القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت خطيبة ابني  كامله 



خطيبة ابني 


أحـضر ابنـي خطيـبته الأجنـبية لتتعـرف علـي لأول مـرة كـانت تتحـدث العـربية بلبـاقة واضـحة، لكن عندما انتقلت إلى لغتها الأصلية مع والديها، قالت بوضوح لا يقبل التأويل:

هو مثالي، سأتزوجه للحصول على الإقامة، وبعدها أتركه وأمضي خلف الميراث..

ابتسمت طوال العشاء كأم مهذبة تعرف أصول الضيافة. وعندما وقفوا للمغادرة، قلت بلغتها بطلاقة هادئة:

سعدت كثيرًا بلقائكم جميعًا. وأظن أن الجهات المختصة ستكون سعيدة بالاطلاع على هذا التعارف أيضًا؛ لأن المرأة أحيانًا تتعلم كيف تُبقي وجهها هادئًا، قبل أن تتعلم كيف ترفع صوتها بسنوات طويلة….اسمي نوال عبد الرحيم. أبلغ من العمر 64 عاما، أرملة، وأعيش في أحد أحياء القاهرة الهادئة منذ ما يكفي لأعرف أي الجيران يلوحون بدافع العادة، وأيهم يلوح لأنهم على وشك طلب خدمة.

في تلك الليلة الخريفية كان الجو نادر الصفاء، أول نسمة باردة حقيقية في الموسم، من النوع الذي يجعلك تطفئ المروحة وتفتح الشرفات، ويجعل الحي كله يشبه ذكرى قديمة لا تعرف لماذا تؤلمك..وصل محمود في موعده تمامًا، عائدًا من سفر عمل طويل، لا يزال يحمل بطاقة شركته معلقة في عنقه كأنه نسي خلعها، وخرج من السيارة بتلك الابتسامة الصافية التي كانت دائمًا تضغط على صدري برفق موجع….ثم ظهرت إيلينا بجانبه.

صغيرة، أنيقة، كل شيء فيها محسوب دون أن يبدو متكلفًا. شعرها مرتب بعناية، خطواتها واثقة، تحمل علبة شوكولاتة فاخرة كما لو كانت قربانًا، وانحنت لتحيتي بلمسة خد سريعة، ودودة دون أن تكون متجاوزة.

قالت وهي تمسك يدي بكلتا يديها:

مدام نوال، محمود حدثني عنك كثيرًا. كنت متشوقة جدًا لرؤية المرأة التي ربّت رجلًا بهذا الاحترام..وأعترف… ارتحت لها سريعًا…بعد سلسلة علاقات لابني كانت فيها اللقاءات العائلية مجرد محطة عابرة، بدت إيلينا مختلفة، سألت عن الصور المعلقة، عن محمود طفلًا، عن زوجي الراحل، أثنت على الطعام بتركيز بدا صادقًا، وضحكت عندما قدمت الحلوى في أطباق عادية قائلة إنها تحب دفء البيوت الحقيقية…كان محمود ينظر إليها كمن وجد أخيرًا معجزته.

قال بفخر وهو يضغط على يدها: تتحدث أربع لغات، وتحاول تعليمي لغتها، رغم أنني فاشل تمامًا..

ابتسمت له كمن يداعب طفلًا: لا، أنت متواضع جدًا… نطقك لطيف..ضحكنا جميعًا….ووجدت نفسي أفكر: ربما هذه المرة وجد شخصًا حقيقيًا، لا يبحث عن قصة، بل عن حياة….لم تعش هذه الفكرة أكثر من ساعة.

رن هاتف محمود وابتعد قليلًا للرد على مكالمة عمل، بينما دخلت أنا المطبخ أرتب الأطباق، أترك أصوات الماء والصحون تمنح المكان طمأنينة عادية.

ثم رن هاتف إيلينا…أجابت بلغتها، بسرعة وثقة شخص يظن أن لا أحد يفهم عالمه الخاص…والمشكلة في العوالم الخاصة…..أنها تظل خاصة فقط إذا لم يكن في الغرفة من يفهمها.

عشت أربع سنوات في الخارج في شبابي، لغتي لم تعد مثالية، لكنها كافية لالتقاط ما يهم…وفي لحظات، تغيّر كل شيء….نبرة صوتها كانت خفيفة في البداية، ثم بردت…تحدثت عن محمود كأنه خطوة.

عن بيتي كأنه قيمة…عن الزواج كأنه إجراء…ثم قالت الجملة التي جعلت الهواء يثقل:

الزواج، الأوراق، ثم الرحيل…قالتها براحة شخص حفظ النص جيدًا.

سقط طبق من يدي واصطدم بالحافة.

ظهرت إيلينا عند باب المطبخ فورًا، القلق مرسوم على وجهها بدقة شديدة.

