رواية ابن رستم الفصل الثالث وعشرون والرابع وعشرون بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية ابن رستم الفصل الثالث وعشرون والرابع وعشرون بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات
~إِبنّ رُسـتُم~
"الفصل الثالث والرابع والعشرين"
كان جليًا على تعابيرها الإعجاب الشديد بالمركز وتصاميمه الجذابة.. راقبت الجميع بنظرات متفحصة وهي تدخل بمكان گهذا لأول مرة، ثم قالت بخفوت :
- متأكدة لون الشعر اللي انا عايزاه هيليق عليا ياتمارا؟
- أكيد، انتي بشرتك بيضا واللون ده هيبقى wow عليكي
ثم أشارت "تمارا" لهذا الشاب الرفيع الذي يقف بعيد و :
- چيمي أحسن واحد هنا يعمل صبغة للشعر، هتحسي إن شعرك لونه Natural أوي "طبيعي"
وإذ بـ "هايدي" تدخل بـ طلتها الأنيقة گالعادة ونظارة الشمس الوردية تغطي عيناها، نزعت النظارة بعد أن رأتهم ثم رمقتهم بـ احتقار و مرت من أمامهم وهي تردف :
- ريما، دخليني أوضة لوحدي عشان مش طايقة أشوف الأشكال دي.. السنتر عندكم لمّ كل الوبش!
كادت "تمارا" تتحرك بهجوم لولا تدخل "أثير" و :
- متعبريهاش دي قاصدة تستفزنا
صحبتها الفتاه للداخل بينما ابتسمت "تمارا" وهي تتذكر كيف أتتها الفكرة لاصطحاب "أثير" إلى هنا وخاصة إنهم في نهاية الأسبوع، أي الموعد الذي دائمًا ما تذهب فيه "هايدي" لمركز التجميل.
اقتربت منهم الموظفة و :
- نورتي المكان ياتمارا ، اتفضلوا ارتاحوا
جلسن على الأرائك المريحة حيث أن المكان مزدحم، بينما بادرت "تمارا" :
- دي أثير خطيبة أخويا
ارتفع حاجبيها مذهولة و :
- هو كابتن ظافر خطب بعد آ.....
حدقت فيها "تمارا" لتقطع صوتها، بينما كانت "أثير" تشعر بسخونة جسدها وتوهج بشرتها من فرط الحرج الذي اعتراها.. ومن ثم حاولت الأخرى أن تغطي على موقفها و :
- نورتي المكان ياحببتي، قولولي عايزين تعملوا إيه بالظبط؟
- أثير هتغير اللوك بتاع شعرها وعايزين چيمي هو اللي يعمله ليها بنفسه
ذمت شفتيها متصنعة الضيق و :
- چيمي دلوقتي معاه زبونة ولسه بدري عقبال ما يخلص معاها، ممكن أشوفلها أي حد تاني
فـ اعترضت "تمارا" وقد بدت لهجتها حادة وهي تقول :
- لأ مش عايزة حد تاني، دي مش أول مرة نتعامل مع بعض ياريما ياريت مضايقنيش.. چيمي كان فاضي وواقف هنا من شوية
وأشارت أقصى اليسار.. فـ أومأت برأسها متفهمة و :
- ماشي، هنحل الموضوع متقلقيش
استمعت "تمارا" لصوت رنين هاتفها، فـ نهضت عن جلستها و :
- هرد وارجعلك ياأثير
- ماشي
ابتعدت "تمارا" قليلًا ووقفت في مقدمة الدرج حيث يمكنك رؤية من يدلف للداخل.. وقبل أن تجيب على هاتفها كانت قد رأت "ظافر" وهو يصعد الدرج متعجلًا.. شهقت بفزع وتراجعت للخلف وهي تردد :
- يانهار ملون
اختفت وراء العمود وهي تتنفس بتسارع و :
- بيراقبنا!! ده لو شافني هنا هينفخني عشان كذبت عليه!
مرّ أمامها ودخل.. فـ سحبت نفسها نحو الدرج وهبطت متعجلة و :
- سامحيني ياأثير ياحببتي، مش هلحق انقذك.. ده انا يدوب أخلع من هنا
وأسرعت بالخروج من هنا قبل أن يراها "ظافر" فـ ينقلب عليها من جديد..
