القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 قصه رجعت البيت بعد النبطشيه 





قصه رجعت البيت بعد النبطشيه 


رجعت البيت بعد نبطشية شغل استمرت 18 ساعة متواصلة، لقيت بنتي “ليلى” نايمة. بعد كام ساعة، حاولت أصحيها بس مفيش فايدة، مكنتش بترد عليا خالص. لما واجهت أمي، هزت كتفها ببرود وقالتلي إن البنت كانت “دوشة ومصدعاها”، فراحت مديّاها حبوب عشان تهدا وتنام.

وقتها أختي ضحكت وقالت ببرود: “يا سيدي بكره تصحى، ولو مصحيتش، أهو نلاقي شوية هدوء بقى ونرتاح من زنها”.

لما استلمت تقرير الإسعاف.. لساني عجز عن الكلام.

صوت اللمبات الفلورسنت في طرقة المستشفى كان بيزن فوق راسي، نفس الصوت اللي سمعته آلاف المرات طول سنين شغلي، بس النهاردة الوميض ده كان زي السكاكين في عيني. كنت قاعد متخشب على كرسي بلاستيك، وإيديا مشبكة في بعض لدرجة إن مفاصل صوابعي وجعتني. من ست ساعات بس، كان “الأدرينالين” هو اللي محركني وسط فوضى الطوارئ، لكن دلوقتي مفيش غير الوجع والرعب.

أنا اسمي ياسين، عندي 34 سنة، وشغال ممرض في قسم الطوارئ في مستشفى حكومي كبير بقالي 10 سنين. شوفت كل أنواع الحوادث والإصابات اللي تخطر على بال بشر.. بس مفيش حاجة في الدنيا كانت ممكن تجهزني للحظة اللي بستنى فيها أعرف بنتي هتعيش ولا لأ.

كنت لسه مخلص نبطشية 18 ساعة، كنت شايل شفت زميل ليا تعب فجأة. حالات قلب، جلطات، حوادث طرق.. واحدة ورا التانية. وصلت البيت الفجر، الشقة كانت هادية، قلعت جزمتي ومشيت على طراطيف صوابعي عشان محدش يحس بيا.

بنتي ليلى، عندها 5 سنين، كانت نايمة في سريرها وحاضنة دبدوبها الصغير. شعرها كان مفرود على المخدة وشكلها كان ملاك بريء. بوست راسها ودخلت أنام وأنا بوعد نفسي إني هعوضها عن غيابي ده كله.

بعد طلاقي من أم ليلى، سارة، من سنتين، الدنيا ضاقت بيا مادياً. سارة سافرت بعيد مع جوزها الجديد وسابت ليلى معايا طول الوقت. أمي، ست سعاد، عندها 58 سنة، جت تعيش معايا عشان تساعدني في البنت وأنا في الشغل. وبعد كام شهر، انضمت لينا أختي الصغيرة نهى، 26 سنة، بعد ما سابت شغلها ومبقتش قادرة تدفع إيجار شقتها.

أمي طول عمرها شخصية مسيطرة، وعمرها ما كان ليها علاقة حقيقية بليلى، كانت بتعاملها كأنها “حمل تقيل” مش حفيدة. أما نهى، فكانت طول الوقت ناقمة على عيشتها وقرفانة من أي حاجة، ومكنتش بتستحمل كلمة من طفلة صغيرة.

صحيت الساعة عشرة الصبح، الشقة كانت هادية زيادة عن اللزوم. المفروض ليلى تكون صحيت وبدأت تغني وتطلب فطارها. دخلت أوضتها، لقتها متحركتش من مكانها.

هزيت كتفها براحة وقلت: “ليلى.. يا لولو.. صحصحى يا حبيبتي”.

مفيش رد.

هنا “التمريض” اللي في دمي اتحرك فوراً. نَفَسها كان ضعيف ومش منتظم، جلدها كان بارد وعرقان، وعينيها مكنتش بتستجيب للضوء. شلتها بين إيديا وصرخت بأعلى صوتي بطلب المساعدة.

