القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت سر العلامه كاملة 




سر العلامه 

كنت أظن أنّني سأساعد حماي فقط على أخذ حمّامه… غير أنّني ما إن نزعت قميصه، حتى رأيت شيئًا جعل الدـ,ـم يتجمّد في عروقي. عند تلك اللحظة فهمتُ لماذا كان زوجي يمنعني دائمًا من الاقتراب من ظهره.


منذ أن سقط حماي مريضًا، خبت روح حماتي شيئًا فشيئًا. زوجي كان يعمل في ليون، فيما وقع العبء الأكبر على كتفيّ: الطعام، الأدوية، تغيير الملابس، العناية، النظافة…

لم يمضِ على زواجي سوى ثلاث سنوات حين أصيب جيرار—حماي—بجلطة دماغية شلّت نصف جسده.


ومنذ ذلك اليوم، غرقت حماتي مونيك في حـ,ـزن صامت، بينما كان جوليان، زوجي، يقود شاحنات النقل بين باريس وليون، نادرًا ما يمرّ علينا. وهكذا تحملتُ كل شيء وحدي.

ورغم إرهاقي، أحببت جيرار بصدق. كان رجلًا قليل الكلام، كثير الملاحظة، وكان منذ زواجي أكثر لطفًا معي من لطفه مع ابنه. ربما لأن شيئًا ما كان يثقل ضميره؛ كانت نظراته دائمًا محمّلة بسر لا يُطاق.


في أحد بعد الظهر الماطرة في ضواحي تولوز، خرجت حماتي إلى اجتماع جمعيتها الكنسية، وكان جوليان يقود نحو ليل. وبقيت وحدي مع جيرار.


وحين جاء وقت استحمامه، قال بصوت متعب:


— «غدًا يا ابنتي… اليوم لا أشعر أنني بخير.»


ابتسمت له:


— «لا يا جيرار، الجوّ ثقيل. إن لم أغسلك ستتوعّك أكثر.»


صمت طويلًا، ثم تنهد كمن يقبل حكمًا محتومًا.


أعددت ماءً فاترًا، وهيّأت كرسي الاستحمام والمناشف، وساعدته على الوقوف. لكن حين لامست يداي أزرار قميصه، قال بصوت مرتجف:


— «يا صغيرتي… لا تفزعي… إذا رأيتِ… تلك العلامة.»


تجمّدت في مكاني.


أية علامة؟


وفجأة لمعت في ذاكرتي جملة قالها لي جوليان يوم كنّا مخطوبين:


«لأبي علامة في ظهره… بسببها عشنا في الخـ,ـوف سنوات طويلة. عندما تصيرين من العائلة، سأشرح لك. أما الآن… فلا تسألي.»


ظننتها ندبة عادية: أثر جراحة، حــر . ــق قديم… لم يخطر ببالي أنها أكثر من ذلك.

لم يشأ جوليان الخوض في التفاصيل، ولم أتوقع أن أكون أنا أول من يراها.


فككت أزرار القميص بحذر. أغمض هو عينيه، يتنفس بصعوبة.

وحين انزلق القميص إلى الأرض… انحبس نفسي.


في ظهره كانت هناك ندبة طويلة داكنة، كأنها حفرت بالحديد المحمى.


لكن الأسـ,ـوأ لم يكن الندبة…


بل الرمز الذي كان محفورًا بجانبها: دائرة يقطعها خطّان متعامدان—العلامة المميزة لمجموعة إجـ,ـرامية مارسيليّة قديمة، مسؤولة عن إحـ,ـراق محل مجوهرات في نيس قبل عشرين عامًا، وهو الحـ .ــادث الذي قُـ,ـتل فيه رجل واحد.


ذلك الرجل… كان والد جوليان الحقيقي.


وقفت متجمدة.


كان جوليان قد أخبرني أن والده مات في «حريق غامض»، وأن الشرطة اشتبهت بعمل إجرامي لكن لم تجد دليلًا. وبعد الحـ .ــادثة بأشهر، غادرت أمه المدينة، وتزوجت جيرار، وانتقلوا إلى الجنوب.


والآن… أمامي مباشرة…


كانت العلامة ذاتها محفورة في ظهر حماي.


ارتعشت يداي. شعر جيرار بصمتي، ففتح عينيه الحزينتين.


— «لقد رأيتها… أليس كذلك؟»


لم أستطع الإجابة.