في اللحظة التي كانت فيها "أثير" تتطلع بتحمس للألوان المغرية للشعر في هذا المجلد الضخم كي تنتقي درجة اللون التي تريدها.. شعرت بـ ظل ما أمامها، فـ رفعت بصرها على حين غرة لتنصدم به يرمقها بنظرات تكاد تلتهمها.. على الفور تركت المجلد ونظرت حولها بتوجس خشية أن يقوم بفعله مهينة لها گعادته وكأنها تبحث عن "تمارا" إينذاك.. وقفت عن جلستها بتردد و :
- ظـافر!
فسأل بهدوء مريب :
- زعيمة العصابة اللي كانت معاكي فين؟
نظرت حولها بحثًا عنها و :
- آ.. راحت ترد على التليفون
وهنا أستمع لصوتها المميز وهي تصيح :
- يعني إيه چيمي مش فاضي ياريما!! أنا ميهمنيش أي حد تاني طالما أنا جيت يبقى خلصت
لم يلتفت "ظافر" ليراها حتى، وإنما سأل :
- انتي جاية تعملي حاجه في شعرك؟
- آه
أومأ بتفهم والتفت وهو يردف :
- يلا عشان خارجين من هنا
- بس آ...
- قولت يلا هنمشي، وتمارا هانم تبقى تحصلنا
انصاعت لرغبته وسارت في المقدمة، ولكن استوقفتها "ريما" و :
- أنسه أثير رايحة فين؟ أنا كنت جاية اتكلم معاكي
تفهمت "أثير" على الفور و :
- مفيش داعي تقدري تنفذي اللي هي عايزاه، أنا ماشية
نظرت "ريما" نحو "ظافر" الذي كان خلفها تمامًا، فـ قال هو :
- بعدين ياريما، هتجيلك بعدين.. الدنيا زحمة أوي النهاردة
ثم أشار لها لتسبقه.. من حسن الحظ إنه لم يحدث بينهم أي احتكاك، فقد أتى "ظافر" في الوقت المناسب تمامًا، حتى لم يوليها الفرصة لتراه.
خرج مصطحبًا إياها وهو في قمة غضبه، يدفنه داخله گالعادة ولكنه سيطفو في أي حال.
............................................................................
خرج الطبيب من غرفة الكشف وجلس على مكتبه وهو يردف :
- مدام چيهان هتحتاج تتابع مع طبيب نفسي، الإغماءة اللي حصلت لها نتيجة ضغوط متراكمة مفيش أي شكوى عضوية، لكن نفسيًا أنا شايفها مدمرة ولازم حد متخصص يتابعها
كانت عينا "زينب" مدمعة وهي ترى مصاب ابنتها الكبرى، حيث سقطت مغشيًا عليها عاجزة عن تحمل المزيد من الصدمات.. وأمام ابنها الصغير الذي انفطر قلبه من البكاء لحال والدته المتدهور.. بينما كان "رستم" يُظهر بئسًا مزيفًا رغم أن داخله نيران مُسعّرة.. أطرق رأسه بحزن و :
- يعني هتحتاج تكون في مستشفى ولا ينفع جلسات متتالية في البيت؟
- الموضوع مش كبير أوي لدرجة إنها تتحجز في مستشفى، لكن برضو لازم تغير جو.. في مصحة بتاعت دكتور ممتاز أوي أنا هقولك مكانها، تقدر تروح وتدخل وتخرج براحتها، تعتبر مكان يُلجأ إليه لتغيير الحالة النفسية يعني مش مصحة بالمعنى الحرفي.. كأنه فندق وهتقعد فيه يوم ولا يومين
- أعمل اللازم يادكتور وانا معاك
بدأ الطبيب يكتب على ورقة بيضاء :
- هكتبلك العنوان ورقم تليفون دكتور ضياء بنفسه عشان تتواصل معاه، وإن شاء الله خير
............................................................................
كانت نوافذ السيارة مغلقة حيث كان مُكيف الهواء يعمل.. بينما انخرط "ظافر" في التدخين كي يودّع هذا الكمّ الهائل من الغضب بداخله.. لم تتحدث "أثير" بكلمة واحدة وهي ترى تعابير وجهه المخيفة تلك، ولكنها بدأت تشعر بالإختناق وضاق صدرها عليها.. حاولت فتح النافذة ولكنه أردف بـ حزم :
- التكييف شغال
تراجعت عن ذلك وتسائلت بفضول :
- انت مضايق مني ليه؟ أنا معملتش حاجه!