أمي ظهرت الأول وهي ماسكة كوباية القهوة وبتبص لي بضيق، ووراها نهى وهي لسه صاحية من النوم.

“إيه الزيطة دي على الصبح؟” أمي قالتها بنرفزة.

قلت لها: “البنت فيها حاجة غلط! إيه اللي حصل وأنا نايم؟”

أمي اترددت، وشوفت الخوف في عينيها للحظة، وقالت بتدافع عن نفسها: “ما كانتش راضية تسكت! كل شوية تصحى وتعيط.. اديتها حاجة تهديها”.

حسيت بوجع في قلبي: “اديتيها إيه؟”

“حباية واحدة من المنوم بتاعي.. يمكن حبيتين. ده دوا دكتور، كانت محتاجة ترتاح.. وأنت كمان ترتاح”.

سألتها برعب: “دوا إيه؟”

قالت لي اسم منوم قوي جداً مخصص للكبار بجرعة عالية.

نهى ضحكت وقالت: “هتصحى يا ياسين، فكك بقى.. ولو مصحيتش، أهي ريحتنا شوية ونعرف ننام في هدوء”.

الضحكة دي كسرت حاجة جوايا. مكلمتهمش، نَفَس ليلى كان بيسوء، لفيتها في بطانية وطلبت الإسعاف وأنا إيدي بتترعش بس صوتي كان ثابت من الصدمة.

في المستشفى، الدكتورة منى، رئيسة قسم طوارئ الأطفال، استلمت الحالة. حكيت لها كل حاجة، وبصت لي بأسف وقالت: “إنك تدي جرعة منوم كبار لطفلة في سنها ده شروع في ق.تل.. إحنا بنعمل لها غسيل معدة وفحوصات سموم، بس الحالة حرجة”.

لما طلع التقرير الأولي، حسيت إني مش حاسس بالدنيا. ليلى كانت هتمو.ت فعلاً.

ساعات مرت كأنها سنين، وأخيراً، فتحت عينيها وهمست: “بابا”.

وقتها بس، انهرت من العياط.

الدكتورة منى خدتني على جنب وقالت لي: “يا ياسين، إحنا لازم نبلغ. اللي حصل ده مش حادثة، دي جريمة”.

في الليلة دي، بعد ما ليلى استقرت، رجعت البيت. لقيت أمي ونهى قاعدين قدام التليفزيون كأن مفيش حاجة حصلت.

قلت لهم بهدوء مرعب: “البنت كانت هتمو.ت”.

أمي بدأت تتوتر، ونهى قلبت عينيها وقالت: “بطل دراما بقى، أهي بقت كويسة”.

في اللحظة دي، عرفت أنا لازم أعمل إيه.

قلت لهم بكلمة واحدة: “الهدوم اللي عليكم دي تلموها وتغوروا من هنا الليلة دي”.

حاولوا يعترضوا ويزعقوا، بس مكنتش شايف قدامي. كلمت المحامي بتاعي، ورفعت قضية.

أمي اتحكم عليها بتهمة تعريض حياة طفل للخطر، ونهى لبست تهمة التستر والمشاركة في الجريمة. القضية عملت قلبان، وكلام نهى القاسي اللي سجلته كاميرات البيت انتشر وبقى فضيحة.

ليلى خفت تماماً، نقلنا شقة جديدة، وقللت ساعات شغلي عشان أكون جنبها، وبدأت تتابع مع دكتور نفسي عشان تتخطى اللي حصل.

بعد سنة، شوفت نهى في سوبر ماركت.. كانت خاسة وتعبانة، وأول ما شافتني دارت وشها. أما ليلى، فكانت بتنط جنبي وبتضحك، مالية الدنيا حياة.

وقتها فهمت.. إن العدل مش بس انتقام.

العدل هو إن بنتي تكون في أمان.. وهتفضل في أمان طول ما أنا عايش.

في قرارات بتطارد صاحبها للعمر كله.. وفي أطفال بيعيشوا بس عشان في “كبير” واحد رفض يسكت على الظلم.


تعليقات

close