القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية ابن رستم الفصل الخامس عشر والسادس عشر بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات

 

رواية ابن رستم الفصل الخامس عشر والسادس عشر بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات 



رواية ابن رستم الفصل الخامس عشر والسادس عشر بقلم ياسمين عادل حصريه في مدونة قصر الروايات 


~إِبنّ رُسـتُم~

"الفـصل الخامس والسادس عشر"


نظرن "تمارا، فدوى" حولهن وكأن المصيبة آتيه.. ثم أردفت "تمارا" بصوت منخفض :

- لازم نخبيها جوا اليخت الأول، ظاظا لو شافها مش هييجي معانا

- طب خديها واطلعي وانا أول ما ينزلو هطلعهم سطح اليخت


أومأت رأسها بموافقة، ثم انتقلت نحو "أثير" التي كانت تقف بزاوية.. كل تفكيرها منصب على رد فعل "ظافر" عندما يكتشف تواجدها على سطح اليخت الذي يبقى هو فيه.. حتى أتت "تمارا" وجذبتها بخفة :

- يلا نطلع إحنا ياأثير وفدوى هتيجي ورانا


واصطحبتها للداخل.. في نفس التوقيت الذي كان يخرج فيه "ظافر" من باب الفندق برفقة "مروان".. كان "ظافر" أنيقًا گعادته، ولكن بشكل رياضي وملابس خفيفة تناسب جولة بعرض البحر.. مرتديًا نظارة شمسية زجاجها باللون الرمادي القاتم ينظر أمامه بجدية.. أخرج هاتفه من جيب بنطاله القصير وكاد يتصل بـ "تمارا" لـ يسأل أين هي الآن، فـ هرع "مروان" يمنعه من استخدام هاتفه مبررًا :

- انت مهتم بالموبايل ليه النهاردة، تعالى نعدي للساحل الناحية التانية وهنلاقي اليخت هناك


ولكنه استمر في البحث عن رقم هاتفها واتصل بالفعل :

- أنا بشوف توته فين.. ألو


فكانت "فدوى" تجيب عليه :

- أيوة ياظافر أنا فدوى، تمارا سابت معايا الفون بتاعها  عشان طلعت اليخت.. انتوا فين

- في طريقي ليكي

- مستنياكوا، باي


كانت "تمارا" تُجوّل "أثير" في أرجاء اليخت كي لا تشعر بالضجر مبررة ذلك بإنها أحبت صُحبتها كثيرًا.. لا تنكر "أثير" إنها الأخرى أُعجبت بشخصية "تمارا" المرحة الضحوكة، المجنونة في بعض الآونة.. 

هبطت بها حيث يتواجد المطبخ الصغير ثم الردهة المؤدية لدورات المياه، استمتعت" أثير" برؤية اليخت كاملًا ولأول مرة.. لم تصعد على مُتن يخت ضخم وراقي گهذا من قبل.. 

أحست "أثير" بـ حركة وصوت الأمواج من حولهم، فـ ارتجفت وهي تتمسك بـ "تمارا" و :

- إيـه ده!! اليخت بيغرق 


فـ كركرت "تمارا" حتى امتلئت عيناها بالدموع و :

- متقلقيش إحنا بنتحرك 


ثم صعدن سويًا ومازالت "أثير" تشعر ببعض الرهبة، هذه المرة الأولى التي تُقبل فيها على رحلة بحرية لذلك ينتابها شعور بالخوف.. ولكنها تتشوق لرؤية محيط أزرق واسع يعلوه سماء صافية تحتضن قرص الشمس البرتقالي وتشع بأضوائها المُشعة لـ يتلألأ البحر معها متراقصًا على أنغام الأمواج المتثنية.

وقفت "أثير" بالقرب من أحد الحواف تاركة مسافة مقننة وهي تتأمل الطبيعة الخلابة التي كانت تراها في شاشات التلفاز فقط.. تناست مخاوفها وقلقها بشأن "ظافر" وعاشت مع هذه اللحظة، حتى إنها لا تدري هل يتواجد هنا أم لا.


كان "ظافر" يقف على سطح اليخت، هو الآخر يعشق التأمل، ولكنها ليست المرة الأولى.. أطبق جفونه وهو يدقق مسامعه ليستمتع بصوت تلاطم الأمواج وصوت الهواء المنعش الذي يرتطم بصفحة وجهه، دخل في حالة من الإسترخاء والهدوء كان يفتقدها منذ فترة. فتح عيناه وهو يستند على الحواف وأطرق بصره ينظر لأسفل حيث ألوان البحر البديعة ما بين الأزرق واللبني والفيروزي..

ولكن ثمة شئ لفت انتباهه، رأى فتاة تمد جسدها للأمام وتنظر هي الأخرى للبحر.. وكأنها غير مدركة أن حركة بسيطة من اصطدام البحر باليخت قد تُفقدها توازنها وتسقط بالمياه.. فـ صاح من الأعلى :

- أنتـي ياا..... حاسبي


رفعت "أثير" رأسها لأعلى حيث هذا الصوت الذي أحست وكأنه موجه إليها، فـ رأته هو.. تجمد "ظافر" وتحممّت الدماء في عروقه وهو يصيح بـ انفعال :

- أنتــي!!