فـ نظر نحوها و :
- ١٠٠ مرة أقولك أبعدي عن تمارا، مصممة تعاندي فيا وخلاص
- أنا مش بعاندك، بس دلوقتي الوضع اختلف وتمارا بقت صحبتي
- أنا مش عايز الصحوبية دي ، أصلًا كل واحد هيروح لحاله قريب ومش مستاهله تكونوا علاقات!
اقشعر بدنها وكأن هواء المكيف قد أثر عليها بشكل ملحوظ بجانب حالة تنفسها التي تسوء، وبتخوف من أجابته سألت :
- تقصد إيه؟
فـ تهرب منها گالعادة :
- مقصدش ، قفلي على الموضوع
وعاد يُشعل سيجارة أخرى وقد تضايق أكثر.. نظرت "أثير" نحو النافذة ومنعت نفسها من البكاء بقوة ضعيفة.. حاولت أن تسيطر على حالة الإختناق التي تمكنت منها كي لا تثير شفقته، ولكن سعالها بدأ يظهر فجأة ولم تستطع إيقافه.. سعلت بقوة وبدون توقف وقد اغرورقت عيناها بالدموع، انحشرت أنفاسها وكادت تتلفظ بـ آخرها.. أوقف" ظافر" سيارته بذعر وهو ينظر إليها وإلى حالتها تلك وقد تلون وجهها بالحُمرة القاتمة :
- أثيـر ، انتي كويسة ؟؟
كانت تصارع لتلتقط أنفاسها بين دخان النيكوتين المحترق الذي عبأ السيارة.. وأشارت للنافذة وهي عاجزة للغاية.. فـ أسرع يفتحه لها و :
- آ.. أعمل إيه!! أ.. في علاج بتاخديه معاكي!
ساءت حالتها وقد بدأت غيمة تغطي عيناها.. وكأنها ستموت حتمًا ، فرّت الدماء من عروقه وهو يهزها ويصيح :
- طب قولي أعمل إيـه!! أثير.. كلميني طيب!؟
كان أحد الماريّن بالجوار رجلًا تجاوز الأربعين من عمره.. توقف لدى صوته ونظر إليهم وهو يردف :
- في حاجه يابني؟
فـ أوفض قائلًا :
- مش عارف!! فجأة كانت بتكح جامد ومش عارفه تتنفس آ.. أعمل إيه؟؟
- في مستشفى آخر الشارع يمين وديها بسرعة
لم ينتظر "ظافر" ثانية واحدة، حيث قاد السيارة بسرعة وهو يمسك برسغها يستشعر نبضاتها الضعيفة التي كانت تضعف وتضعف.. وقد بدأ يتصبب عرقًا غزيرًا وهو ينظر لها تارة وللطريق تارة :
- يارب، يارب استرها أنا مش قد الذنب ده!!
.........................................................................
يكره الإنتظار.. إنه ممل كثيرًا وأحيانًا مؤلم أيضًا.
وضعت لها الممرضة جهاز التنفس الصناعي وحقنتها كما أمر الطبيب، وطالبوه أثناء ذلك بأن يكون في الخارج قليلًا.
نظر في ساعة يده للمرة السابعة على التوالي، ثم نفخ بانزعاج و :
- محدش خرج يقول أي حاجه حتى؟!
خرج المسؤول عن قسم الطوارئ باحثًا عنه حتى وجده، فـ تقدم منه و :
- حضرتك اللي مع الأنسه اللي جوه؟
- آه، هي مالها؟
- الآنسه عندها حساسية على الصدر ومن الدرجة الحساسة جدًا، ممنوع الدخان ممنوع المواد العطرية اللي نسبة الكحول فيها عالية ممنوع تشم عوادم ممنوع تتواجد في بيئة صناعية.. كل ده ممنوع عنها، حضرتك بتدخن؟
وهنا أدرك "ظافر" إنه كاد يتسبب في كارثة بدون شعور منه.. لقد كان السبب في الحالة التي وصلت إليها ولم يترك لها حتى بصيص من الهواء عندما أرادت فتح النافذة.. أحس بالندم الشديد يتآكله وامتعض وجهه وهو يردف :
- أيوة
- ممنوع حتى تدخن جنبها
أومأ برأسه متفهمًا و :
- طب ممكن أدخل اشوفها
- ممكن، هي ارتاحت شوية وياريت لو ترتاح في البيت كمان
- مفهوم
انصرف.. فـ دخل على الفور، وجدها بالفعل استعدت للمغادرة.. نظر إليها بضيق و :
- أنا آسف مكنتش أعرف آ.....
