحرس البلدي كاميلا

سواريس أن تتقدم للإدلاء بشهادتها. كانت يداها ترتجفان وهي تقف أمام المحققين لكن صوتها لم يخنها. قالت بوضوح لا لبس فيه لقد وجه الخرطوم عمدا. رأيته يضبط زاويته قبل أن يفتح الماء. وقال صراحة إنه يريد أن يراها تنكمش. كلماتها سقطت في الغرفة كحجارة لا يمكن التراجع عنها.

ثم جاء التسجيل الآخر. تاجر من المنطقة سلم نسخة من كاميرا متجره لم يكن يعلم يوم الحادثة أن عدسته ستتحول إلى شاهد حاسم. وهذه المرة لم تكن الصورة وحدها حاضرة بل الصوت أيضا واضحا نظيفا لا يحتمل التأويل ولا يسمح بالإنكار.

وفي يوم الجلسة العلنية امتلأت القاعة عن آخرها. وجوه متوترة عيون شاخصة وصمت ثقيل يسبق العرض. حين أطفئت الأنوار ظهرت على الشاشة صورة دافي وهو يبتسم قبل اندفاع الماء بثوان ابتسامة لم تعد بريئة ثم تلاها الصوت الذي حسم كل شيء. حاول دافي أن يتمسك بكلمة مزحة كررها أكثر من مرة لكن صوته المسجل كان يفضحه في كل مرة.

ابتلع ريقه بصعوبة وشعر وكأن حلقه قد ضاق فجأة كأن الهواء نفسه قرر أن يتواطأ ضده. رفع عينيه ببطء نحو ألينه نظرة خالية من التحدي بعيدة كل البعد عن الغرور الذي كان يملأ وجهه في ذلك الصباح بالساحة. وللمرة الأولى منذ اللحظة التي ظن فيها أن الضحك سلاح لم يجد ضحكا يسانده ولا تصفيقا يغطي عليه ولا وجوها تشجعه على الاستمرار. كانت القاعة صامتة صمتا قاسيا ثقيلا صمتا لا يمنح مهربا

ولا يترك مجالا للتأويل.

تردد طويلا قبل أن ينطق كأن الكلمات تأبى أن تخرج ثم قال أخيرا بصوت خافت فقد حدته ونبرته القديمة أردت أن أهينها. فعلت ذلك لأنني ظننت أنني أستطيع. وحين خرجت الكلمات من فمه لم تبد كاعتراف عابر بل كحكم نطق به على نفسه. بدا للحاضرين ولربما له وحده أنه أدرك فجأة ثقل ما فعل وأن ما حسبه لحظة تفوق تحول إلى لحظة سقوط لا رجعة عنها.

لم يتأخر القرار. جاء هذه المرة واضحا مباشرا لا يحتمل التأجيل ولا المساومة كأنه وضع ليقول إن بعض اللحظات لا تسمح بالحلول الرمادية. فرضت عقوبة إدارية صارمة وفتح تحقيق رسمي بتهمة عرقلة العدالة وأبعد القائد عن منصبه بعد ثبوت مسؤوليته عن محاولات التستر التي جرت خلف الأبواب المغلقة في مكاتب اعتادت أن تدار فيها الأمور همسا لا إعلانا. لم يكن القرار نهاية القصة كما اعتقد البعض بل بدايتها الفعلية اللحظة التي انكشف فيها ما كان مخفيا وبدأت الأسئلة التي طال تأجيلها تجد طريقها إلى العلن دون وساطة ولا خوف.

لم تمر الأيام التالية بهدوء كما ظن البعض في البداية. كان في المدينة شيء يتحرك تحت السطح شيء لم يعد يقبل العودة إلى الصمت القديم. ففي الساحة نفسها التي شهدت الإهانة الأولى والتي اعتاد الناس المرور بها دون أن يرفعوا رؤوسهم نصب ميكروفون مفتوح بعد أيام قليلة. لم يكن المشهد رسميا هذه المرة ولا منصة خطابات معدة سلفا ولا كلمات منمقة

 


صيغت بعناية لتقال ثم تنسى بل مساحة اعتراف جماعي وجرأة متأخرة ومواجهة لم يكن أحد متأكدا من قدرته على تحملها.

تقدم أناس عاديون رجالا ونساء لا يحملون ألقابا ولا مناصب بعضهم يتكلم للمرة الأولى أمام جمع وقد ارتجفت أصواتهم كما ترتجف اليد حين تمسك شيئا ثقيلا بعد طول إهمال وبعضهم ظل صامتا لسنوات طويلة حتى كاد ينسى صوته وكأن الكلمات نامت في داخله انتظارا لهذه اللحظة. وقفوا واحدا تلو الآخر وتكشفت حكايات لم ترو من قبل.

رووا قصصا عن إهانات صامتة عاشوها في زوايا المدينة عن مواقف صغروا فيها أمام أنفسهم لأنهم خافوا وعن لحظات آثروا فيها الصمت ظنا أنه نجاة فإذا به يتحول مع الوقت إلى عبء أثقل من المواجهة نفسها. تحدثوا عن نظرات مهينة وعن كلمات جارحة قيلت بلا اكتراث وعن شعور قديم بالعجز تراكم حتى صار جزءا من الحياة اليومية.

كانت الكلمات تخرج مترددة أحيانا متكسرة وغاضبة أحيانا أخرى حادة كأنها تحاول تعويض سنوات من الكبت لكنها في كل مرة كانت صادقة غير قابلة للاسترجاع وكأن من نطق بها يعرف أن هذه اللحظة إن ضاعت لن تعود.