سألت بلطف محسوب:هل أنت بخير؟

ابتسمت. ابتسامة تعلمتها نساء كثيرات قبلي…قلت:لا شيء… فقط إرهاق..

أسرعت لمساعدتي، لمست أصابعي بلطف، وقالت:لا يجب أن تتعبي نفسك، العشاء كان رائعًا..

عاد محمود، مبتسمًا، وقال بسعادة:

أراكما كأنكما عائلة منذ سنوات.

قالت هي:والدتك إنسانة دافئة جدًا… أشعر أنني محظوظه…سمعتها…

وسمعت النسخة الأخرى أيضًا.

عندما جلسنا للقهوة، تحدثت عن الاستقرار، عن البدايات الجديدة، عن حبها للعائلة، وكان محمود ينظر إليها بعينين مليئتين بالأمل، كما كان يفعل وهو طفل…قال لي فجأة:نفكر في الخطوبة قريبًا

لمحت ومضة ارتباك في عينيها قبل أن تعود للدفء.

قلت بهدوء:مبارك…لم أواجهها…لم أتهمها….لم أمنحها فرصة لعب دور الضحية….استمريت في الضيافة….راقبت….سجلت كل تفصيلة لا تنتمي….وعندما غادرا، وقفت عند النافذة أراه يودعها تحت ضوء الشرفة، ممتلئًا بالأمل…في الداخل، أطفأت الأنوار….ولم أنم….جلست أمام أوراق البيت، الحسابات، الملكية، كل ما يشبه الأمان… لكنه في الحقيقة نقاط ضعف.

ومع أول ضوء فجر، عرفت شيئًا واحدًا:..صلـي علي محمد وتابع معايا 


ومع أول ضوء فجر، عرفت شيئًا واحدًا لا يقبل الشك ولا المساومة، أن الصمت الذي اخترته الليلة لم يكن ضعفًا، بل كان إعدادًا، وأن الابتسامة التي حافظت عليها لم تكن سذاجة، بل كانت ستارًا مؤقتًا لشيء أكبر، وأن المرأة التي ربّت ابنًا وحدها بعد رحيل أبيه لا يمكن أن تُخدع بسهولة مهما بدت هادئة أو متعبة أو منشغلة بأدوار الضيافة.


في الصباح، أعددت قهوتي كعادتي، جلست على الكرسي الخشبي القديم قرب الشرفة، أراقب الشارع يستيقظ ببطء، البائع الذي يفتح محله، جارتي التي تسقي نباتاتها، كل شيء بدا طبيعيًا أكثر مما يجب، وكأن الليل الذي عبر بي لم يكن سوى فكرة عابرة، لكن داخلي كان قد تغيّر، لم أعد تلك الأم التي تنتظر أن يطمئنها الزمن، أصبحت أمًا تعرف أن الزمن لا يطمئن أحدًا دون مقابل.


فتحت ملف الأوراق مرة أخرى، عقد البيت، حسابات محمود، بعض الإيصالات التي يتركها بلا اهتمام، تفاصيل صغيرة لم أكن أراها من قبل لأن الثقة كانت تسبق النظر، والطمأنينة كانت تعميني عن الحذر، الآن صرت أقرأ كل سطر كما لو أنه جملة في اعتراف طويل لم يُكتب بعد.


اتصل محمود في الظهيرة، صوته كان خفيفًا، مفعمًا بالفرح، أخبرني أنهم سيأتون الأسبوع المقبل مع والدي إيلينا لزيارة رسمية، قالها بحماس طفل يحمل خبرًا سعيدًا، وأنا استمعت له بنفس الهدوء الذي تعلمته الليلة الماضية، باركت له، سألته عن عمله، عن صحته، ولم أترك في صوتي أي أثر لما أعرفه، لأن بعض المعارك لا تُخاض بالصوت العالي، بل بالانتظار.


أغلقت الهاتف وجلست طويلًا أفكر، لم أفكر في الفضيحة، ولا في المواجهة، ولا حتى في إنقاذ محمود بالكلام، لأنني أعرف ابني، أعرف كيف يدافع عن من يحب، وكيف يمكن للحب أن يصمّ الأذن عن الحقيقة مهما كانت واضحة، فقررت أن أترك الحقيقة تتكلم بنفسها، في الوقت المناسب، وبالطريقة التي لا يستطيع أحد إنكارها.


بدأت أستعيد تفاصيل إيلينا بعيون جديدة، تذكرت كيف كانت تختار كلماتها بعناية، كيف تتجنب الحديث عن عمل محدد، كيف تبدو قصصها دائمًا بلا جذور واضحة، كيف تكرر نفس الجمل العاطفية بصيغ مختلفة، وكأنها تحفظ قاموسًا جاهزًا للاستخدام، لم أعد أراها كامرأة لطيفة، بل مشروعًا مدروسًا بعناية.