فصاحت به فجأة وكأنها تنفث عن هذا الغضب الذي اعتراها :
- انت على طول متعرفش وعلى طول متقصدش، انت الملاك دايمًا
ومرت من جواره.. فـ لحق بها و :
- أستني رايحة فين، أنا هوصلك
فقالت بـ حزم تملك من نبرتها ونظراتها :
- لأ، مش محتاجة شفقتك عليا.. أنا طلبت عربية وواقفة مستنياني برا
وهمّت بالخروج.. فـ تعقب أثرها، استقلت سيارة "أوبر" فـ استقل هو سيارته ليتبعها بدون أن يفرض تواجده عليها.. وعندما رأى علبة سجائره اللعينة تلك.. أطبق عليها بأصابعه حتى أفسدها وقذف بها من النافذة وهو يطلق سبّة، ثم قاد سيارته من خلفها.
.............................................................................
كانت هذه هي المرة الأولى التي يتطلع فيها بتمعن لمنطقتها السكنية البسيطة.. لاحظ تواجد عدد من الورش الصناعية ما بين الحدادة والنجارة وأيضًا دكاكين رشّ الأثاث.. وهذا ما نوه الطبيب لخطورته.
نظر إليها وهي تترجل من السيارة ثم نظرت خلفها لتجده بداخل سيارته.. كانت ملامحها مشتطة للغاية، ولكنها تجاهلته وصعدت لبيتها وهي تغمغم بكلمات مبهمة.. فتحت الصغيرة "تيّا" الباب و :
- جيتي بدري ليه ياأثير؟
لم تجيبها ودلفت لغرفتها.. نزعت عنها ثيابها العلوية وهي تنفخ بـ انزعاج، هل يُكفر عن ذنبه حيالها والذي كاد يودي بحياتها؟ أم ماذا؟.
طرق "ظافر" الباب لتفتح "تيّا" من جديد.. ابتسمت بتحمس في وجهه و :
- بتاع الصورة! ؟
فـ سخر" ظافر" قائلًا :
- هي الصورة دي اللي ودتني في داهية!.. فين أثير؟
- جوه، أناديها ؟
فـ أنحنى يداعب أنفها و :
- ياريت
ركضت الصغيرة للداخل بينما كان "ظافر" يخرج هاتفه الذي يهتز بجيبه ليرى أسم والده على الشاشة.. أجاب على الإتصال و :
- أيوة يابابا
تشنجت "أثير" بعدما علمت إنه صعد إليها أيضـًا.. وشعرت بوجوب وضع حدّ لهذه المهزلة التي تحدث.. فلم تتردد في القول :
- أنا هخلصه من كل الهم ده، مش هكون طوق على رقبته بعد النهاردة
نزعت خاتم الخِطبة الذي لم تهنأ به بعد وراحت تخرج من غرفتها وهي تعلم إلى أين وجهتها وماذا ستفعل بعد ذلك لـ استرداد كرامتها على الأقل...
...................................................................
.............................................
~إِبنّ رُسـتُم~
(الفصل الرابع والعشرين)
أوفض "ظافر" مغادرًا منزلها عقب مكالمة والده والتي أفاض فيها بالحالة التي وصلت إليها شقيقته وضرورة ذهابه إليهم..
في الوقت الذي كانت فيه "أثير" تخرج إليه مسيطرًا عليها الغضب وقد قررت قرارًا طائشًا مغلف بالإستسلام بعد ما لاقته اليوم من موقف لم تتعرض إليه مُسبقًا.. ولكنها تفاجئت بعدم وجوده..
نظرت حولها فلم يكن له أثرًا.. فـ تحركت نحو النافذة لترى سيارته هل ما زالت بالجوار أم لا، فـ لمحته وهو يستقر بداخلها متعجلًا وقادها منصرفًا.. فـ ابتعدت عن النافذة وعادت تنظر للخاتم الذي بين يدها، تأملتها.. وأحست بإنها كادت تخطئ خطئًا فادحًا بـ إعطاءه هذه الفرصة، سرعان ما عاودت إرتداءه.