وتحرك من مكانه على الفور ليهبط إليها.. بينما نظرت هي حولها بتوتر من أن يقوم بـ إحراجها أمام العامة..  كانت "تمارا" تقف برفقة "مروان" و "فدوى" وهو يحاول التأثير عليها :

- يعني إيه لأ؟؟ انتي غاوية تضايقي اللي حواليكي ليه؟


تأففت "تمارا" بضيق وهي تبرر :

- مش همسح الصورة يامروان ، انت مش فاهم حاجه


فـ أثارت "فدوى" انتباههم وهي تنظر لتلك المواجهة الحامية التي كانت على الجانب الآخر :

- ألحقي أخوكي أحسن ممكن يرمي البت في الميا


فـ هرعت "تمارا" ومن خلفها "مروان" نحوهم حيث كان صوته قد ارتفع ولفت أنظار المحيطين، حتى مشرف الرحلة حضر إليهم ليعلم سبب هذه الضجة.. فـ تدخلت" تمارا" على الفور :

- آ.. Sorry ياأستاذ مجدي ، حالًا هنحل الموقف بينا


فـ نبه عليها :

- تمارا أنا وافقت إن ناس خارج الفوج يطلعوا معانا عشان خاطرك انتي، مش عايز اندم إني وافقت


فـ لوحت بيدها نافية :

- لأ لأ متقلقش مفيش أي مشكلة


رمقه "مروان" بنظرة جادة وهو يصرفه :

- مشاكل عائلية، ياريت تهتم انت بالفوج بتاعك


كان "مجدي" يهمّ لـ ينصرف بالفعل.. حينما وقفت "تمارا" بينهم و :

- ظافر صوتك عالي أوي وهتخلي كل الشلة تبص علينا


فـ صاح فيها يعنفها :

- يبصوا وانا مالي! مش انتي السبب في اللي بيحصل!!.. اتصرفتي على مزاجك ليه ياتمارا؟


فـ دافعت عنها "تمارا" إستنادًا لوصية والدها :

- إيه الأسلوب ده ياظافر ميصحش كده!

- انتي هتعلميني الصح والغلط مثلًا!


فـ تدخل "مروان" لمنع مشكلة أخرى بين الشقيقين:

- تمارا تقصد إنهم صحاب وده ملهوش علاقة بمشاكلك الشخصية ياظافر


فـ أيّدت "تمارا" ذلك و :

- بالظبط


نفخت "أثير" بسئم وهي تحاول التخلص من حصارهم، ولكنه گالعادة لم يتركها تفلّ بهذه السهولة :

- أنا مش عايز واحدة نسبتلي إشاعة إن بينا علاقة تكون في كل مكان حوليا


فـ صاحت به "أثير" لتعنفه :

- واللي انت عملته في الفرح كان إيه!!


فـ صاح فيها هو الآخر وهو ينظر لعيناها بـ احتدام:

- والله انتي اللي بدأتي يبقى تستحملي


فـ ناطحته بالحديث هي الأخرى بعدما وجدته متبجحًا هكذا :

- وانت اللي أكدت القصة كلها، يبقى تتحمل انت كمان


وقف "مروان" بينهم حيث بقى وجهه ونظراته لـ "ظافر" و :

- أنت كمان ملكش عين تتكلم ياظافر


فـ عاد للخلف خطوات وهو يرمقهم جميعًا و :

- أنا مش عارف انتوا عايزين مني إيه، عايزين تجننوني ؟؟


وكأنه أصيب بالجنون فعليًا، أصبح في حال مزري لم يكن أيًا منهم يتوقعه من إنسان هادئ مثله.. ينظرون إليه بعدم تصديق وهو يصيح بـ انفجار كأن كل ذلك نتاج تراكماته الداخلية التي احتبسها لعدة أشهر والآن يُنفث عنها بكل قوة.. وتابع بدون توقف :

- عايزين توصلوا لأيه بكل اللي بتعملوه، هـا!!


ونزع عنه التيشيرت الخاص به وسط ذهولهم، بينما كانت "أثير" گالتي لا تستطيع مقاومة الدوار والتوتر الذي أحست به وهي تراه هكذا و :

- انت بتعمل إيه؟


فـ تدخلت "تمارا" وهي تنظر حولها :

- خلاص ياظاظا أهدا مش كده


وتابعت "أثير" :

- أنا مكنتش متخيلة إن وجودي ممكن يوصلك للحالة دي آ....


لم يهتم حتى لسماعها، حيث قفز بـ انفعال من اليخت إلى أعماق المياه.. صرخت "أثير" وهي تركض نحوه ولكنها لم تلحق به، ودفعها تهورها لأنها كادت تلقي بنفسها من خلفه وهي التي لم تسبح في حياتها قط.. ولكن كان "مروان" قد لحق بها ومنعها من ذلك و :

- رايحة فين يامجنونة


فصرخت وقد هطلت الدموع من عيناها وهي تنظر للمياه :

- ألحقه أرجوك أعمل حاجه


فـ برر "مروان" هذا الهدوء الذي بدا به و :

- ألحق مين!! ده ظافر سبّاح درجة أولى متخافيش، يعني يعدي المانش ويرجع تاني


ونظر ناحية "تمارا" التي كانت تراقب شقيقها وهو يسبح ويغطس لوقت طويل أسفل المياه وگأن طاقته السلبية تخرج من أعماقه بهذه الطريقة.

زفرت بـ ضيق وغمغمت بـ :

- طب اعمل إيه أنا دلوقتي!؟

..................................................................

بالفعل ظل يواصل السباحة لأكثر من ساعتين ونصف حول اليخت، أحس بفرق شاسع وكأنه ألقى ما يحمله بداخل البحر ليحمله عنه.. شعر ببعض الراحة بعدما مارس تلك الرياضة التي أهملها لفترة، وعندما أحس بالإكتفاء.. صعد بمساعدة مشرف الرحلة الذي كان يتتبعه حفاظًا عليه.. وقرر أن يستلقي في الشمس لبعض الوقت.

في حين كان أغلب الشباب يمارسون رياضة الغطس برفقة سبّاح محترف، والفتيات اهتممن باللعب واللهو والتصوير.. وكان الطاهي يُعد الأكلات المشوية على الفحم وسط اهتمام من البعض بمشاهدة حفلة الشواء ذات الرائحة الشهيّة ومن بينهن "تمارا".