في الأيام التالية، لم أتغير في معاملتي، كنت أرسل لها رسائل لطيفة، أسألها عن يومها، أظهر اهتمامًا بسيطًا، تركتها تشعر بالأمان، لأن من يظن أنه في مأمن يكشف نفسه دون مقاومة، وبدأت ألاحظ التفاصيل الصغيرة، أخطاء التواريخ، تناقضات الأماكن، مبالغات لا لزوم لها، وكلها كانت تتجمع بهدوء في ذهني كخيوط قصة أعرف نهايتها قبل أن تُكتب.


جاء يوم الزيارة، أعددت البيت كما لم أفعل من قبل، ليس بدافع القلق، بل بدافع السيطرة، أردت أن يكون كل شيء هادئًا، مريحًا، بلا توتر، لأن التوتر يفضح صاحبه، وأنا لم أرد أن أكون صاحبة الفضـح، أردت فقط أن أكون الشاهدة.


وصلوا في الموعد، والدان مهذبان، أناقة محسوبة، لهجة رسمية، مجاملات جاهزة، جلست أستمع أكثر مما أتكلم، أطرح أسئلة عادية، أتركهم يتحدثون، وأراقب كيف تتغير نظرات إيلينا كلما اقترب الحديث من التفاصيل العملية، الأوراق، الإقامة، المستقبل، كانت تبتسم، لكنها كانت تبتسم بسرعة أكبر من اللازم.


خلال العشاء، انتقلتُ فجأة للغتها، تحدثت بطلاقة لم تكن تتوقعها، رأيت الارتباك يمر في عينيها كظل خفيف، سألت عن مدن، عن قوانين، عن أمور بسيطة في ظاهرها، لكنها كافية لإظهار من يحفظ النص دون أن يفهمه، وبدأت والدتها تتردد، والدها يصمت، وإيلينا تحاول استعادة توازنها بابتسامة متصلبة.


لم أهاجم، لم أتهم، فقط تحدثت، وتركت الصمت بعد كلماتي يقوم بالباقي، لأن الصمت أحيانًا أقسى من أي اتهام مباشر.


عندما وقفوا للمغادرة، صافحتهم بهدوء، نظرت لإيلينا مباشرة، وقلت بلغتها، بنفس النبرة التي سمعتها منها ليلة العشاء الأول، جملة قصيرة، واضحة، لا تحتمل تأويلًا، رأيت وجهها يبهت، رأيت كيف فهمت الرسالة دون أن أنطق بها كاملة، وكيف أدركت أنها لم تعد في أرض آمنة.


غادروا، وبقي محمود واقفًا في مكانه، ينظر إليّ باستغراب، سألني إن كنت بخير، ابتسمت وقلت نعم، لأن بعض الأسئلة لا تُجاب في اللحظة التي تُطرح فيها.


في تلك الليلة، لم أنم أيضًا، لكن هذه المرة لم يكن الأرق خوفًا، كان يقظة، كنت أعرف أن القادم سيكشف نفسه بسرعة، وأن من يبني علاقته على الخداع لا يحتمل طول الانتظار.


وبالفعل، بعد أيام، بدأ كل شيء يتفكك، أعذار، تأجيلات، توتر في المكالمات، مسافات غير مبررة، حتى جاء محمود يومًا وجلس أمامي بصمت طويل، ثم قال بصوت مكسور إنه اكتشف أشياء لم يكن يريد تصديقها، أوراق، رسائل، تناقضات، كل ما حاولت أنا أن أجمعه بهدوء، اصطدم به هو دفعة واحدة.


لم أقل “أنا قلت لك”، لم أوبخه، فقط وضعت يدي على يده، وتركته ينهار كما يحتاج، لأن الحب حين ينكسر يحتاج حضنًا لا محكمة.


مرّت الشهور، تعافى محمود ببطء، تعلم أن يميّز بين من يحب شخصه ومن يحب ما يملكه، وأنا عدت لحياتي، لقهوتي الصباحية، لشرفتي، لنفسي التي كادت تنسى قوتها.


واليوم، عندما أنظر في المرآة، لا أرى امرأة خدعتها فتاة أجنبية، أرى امرأة تذكرت في الوقت المناسب أن الخبرة لا تصدأ، وأن القلب الطيب لا يعني عقلًا غائبًا، وأن الابتسامة المهذبة قد تكون أحيانًا أقوى من ألف صرخة.


لأن بعض النساء لا يحتجن إلى رفع أصواتهن…


يكفي أن يفهمن،


ويصمتن ثم يتركن الحقيقة…تتكلم وحدها.


تمت


تعليقات

close