والتفتت لتجد والدتها أيضًا تبحث :
- تيا قالتلي إن ظافر عندنا! هو فين؟
فـ أجابت "أثير" بـ عشوائية :
- افتكر مشوار مهم ونزل
فـ دنت منها "سمية" و سألت :
- مش عايزة تقوليلي حاجه ياأثير ؟
بدا توترها المصحوب ببعض الإرهاق الذي تجلّى على وجهها وهي تجيب :
- حاجه إيه ياماما ؟
- مش عارفه، حاسه إن في حاجه مش طبيعية.. حتى خطيبك حساه متردد في موضوع الجواز ده!
- لأ خالص، هو إنسان كتوم شوية ومش بياخد على الناس بسرعة يمكن عشان كده حسيتي الإحساس ده.. أنا هدخل أنام شوية
ودخلت..
لم تقتنع "سمية" بتلك الذريعة التي لفقتها ابنتها، بل إنها تأكدت بوجود شئ ما في هذا الأمر.
ستبحث بنفسها في الأمر إن تطلب ذلك، فـ لن تتحمل شرخ قلبها أو تألمها.
..............................................................................
مسح "رستم" على ظهر كفها البارد ورمقها بحزن وهو يردف بـ :
- طب قولي أي حاجه يابنتي، اللي بتعمليه في نفسك ده ميرضيش حد
كانت تنظر للفراغ وكأنها في عالم آخر، بينما حاول "رستم" مجددًا أن يجعلها تسترسل في الحديث :
- قولي انتي عايزه إيه وانا اعمله ليكي، لو عايزاني أجيبه راكع لحد هنا والله لـ اجيبه.. بس قولي
تنهدت "زينب" بحزن و :
- يابنتي يغور هو واللي زيه في ستين داهيه، ليه عامله في نفسك كده ياچيهان ده ميستاهلش.. منه لله ربنا ينتقم منه يارب
طرق "ظافر" على الباب قبل أن يدخل،. وتسائل متلهفًا :
- إيه اللي حصل!
واقترب منها، فـ أردف "رستم" بـ :
- الحيوان بعتلها ورقة طلاق على إيد محضر، ده انا هخليه يمشي يكلم نفسه في الشوارع بس يصبر عليا!
جلس "ظافر" قبالتها وهو يردف بـ اعتراض :
- يعني مش كفايه إنها كانت هتتنازل عن كل حاجه! كمان هو اللي بيبجح!!
- مفيش تنازل، مش هو فاكر نفسه فتك أوي.. يبقى يشرب بقى من اللي هيشوفه
احتوى "ظافر" وجه شقيقته بين يديه و :
- چيچي، انتي كويسة ؟
لم تجيبه هو الآخر.. فقط نظرت له بعيناها المدمعة نظرات عاجزة متألمة، فـ ذمّ "ظافر" على شفتيه بـ أسف و :
- الحياة مش بتقف على حد ياچيهان، خصوصًا لو الحد ده بيّاع
أطبقت جفونها وأشاحت بوجهها بعيدًا، لم يفهم أيًّا منهم أن مصابها ليس الحبيب الذي فقدته فقط.. مصابها نفسها التي تهاونت وكرامتها التي تبعثرت گـ حبات الغبار، مصابها الأكبر إنها وضعته موضع لم يكن يستحقه.. هي أذنبت في حق نفسها التي كانت ستفرط فيها من أجله فقط.
..............................................................................
فتح "مروان" باب الشُقة بعد العديد من الطرقات وقد كان أغلب أهل البيت مشغولون بـ "چيهان".. فوجد "تمارا" أمامه مباشرة، رمقته بـ استغراب و :
- انت بتعمل إيه هنا؟
- جيت أوصل عمي رستم وچيهان وطنط زينب
قطبت جبينها ودخلت وهي تتسائل :
- توصلهم فين!
فـ أردف بـ استخفاف :
- صحيح ماانتي مش عايشة هنا، أختك اتنقلت للمستشفى عشان أغمى عليها
أسرعت تدخل لغرفتها كي تطمئن عليها، فـ كان الجميع بجوارها.. دخلت بـ اتجاهها مباشرة وهي تقول بصوت مرتفع :
- چيچي! إيه اللي حصل؟
ورفعت رأسها لتنصدم برؤية "ظافر" وهو يؤمقها بنظرات محتدمة هكذا.. فـ أشاحت بصرها عنه على الفور وكأنها لا تدري ما حدث، بينما كانت "زينب" تجيب بـ :
- وقعت فجأة ونقلناها المستشفى، منه لله اللي كان السبب
نهض "ظافر" و :
- تعالي معايا ياتمارا
وخرج مستبقًا إياها فـ تبعته..