ثم انتقلت لحافة اليخت اليمينية حيث كانت تقف "أثير"، ونظرت للبحر وهي تسألها :

- إيه رأيك في الجو؟

- جميل


ثم نظرت حولها وهي تتسائل :

- هو ظافر لسه فوق، صح؟

- صح


استندت "أثير" على الحواف وهي تولّي البحر ظهرها و :

- مش فاهمة ليه مشرف الرحلة رفض نرجع للشاطئ تاني.. كنت نزلت وانتوا كملوا رحلتكم


أرادت "تمارا" أن تتملص من الحديث عن هذا الموضوع و :

- بتحبي الجمبري ولا هتاكلي سمك مشوي؟


فـ ابتسمت "أثير" و :

- مش عايزة


دنى منهم المشرف وهو يحمل العديد من الصنارات للصيد.. ابتسم وهو ينظر لـ "أثير" بنظرات مميزة، ثم مدّ يده لها بواحدة و :

- هنصطاد دلوقتي لحد ما الأكل يجهز


تناولتها منه وهي تتأملها بـ اهتمام و :

- بس انا مش بعرف اصطاد!


فـ سحبت "تمارا" واحدة منه و :

- الموضوع بسيط أوي ياأثير متقلقيش


فـ تدخل "مجدي" وهو يعرض عليهم المساعدة :

- أنا هعرفكم إزاي، بس هنروح الناحية التانية


قادهم للجانب الآخر وبالقرب من مقدمة البحر.. ثم بدأ بشرح بعض النقاط البسيطة عن الصيد.. كانت أعين "مروان" تتربص بهم، خاصة لهذا المشرف الذي لم يحبه بتاتًا.. لاحظ إنه يتعامل معهن بتودد شديد وواضح، وهذا ما أزعجه.

صعد إلى "ظافر" الذي أصبح فاترًا لامباليًا منذ أن صعد من المياه، فكان مغمض العينين وآشعة الشمس مسلطة عليه وهو عاري الصدر.. دنى منه وأوقظه من هدوءه بعصبية و :

- أصحى ياعم انت جاي تنام هنا!!


فتح "ظافر" عيناه وقد تقلصت عضلات وجهه وهو يجيب :

- في إيـه يامروان!


فصاح "مروان" بعصبية :

- الزفت اللي ماسك الرحلة ده مزودها أوي، لازق في تمارا من الصبح وانا مش عايز اعمل مشكلة معاه.. لو مشوفتش حل هرميه من هنا في المياه


كان يتابع حديثه المنفعل عندما كان "ظافر" يسرع بـ إرتداء التيشيرت القطني خاصته.. ثم أسرع بالهبوط للطابق الأسفل بعجل وهو ينظر يمينًا ويسارًا بحثًا عن شقيقته.. وعندما لم يراها بحث عن "مجدي".. فأبصر به يقف في المقدمة، فـ ذمّ شفتيه وهو يتجه صوبه، ولكنه لم يجد "تمارا".. كانت "أثير" فقط تقف برفقته وهو يمسك بيدها على الصنارة يوجهها لكيفية الصيد.. فـ زفر "ظافر" وهو ينظر خلفه حيث "مروان" ، ثم أردف بـ استنكار :

- هي فين يامروان؟


نظر "مروان" في الأرجاء ولكنها غير موجودة، فـ نفض شعره بعصبية وهو يردد :

- كانت هنا!!.. شكلي هرمي نفسي في الميا انا كمان، يمكن أبقى بارد زيك

 

واستدار لينصرف وقد أصابه التشنج.. بينما التفت "ظافر" ينظر لهذا المشرف الذي تحفّظ على تصرفاته من الوهله الأولى، وكأنه يحمل إعجابًا أو ما شابه لـ "أثير".. ولكنه لم يطيل التفكير في الأمر و :

- وانا مالي


وغادر هو الآخر..

كان الوقت يمضي بسرعة غريبة.. الجميع تناول طعامه المشوي.. بـ انسجام وسط مشهد غروب الشمس، الموسيقى الراقية تضفي جو هادئ وجميل.. حتى انتهى الجميع وبدأت حفلة راقصة بين الشباب.

بدلت "تمارا" ثيابها، وارتدت فستان ربيعي من اللون النبيذي الممزوج بالأبيض يصل لبعد ركبتيها بقليل لتناسب الحفلة الراقصة.

ووقفت برفقة زميلاتها بينما كان "ظافر" قريب منها عيناه عليها..

تنهدت "تمارا" بضيق وهي تنظر للذين يرقصون وقالت :

- عايزة أرقص ياديدي، مش هفضل اتفرج بس انا زهقت!


فتسائلت "فدوى" :

- هو صحيح حسام مختفي من امبارح ليه؟


انزعجت "تمارا" وهي ترمقها بـ استنكار و :

- في داهيه، شوفي بقول إيه وانتي بتقولي إيه؟

- طب ما تقولي لظافر يرقص معاكي


فكرت "تمارا" وهي تنظر لشقيقها و :

- تفتكري هيوافق!.. بصي أنا هجرب حظي


وتحركت برشاقة اتجاه "ظافر" بينما كانت عيون "مروان" تتأملها بأعجاب، لقد كان اللون النبيذي يليق بها كثيرًا..

دنت منه فـ مد يده لها يمسك بها و :

- تعالي ياتوته


وقفت بجواره واستندت على صدره وهي تطلب بدلال :

- عايزة ارقص معاك ياظاظا please


نظر "ظافر" للساحة التي يرقص عليها الجميع، ثم وافق على مطلبها :

- ماشي، تعالي


سارت معه بحبور شديد، أخيرًا ستحقق رغبتها.. ولكنها لم تنسى عندما رفض "مروان" تنفيذ مطلبها، فـ التفتت برأسها وتعمدت غيظه، حيث ابتسمت وهي تُظهر طرف لسانها ثم عادت تنظر أمامها من جديد.. لم يكن غيظًا له كما ظنت.. بل إنه ضحك وهو يراقب تحركاتها، وحتى عندما كانت ترقص معه.