أخفض رأسه وقال بصوت مكـ,ـسور:


— «لم أقــ . ـــتل أحدًا… أقسم لك. كنت الحارس فقط. لم أعلم أنهم سيشعلون النــ . ــار… ولم أستطع إنقاذ والد جوليان…»


تراجعت خطوة.

ليس خوفًا… بل ذهولًا.


وانفجر جيرار بالبكاء، بكاء رجل يحمل وزرًا فوق قدرته.


— «أردت الاعتراف عشرات المرات… لكنني خشيت أن أفقد مونيك… خشيت أن يكرهني جوليان… خشيت خسارة كل شيء.»


تلك الليلة لم أنطق بكلمة. بقيت في غرفتي مذهولة.


وعندما عاد جوليان عند العاشرة مساءً، رآني شاحبة.


— «ماذا حدث؟»


نظرت إليه مطوّلًا، ثم قلت:


— «العلامة التي تحدّثت عنها في ظهر والدك… ما حقيقتها؟»


تجمّد في مكانه.


— «كيف… تعرفين؟»


— «لقد رأيتها.»


جلس ببطء، وكأن الأرض سُحبت من تحته.


— «كان… كان ضمن المجموعة التي قــ . ـــتلت أبي. لم يشارك مباشرة. كان مجرد مساعد… ثم حاول لاحقًا أن يُسلّم نفسه… لكنهم هددوا بقــ . ـــتله. فهرب… وغيّر اسمه… وأمي خبّأته.»


ارتجف صوته.


— «عرفت الحقيقة خلال خدمتي العسكرية. أمي اعترفت لي. لكن… لم أستطع مواجهته.»


قلت بهدوء:


— «لا يمكننا أن نصمت بعد الآن.»


نظر إليّ نظرة ممزقة.


— «إن سلّم نفسه… سيدخل السجــ . ــن.»


— «والمكوث في الظل عشرين سنة… أليست سجــ . ــنًا أيضًا؟»


في اليوم التالي، فاتحتُ جيرار.


فجاء جوابه هادئًا، على غير ما توقّعت.


— «أنت محقة. لقد تعبت من الهرب.»


سألته:


— «لماذا لم تتقدّم قبل الآن؟»


تأمل جهاز السير بجانبه قليلًا، ثم قال:


— «لأنّني كنت جبانًا… ولأنني ظننت أنّ العيش حياةً مستقيمة سيجعل الله يغفر لي… لكن عندما رأيتِ العلامة… أدركت أنّ الله لا يريدني أن أختبئ بعد اليوم.»


وطلب بنفسه أن نأخذه إلى مركز الشرطة.


انهارت مونيك بالبكاء.

وقف جوليان إلى جواري، يرتجف.

وعندما أخذه الشرطيون، أمسك يد جوليان وقال:


— «سامحني يا بني… سرقتُ منك أباك. لكن دعني أختم حياتي بعمل صواب واحد.»


احتـ,ـضنه جوليان وهو يبكي كطفل، في مشهد لم أنسه أبدًا.


أُعيد فتح القـ,ـضية. وبفضل اعترافه، تمكّن الضباط من القبـ . ــض على الجاني الحقيقي—رجل كان مختبئًا قرب الحدود الإيطالية منذ عشرين عامًا.

وأخيرًا زارتنا عائلة الضحيــ .ــة—ومن بينهم شقيق جوليان الأكبر—لتقديم الشكر على كشف الحقيقة.


حُكم على جيرار بعقوبة مخفّفة، إذ لم يكن القاتل المباشر.

دخل السجــ . ــن رجلًا عجوزًا… لكن بروحٍ مرتاحة.


وعندما كنا نزوره، كان يمسك يدي، ويبتسم قائلًا:


— «شكرًا لك يا ابنتي… لقد حررتِني.»


وبعد عام، مـ,ـات في زنـ,ـزانته بهدوء.


أقمنا له ركنًا صغيرًا في غرفة الجلوس.

وضع جوليان صورته، وأحاطها بزهور جافة وشمعة بيضاء.


وقال وهو ينظر إليها:


— «لم يكن رجلًا كاملًا… لكنه امتلك شجاعة لم يمتلكها كثيرون: أن يواجه خطأه حتى النهاية.»


تأملت وجهه في الصورة.


كان يبتسم ابتسامة خفيفة.


ومرّة أخيرة…

بدا وكأنه أخيرًا نال السلام.


تعليقات

close