بينما استطردت "زينب" بأسف :
- أجل موضوع تمارا ياحج، لحد ما چيهان تقوم بالسلامة و....
- مفيش حاجه هتتأجل
قالتها "چيهان" بثبات.. كانت أول عبارة تخرج من فمها بعد ما أصابها، ثم تابعت بجدية :
- خطوبة تمارا هتتعمل في معادها وفرح ظافر هيتعمل في معاده.. أنا كويسة
فـ أردف "رستم " ببعض الحبور بعد أن تفوهت بالكلام أخيرًا :
- اللي يريحك ياحببتي، زي ما تحبي
وقفت "تمارا" مطرقة رأسها بقلق من رد فعله، خاصة وإنه أطال النظر إليها بدون أن يتحدث.. فلم يتحمل "مروان" الصبر وسأله :
- حصل إيه ياظافر فهمني
فسألها "ظافر" :
- سيبتي أثير في الكوافير واختفيتي فين؟
- كان معايا تليفون رجعت ملقتهاش، ريما قالتلي إنك جيت خدتها
زفر "مروان" وهو يبتعد، إنه طيشها المعتاد.. رغمًا عنه ضحك، فأثار استفزاز "ظافر" أكثر و :
- بتضحك!
- بصراحة مش قادر امنع نفسي، حاسس إن تمارا مصيبة متنقلة على الأرض
فـ خرجت "تمارا" عن هدوئها وصاحت فيه :
- حيلك حيلك، مين دي اللي مصيبة!
خرج "رستم" من غرفة "چيهان" فقطع جميعهم الكلام، حيث اقترب منهم وأردف بوجهٍ ممتعض :
- تعالى يامروان، عايزك في موضوع
- اتفضل ياعمي
غمز لها وهو يمر من جوارها، فـ أشاحت بوجهها وهي تغمغم :
- مستر مستفز
...........................................................................
گأن السماء مغيمة قليلًا رغم الجو البديع..
ولكنها لم تشعر بـ طيب الأجواء.. فـ روحها محملة بالكثير من العواصف ذات الرائحة الخبيثة.
كانت "جيهان" تقف في حديقة المصحة النفسية التي ذهبت إليها للقاء الطبيب النفسي.. تنتظر شقيقها أن يحضر إليها بعدما يتحدث مع الطبيب، كانت تنظر حولها.. جميع المتواجدين في الحديقة يظهر عليهم ملامح الإعياء النفسي.. حتى إن الإكتئاب يتجلّى على وجوههم مثلها.
التفتت وهي تسحب شهيقًا لصدرها، وكأنه لا يتسع الهواء حتى.. حتى رأت هذا المشهد الذي استوقفها..
كانت فتاة عشرينية تجلس على مقعد متحرك، يبدو على يداها اليسرى إنها مُصابة بالشلل.. كانت والدتها تحاول أن تعاونها للنهوض عن المقعد لكنها رفضت بشدة، وانفعلت وهي ترجوها أن تتركها تحاول بنفسها.. جاهدت بشدة كي تنهض، فـ وقعت على الأرضية، ورفضت ثانية أن تساعدها والدتها.. أصرّت أن تفعلها بنفسها.. زحفت بذراع واحد على الأرضية واستندت على المقعد.. كافحت وكافحت ، حتى وقفت على ساقها لحظة واحدة وعادت ترتمي على المقعد.. ضحكت.. ضحكت بقوة وأدمعت عيناها، لقد نجحت بالفعل في أن تفعلها، نعم سقطت.. تألمت.. كابدت العناء.. ولكنها فعلت في النهاية.
ليست كُل سقطاتك هي النهاية ، قد تكون بداية لموسم جديد، فـ موسم الربيع لا يأتي بعد شتاء قاسي وبارد هباءًا.. إنما هي البداية الرائعة التي سـ تُزهرّ روحك.
