في ليلة زفافي اختبأتُ تحت السرير لأمازح زوجي، لكن الشخص الذي دخل كان
في ليلة زفافي اختبأتُ تحت السرير لأمازح زوجي، لكن الشخص الذي دخل كان
خلعت الفستان دفنته في الخزانة وارتدت جينزا وكنزة. كانت يداها ترتجفان لكن ذهنها صار حادا كالموس. اتصلت بوالدها. أجاب من الرنة الأولى.
أميرتي لماذا تتصلين في ليلة زفافك
همست أبي أحتاج مساعدتك. غدا صباحا. عند الكاتب العدل.
عم صمت. صمت خطر.
ماذا فعل ذلك الصبي
لم يفعل شيئا بعد قالت. لكنني لن أتركه.
زفر والدها بحدة. أرسلي لي العنوان.
ثم اتصلت بسلا صديقتها المقربة المحامية المشهورة في محاكم أتلانتا بالمنجل ذات الشعر الأحمر. عندما سمعت سلا التسجيلات صار وجهها كشر قاتل.
يا فتاة هذا احتيال منظم. وتعرفين ماذا سنسحقهم. قانونيا. وبأناقة.
أخذت أبيني نفسا عميقا. لن ننتهي هنا. أريدهم أن يندموا لأنهم اختاروني.
تحولت ابتسامة سلا إلى ابتسامة ذئبية. أوه سنجعلهم يختنقون.
عاد عماري إلى البيت متظاهرا بالقلق والمتعة والحب الكاذب فابتسمت أبيني وقبلته بخفة. لم تكن يوما ممثلة أفضل من تلك اللحظة.
في صباح اليوم التالي حضرت فطائر بالميكروويف وغرست قهوة. غمغم عماري
طعمها غريب.
أجابت مرحة إنها وصفة صحية.
وخلف رف التوابل كان هاتفها يسجل كل شيء. خاصة حين سأل تمهيدا بغير مبالاة ربما عليك إضافة اسمي إلى أوراق الشقة أنت تعلمين
بما أنني رب المنزل. فسألته هي ببراءة متصنعة أحقا هل أنت كذلك نعم تقليديا. نتكلم لاحقا. ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. وهاتفها التقط نبرة الاستحقاق في كل قطرة منها.
في غضون ثمان وأربعين ساعة نقلت كل حساباتها نقلت كل الممتلكات وثقت حصتها في شركة والدها لدى الكاتب العدل سجلت كل تداخلات ودونت كل الأكاذيب. رتبت سلا الأدلة كتحفة فنية.
لديك ما يكفي لتدمريه قالت لكننا لن نضرب الآن. لا. أصبحت ابتسامة أبيني أكثر حدة. نضرب حين يؤلم.
بعد ثلاثة أيام جاءت زولا إلى العشاء. كان ذلك مثاليا. طبخت أبيني أسوأ وجبة شهدتها أتلانتا أرز لزج حساء حار طاغ سلطة مايونيز فظيعة سمتها سلطة البلد وكعكة من دهون وسكر تشبه الأسمنت. كادت زولا أن تفقد توازنها ثم ادعت الاستياء تماما كما خططت. لاحقا في السيارة شاهدت أبيني من النافذة كيف صيحت زولا على عماري في الممر كشيطان اكتشف أنه وقع في فخ. أيضا مثالي.
مساء الجمعة دعت الجميع زولا وعماري ومالك الصديق السكران وزوجة مالك الصاخبة وسلا وبعض الشهود. كان المائدة مزينة بشكل بديع. الطعام محضر. بدت أبيني مشرقة. ابتسمت زولا فخورة هذا هو المستوى الذي أتحدث عنه.
بدأ العشاء. رفعت أبيني كأسها لصدق
الحديث. ثم ضغطت على تشغيل هاتفها. انفجرت صوت زولا من مكبرات الصوت نطالب بالشقة إنها يتيمة طائر في قفص عم الصمت. ارتفعت الشوك معلقة في الهواء. ذاب وجه زولا. شاحب عماري. تمتمت زولا هذا ملفق. ابتسمت أبيني ببرودة أحقا إذا لابد أن هذا أيضا ملفق. ثم شغلت تسجيلا لعماري يتفاخر أمام مالك دفعت ثمن الشقة فعندما نتطلق سأحتفظ بها. اختنق مالك بخمره وقفت زوجته وصفعته.