أما "أثير".. فـ كانت تقف في زاوية غير ظاهرة للجميع، منذ الصباح وهي تحاول ألا تظهر أمامه كثيرًا حتى لا يفتعل مشكلة.. لمحته وهو يرقص برفقة شقيقته، فـ صبّت جام تركيزها معه، إيماءات وجهه وتعابيره وهو يتحدث إليها، وكم كان جميلًا وسيمًا وهو يرقص بهدوء هكذا! .. لاحظت تركيز أكثر من عيون عليه من الفتيات، مما جعلها تشعر بالغيرة، فهي لا تحظى بلحظة واحدة هادئة معه.. دائمًا في شجار ومشكلات.

زفرت أنفاسها بحزن لما آلت إليه علاقتهم التي لم تبدأ بعد، ولكنها تُذكر نفسها بالوعود والآمال التي منّت نفسها بها.. تحركت من هنا لتغيب نهائيًا، لا ترغب في رؤيته أكثر من ذلك بينما هو بعيد عنها لهذا الحد، فـ فضلت أن تكون بمفردها قليلًا، خاصة وأن ونيسها وصديقها الليل قد سطى وخيم على المحيط بـ سواده القاتم.  

ساعة.. أثنان.. ثلاثة

اتفق الجميع على المبيت هنا في عرض البحر، ومنذ أن أُقرّ الإتفاق أصبح كل منهم في مكان ما باليخت.. اختفت "تمارا".. وعيون "مروان" كانت تبحث عنها في كل مكان، لم يكن يتخيل إنها على سطح البحر وقد أصبحت الساعة الحادية عشر ليلًا.. جاب المكان كله ذهابًا وإيابًا يبحث عنها گالمجنون، وحتى "ظافر" تجول هنا وهناك بحثًا عنها.

كانت "تقف" على السطح في مقدمة اليخت، يبدو إنها شاردة أو شئ من هذا القبيل.. لمحها "مجدي" هكذا، فنظر لساعة يده وهو يقبل عليها لـ يلفت إنتباهها بتأخير الوقت..

دنى منها، ثم سأل بلطف :

- ليه واقفة هنا دلوقتي ياتمارا مش بردانة ؟


لم تجيب ولم تنظر إليه حتى، كانت متصلبة لدرجة مخيفة.. حتى نظراتها عالقة بالفراغ، أمسك برسغها وهو يعيد سؤاله ببعض التوتر :

- تمارا؟! انتي كويسة


التفتت برأسها ببطئ، كان وجهها شاحبًا وشفتيها بها بعض الزُرقة.. أحس برسغها گقطعة من الجليد البارد الصلد، وبصعوبة شديدة أردفت :

- بـ... بردانة، مش قادرة اتحرك من مكاني!


شملها بنظرات مرتعبة و :

- طب تقدري تمشي معايا لحد جوا؟

- مش قادرة اتحرك من مكاني.. ومش شايفة كويس


توتر وهو يخمن :

- انتي بيجيلك دوّار البحر؟؟


كانت ترتجف، فلم يقوَ على الأنتظار.. حيث هرع للأسفل لإحضار أي شئ يغطيها به، فلم يجد سوى وشاح من الصوف لا يعلم من صاحبه، التقطه بسرعة وعاد إليها.. وضعه على كتفيها وهو يقول :

- هتبقي كويسة بس لازم تنزلي معايا


كان "ظافر" قد وصل للسطح أثناء بحثه عنها ومن خلفه "مروان" الذي جُن مع رؤيتهم :

- أهو، بص إحنا قالبين الدنيا وهي واقفة مع مين!! 


عندما رآه "ظافر" يضع الوشاح على كتفيها وهي ثابتة هكذا گالمستسلمة اعتراه الضيق.. ونفخ منزعجًا وهو يدنو منهم :

- كده كتير ياتمارا!


وأقبل عليها يجذبها ببعض الحدة :

- بتعملي إيه هنا دلوقتي ياتمـ......


وإذ بثقلها يسقط فجأة على ذراعه مرتطمة بصدره أولًا  ليصيح بفزع :

- تـــمـارا!!!


أُصيبت بـ الإغماء بعد صراع طويل مع هذه الحالة من الإعياء التي انتابتها فجأة.. انقبض قلب "ظافر" وهو يحتضنها كي لا تسقط، في حين كان "مروان" مذهولًا تأخذه صدمة المفاجأة.. ظل متجمدًا بمكانه لا يحرك ساكنًا ولا يدري ماذا يفعل!

حاول "ظافر" إيقاظها بشتّى الطرق ولكن لم يفلح، فتدخل "مجدي" و :

- طب خلينا ننزلها تحت ونغطيها عشان تدفى الأول


فـ صاح "ظافر" وهو يعنفه :

- انت واقف معاها بتعمل إيه وانت شايفها بالحالة دي!!

- حضرتك أنا حاولت اجيبلها أي حاجه تدفيها عشان كانت متجمدة في مكانها مش عارفه تحرك حتى رجلها


نهض "ظافر" وهو يحاول حملها حينما تابع "مجدي" :

- تعالى ورايا


وقادهم نحو غرفة صغيرة بالأسفل تحوى فراش صغير للغاية ومقعد ومنضدة، بجانب خزانة صغيرة ذات ضلفة واحدة فقط.. فتح الباب وأشار :

- اتفضل وانا هجيب بطانية


وضعها على الفراش وظل يحك يداه الدافئتان بيداها المجمدتين علها تدفأ.. حتى أتى "مجدي" وناوله غطاء ثقيل.. وهنا تدخل "مروان"، حيث جذبه بعنف لخارج الغرفة و :

- اطلع انت برا بقى وهو هيتصرف


ثم أوصد الباب عليهم، بينما أردف "مجدي" بـ امتعاض :

- أنا متجاهل أسلوبك اللي زي الزفت عشان ميحصلش شوشرة، لكن أكتر من كده مش هسمحلك.. أنا المسؤول هنا عن كل الفوج واللي من ضمنهم تمارا، يعني من صلاحياتي أهتمامي بيها گطالبة طالعة الرحلة.. شيل من دماغك أي أفكار تانية أنا مش مسؤول عنها


وتركه واقفًا هكذا.. كل ما يشغل باله هي.. حتى لم يكن دقيق التركيز أثناء تحدث "مجدي" معه بهذا الشكل، يكفي أن تكون هي بخير ولا يريد شيئًا آخر.

ظل واقفًا أمام الباب لبعض الوقت يرفض التدخل بين الشقيقين كي لا ينفضح أكثر.. حتى خرج "ظافر" وأغلق عليها الباب، فسأله بتلهف :

- عامله إيه ياظافر؟


فـ تنهد بضيق و :

- سيبتها ترتاح شوية، تقريبًا الجو أثر عليها جامد.. خلينا إحنا نطلع وانا شوية وهنزل اشوفها تاني

- تمام.. أنا هروح أشرب واحصلك


صعد "ظافر" وتركه.. بينما كان هو يقاتل الشوق بداخله ليراها ويطمئن عليها، نظرة واحدة لها يرضي بها هذا الشغف والقلق والخوف الذي يعتريه.. فتح الباب بهدوء.. فأحس بها ترتجف من أسفل الغطاء، كانت تهذي بكلمات مبهمة، فـ دخل بسرعة وانحنى عليها يسألها بخفوت :

- انتي كويسة ياتمارا؟


كانت تشبك أصابعها سويًا غير شاعرة بالعالم من حولها، شفتاها ترتجفان وصوت اصطكاك أسنانها قد أشعره بالحزن.. فـ جلس على ركبتيه ليكون أقرب منها، وأمسك بيديها ينفخ فيهما من أنفاسه الساخنة وهمس :

- ياريتني كنت مكانك.. متخافيش هتبقي كويسة وتقومي تشاكسيني تاني


تشبثت بيده بدون شعور وهي تغمغم :

- ظاظا، خليك جمبي.. بردانة


فـ أحكم قبضته على يديها واقترب أكثر وهو يبعث بسخونة أنفاسه لها :

- جمبك ياتوته، جمبك طول العمر


وألصق جبهته بجبهتها متمنيًا أن تنهض من رقدتها تلك بأقصى سرعة، فهو لا يتحمل أن تتأوه متألمة حتى، وإن كانت وخزة إبرة لتكون له بدلًا عنها، هو راضٍ بذلك ومُرحب به ما دامت ستكون صغيرته المشاغبة التي يعشقها بخير.

.........................................................

................................................................


~إِبنّ رُسـتُم~

"الفـصل السادس عشر"


لم يتحمل "ظافر" كثيرًا.. دقائق معدودة وكان في طريقه للعودة إليها كي يطمئن قلبه.

هبط للأسفل وفتح الباب بهدوء حذِر.. حدقت عيناه وهو يدخل ويغلق الباب بضيق، ثم أردف ببعض الحِدة :

- انتي بتعملي إيه هنا؟


كانت "أثير" تنزع القطن البارد المبتل عن جبهتها الملتهبة حينها.. تنهدت وهي تنظر إليه و :

- أكيد مش بلعب، حرارتها عالية جدًا لازم يتعمل ليها كمادات


لم يجد ما يقوله، فهو فاشل في هذه الأعمال ولن يستطيع التصرف.. أولاها ظهره ثم التفت حول الفراش، أنحنى قليلًا عليها وتحسس وجنتها، فـ إذ بـ بشرتها بالفعل ساخنة.. ذمّ شفتيه وهو يجلس جوارها يراقب ما تقوم به.

وضعت "أثير" الكمادة القطنية على جبهتها، ثم ابتعدت.. فتحت حقيبتها وبدأت بـ إخراج حقيبة الإسعافات الصغيرة خاصتها، بحثت فيها ثم أخرجت إبرة طبية وبدأت تملأها بسائل خافض للحرارة ومُضاد للبرد.. ارتفع حاجبي "ظافر" بـ ذهول ولم يستطيع منع فضوله من التساؤل :

- انتي بتعملي إيه ؟! وجايبة منين الحقنة دي؟؟

- لما ببقى مسافرة لازم يكون معايا إسعافات أولية عشان الطوارئ


ثم ناولته الأمبول الفارغ وعلبته :

- ودي حقنة للسخونية والبرد


تناولها منها وقرأ أسمها بتمعن، ثم عاد ينظر إليها ليجد نظراتها عالقة به.. أخفضت بصرها بـ حرج و :

- ممكن تخرج برا عشان دي حُقنة عضل؟


تدفأت بشرته بـ خجل وتوردت وهو ينهض من جوارها :

- ماشي


وخرج مستوفضًا، فـ كتمت "أثير" ضحكتها وهي تهمس :

- طلع بيتكسف!


شعرت ببعض من السعادة وهي تنحني بجسدها على "تمارا" وتذكرت ما حدث منذ قليل....

(عودة بالوقت للسابق)


كانت "أثير" تقف على بُعد مسافة مقبولة تمكنها من مراقبة ما يحدث، ولكنها عجزت عن التدخل كي لا تسمع ما لا يروق لها.

بعض من الوقت ورأته يصعد من جديد وعلى وجهه تجلّى الحزن.. وحينما ابتعد نهائيًا هبطت هي لـ تطمئن عليها، فتحت الباب بهدوء شديد.. فـ رأت "مروان" على وضعيته تلك، ويتحدث إليها بـ همس خافت، لم يشعر قط بوجودها.. ولم يحس بـ إنها تستمع لـ اعترافاته السريّة.

فـ لفتت هي انتباهه وهي تحمحم :

- أحم.. آ.....


نهض عن جلسة القرفصاء على الفور، بينما بادرت هي لتزيل عنه الحرج:

- أنا جاية اطمن عليها، عامله إيه دلوقتي؟


فـ نظر "مروان" نحوها بـ حزن و :

- سخنة وبتترعش، مش عارف أعملها إيه؟


فـ اقتربت منها وهي تتأمل وجهها الشاحب و :

- ممكن تجيبلي ميا وتلج، وياريت لو في قطن


فـ أوفض "مروان" لتنفيذ ما طلبت، بينما دنت هي من "تمارا" وانحنت لتمسح على شعرها :

- سلامتك ياتوته


ثم دثرتها جيدًا.. 

عاد "مروان" وهو يحمل صحن صغير من المياه بالثلج، بجانب كمية وفيرة من القطن.. تناولتهم منه بينما كان يعرض عليها المساعدة :

- أساعدك ازاي؟

- لأ مش مستاهلة الموضوع بسيط، أطلع انت عشان ظافر أكيد هينزل يطمن عليها، كفاية عليه يشوفني أنا معاها


أومأ برأسه بتفهم، وغادر بهدوء وقلبه يتآكل من القلق عليها، لاحظت هي حالته المتوترة هذه والعشق الذي يكنّه لها بالرغم من مهارته في الإخفاء، ولكنها كشفته الآن.. 

اقتربت هي منها وبدأت تُعدّ كمادات المياه الباردة لعل حرارتها تنخفض قليلًا.


(عودة للوقت الحالي)

وقف "ظافر" بالخارج ينتظر أن تنتهي، وعندما شعر بتأخرها طرق على الباب و :

- لسه كتير ولا إيه!؟


فتحت الباب فجأة وواجهت عيناه بـ ابتسامة عذبة وهي تجيب :

- أنا خلصت من بدري أساسًا


ثم أفسحت الطريق أمامه وهي تعود للدخول :

- أنا هفضل معاها لحد ما تتحسن، ممكن انت تروح ترتاح


تردد ما بين المكوث معها أو تركهن سويًا، فـ قطعت تفكيره بقولها :

- وجودك مش هيفيدها بـ حاجه 


وكأن القرار وُلد في هذه اللحظة بعقله :

- مش مهم، هفضل جمبها لحد ما تصحى 


وسحب المقعد ليجلس عليه وهو يتابع :

- تقدري انتي تمشي 


فـ جلست هي الأخرى على الفراش بجوارها وراحت تتفقد حرارتها.. ومن ثم عادت تكرر عمل الكمادات بدون أن تتحدث بكلمة واحدة.. وسط نظرات المتابعة الصامتة خاصته. 

....................................................................

كانت تتطلع إليه بنظرات لا تُحيد عنه، منذ أن غفى على المقعد وهي تتأمل وجهه وملامحه عن كثب، وكأنها تراه للمرة الأولى، وسامته أثناء النوم لا تُضاهي صحوهِ أبدًا.. يكفي إنه لا يعبس في وجهها ولا يغضب، لا ينفعل ولا يصرخ عليها.. 

يبدو إنها صُدفة رائعة سمحت له بالجلوس معه بدون شعوره.

نظرت لـ "تمارا" التي تحسنت أخيرًا والآن تغوص في نوم عميق.. ثم وقفت عن جلستها ونظرت عبر نافذة صغيرة لتجد إنها قريبة جدًا من سطح البحر، ولكنها لا تستمع لصوته.. استمعت لطرقات على الباب كادت توقظه.. فـ قفزت من وقفتها لتفتحه سريعًا قبل أن يستيقظ لتجد "مروان" أمامها :

- ظافر هنا؟


فـ همست وهي تخرج إليه وتغلق الباب من خلفها :

- آه، راحت عليه نومه


فـ همّ "مروان" ليدخل ولكنها استوقفته :

- استنى، بلاش تصحيه سيبه نايم


تنغض جبينه وهو يتسائل :

- ليه؟؟ أنا كنت هطلعه ينام فوق عشان يكون مرتاح أكتر


لم تجد حجّه مقنعة تجيب بها، فـ تركته يدخل و :

- اللي تشوفه


دخل ببطء واختلس النظر إليها، رؤيتها وهي نائمة بهدوء هكذا أراحه قليلًا وخفّض من معنوياته المحبطة.. ثم تقدم من "ظافر" وأوقظه بخفة :

- قوم ياظافر، تعالى معايا فوق


انتبه "ظافر" ونظر نحوها فور استيقاظه :

- لما تصحى هـ.......

- وانت هتعمل إيه لما تستناها!! أثير معاها وهتبلغنا لما تقوم


وجذبه بدون أن يترك له مساحة للرد و :

- يلا عشان تنام ساعتين حلوين كده


وخرج برفقته، بينما عادت "أثير" تدخل إليها.. جلست بمكانه لتشعر بدفء المقعد ومدى راحته، غاصت فيه بأريحية رغم إنه خشبي.. ولكن راحتها انبعثت من شعورها بإنه كان يجلس هنا.. وهذا كفاها لتنام بضع ساعات قبل شروق الشمس.

....................................................................

صباح باكر جديد..

منذ الأمس وهي تنتظر أن يعود "علي".. ولكن لم يحضر، وهاتفه مغلق طوال الوقت.

تآكل داخلها وهي تفكر بضيق شديد، هل يعقل أن يكون برفقتها؟؟ ساورتها الشكوك وتصارعت الأفكار بعقلها، وكلها ضده.

رغمًا عنها تغلب النوم على عيناها، ولكن عقلها يقظ.. حتى إنها عاشت الكثير من الكوابيس الموجعة التي أرقت حتى غفوتها.

ليلها كان طويل وكأنه لن ينتهي، وحتى الصباح لم يكن شفاء لما عاشته طوال الليل.

...................................................................

فتحت عيناها وبعض التشويش يشوبها، لحظات من التركيز وأدركت إنها بأحد غرف اليخت السُفلية.. تنهدت "تمارا" وهي تلتفت برأسها.. فـ رأته يقف أمام النافذة موليها ظهره، تنغض جبينها وهي تحاول استذكار ما حدث بالأمس، ولكنها عجزت عن ذلك.. كان صحن المياه والقطن على الطاولة، فـ استطاعت استنباط ما قد يكون حدث بالأمس.. تحرك "مروان" والتفت إليها، فوجدها ما زالت غافية.. دنى منها وانحنى قليلًا، مسح على بشرتها فـ اقشعرت على الفور بينما كان يقول بخفوت :

- أصحي بقى ياتيمو، بقالك كتير غايبة عني


لم تصدر أي رد فعل.. فـ زفر وهو يعتدل، ثم اتجه صوب الباب وخرج مغلقًا الباب من خلفه.. فتحت "تمارا" عيناها ما أن خرج، واعتدلت في جلستها وعقلها يعمل بلا توقف.. لم يكن "مروان" لطيفًا معها هكذا من قبل، وهذا ما أثار تعجبها.. قد يكون سبب ذلك حالتها المرضية وإنه أشفق عليها أو ما شابه.

أحست بعطش شديد فـ سحبت زجاجة المياه من جوارها وبدأت ترتشف كمية كبيرة.. انفتح الباب فجأة، فـ سعلت وتناثرت بعض قطرات المياه على صدرها وهي تنظر إليه، بينما تفتحت الزهور في وجه "مروان" وهو يراها في حالتها الجيدة تلك.. وقبل أن يقول شيئًا كانت تبادر هي :

- مفيش باب تخبط عليه قبل ما تدخل كده؟


ارتفع حاجبيه وهو يراها قد عاد لسانها الحاد بطبيعته، أغلق الباب وطرق عليه طرقتين ثم فتح، فـ أردفت بعدم رضا :

- أنا لسه مقولتش أدخل!


فـ ضحك وهو يعبث معها :

- كده انا اطمنت عليكي، لسانك اللي عايز يتقص رجع تاني الحمد لله


ثم نظر لساعة يده وهو يتابع :

- الساعة بقت ١٠ ونص ، يلا قومي


ثم خرج بدون أن يتلقى منها كلمة أخرى..

شعور التعافي الحديث من المرض وكأنك تحس بالوخمة.. شعور بعدم القدرة على فعل أي شئ.. كانت تشعر بشئ گهذا، خاصة مع نسمات الهواء التي كانت تصطدم بها وهي تقف أمام البحر.

ربت "ظافر" على كتفها وهو يجاورها في وقفتها و :

- مش كفاية كده وتدخلي ياتوته؟

- خلاص ياظافر قربنا نوصل الشط وانا زهقت من القاعدة جوا.. وبعدين أنا كويسة متقلقش عليا


وضمت الوشاح إلى صدرها لتضمن الدفء لنفسها، ثم قالت بعبث :

- أثير دي طلعت بنت جدعة جدًا، تصدق فضلت جمبي طول الليل!


لم يعقب "ظافر"، وكأن ما سمعه قد عبر من آذانه ومرّ.. فـ تابعت هي :

- عكس هايدي خالص، مش هنسى لما عملت حادثة ودراعي اتكسر وهي حتى مجتش تزورني في المستشفى


فـ بدأ "ظافر" ينفعل و :

- عايزة توصلي لأيه ياتمارا؟


فـ انفعلت هي الأخرى نتيجة عصبيته المفرطة التي أصبحت تُثار بأقل القليل :

- انت بتزعق ليه ياظافر أنا حاسه إني مبقتش عارفه اتعامل معاك!


ولم توليه فرصة للتراجع عن عصبيته، حيث تابعت :

- بدأت تبقى شبه بابا!! على طول متعصب وكل اللي بيعمله إنه بيزعقلي وبس


ثم تركته واقفًا ودلفت إلى الداخل.. لم يلحق بها حتى، حيث وجد "مروان" يقترب منه ونظراته المعاتبة بين عينيه :

- حتى تمارا اللي كنت بتقول عليها بنتك اتغيرت معاها !

- مش ناقصك خالص على فكرة


ومضى يبحث عنها كي يصالحها.. بعدما شعر أن "أثير" أحرزت هدفًا قويًا بـ الحوز على إعجاب "تمارا"، زاد غضبه عليها الآن، فـ "تمارا" هي الإنسان الأغلى على قلبه.. هو من عهد للإهتمام بها وتربيتها عندما ولدت كونها العضو الأصغر في العائلة والتي خطفت اهتمام ودلال من الجميع خاصة شقيقها.

لم يجدها، ولكنه تصادف مع" أثير" عند أحد حواف اليخت، فـ رمقها بغيظ شديد بينما كانت تسأل هي بصفو نية :

- فين تمارا؟ عايزة أديها برشام البرد اللي طلبته مني


فصاح فيها فجأة وبدون مقدمات، كأنها الغصن الليّن المائل الذي لا يجد سواها ليضع عليه كل غضبه ومقته.. حتى هي تفاجئت وتجمدت ولم تصدر صوتًا :

- أنا مبقتش فاهم بترسمي على إيه!! مالك انتي ومال تمارا!! ابعدي عنها ومالكيش دعوة بيها نهائيًا.. مش هتعرفي توصليلي من خلالها.. أنسي


لاحظت وجود الجميع من حولها وقد تجمعوا على أثر صوت "ظافر".. أصبحت فضيحة عامة لمن يعرفونها ومن لا يعرفونها، نظرات الجميع تأكل منها وتُسعرت نيران الغضب حتى وصلت لعيناها التي دقت بالشرر، ولكنها لم تتركه هذه المرة إلا وهي ترد له الصاع صاعين وبقوة وبأس لم يتخيلهم من كائن مسالم مثلها..

قذفت بـ شريط الكبسولات في وجهه وصرخت فيه :

- انت فاكر نفسك مين!؟ مين انت عشان أبذل مجهود للوصول ليك؟.. أنت ولا حاجه


فلم يتحمل سماع ذلك بدون الرد عليها :

- الحقيقة زعلتك ولا إيه!


تدخل "مروان" ووقف حائلًا بينهم وهو ينظر العامة :

- إيه اللي بتعمله ده ياظافر عيب كده ياأخي؟؟ 


فتابعت وهي تدفعه بعنف من طريقها بدون الأهتمام بوجود "مروان" في المنتصف :

- أنت أكتر إنسان مغرور شوفته في حياتي، عمري ما كنت اتخيل إنك بالشكل ده!..

مش عايزة أشوف وشك تاني أبدًا، ماشي


وتركته واقفًا بين نظرات الجميع ، سحبت نفسها وهي تشعر بـ اقتراب لحظة إنهيارها.. ولكنها متماسكة قدر الإمكان وبصعوبة شديدة.. بينما هو ، يعيش الآن حالة من تأنيب الضمير، حاول "مروان" فضّ الجميع من حولهم بشكل لائق.. ثم نظر لـ "ظافر" بـ استهجان ولم يقوَ على كبح رغبته في القول :

- انت زودتها أوي، من هنا لحد ما نوصل ياريت تفضل لوحدك، عشان احتكاكك بالناس بقى يجيب مشاكل


ابتلع "ظافر" شهيقًا عميقًا لـ صدره وكتمه، أحس بـ إنه لا يفرق الآن عن أولئك الهمج الذي كان يستهجن أساليبهم في معاملة النساء.. لقد تشبه بهم رسمـيًا، لماذا كل هذا العداء الذي يحمله لها خصيصًا؟؟

حتى الأحداث السابقة ليست بسبب كافي لكي يكون متوحشًا هكذا.

نظر للشاطئ الذي يقتربون منه، وهمس بندم شديد :

- شكلي عكيت الدنيا المرة دي بجد!

..................................................................

كانت "هايدي" قد وصلت توًا لـ مدينة الغردقة ومنها إلى الفندق الذي علمت بأن "تمارا" تقيم فيه..

منذ أن رأت الصورة الحميمة التي تربط بين "تمارا وأثير" وقد جن جنونها.. بالذات عندما علمت بإن "ظافر" أيضًا يتواجد بنفس المكان.. ارتفعت الغيرة بداخلها وسيطرت على انفعالاتها وأعصابها، لم تعد قادرة حتى على كبح جماح غضبها.

دخلت للفندق وتسائلت عنهم، ولكنهم حتى الآن لم يصلوا.. كادت تغادر ، ولكنها رأت الفوج الطلابي يدخل بالترتيب.. خرجت من الفندق وظلت واقفة تنظر بين الجميع بحثًا عنها، فهي تنتوي أن تجعلها عبرة لمن يفكر في الإقتراب من ذاك الذي تدعي بإنه مازال زوجها.. حتى رأتها عن بعد.. فـ أقبلت نحوها بعجل. 

في هذا الحين..

كان "ظافر" قد ترك اليخت مسرعًا، يبحث عنها عقب أن فشل في إيجادها بالداخل ليعتذر عما بدر منه في حقها.. ولكنها غير موجودة. 

تنهد بـ اختناق وهو يسأل "فدوى" :

- تمارا فين يافدوى؟

- سبقتني على الفندق عشان عايزة ترتاح


ومن مسافة بعيدة، استطاع "ظافر" أن يراها.. هي، هي التي نقشت حروف العذاب على فؤداه، تقف عن بعد وتتحدث لإحداهن بشكل مريب..

أوفض نحوهن داعيًا الله أن يخيب ظنه، ولكن للأسف صدق ظنه.. كانت تقف مع "أثير" وتتحدث إليها، وهنا عرف الركض طريقه لـهن.


- أصلًا انتي متتجرأيش على حاجه زي دي، انتي مين عشان جوزي يبصلك؟


فأجابت "أثير" بفتور :

- قصدك اللي كان جوزك


فـ مطت "هايدي" شفتيها للأمام وهي تقول :

- بتعرفي تردي أهو!.. أمال ليه عايشه دور البريئة؟

- ريحي نفسك، أنا مش بجري ولا حد ولا آ.....

- هــايدي!


التفتت كلاهن على صوته، وقبل أن تحاول هي تبرير حضورها إلى هنا كان هو يبادر بـ :

- بتعملي إيه هنا؟

- جاية أعرف كل واحد هو مكانته فين


قالتها وهي ترمقها بـ احتقار.. فـ تعمد "ظافر" كسر شوكة عجرفتها تلك التي تسببت في إنهاء زيجتهم :

- وانتي مكانتك إيه عشان تعملي كده؟!


وجد نفسه وتلقائيًا يسحب "أثير" لتكون محتمية بظهره، بينما كانت هي تعيش ذهولًا يشوبه الطواعية والإستستلام، ثم رمقها بنظرة معادية وهو يتابع :

- مش من حقك تكلمي أي حد تبعي بالشكل ده


فـ انفعلت وهي تركز حميم نظراتها عليها :

- من حقي أحميك من الناس اللي متعرفش هدفهم إيه؟ دي آ.....


أشار بـ سبابته محذرًا إياها أن تتمادى و :

- أحسبي حساب كل كلمة هتقوليها عشان متزعليش مني


شدد على يد "أثير" وهو يضيف بثقة زعزعت الوسط كله :

- خصوصًا لو بتتكلمي عن خـطيبتي


°°أحيانًا أهم لحظات حياتك تأتي فجأة.. تشعر وكأن أملك قد أسوّد في عيناك وغابت عنك الألوان، ولكنها لحظات ستذهب لا محاله، حتى الحزن والقهر لا يدوم، سيأتي يومًا وتفرح بحق، حتى إنك ستقول "يالله، هل أستحق كل هذا الفرح؟! "°°.

.............................................................

...............................................


تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات

close