انحنت عليها والدتها وقبّلت رأسها.. وعدتها أن تتركها تواجه بمفردها حتى تتمكن من عبور الصعاب.. وهنا أدركت "چيهان" إنها لم ترى هذا المشهد بـ محض الصدفة أبدًا.
لم تنتبه لـ "ظافر" الذي نادى بأسمها تكرارًا، حتى وقف أمامها مباشرة و :
- چيچي، بكلمك
- أيوة
ربت على ذراعها و :
- دكتور ضياء مستنينا جوا
فـ هزت رأسها بالرفض و :
- مش عايزة
ضاقت عيناه بعدم فهم و :
- يعني إيه ؟
فقالت بإصرار وكأنه يرى إنسانة أخرى أمامه غير تلك الشاردة الحزينة التي تركها منذ قليل :
- يعني مش محتاجة ، أنا لقيت الجزء اللي كان ضايع مني خلاص.. ولازم أروح لولادي، رجعني البيت ياظافر
واستبقته نحو الرواق المؤدي للمخرج، مؤمنة بإنها ستفعل الشئ الصحيح في حياتها.. ولن تتخلى عن نفسها أبدًا.
..............................................................................
كان "علي" قد أنهى إرتداء ملابسه صباحًا مستعد للذهاب إلى عمله، دخلت زوجته الجديدة "يمنى" وهي تحمل فنجان من الشاي المخمر و :
- عملتلك شاي يابيبي
التفت وتناوله منها وهو يبتسم و :
- تسلم إيدك ياحببتي
تركه جانبًا ليغلق أزرار قميصه.. فـ راحت تُطوق عنقه وأقتربت منه بشدة وهي تقول :
- عايزة اطلب منك حاجه
فـ ابتسم وهو يميل عليها ليطبع قُبلة على وجنتها و :
- انتي تؤمري مش تطلبي بس
- هنزل اعمل shopping بعد الضهر
- انزلي بس ارجعي بدري
فـ قبّلت شفاهه بشكل مغري و :
- اتفقنا
حمحم "علي" و :
- في شغل هيروح في داهيه لو غيبت النهاردة كمان
فـ ضحكت بميوعة حينما كان الجرس يرّن.. فـ ابتعد قليلًا و :
- هروح اشوف مين على الباب
وخرج.. فتح الباب، فـ صُدم رؤية "رستم" أمامه.. أحس بالتوتر يعتريه، بينما أردف "رستم" :
- مبروك ياعريس، معلش جايلك كده زي القضى المستعجل من غير خبر سابق
دفعه ودخل ومن خلفه "مروان".. نظر لحال شُقة ابنته التي تغيرت كثيرًا.. بينما أغلق "علي" الباب وعاد ليقول :
- خير، مش خلاص ورقة الطلاق وصلتكم؟
- وصلت.. بس انت لسه موصلكش ردي
رمقه "رستم" بنظرات محتقرة و :
- مش انا اللي بنتي يتعمل معاها كده ياعلي، أنا اديتك بنتي أمانة وانت مصونتهاش
- هي اللي بدأت ورفعت خلع عليا، لو طلبت الطلاق بالحسنى كنت هطلق من غير شوشرة
كان "مروان" متماسكًا لئلا يتهور أو يقوم بفعله قد يندم عليها.. وترك لهم الحوار.
حيث تابع "رستم" بنفس النبرة الحازمة :
- لو شايف إنك كده رديت كرامتك تبقى غلطان.. أنت مبقاش حيلتك كرامة
- عمي من فضلك انت في بيتي، يعني مش هسمح بـ....