ومع كل شهادة تقال كانت طبقة جديدة من الفهم تضاف إلى المشهد كأن ستارا ثقيلا يرفع ببطء عن وجه المدينة. اتضح للجميع شيئا فشيئا أن ما حدث لم يكن حادثة منفصلة

ولا زلة فردية عابرة يمكن طيها بقرار إداري أو اعتذار متأخر بل كان عرضا لمرض أعمق ترسخ عبر الزمن مرض اسمه الاعتياد على إهانة الآخر والتعامل مع السلطة بوصفها امتيازا لا يسأل عنه ولا يراجع وكأنها ملك خاص لا مسؤولية عامة.

ومع كل كلمة تقال كانت المدينة تواجه نفسها للمرة الأولى منذ زمن طويل دون أقنعة تخفي القبح ودون أعذار جاهزة تبرر الصمت. كانت الوجوه في الساحة تتبدل بعض العيون تطرق خجلا وكأنها ترى ماضيها منعكسا في كلمات الغرباء وأخرى تحدق في الفراغ كأنها تستعيد لحظات مشابهة مرت عليها ولم تجد يوما شجاعة الاعتراف بها. كان الاعتراف ينتقل من فرد إلى آخر حتى صار صدى جماعيا لا يمكن تجاهله.

استمعت ألينه إلى كل ذلك بصمت كامل صمت لم يكن حيادا ولا انسحابا بل إنصاتا واعيا ومسؤولا. لم تقاطع أحدا ولم تظهر انتصارا ولم تبحث عن لحظة مجد شخصية تضاف إلى سيرتها أو ترفع بها صورتها. كانت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن القضية لم تكن تتعلق بالماء وحده ولا بشخص واحد بل بمدينة كاملة تجبر أخيرا على أن تعيد تعلم معنى الاحترام وحدود السلطة وثمن الصمت حين يطول أكثر مما ينبغي.

كانت تعرف أن العدالة الحقيقية لا تقاس فقط بالأحكام والقرارات بل بما توقظه في النفوس وبما تزرعه من وعي جديد وبما

تتركه من أثر باق في الذاكرة الجماعية. وأن ما حدث مهما بدا مؤلما وقاسيا فتح بابا لم يكن من السهل فتحه من قبل بابا سيصعب إغلاقه بعد الآن.

وفي تلك الليلة حين عادت إلى منزلها وأغلقت نافذة الغرفة بهدوء وقفت لحظة أطول من المعتاد تنظر إلى الشارع الهادئ تحت ضوء المصابيح الخافت. كانت السيارات القليلة تمر ببطء كأنها تخشى أن تزعج السكون والأرصفة ساكنة لا يعبرها سوى ظلال متقطعة. غير أن ذلك السكون لم يكن فراغا ولا خواء بل كان أشبه بما يأتي بعد عاصفة طويلة أنهكت الجميع عاصفة لم تحطم الجدران لكنها غيرت ملامح المكان في العمق دون أن يلحظها أحد فورا.

شعرت للمرة الأولى منذ أيام بأن الهواء أخف وأن أنفاسها تعود إلى إيقاعها الطبيعي. كان الإحساس غريبا كأن المدينة نفسها تفتح صدرها وتجرب أن تتنفس من جديد ببطء بحذر ولكن بصدق لم تعتده منذ زمن. أدركت أن الهدوء الذي يملأ المكان ليس نهاية بل بداية هشة تحتاج إلى وعي طويل حتى تستقر.

تقدمت خطوة إلى الوراء وأسندت ظهرها إلى الجدار وأطلقت زفيرا طويلا لم تكن تعلم أنها تحبسه منذ ذلك الصباح البعيد في الساحة. مرت الصور في ذهنها متداخلة الوجوه الأصوات الصمت الثقيل والاعترافات التي خرجت أخيرا إلى الضوء. أحست بثقل يغادر صدرها لا لأنه زال

تماما بل لأنه لم يعد حبيسا داخلها وحدها.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة هادئة صادقة. لم تكن ابتسامة نصر شخصي ولا شماتة ولا تعويضا عن إهانة بل ابتسامة من يفهم أن ما جرى أكبر من فرد وأعمق من واقعة. ابتسامة من يعرف أنه لم يهدم جدارا كاملا لكنه أحدث فيه شرخا حقيقيا شرخا أجبر الضوء على الدخول.

كان ذلك الشرخ صغيرا في الظاهر قد لا يراه من يمر سريعا لكنه كان عميقا في المعنى ممتدا في الوعي. شرخا لا يغلق بالإسمنت ولا يرمم بالصمت ولا يخفى بالإنكار لأن ما انكشف أمام الضوء لا يعود إلى الظل مرة أخرى ولأن الحقائق حين تقال بصدق تترك أثرا لا يمحوه الزمن بسهولة.

كانت تدرك في تلك اللحظة الصامتة أن المدن تشبه البشر أكثر مما نعتقد تخاف تصمت تتأقلم ثم تأتي لحظة تضطر فيها إلى مواجهة نفسها. وحين تفعل ذلك بصدق مهما كان مؤلما فإنها لا تعود كما كانت أبدا. قد تتعثر وقد تتباطأ لكنها تبدأ أخيرا في السير في اتجاه مختلف اتجاه لا يسمح بعودة الجدران القديمة إلى صلابتها الزائفة.

أطفأت الضوء وتركت الغرفة تغرق في عتمة هادئة وهي تعلم أن الصباح القادم لن يكون عاديا لا لها ولا للمدينة. فبعض الشرخات حين تبدأ لا تعلن نهايتها بل تفتح طريقا جديدا طريقا لا يرى فورا لكنه يحس في كل نفس يؤخذ بعد ذلك.

 

تعليقات

close