اندلع الفوضى. فتح الباب دخلت سلا حاملة ملفا وابتسامة تقطع الفولاذ. مساء الخير أعلنت أنا المحامية سلا بروكس. زولا راموس تبلغين بموجبه كفى! صرخت زولا. لا قطعت أبيني بصوت حاد كالزجاج ليس كافيا. فرضت الوثائق على الطاولة تحويلات بنكية تثبت أن المال خاص بها إقرارات ضريبية تكشف أن والدها ليس مهندسا مفلسا بل رئيس قسم تصميم دفاعي سجلات ملكية معتمدة ونقل ملكية موثق.
همست لهابنى بصوت منخفض عماري خطتك تنهار بالكامل إن حاولت الاعتراض على أي من هذا. ابتلع ريقه. تلعثم طالبا التهدئة هيا لنتحدث قالت أبيني ببرود جهز أمتعتك. ستغادر الليلة. صمت ثم أنت اخترت مسارك.
جاء الطلاق هادئا ونظيفا. لم يأخذ عماري شيئا. اختفت زولا من أتلانتا. أعادت أبيني بناء حياتها ببطء وثبات
بلا مرارة. ثم ذات يوم في مقهى هادئ جلس مهندس طويل ذو عيون دافئة اسمه جلاني على طاولتها لأن كل المقاعد الأخرى كانت محجوزة. ابتسم لها ابتسمت له. أحيانا يولد القدر حيث تنتهي الخيانات.
بعد عامين كانت أبيني مخطوبة لجلاني مزدهرة في عملها الهندسي وتعيش بسلام حتى التقت بزولا في متجر بقالة حيث كانت تعبئ البضائع. لم تكن في بوتيك فخم أو فندق بل في السوبرماركت. بدت زولا هزيلة مرهقة منهكة من قسوة الحياة. حدقت بخاتم خطبتهما وهمست هل أنت سعيدة نعم أجابت أبيني بصدق. همست زولا متكسرة جعلت كل شيء ينهار. ابني لا يتكلم معي. أعيش مع أختي. أنا رفعت أبيني يدها لقطع إفصاحها لن أنسى ما فعلته. لكنني لن أكرهك أيضا. لقد عاقبك الزمن. بكت زولا بكاء هادئا قبيحا يهز كتفيها. ابتعدت أبيني. بعض الانتصارات لا تحتاج تصفيقا.
بعد ثلاث سنوات بينما كانت أبيني متزوجة لجلاني ولديها طفلان انفجرت أخبار قانونية على شاشة التلفاز المحامية زولا راموس تفوز بقضية احتيال كبرى وتحمي امرأة مسنة من عملية عقارية. حدقت أبيني في الشاشة مذهولة. زولا أعادت اختراع نفسها وفاءت تدافع عن النساء اللواتي كانت تبد بهن سابقا. همست ما أنكر. لكن بطريقة غريبة شعرت بفخر. ليس تسامحا ولا
نسيانا بل اعترافا. الخلاص يأخذ أشكالا عجيبة.
بعد سنوات تلقت أبيني اتصالا من مستشفى السيدة كايودي زولا راموس تطلب رؤيتك. حضرت فوجدت زولا هزيلة شاحبة رمادية. السرطان. نهائية. همست زولا كنت أريد أن أشكرك. حتى وأنا لا أستحق. على ماذا سألت أبيني. على أنك أظهرت لي كيف تكون المرأة الحقيقية. جلست أبيني صامتة. مدت زولا إليها رسالة لك عندما أموت. بقيت أبيني حتى حضر عماري ثم تركتهما بمفردهما. توفيت زولا بعد أسبوع.
في البيت فتحت أبيني الرسالة أخيرا
عزيزتي أبيني
كنت الشخص الذي خفت منه وأحترمه. حاولت كسرك لكنك أصبحت المرأة التي تمنيت أن أكونها. علمتني القوة بلا قسوة والذكاء بلا مراوغة والمغفرة بلا ضعف. إن سألك أطفالك عن زواجي الأول قولي لهم الحقيقة حتى من أحلك الليالي يمكنك أن تخطا نحو النور. زولا.
طوت أبيني الرسالة وعيونها رطبة ليست من ألم بل من إغلاق.
بعد مرور أعوام طويلة وفي إحدى الرحلات العائلية التي خططوا لها منذ أشهر وقفت أبيني تتأمل الأفق الأزرق الممتد
أمامها. كانت الشمس تغوص ببطء في قلب البحر ترسم خيطا ذهبيا على سطح الماء كأنه طريق نحو زمن آخر زمن كانت فيه فتاة خائفة تختبئ تحت سرير مظلم بينما العالم فوقها ينقلب رأسا على عقب.
ركضت ابنتها الصغرى نحوها تحمل صدفة صغيرة وجدتها بين الرمال ثم سألتها ببراءة
ماما هل صحيح أنك اختبأت تحت سرير في يوم من الأيام
ضحكت أبيني بخفة تلك الضحكة التي دائما تحمل ظل قصة. انحنت نحو صغيرتها وربتت على شعرها ثم قالت
نعم يا صغيرتي اختبأت. وفي ذلك الاختباء أنقذت حياتي.
رفعت الطفلة حاجبيها بدهشة وهي لا تتخيل أن أمها القوية الشجاعة كانت قد خافت يوما
لكن لماذا يختبئ أحد تحت سرير هذا مكان نختبئ فيه ونحن أطفال!
تنهدت أبيني ليس حزنا بل امتنانا. نظرت إلى البحر الذي بدأ يغير لونه مع اختفاء الشمس تماما كما تغيرت حياتها بعد تلك الليلة.
ابتسمت وقالت
لأن القدر يا صغيرتي لا يأتي دائما من الباب. أحيانا يدخل من ثقب صغير وأحيانا يختبئ حيث لا تتوقعينه. حتى تحت سرير.
اقترب زوجها منها ذاك الرجل
الذي جاء إلى حياتها مثل شروق جديد بعد ليل طويل. وضع يده حول خصرها وجذبها إليه برفق كأنه يذكرها بأنه هنا حاضر ثابت ومختلف عن كل ما مضى.
قبل جبينها وقال ضاحكا
ولأن ملاك الحارس أحيانا يرتدي فستان زفاف ممزقا ويختبئ تحت سرير من الماهوغاني منتظرا اللحظة التي يغير فيها مصيره.
ضحكت أبيني رغما عنها وتجدد الدفء في صدرها. كان صوته يعيد إليها إحساس الأمان الذي لم تعرفه إلا بعد سنوات من الألم والأسئلة والشفاء.
استندت برأسها على كتفه وعيناها تتابعان بناتها وهن يركضن على الرمل يتبادلن الصرخات والضحكات بينما الأمواج تداعب أقدامهن الصغيرة.
تذكرت تلك الليلة بكل تفاصيلها
ركبتاها ترتجفان قلبها يتسارع صوت أنفاس شخص آخر في الغرفة ثم الضوء الخافت المتسلل عبر شق الباب والقرار الذي غير حياتها. قرار أن تبقى صامتة وتنتظر اللحظة المناسبة لتفهم الحقيقة بدل الهرب من نصفها المظلم.
تذكرت الخيانة الصدمة الانكسار ثم القوة التي نبتت من قلب الخوف.
تذكرت كيف أعادت بناء نفسها خطوة خطوة
وكيف ظنت أنها لن تنجو.
لكنها نجت.
بل تجاوزت.
وبدأت من جديد.
رفعت رأسها نحو زوجها وأمسكت يده بقوة أكبر مما اعتاد. لم يكن ذلك مجرد امتنان بل إعلان بصوت صامت أنها لم تعد تلك الفتاة المختبئة بل امرأة انتصرت على كل شيء.
نظرت مرة أخرى نحو عائلتها نحو الفرح الذي تخيلت كثيرا أنها لن تعرفه.
ومع كل نفس كانت تشعر بأن الماضي قد ابتعد بلا عودة تاركا خلفه درسا لا يزال يرافقها
لا تخش الحقيقة
لا تتجاهل الإشارات
ولا تسمح للخيانة أن تحدد مستقبلك.
عندما هبت نسمة بحر باردة حركت أطراف شعرها ابتسمت أبيني ومرت في ذهنها صورة ذلك السرير القديم الذي كان شاهدا على انهيار عالم وبداية عالم آخر.
همست لنفسها
لقد انتصرت بالكامل.
وبجمال.
وبقلب لا ينكسر بسهولة بعد اليوم.
ثم أدارت ظهرها للماضي وسارت نحو بناتها تاركة وراءها كل ما جرى في تلك الليلة التي بدأت في صمت خانق وغبار تحت سرير
ليلة زفافها.
وبين ضحكات الأطفال وصوت الموج أدركت الحقيقة التي كانت تبحث عنها لسنوات
إن أقسى اللحظات قد تكون هي نفسها التي تصنع أجمل النهايات.


تعليقات
إرسال تعليق