قاطعه "رستم" بصرامة وقد ارتفع صوته :
- تسمح ولا متسمحش، ده مبقاش بيتك.. ده بيت بنتي وانت هتسيبه النهاردة
حدق فيه "علي" وقبل أن يتفوه بكلمة كان "رستم" يتابع :
- القانون بيدي بنتي الحق تفضل في بيتها هي وعيالها لأنها حاضنة "لديها أولاد".. وكل اللي انت عايش فيه ده بتاعها، لو نسيت القايمة اللي انت ماضي عليها بـ ٣٠٠ ألف جنيه أحب افكرك
فـ تدخل "مروان" على الفور :
- معاك يوم بحاله عشان تسبب البيت، وإلا هنضطر نخرجك بشكل رسمي أكتر مش هيعجبك
ودنى منه ليحذره :
- ولو فكرت تعمل حاجه كده ولا كده في العفش ولا البيت، مش محتاج افكرك إن التمن هيكون غالي
لم يمهله "رستم" الفرصة ، حيث تابع هو الآخر :
- ومتنساش ياعلي، في عليك ١٥٠ ألف جنيه مؤخر لبنتي.. وفيه نفقة سنة غير نفقة الأولاد ومصاريفهم اللي هتحددها المحكمة
كأن فيضان من المصائب انفتح في وجهه ألجمه عن التحدث، ملامح وجهه كانت أكبر انتصار لـ "رستم" الذي تابع مبتسمًا :
- ولسه، لسه ياعلي
ثم أشار "رستم" :
- يلا يامروان، ورانا محامي لازم نروحله
وتركاه هكذا في دوامة تفكيره.. لقد وقع في بئر لم يفكر به أبدًا، لم يتصور أن عائلة گتلك ستطالب بهذه الحقوق التي تبدو بالنسبة لهم بضع قروش.. ولكن الحقيقة إنها جلسة تأديبية له، سينال ما يستحقه، وسيدفع ثمن هذا الخطأ الذي غفل عن نتائجه.
...........................................................................
تقريبًا منذ حضور هذا الضيف إلى منزلهم وهي لا تتركه.. كانت "تيّا" تلهو مع الكلب وقد تشاركا اللعب بالكرة، حينما رنّ جرس الباب فـ أوفضت نحوه ومن خلفها "بيكاتشو"، فتحته لتجد "ظافر" أمامها.. فـ تمسكت بساقه و :
- ظافر، تعالى ألعب معانا
دخل "ظافر" وهو ينظر للكلب وهمس :
- ما شاء الله بقيتوا أصحاب، وانا اللي كنت جايبه عشان يكون فخ!
أنحنى يسمح على فراءه و :
- لن أنسى لك هذا الموقف يابيكاتشو
فـ ارتفع حاجبيها وتسائلت مذهولة :
- انت تعرف أسمه منين؟
فـ ضحك "ظافر" و :
- ده انا اللي مربيه
ثم نظر حوله بحثًا عنها و :
- فين أختك؟
- بتستحمى
نهض "ظافر" وجلس على الأريكة و :
- طب ماما فين؟
- في المطبخ
اقتربت منه وتأملت وجهه، فسألها بتعجب :
- بتشبهي عليا ولا إيه؟
فـ أفاضت بـ :
- لأ، أصل في الصورة كان عندك شعر هنا
وأشارت نحو ذقنه، فـ زفر "ظافر" و :
- شوفتي الصورة اللي محيراكي دي فين ياتيا؟
فأجابت بتحمس وهي تصفق بيدها :
- في دولاب أثير
توقف عقله لحظات.. وشرد وهو ينظر إليها، وسرعان ما تكونت رغبة جامحة في عقله لرؤيتها :
- طب إيه رأيك نتفق اتفاق، تخليني أشوف الصورة.. وأنا هجيبلك حاجه حلوة هتعجبك أوي
نظرت "تيا" نحو المطبخ و :
- موافقة
سحبته نحو غرفة شقيقتها وسار هو معها بهدوء دون جلبة.. أدخلته غرفة "أثير" وفتحت زر الأنارة، فـ تمكن من رؤية غرفتها الرقيقة البسيطة.. فتحت دلفة الخزانة و :
- أهيه
خطى "ظافر" نحو الخزانة ونظر بداخلها، كانت الصورة ملصقة في المقابل.. تعمق النظر إليها وهو مندهش من ذلك، لماذا وضعت تلك الصورة التي التُقطت سهوًا أو بالصدفة في مكان گهذا؟ ولماذا طبعتها من الأساس.. ذاك المغزى الصريح الذي يختفي وراء فعلتها يرفض تصديقه، إن صدق سيتغير كل شئ.. ستنقلب الأمور رأسًا على عقب.
أطال النظر فيها، نظرتها له لا تبدو وكأنها صُدفة أبدًا ، كأنها تُحب فيه بعيناها، أو تحفظ وجهه وتعدّ كم فيه من خطوط.
دخلت "أثير" غرفتها مرتدية بيجامة صفراء اللون وعلى شعرها منشفة تجفف بها شعرها.. وما أن رأته في الغرفة شهقت بفزع و :
- ظـافـر!!....
..........................................................
.................................................................................
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق